‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 13 يونيو 2016

عن الوجود والوعي والإله


1.
الإنسان محور وجوده، ضميره المركز، وعقله القمة، وفي سعيه لصيانتهم يبني مجده. ويكمن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإنسان عند تعامله مع هذا الواقع في تجنب الخلط بين فطرية تمحوره حول نفسه ووهم تمحور الوجود حوله. فالأول انعكاس طبيعي لوعي المرء بذاته، والآخر سقطة تحول دون إدارك المرء لحقيقة موقعه من الإعراب.

2.
لا شيء يحدث قبل أوانه أو بعده، قوانين القدر صماء كلها، وإن رفضت أحاسيسنا تقبل ذلك.

3.
نحن من نعطي اللحظات والأحداث والأشياء معناها، لا يبالي القدر بذلك، بل لا قدرة له على المبالاة، فلا عقل لديه، ولا وعي، إلا من خلال ما أسبغنا عليه نحن من عقولنا ووعينا، وما حياتنا في الواقع إلا محاولة مستمرة لتعقيل القدر وتوعيته، بل لإحيائه ونفخ الروح فيه، لتعريفه وإعادة تعريفه باستمرار، لتوجيهه واحتوائه، وربما، ومهما بدا الأمر مستحيلاً، أو كان، لاقتنائه...  لا معنى للقدر بلانا، أو على الأقل، بلا كائنات تعيه، وتسبغ عليه من عقولها ووعيها.

4.
عندما نتأمل في كلية الوجود، أي في الكون بكل أبعاده، التي لا تقتصر على الأربعة الشهيرة إياها: الطول، العرض، الإرتفاع، الزمن، بل تتعداها لتشمل أبعاداً أخرى لا قدرة لنا على استيعابها حالياً لخروجها كلية عن عالم خبراتنا اليومية، والتي نستدل على وجودها مع ذلك من خلال سبرنا لكيفية نشأة وتطور الكون، ومن خلال الافتراضيات التي وضعها العلماء في هذا المجال بناءاً على مشاهداتهم واكتشافاتهم وأبحاثهم... عندما نتأمل في كلية هذا الوجود يفقد الزمكان بأبعاده الأربعة إياها معناه، كوننا نتعامل هنا مع إمكانية الوجود خارج نطاقه وخارج الأطر والدلالات التي ترسمها مفاهيم مثل هنا وهناك، وبداية ونهاية، وقبل وبعد، وسبب ونتيجة، وخالق وخليقة. ولهذا بالذات يستحيل علينا التوصل إلى نتائح قابلة للنطق وللشرح والاستيعاب باستخدام وسائلنا اللغوية والفكرية إياها. ولهذا أيضاً، لا معنى على الإطلاق لكل ما يوجد في الكتب "المقدسة" من ادعاءات حول الخلق والخالق والخليقة، أو حول أي من العلوم الموضوعية، ولا معنى لتعاملنا مع مسألة الخلق والخالق من منطلق التقاليد والموروث واليقينيات، خاصة عندما يأتي التعامل مع هذا الهاجس على حساب قضيتنا المصيرية الأولى كبشر: العيش بكرامة.

5.
عندما يتحدث عالم مثل ميتشيو كاكو عن أنه وجد إثباتاً على وجود الله، أو، كما قال، على وجود "ذكاء" ما مسؤول عن خلق الكون ووضع قوانينه، فهو لا يتحدث عن الله كما هو في القرآن والتوارة والإنجيل، أو كما يفهمه الهندوسيون أو البوذيون، وهو بالتالي لا يثبت صحة أي دين أو عقيدة دينية، ولا يثبت ما جاء به الرسل والأنبياء المزعومون، ولا يبرهن على قدسية أي تراث. كل ما في الأمر أنه يقدم تفسيره الخاص لظاهرة كونية ما تزال قيد الدراسة والبحث. لكن، ولأنه استخدم مصطلح الله السحري، سيهرع أهل الدين لالتقاف كلماته واستخدامها لتثبيت معتقداتهم الخاصة بكل ما فيها من تناقضات داخلية وبينية، وقصور، وتنافي مع معطيات العلوم الموضوعية.


وبالعودة إلى مفهوم "الذكاء الخلاق" الذي طرحه كاكو، فكلامه هنا لا يحتوي على أي إدعاء فيما يتعلق بكمال ذلك "الذكاء" المفترض وعصمته وقيمه ونواياه. كما أنه لا يدعونا إلى عبادته وتقديم فروض الطاعة له من خلال طقوس معينة، ما خلا الالتزام بالتجارب والأبحاث العلمية ومعطياتها. وأخيراً، لا يستدعي وجود هذا الذكاء وجود غرض واضح من وراء الخلق.

والكون الذي يتعامل معه كاكو هنا هو كون مؤلف من إحدى عشر بعداً (لا وجود فيه لشمس أو قمر يسجدان له، كما في حلم يوسف)، وهو الكون الذي تفترضه نظرية النوابض الخارقة والفيزياء الكمية (الكوانتية). لا معنى في هذا الكون لمفاهيمنا التقليدية المتعلقة بالزمان والمكان، وبالتالي الخالق والمخلوق. إن العلاقة مابين الوجود والوعي في هذا الكون علاقة تفاعلية الطابع يؤثر فيها المُراقِب على سلوك الظاهرة التي يقوم بمراقبتها، فيصبح المراقب هنا جزءاً من الظاهرة، جزءاً من عملية الخلق: سبباً ونتيجة في آن.

6.
أية علاقة تلك التي تربط الوجود والوعي؟ أيهما جاء قبل الآخر؟ هل يستحضر أحدهما الآخر بالضرورة؟ هل هما متزامنان عبر الأبد؟ وهل يعتبر الزمن جزءاً من الوجود أم الوعي، أم كلاهما؟ وأي شيء يترتب على ذلك؟ تبقى هذه الأسئلة مطروحة على بساط البحث.

7.
يختلف إحساسنا بالزمن بين اليقظة والمنام، بل بين مرحلة وأخرى في اليقظة والمنام، وبين فرد وآخر، وبين ثقافة وأخرى، فما هو الزمن إذاً؟ أقانون موضوعي، أم نتاج للوعي الذاتي، فردياً كان أم جمعياً، أم الإثنان معاً؟ بصرف النظر عن الإجابات، يدل وجود أبعاد موضوعية وذاتية لمفهوم أساسي مثل الزمن، ووجود علاقة تفاعلية بينها، على تعقيد المسائل المتعلقة بوجودنا في هذا الكون، وعلى ضرورة التعامل معها كأسئلة بحثية مفتوحة، وعدم تقييد أجوبتنا المطروحة عليها، وبالتالي تقييد عقولنا، بنصوص مقدسة، وأجوبة جاهزة. 

8.
لا معنى لما لا يُدرك، وإن وُجد، وكان هو الحق والحقيقة. بل سنبقى متمحورين حول مداركنا، وإن جانبها الصواب، فلا مفر من ذلك. وما إيمان الكثير منا بالغيبيات إلا محاولة بائسة للالتفاف على هذا الواقع. لكن هيهات. ستبقى كل أسئلتنا مفتوحة، وإن أغلقنا عقولنا. إن قدرتنا على توسيع مداركنا من خلال اكتساب معارف جديدة لا تلغي محدوديتها اللحظية، لكنها تعطي البعض منا، ذلك البعض الذي لم تعد الأوهام تغريه أو تكفيه،  دافعاً للاستمرار، للبحث.

9.
لا معرفة بلا إدراك، ولا إدراك بلا وعي، ولا وعي بلا حواس.

10.
لا وعي بلا حواس، لا روح بلا جسد. الإنسان في كله لا في تباعيضه.


السبت، 11 يونيو 2016

مؤمنون هم


مؤمنون هم، أعماهم تكثف اليقين في الأحداق والقلوب، وأذابت عصارته العقول.  

مؤمنون هم، تتجلى مواهبهم الأساسية في إتقانهم لفنون التقليد وتعمقهم في عوالمه، وتهدف أبحاثهم العلمية دائماً لإثبات أنهم على حق، دائماً.

مؤمنون هم. أُهديت لهم "الحقيقة" بتفاصيلها جاهزة، كاملة ومنسقة. جاءتهم وحياً، وإرثاً وعنعنة، فكيف يتحرّرون؟ وكيف يبدعون؟ وكيف يحكّمون العقل في أية مسألة وهم من ضحّى بجلّه حرصاً على "قدسية" إيمانهم و "أصالته،" وكرّسوا ما بقي منه للتشكّي من هوانهم على الكون؟

مؤمنون هم، لذا، ضالّون هم. نهلوا من الماضي حتى الثمالة، وخاضوا فيه حتى الغرق، فأضاعوا حاضرهم والمستقبل. وفيما تلهج أقلامهم وألسنتهم بالتوحيد تبقى قلوبهم وضمائرهم عامرة بالشرك والوثنية، وهاهي ذي ألسنتهم اليوم، كما في كل يوم، تغزل أزياء جديدة لأكاذيب وأوهام قديمة، فيما أضحت صدورهم قبوراً للرحمة، ورؤوسهم توابيت للمعرفة.

مؤمنون هم.


الأحد، 22 مايو 2016

في التوحيد مرة أخرى


لم يعرف التاريخ موحِّداً خيراً وأفضل تمثيلاً وتمثّلاً لقانون الله وشرعه الحقيقيين من أولئك الذين تحاشوا النطق باسمه، والالتحاف بعباءته، وتجنبوا تقديسه، وكفروا بكل ما نسب إليه من أسماء وصفات وأديان وشخوص لما في ذلك من ادعاء وتطاول وشرك ووثنية. بل ذهبوا أبعد من ذلك، فشكَّكوا بوجود الله ذاته، لكن، ليس من منطلق التكبر، بل استحياءاً، لأن التعامل مع المطلق واللامحدود من قبل كائنات محدودة وناقصة ينطوي على قدر كبير من الصلف والغرور.

*
قد يسأل البعض: كيف يتسنى للاديني أن يتحدث عن التوحيد والشرك والوثنية؟ أليست هذه القضايا بطبيعتها غيبية وإيمانية؟  أجل، هناك بلا شك بعد ديني لهذه المصطلحات، لكن هذا الأمر لا يتعارض مع وجود أبعاد أخرى لها في هذا العصر. فالتوحيد في أيامنا هذه أصبح فرضية موضوعية قائمة على جملة من الحقائق العلمية المثبتة، وأخرى مازلت قيد البحث. وفي تأمل المثبت من هذه الحقائق ومتابعة ما يجري من بحوث في هذا الصدد ما يكفي من الروحانية لشخص لاديني مثلي. من هذا المنطلق، يمثل الشرك هنا خلطاً ما بين هذا البعد الموضوعي للظاهرة واليقينات الغيبية إياها. أي أن الشرك ينجم عن الخلط ما بين الموضوعي والغيبي في محاولة لتقديم إجابات حاسمة، أي يقينات، حول المطلق، مما يتعارض مع كون التوحيد عملية بحث مستمرة: سيرورة وصيرورة في آن. أما الوثنية، فمشكلتها الأساسية تكمن في  تجريدها لما أو من تقدس من قيمته الأصيلة وذلك من خلال تركيزها على ما نُسِجَ حوله من أوهام وأمنيات وعلى ما عُلِّقَ عليه من آمال وتوقعات. 

*
لا تُحطَّم الأوثان بالكسر بل بالفهم، ولا تُفنَّد الأفكار بحرق الكتب، أو تُحمى بتقديسها، إذ لا يُنافَح الفكر إلا بالفكر، ولا الكتاب إلا بالكتاب.

*
وحدهم الوثنيون يتبارون في كسر أوثان بعضهم بعضاً، أما الموحّدون، فلغتهم لغة الفكر والفن، لغة العلم الموضوعي والحوار البناء، لغة الإبداع والإرتقاء المستمر بالوعي، لغة التعاون، أو التنافس الشريف.

*
من الوثنية أن تكسر صنماً، أو تحرق كتاباً، أو تقدس فكرة أو شخصاً. ففي الكسر والحرق والتقديس تكريس للوثنية لا تقويض لها.

*
الإيمان صلف وجهل، التوحيد بحث ومعرفة.

الخميس، 12 مايو 2016

مزبلة التاريخ


مزبلة التاريخ. كم سئمت هذا المصطلح. هل تريدون أن تعرفوا حقاً من يقطن حالياً في مزبلة التاريخ إياها: نحن. نحن المتآمرون على أنفسنا باسم الله والوطن والقائد والشعب والقومية والعقيدة والمجد. نحن المنتصرون على بعضنا البعض نصرة لبعضنا على بعض. نحن الوثنيون. نحن الذين لم نعرف من الحياة شيئاً إلا الغرق في الموت والخوف، الخوف من بعضنا البعض، من التغيير، من كل شيء. نحن الذين نخشى أن نبدأ الحياة من جديد، مجردين من أسمال الماضي. نحن المدمنون على الأوهام. نحن من نخال أنفسنا مركز الكون، وسر الوجود، وقمة الخليقة، فيما نقبع محاطين بجيف أحلامنا المتفسخة، هنا/هناك... في مزبلة التاريخ، إياها.


الاثنين، 9 مايو 2016

عن الماضي والمستقبل


* الأفكار التي مهدت لأمجاد الماضي لن تمهد لأمجاد المستقبل. فلو كان بوسعها ذلك، لكان الحاضر ذاته مجيداً، فما الحاضر إلا مستقبل الماضي، أليس كذلك؟ ولنا في وقائعه وحقائقه خير دلالة على نوعية الحياة التي يمكن لأفكار الماضي أن تقدمها لنا اليوم. وقبل أن نبرر كون الحاضر أبعد ما يكون عن المجد بالإشارة إلى تخلي القوم عن أفكار ومعتقدات بعينها، علينا أن نشرح أولاً كيف يمكن لقوم أن يتخلوا عن هذه الأمور لو كنت بالفعل قادرة على تحقيق مصالحهم والإرتقاء بهم إلى مستوى طموحاتهم ومساعدتهم على مواكبة الأزمنة بتطوراتها ومتغيراتها المختلفة. أجل، بوسع الشعوب أن تنهض من جديد، وتبني حضارات جديدة، لكن هذا لن يتم إلا بناءاً على أفكار جديدة، إذ لا يمكن للشعوب أن تستعيد الماضي مهما فعلت، ولا يمكن لها أن تؤسس لنهضة جديدة باجترار أفكاره، ولقد أخفقت كلما حاولت. وإلى أن تتصالح الشعوب مع هذه الحقيقة، ستبقى غارقة في مستنقعات الحيرى والتخبط، عاجزة عن صم آذانها عن عويل الماضي، أو عن تلبية نداء المستقبل.

* لن تعوضنا أمجاد الماضي ومعارفه عن هواننا في الحاضر. وحده المستقبل قادر على التعويض، إن سعينا له.

* من أراد لمستقبله أن يكون نسخة عن ماضيه لا مستقبل له.

* طالما بقينا جسوراً وأقنية تربط الماضي بالمستقبل سنبقى عبيداً له. علينا أن نصبح غرابيلاً للماضي لنبقى أحراراً اليوم، وفي الغد.

السبت، 30 أبريل 2016

لم نعد أمويين، ولا عباسيين، ولم تعد الدنيا بستاناً لهشامنا

طريق الحرير للفنان الصيني جيانج هونجيانج - 2008

لم نعد أمويين، ولا عباسيين، ولم تعد الدنيا بستاناً لهشامنا، ولم يعد ريع أمطارها حكراً على مليكنا المظفر. لقد دارت علينا الدوائر، وقضي الأمر. ولن نعود كما كنا مهما فعلنا. بل لا ينبغي للعودة أن تكون هدفاً لنا. لا العودة إلى الماضي ممكنة، ولا استرجاع أمجاده ممكن، خاصة إذا بقيت الغَلَبَة في منظورنا الثقافي المعيار الأساسي للمجد. إذ لم تعد القدرة على قهر الآخرين معياراً مناسباً للأمجاد اليوم، ولا يمكن، بل، لا ينبغي لها أن تكون. فالعدالة لا تكمن في تداول القهر. وإن بدا الأمر "طبيعياً" في السابق، لم يعد هذا تعريفاً مقبولاً للنصر. وإن تلاءمت أفعال سلاطيننا مع مبادئهم فيما مضى، أصبح التناقض بينها القاعدة اليوم. وفيما يصر البعض منا على التمسك بطرق الماضي وأفكاره، بدأ شيء ما في وعينا يتمرد على هذا الأمر. المجد اليوم تنمية ومعرفة وحرية أكثر منه سلطة وغلبة وقهر، ولا تسعى الدول القوية اليوم إلى قلب الموازين العالمية القائمة، بل إلى تعديلها فحسب. نحن من يصر على ربط المجد بالغلبة، ولأننا عاجزون عن مقارعة الأقوياء بغير أفواهنا، نكاد لا نفتر عن مقارعة أنفسنا، مستعينن غالباً بالأقوياءـ لكن، لا نصر لمن يصارع نفسه ما خلا الموت. وفي سعينا المستمر إليه، حبذا لو سألنا أنفسنا للحظة تأمل خاطفة: من نحن؟ إذ علينا أن نعيد تعريف أنفسنا اليوم لننهض من جديد، وأن نقول "لا  للغلبة، لا للقهر،" وأن نطالب بدرجة أكبر من الانسجام ما بين المعايير التي أصبحت مطروحة اليوم لتقييم الأفعال، وبين الأفعال ذاتها. لأننا، وإن لم نعد أمويين أو عباسيين، ما نزال بشراً، وما يزال بوسعنا المشاركة في صنع القدر، عوضاً عن أن نكون عبئاً عليه. وإن كان ذلك لا يتسنى لنا عن طريق الإقتداء بمن رحل، فبوسعنا أن نقتدي بمن حضر، بشعوب تلك الدول التي لم تعد تتمسك بالماضي وقيمه، وأصبحت علاقتها معه، كعلاقتها بالحاضر والمستقبل، علاقة جدلية الطابع أكثر منها تبعية. مع التنويه إلى كون الاقتداء شيء، والتبعية شيء آخر، وإلى أن الإبداع هو المبتغى هنا، وهو الفعل الذي نبحث عنه، وهو مفتاح عودتنا إلى المستقبل: الموطن الحقيقي للمجد.

الأربعاء، 27 أبريل 2016

التوحيد


هل هناك في عقيدتك ورؤيتك قدسية لأفكار وشخصيات بعينها تبقى دائماً فوق المسائلة، والمراجعة، والنقد، والرفض؟ إذن، أيقن بأنك وثني، مشرك، لاتفقه شيئاً في التوحيد مهما ادعيت بلسانك، فالتوحيد لا يقدس إلا الحياة، حياة الجميع، ويدعو إلى الشك دائماً، لا اليقين، لأن المعرفة لا تتوقف، التوحيد خبرة مستمرة، وتغير، وتغيير، وجدل، وتفاعل للكل مع الكل، وللماضي مع الحاضر والمستقبل. أين هذا من الجمود الذي تدعو إليه؟ 

الثلاثاء، 26 أبريل 2016

حين يستوي الظالم والمظلوم

عبء الظلم للرسام باولو زيرباتو

هل هناك في عقيدتك ورؤيتك ما يبرر ويشرعن الاعتداء على الغير باسم الحق وبدعوى إخراجهم إلى النور؟ أو يشرعن تصنيف الآخرين في القانون بحسب آرائهم ومعتقداتهم، فيُحاسَب البعض ويُجرَّمون وفقها، في حين تُسبغ عليك أفضلية في المعاملة، فقط لأنك ولدت وترعرعت على عقيدة بعينها، وبصرف النظر عن سلوكك وتصرفاتك؟ إذن أيقن بأنك ظالم، حتى وإن كنت في هذه المرحلة مظلوماً، لإنك في شرعنتك لظلمك، أو بالأحرى للظلم الممارس باسمك وباسم عقيدتك ورؤيتك للأمور، قمت عملياً بشرعنة الظلم للجميع في كل مكان وعبر التاريخ، فلا يهم عندها أين موقعك من الإعراب، ويستوي هنا الظالم والمظلوم لاتفاق آرائهم حول شرعية الممارسات، بصرف النظر عن اختلاف المبررات. 

الاثنين، 25 أبريل 2016

العيش في الهامش


ألِف معظمنا العيش في الهامش، حيث لا شُبهة ولا مسؤولية، وإن لم تنتفِ جميع المخاطر فيه. فمن مأمنهم النسبي هناك بوسعهم أن يراقبوا ما يحدث من حولهم بتجرّد نابع عن البلادة، لا عن الموضوعية أو العقلانية، وأن يعلّقوا عليه وينتقدوه من منظور مثاليّ وطهرانيّ لا يرضى إلا بالكمال حلاً وإنجازاً. هكذا تبقى الضمائر مرتاحة والأيادي نظيفة، وإن لم يتم إنجاز شيء. وأنّى له أن يتمّ، وهو الذي لا ينبع إلا من الخوض في قلب المعمعة، بكل ما فيها من مخاطر وتحديات، وكل ما يتطلّبه الخوض فيها من عثرات وتنازلات ومساومات، في حين يصرّ أصحابنا على المكوث في الهامش، منتظرين أن يُعطى الإنجاز لهم مكرمة وتفضّلاً من القدر/الله/الصنم الذي يعبدون.

لكن، ولأن معظمنا ترعرع على الاعتقاد بأن "الآخرين،" ذلك المصطلح الذي غالباً ما يستخدم كمرادف للشياطين في ثقافاتنا، الشعبية منها والنخبوية، هم المسؤولون دائماً عن إخفاقاتنا المتكرّرة بمؤامراتهم التي لا تنتهي ضدنا، كوننا سرّ الخليقة وأفضل أمة أخرجت للعالمين، كما تنبئنا تعاليمنا الدينية، وأننا في الواقع مجرد ضحايا لجشعهم، لا يحرّضنا غياب الإنجاز هذا على مراجعة أفكارنا ومعتقداتنا الأساسية، بل، على العكس، نراه يكرّسها يوماً بعد يوم، وإخفاقاً بعد إخفاق، وغياباً بعد غياب. هكذا يبرّر الفشل نفسه في الثقافات التي ترى في الأمان، وبالتالي، في الجمود والثبات والتراث ومقاومة التغيير، قيمة مطلقة. وهكذا يصبح النجاح فيها مستحيلاً. 

الاثنين، 28 مارس 2016

احتضار ثم مخاض


الثورة الشعبية احتضار قبل أن تكون مخاضاً، ومازلنا في سوريا نعيش طور الاحتضار، إذ مايزال القديم الذي ثرنا ضده، برواسبه وتجلياته المختلفة، سواء في صفوف النظام أم المعارضة، يتحكم بالصيرورات العامة والخاصة، مستخدماً وسائله القديمة ذاتها:  شيطنة الآخر، الخطاب الشعاراتي، النزعات الأصولية، الفردانية والشخصنة في العمل السياسي والاجتماعي، الارتجالية، الكذب المنهجي، إلى آخره من وسائل. الدرب الممتد أمامنا إذاً طويل جداً، لكن، لا ضير في ذلك، فالتحولات العميقة قد تبدأ بلحظة، لكنها تتطلب تتابع أجيال عدة قبل أن تأتي بثمارها الأولى. 

الأربعاء، 23 مارس 2016

سراديب الرغبة


أصبح توقهم غُلمة وحنينهم مجونا، مذ تاهت عقولهم في سراديب الرغبة، وخلطوا ما بين الحق والسلطة.

الخميس، 17 مارس 2016

في التوحيد، وعنه

(3/16/2016) ...التوحيد قرار وصيرورة مستمرة قد لا تثمر عن أية نتيجة، في أية لحظة اخترنا فيها معاينتها، ما خلا استمراريتها. أما فيما يتعلق بالفطرة، فالدلائل كلها تشير إلى كون الإنسان قد فُطر على الشرك والوثنية، لا التوحيد. ولسنا بحاجة لمعاينة الآثار التي خلّفتها الجماعات الإنسانية الأولى لندرك ذلك، يكفينا أن نعاين الكيفية التي يقدّس من خلالها كل مدّعوا التوحيد الرموز والأشخاص لنفعل. إنّ التوحيد إن دلّ على شيء في جوهره فعلى وجود توق عميق ومستمر لدينا نحو التكامل، وكيف لا يتوق إلى الكمال من كان النقصان قدره؟ لكن  هذا التوق، موضوعياً، لا يدل إلا إلى حاجة صاحبه، ولايمكننا من خلاله الاستدلال على وجود ما يتوق المرء إليه. إن التوحيد أمنية وتطلع إذاً أكثر منه واقعاً ومنطلقاً. ولا عيب أو ضير في ذلك، بل يتمثل العيب والضرر في تجاهل ذلك...

الأربعاء، 16 مارس 2016

في الوجود، وعنه

(3/ 9/2016) ...لأننا، وفي خضم بحثنا عن الحقيقة، لا يمكن لنا أن نتخلى عن الحدس والخيال. فبالنسبة لنا كبشر، لا يمكن لنا  أن ندرك الوجود إلا من خلال المخيلة، ولذا، يأتي إدراكنا للواقع الموضوعي مشوباً، وإن اختلفت درجات الإشابة من فرد لآخر، بل، ربما، من جماعة لأخرى...

الثلاثاء، 15 مارس 2016

في الإيمان، وعنه

(3/15/2016) ...كل العقائد شرك ووثنية وإلحاد، لأنها تبني على ما بوسعنا كبشر إدراكه وفهمه والذي سيبقى دائماً مشوباً بنقصاننا وتناقضاتنا. لذا، لا فائدة ترجى من الحروب المقدسة والتكفير: فكلنا مهرطقون، كلنا مرتدون، كلنا زنادقة وملاحدة. كلنا مخطئون...  

الثلاثاء، 1 مارس 2016

أخلاقياً...

درب التبانة

أخلاقياً، وفي سوريا، سقط أدونيس قبل بشار، والفكر قبل السياسة، والنخبة قبل العامة، والحلم قبل الواقع.

أخلاقياً، ولأنا عشنا الشعارات، وأحببنا الرموز، وتناسينا إنسانيتنا المشتركة، ولأنا ما انفتئنا ننظر إلى العالم من حولنا، بل إلى الكون ذاته، وكأنا نحن مركزه، ونجلس متربعين على قمته... سقطنا.

أخلاقياً، ليس من الضروري أبداً أن نحتلّ مركز الكون، ونكون محور الحياة، لكي تكون لنا قيمة كبشر.

فأخلاقياً، لا يستمدّ المرء قيمته الحقيقية وحقوقه الأساسية من موقعه أو منصبه، أو من ادعاءاته وعقائده، بل من عمله وإنسانيته.

وأخلاقياً، ربما كان علينا أن نبذل جهداً أكبر لنستوعب معنى كوننا مجرد ذرات فتية تحبو على ذرة أكبر، هي الأرض، تدور حول ذرة أكبر، هي الشمس، على هامش ذرة أكبر، هي المجرة، التي، كالشمس فيها، لا تزيد عن كونها واحدة من مليارات الذرات/المجرات المتناثرة في هذا الكون، كون يبلغ عمره أكثر من 12 مليار سنة ونيف، وربما كان بدوره لا يزيد عن ذرة في بحر من الأكوان المعمّرة الأخرى.

وإن كانت جملة "سبحان الله" قد طرأت على بالك هنا، فأنت معنيّ أكثر من غيرك بهذا الكلام، ليس من باب إنكار الإله بالضرورة، ولكن من باب رفض الأصنام والأوثان، وهو أمر ضروري أخلاقياً أيضاً، فيما أرى.

وإن كنت قد تبسمّت ساخراً من الأديان هنا، فأنت أيضاً معنيّ جداً، أخلاقياً، بهذا الكلام.


وأنا أيضاً معنيّ، وقبل غيري ربما، لأن الإنسان فيّ يسقط، أخلاقياً، حين أتكلم عنه، فالمعرفة هنا صمت، والثرثرة جهل، ولقد أكثرت. 

الأحد، 28 فبراير 2016

الشاهدة

هنا، في جحيم العار والنسيان، في هذا الركن المهجور منه، يرقد بشار الأسد، القائد الدمية، عادى شعبه، وقتله حلفاؤه. مات، كما عاش، مبتسماً ومعجباً بنفسه، لأنه، حتى جاءه حتفه، بقي أغبى من أن يدرك حقيقة ما اقترفته يداه. مات خاذلاً ومخذولاً، قاتلاً ومقتولاً، غافلاً ومغفّلاً. مات. رحل. واندثر ذكره، ما خلا هذه الشاهدة المنسية. فيما بقي شعبه يشارك في صنع التاريخ أينما حلّ، جماعات وأفراد.   

الأحد، 5 يوليو 2015

ملاحظات حول الظلم والحرية

أبطال الثورة – لوحة ديجتالية لـِ عمار عبد الحميد من سلسلة “عن الحرية والثورة” حقوق الطبع محفوظة

(1)

عقلية الضحية

يشكّل الاقتناع المستمر لكل شعب وجماعة من شعوب وجماعات منطقتنا الشرقأوسطية بإنهم أبداً ضحايا لظلم الآخرين لهم إحدى المشاكل العويصة التي تواجهنا في المنطقة اليوم. إذ لا يبدو أنه بوسع أي من مكوّنات المنطقة الديموغرافية، بصرف النظر عن كيفية تعريفها، سواء كان دينياً أو قومياً أو قبلياً أو سياسياً، أن ترى الظلم الواقع منها أو الممارس باسمها، ولا أن تعترف بأية مسؤولية لها فيما تعرّضت له من ظلم، سواء من خلال التقصير، أو سوء الإدارة، أو تفشّي الجهل، أو تبنّيها لقوالب فكرية وسياسية جاهزة أو مستوردة بلا أية مراجعة حقيقية لها، إلى آخره من أسباب. لا. شعوبنا فيما يبدو بحاجة ماسّة لتشعر بأنها مظلومة دائماً، وأن الظالمين فيها عملاء كلهم، أو مستعمرون، شخصيات فاقدة الانتماء لم تفرزهم بيئاتنا أو ثقافاتنا المحلية، بل هبطوا من المريخ، أو خرجوا إلينا من غياهب الأرض.

إن التعامل مع الأمور بهذه العقلية يعفي الناس من مسؤولية تغيير ما بأنفسهم على كل الأصعدة، النفسية منها والاجتماعية والسياسية والفكرية، وهو لعمرنا تحدّ صعب، وليس من المستغرب على الإطلاق أن يتهرّب الناس من مواجهته، وإن بقى ذلك مستهجناً وعدمي المفعول. وإن كان بعض الناشطين السوريين قد أثبتوا في مطلع الثورة أنهم قد بدأوا بالتنبّه إلى مخاطر هذه العقلية، إلا أن عنف القمع الذي مارسه النظام الأسدي ومنهجيته سرعان ما أجبر معظمهم على الارتكاس إلى العقلية ذاتها.

أو هكذا يمكن أن يخيل لنا للوهلة الأولى. لكن السبب الحقيقي وراء هذا الارتكاس هو فشلنا في تأسيس منظور فكري جديد يسمح بتعليل وتحليل وتطوير ذلك الإحساس المبهم بضرورة الانتفاض والتغيير الذي حرّك بعضنا يوماً ودفعهم إلى الثورة خالطين ما بين الرؤى والشعارات، ودون أن يكون في حوزتهم الأدوات الفكرية المناسبة لفهم كنه دوافعهم وإدارتها بالشكل المناسب، ولتحليل وإدارك المضامين الحقيقية لحراكهم.

إذ تبقى معركتنا من أجل تحرير وتطوير وتنمية أنفسنا ومجتمعاتنا معركة فكرية بالدرجة الأولى، ونحن ما نزال في بداية الطريق. وعلينا، إذا ما أردنا النجاح في التصدي لصعوباته وعقباته، أن نتنبّه إلى خطر الوقوع في فخ الأدلجة من جديد. فنحن لسنا بحاجة إلى إيديولوجيات جديدة، بل إلى أدوات فكرية جديدة تسمح لنا بكسر الموجود منها وفتح عقولنا على ضرورة الإبداع والتجديد بشكل مستمر.

(2)

الاعتداء والظلم

علينا أن نفرّق في معرض كلامنا عن الظلم ما بينه وبين الاعتداء أو الجريمة. فالاعتداء أو الجريمة ظاهرة لحظية استثنائية، أو، لنكن أكثر دقّة، ظاهرة قصيرة الأمد من مثل الاغتصاب أو السطو أو بعض أعمال الشغب. وقد تكون هذه الظاهرة متكرّرة، بل منظمّة أيضاً، لكن غياب البعد السياسي يحدّ من تأثيرها ويميّزهاعن الظلم، ويسمح للمجتمع والدولة بمكافحتها ومعاقبة مرتكبيها بشكل فعّال نسبياً، بحيث تبقى استثناءاً لقاعدة الحياة اليومية.

لذا، وعلى الرغم من انتشار ظاهرة الإجرام في الدول والمجتمعات الديموقراطية ، لا يمكننا موضوعياً أن نصفها بالظالمة، إلا، ربما، فيما يتعلّق بتعاملها مع بعض الشرائح الاجتماعية، أو فيما يتعلّق بسياساتها الخارجية.

أما الظلم، فهو عملية مستدامة ومنهجية، تكرّس نفسها من خلال مؤسّسات الدولة والمجتمع، حتى يصبح الواقع الحياتي معرّفاً ومحدّداً بها، وتصبح هي القاعدة، لا الاستثناء كما هو الحال مع الجريمة. بل، غالباً ما يؤدي تفشّي الظلم إلى تزاوج ما بينه وبين الجريمة المنظّمة، كما كان حال النظام الأسدي في سوريا.

(3)

شراكة الظالم والمظلوم

لا وجود لظلم مطلق ، خاصة على المستوى الجمعي. فالظلم ظاهرة تعاونية وتشاركية يساهم فيها الظالم والمظلوم على حد سواء، وإن بأساليب مختلفة. فبشكل أو آخر، لجميع قاطني الدول الاستبدادية مساهماتهم الفاعلة في الظلم الواقع عليهم، والممارس غالباً باسمهم. وغالباً ما تبدأ مساهمة المظلوم في الظلم الواقع عليه بصمته في وجهه، لكنها كثيراً ما تتعدّى ذلك إلى انتقاد من يرفض الصمت، ومن ثم نبذه، بل قد يلجئ البعض أحياناً إلى تهديد هذا العنصر المشاغب، أو التبليغ عنه، أو التجسّس عليه لصالح الأجهزة القمعية.

نعم، بشكل أو آخر، وبعد اللحظة الأولى لوقوعه علينا، والتي غالباً ما تأخذنا على حين غرة، أو بعد اللحظة الأولى لتنبّهنا أن هناك ظلماً صادر منا بشكل أو آخر، أو ممارس باسمنا، نصبح كلنا شركاء في الظلم، لا ضحايا له، وذلك بخلاف ضحايا الاعتداء والجريمة الذين لا يتحملون مسؤولية ما جرى لهم، لا قانونياً ولا أخلاقياً، إلا في بعض الحالات استثنائية.

(4)

* لا يمكن للإنسان الحرّ أن يَظلم قصداً وعمداً، تماماً كما لايمكن له أن يُظلم إلى الأبد، فالحرّ لايسكت عن الظلم.
* الظلم استعباد للظالم والمظلوم معاً ما رضي كلاهما به من خلال التسليم بكونه قانوناً طبيعياً، أو قدراً لايغيّره إلا المقدّر له.
* الحرّ قدر نفسه. نعم. إن كنا أحراراً، فنحن القدر.

(5)

الأطفال والإجرام

قد يكون الأطفال الذين وقعوا تحت استغلال بعض البالغين لهم، وقاموا بارتكاب الجرائم والانتهاكات، ضحايا هم أيضاً، خاصة من الناحية الأخلاقية. ولن يتوقف هؤلاء الأطفال عن كونهم ضحايا حتى يتم تحريرهم، ومن ثم إعادة تأهيلهم، فيروا ويقتنعوا بأن ما قاموا به كان اعتداءاً وإجراماً، وأنه في جوهره استثناء مرفوض قانونياً واجتماعياً وأخلاقياً، وليس هو القاعدة الناظمة للعلاقات ما بين البشر، كما تمّ تثقيفهم في السابق. ويعني هذا الأمر من الناحية العملية أنه ينبغي حتى على الأطفال أن يعترفوا بأخطاءهم ويتحمّلوا وزرها لكي يعدّوا ناضجين ويتوقّفوا عن كونهم ضحايا.

من هذا المنطلق تفرض المجتمعات عقوبات قانونية خاصة بالأطفال، فما بالنا بالبالغين العاقلين الراشدين.

فحوى القول: شعوبنا المعاصرة لم تبلغ سن الرشد بعد، ولن تبلغه إلا من خلال ما نمرّ به من تجارب عصيبة، هذا إن نجحنا في استخلاص الدروس المناسبة منها.

(6)

المواجهة مع الظلم ليست عملية تحرير بل عملية تعديل، فالحرية حالة نفسية وذهنية، وعلى المرء أن يكتسبها أولاً ليصبح قادراً على تعديل موازين القوى المؤثّرة عليه ليحقّق العدالة ويتوّصل إلى المساواة.

(7)

لا يناضل العبد من أجل التحصّل على الحرية بل ليصبح هو المستعبِد، فمفهومه الثنائي للوجود لا يسمح له بإلغاء العبودية لأن في ذلك إلغاء له أيضاً. فالناس بالنسبة له صنفان: إما مستعبِد أو مستعبَد.

أما الحرّ فيناضل من أجل الحفاظ على حريته، لا لكسبها، ولتحقيق العدالة والمساواة.

(8)

من لم يتحرّر عقله لن يتحرّر جسده. ومن كان عاجزاً عن تحرير عقله، فلن يؤدي نجاحه في تحرير جسده إلا إلى بروز طاغية جديد على الساحة المكتظة أبداً بهم.


الأربعاء، 29 أبريل 2015

السياق الغائب: خليط ضروري من الذكريات والملاحظات

مظاهرة أمام السفارة السورية في واشنطن في مطلع الثورة السورية 

إذا أخفقتَ كناشط مدني في إقناع الطرف أو الأطراف المعنية، سواء عن طريق الحوار أو الضغط أو كليهما، بضرورة تبنّي السياسة التي تريد، أو أخفقتَ في منعها من تبنّي السياسة التي تعترض عليها، فإن أولويتك الجديدة في كلتا الحالتين تتطلّب منك العمل لتخفيف وطئ هذا الإخفاق على الناس. ولايتأتى هذا الأمر في أغلب الأحيان إلا من خلال الاستمرار في "التعامل" مع ذات الأطراف ووفقاً لذات الأدوات، أي الحوار والضغط، مع بعض الإضافة والتعديل.

وتكمن المشكلة هنا في أن مواقفك العلنية المتغيرة قد لا تبدو مفهومة للمراقبين، مما سيفسح مجالاً كبيراً لخصومك لإدانتك بصرف النظر عن حقيقة فهمهم للدوافع والضرورات الموجبة لهذه المواقف.

لكن، كيف تتجلّى هذه الأمور في سياق العمل والنشاط؟ ربما كان من الأفضل هنا أن أستخدم نفسي وتجاربي الشخصية كمثال للإجابة على هذا السؤال بوضوح، فأكون بذلك قد روّضت أسدين بسوط واحد: أجبت على السؤال، وردّيت على بعض التساؤلات القديمة المتعلقة بنشاطاتي.

في عام 2003، كنت ضد اجتياح العراق وحاولت من خلال بعض المؤتمرات الدولية التي حضرتها في الفترة التحضيرية له أن أحذّر من مغبّة هذه الخطوة بالنسبة للعراقيين والأمريكيين وغيرهم، وكذلك بالنسبة للبرامج المرتبطة بتطوير المنطقة وتحرير أنظمتها السياسية. لم أكن الناشط الوحيد الذي تبنّى هذا الموقف طبعاً، بل واحداً من مئات الناشطين من المنطقة والعالم، لكني كنت جديداً على الساحة واتسم أسلوبي بالكلام والعمل بقلة اكتراث بالخطوط الحمراء والمصطلحات التقليدية، مما جعلني أحظى بحيز أكبر من الاهتمام خاصة من قبل المسؤولين والمحللين الغربيين.

ومع ذلك، لم يقيد لأي من الاعتراضات التي قدمتها وغيري النجاح في منع هذا الحدث. لكن، وعوضاً عن الانسحاب من الساحة  والاكتفاء بالإدانات، قرّرت تبنّي أولوية جديدة للنشاط تمثّلت في المشاركة في عدد من المؤتمرات المعنية بوضع سيناريوهات مختلفة لما قد يجري في العراق بعد الاجتياح، واستغليت هذه الفرصة لتقديم استشارات ركّزت على ضرورة إعادة هيكلية النظام السياسي والمدني في العراق بشكل تدريجي لتجنّب المخاطر التي ستنجم عن التفكيك السريع له، خاصة بعد سنوات طويلة من العزلة الدولية. كما شدّدت أيضاً على ضرورة تجنّب التورّط في مغامرات عسكرية إضافية في المنطقة، والاكتفاء بالضغوط الدبلوماسية وبدعم الناشطين المدنيين والقوى السياسية المعارضة المنفتحة على الغرب لتطوير وتفعيل برامج إصلاحات سياسية ومجتمعية طويلة الأمد. ولقد تقاطعت آرائي هذه مع نصائح وإرشادات معظم الخبراء المشاركين.

فمرة أخرى لابد من التنويه هنا إلى أني كنت واحداً من مئات الناشطين والخبراء الإقليميين والدوليين الذين شاركوا في هذه المؤتمرات. لكن كوني، في معظم الأحيان، السوري الوحيد المشارك والذي قدم من سوريا ولم يكن يحمل أية جنسية أخرى يمكن لها أن تحميه، جعلني أحظى باهتمام أكبر مما كان متوقّعاً أو طبيعياً.

لكن، وكما تدلّ الأخطاء التي حدثت في الفترة التي تلت الاجتياح الأمريكي، يبدو من الواضح أن الآراء والاستشارات التي تم تقديمها من قبل معظم المشاركين لم تلق الكثير من الاهتمام من الجهات المعنية التي غالباً ما كانت أولوياتها مقيدة باعتبارات مالية وبيروقراطية على حساب الاعتبارات الجيوسياسية في الكثير من الأحيان.

الجندي الأمريكي ريتشارد بارنيت يحمل بين يديه طفلاً عراقياً، 29 آذار/مارس، 2003 (رويترز)
 بصرف النظر عن هذا، أصبحت مهمتي في المرحلة التالية التركيز على منع تدخل أمريكي مماثل في سوريا، الأمر الذي فتح له النظام الباب على مصراعيه بدعمه المفضوح للجهاديين في العراق.

وشاءت الظروف أني وفي تلك المرحلة تلقيت عرضاً للعمل كباحث زائر في معهد بروكينجز الأمريكي في واشنطن لمدة ست أشهر. وخلال تواجدي هناك اكتشفت أن تدخّل الأسد في لبنان بعد العراق بات يلعب في أيدي الجهات التي تدعو إلى التدخّل العسكري في سوريا، فألقيت عدة محاضرات وكتبت مجموعة من المقالات الناقدة للنظام في ذلك الوقت محذّراً من مغبّة سياساته. وكان أن تواصل معي جراء هذه النشاطات السفير السوري في واشنطن آنذاك، عماد مصطفى، في محاولة لـ "احتوائي،" كما قال، وبطلب من الأسد. وعن طريق مصطفى، تبادلت عدة رسائل مع الأسد بخصوص ضبط النفس في لبنان وضرورة العمل مع الأمريكيين لإحياء محادثات السلام مع إسرائيل، وهو الأمر الذي نجحت في إقناع الإدارة الأمريكية بربطه ببرنامج واضح للإصلاحات السياسية في سوريا.

ونتيجة هذه الخطوات، ذهب مارتن إنديك إلى سوريا في تشرين الأول ٢٠٠٤، بترتيب من مصطفى، وعرض على الأسد الخطوط العريضة لمقترح "السلام والإصلاح،" كما سمّيته، موضحاً له أن المقترح يحظى بتأييد جهات رسمية أمريكية وإسرائيلية وعلى أعلى المستويات، لكن الأسد رفضه بحجة أنه يعترض على التفاوض مع الإسرائيليين سراً، مع أننا كنا نعرف تماماً أن مباحثات سرية ملنت تجري ما بين الطرفين السوري والإسرائيلي في مدريد في نفس ذلك الوقت.

ما السبب الحقيقي وراء رفض الأسد  لمقترحنا إذاً ؟ التحليل الذي أجرته الجهات الأمريكية للموقف عندها خلص إلى اعتراض الأسد على أمرين: ربط مباحثات السلام بقضية التغيير الديموقراطي في سوريا، ومشاركة شخصية إصلاحية من خارج المنظومة الأمنية للنظام، وبالتحديد كاتب هذه الكلمات، في العملية التفاوضية. ولقد أدّى فشل هذه المبادرة إلى توسيع الهوّة ما بين إدارة بوش ونظام الأسد.

وبعد انتهاء مدة عقدي مع بروكينجز في منتصف كانون الثاني ٢٠٠٥، عدت إلى دمشق لمتابعة عملي في إدارة مشروع ثروة، والذي أشرفت الناشطة خولة يوسف على إدارته في غيابي بالتعاون مع مجموعة جميلة من الناشطين الشباب من مختلف المناطق والانتماءات والخلفيات المهنية. وتركزت أولويتي في ذلك الوقت على توسيع فريق العمل والتمهيد لإطلاق عدة أفرع للمشروع في مناطق مختلفة في سوريا والمنطقة. لكن، ونظراً لتنبّه الأجهزة الاستخباراتية لنشاطاتي وطبيعتها، شهدت هذه المرحلة أيضاً انطلاق فترة مكثفة من التحقيقات معي ومع خولة من قبل الأجهزة الأمنية المختلفة. وأشرف على هذه التحقيقات شخصيات عدة منها رفيق شحادة وسعيد سمور وأخيراً آصف شوكت الذي حاول فرض نوعاً من الوصاية عليّ أدت إلى عدة مشادّات كلامية بيننا انتهت بالاتفاق على وجوب مغادرتي للبلد في أيلول ٢٠٠٥، خاصة بعد اتهامي للنظام في وسائل الإعلام العالمية بالوقوف وراء اغتيال الحريري، ووصفي لبشار الأسد بأنه أحمق وأخرق، ودعوتي للعصيان المدني ضد النظام. جرت كل هذه الأمور وأنا مازلت أسكن في دمشق مع عائلتي، وتم الإشارة إليها في وسائل الإعلام الغربية في حين تجاهلها الإعلام العربي. إذ شكّلت استقلاليتي، فيما يبدو، ورفضي الانتماء إلى أي من الأحزاب والحركات السياسية التقليدية إشكالاً بالنسبة للعاملين في أجهزة الإعلام العربية، والجهات الممولة لها.

وجاء قيام مجلة النيوزويك العربية في 2005 بتسميتي كواحد من أهم ٤٣ شخصية عربية يمكن لها أن تساهم في تشكيل مستقبلها كاستثناء عرضي لهذه القاعدة، وكتطوّر مفاجئ بالنسبة لي. ومع إني كنت السوري الوحيد على اللائحة، تم تجاهل الأمر كلية ليس فقط من قبل السلطات السورية والإعلام السوري (ما خلا فقرة عارضة في مجلة الثورة تعترض على هذا الخيار) بل أيضاً من قبل السلطات الكويتية المسؤولة عن تمويل النسخة العربية للمجلة، إذ تمّت دعوة جميع شخصيات اللائحة لتكرّم في حفل خاص في الكويت، ما عداي.

لكن بروز اسمي في الإعلام الدولي، وقيامي بالتواصل والعمل مع شخصيات معروفة مثل مارتن إنديك وغيره، وقدرتي على التواصل المباشر مع شخصيات عالية المستوى في الحكومة الأمريكية وعدد من الحكومات الأوروبية، مثل الحكومة الهولندية التي قدمت دعماً واضحاً لنشاطات ثروة في سوريا، جعل آصف وغيره يتعاملون معي بجدية وندية أفسحت مجالاً للكثير من الحوارات الصريحة بل والمشادات الكلامية، كما سبق ونوّهت، لم تخل من تبادل الاتهامات والشتائم أحياناً.

والواقع أنه بعد اغتيال الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان، أصبح من الواضح بالنسبة لي أن ساحة الصراع الإقليمي قد انتقلت إلى سوريا، وأن نظام الأسد هو عامل جاذب ومسعّر لهذا الصراع، وأن المسألة أصبحت مسألة وقت فقط قبل الانفجار. ولقد عبّرت عن هذه القناعة بوضوح من خلال تصريحاتي وكتاباتي من ذلك الحين وحتى لحظة اندلاع الثورة. ومنذ ذلك الحين، أصبح العمل على إسقاط النظام بشكل سلمي هو الحل الوحيد الممكن في نظري لتجنّب هذه الأزمة أو على الأقل تجلّياتها الأسوأ. وعلى الرغم من قناعتي الشخصية بأن النجاح في مسعى من هذا النوع غالباً ما يكون مستحيلاً، لم أر بديلاً أخلاقياً أفضل من المحاولة، تماماً كما فعلت فيما يتعلق بالاجتياح الأمريكي للعراق.

ولقد جاءت فلسلفتي في العمل بعد مجيئي إلى واشنطن مع خولة وعلا ومهند استمراراً لتلك التي وجهت عملي في سوريا، أي أني لم أعنَ كثيراً بإيديولوجيات اليسار واليمين، لا في أمريكا ولا في غيرها، بل قمت بالتواصل مع الجهات الفاعلة على اختلاف توجهاتها السياسية بغية التحصل على دعمها لقضية التغيير اللاعنفي في سوريا. ولقد جاء استجابة الأوساط اليمنية بشكل أكبر مع نشاطاتي هذه كانعكاس منطقي للتركيبة السياسية الفاعلة في واشنطن في ذلك الوقت، وكمؤشّر على وجود قصور إيديولوجي حادّ عند اليسار فيما يتعلّق بكيفية تقديم دعم فعّال لقضية التغيير الديموقراطي وحقوق الإنسان في المنطقة والعالم. لم يكن الأمر إذاً مرتبطاً بتوجّهاتي وقناعاتي السياسية الخاصة. لكن، يبدو واضحاً بالنسبة لي في هذه المرحلة أن علاقاتي مع اليمين ستبقى أقوى وأفضل من تلك التي تربطني مع اليسار طالما بقي اليسار يتخبّط فيما يتعلّق برؤيته لقضية الدمقرطة والحريات في الدول النامية، لكني، مع ذلك، سأبقى أحاور وأضغط على جميع التيارات والجهات، ما استطعت، وسواء قيد لي الفشل أو النجاح.

ولقد كانت أولويتي بعد اغتيال الحريري هو العمل على تحريض الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على تبنّي ما سميته وقتها بالضربات الجراحية الدبلوماسية diplomatic surgical strikes، عوضاً عن الضريات الجراحية الجوية، أي أني دعوت إلى تكثيف النشاط الدبلوماسي في سوريا عوضاً عن عزلها سياسياً، وذلك من خلال تكثيف زيارات الوفود الرسمية الغربية وعقدها للقاءات، ليس فقط مع الأسد وأزلامه، بل مع الناشطين المدنيين والمعارضين والصحفيين والفنانين، وذلك للمطالبة بفتح تحقيق داخلي فيما يتعلّق بتورط مسؤولين سوريين بقضية اغتيال الحريري، ووضع برامج لتبنّي إصلاحات سياسية حقيقية في البلاد تقيها مغبات العزلة السياسية والعقوبات الاقتصادية والضربات العسكرية. وكان الهدف من وراء هذه النشاطات بالنسبة لي خلق حالة من الفوضى والبلبلة في صفوف النظام، المضعضع لتوه بسبب انسحابه المفاجئ من لبنان، وعدم إعطائه فرصة للتقوقع على نفسه وإعادة تنظيم صفوفه.

لكن، ومرة أخرى كان الفشل هو نصيبي هنا، إذ اختارت الحكومتان الأمريكية والفرنسية سياسة العزل الدبلوماسي، مع فرض بعض العقوبات الاقتصادية. لكني على الأقل ساهمت، أو هكذا قيل لي من قبل بعض المسؤولين في بروكسل وواشنطن، في منعهما من تبنّي عقوبات اقتصادية أكثر قسوة كان يمكن لها أن تقوّض بنية المجتمع المدني في سوريا، عوضاً عن معاقبة النظام، تماماً كما حدث في العراق. وترك لنا هذا الأمر مجالاً للعمل مع مؤسسات المجتمع المدني في سوريا لتدريب ناشطيها على النضال اللاعنفي عن طريق عقد دورات إلكترونية وميدانية في لبنان وتركيا والأردن وعدد من الدول الأوروربية، بل وفي الداخل السوري أيضاً.

وجاء عملي مع جبهة الخلاص في تلك المرحلة، على الرغم من تردّدي المبدئي في هذا الصدد، بناءاً على طلب عدد من شخصيات إعلان دمشق في الداخل من جهة، وشخصيات في إدارة بوش من جهة أخرى، في وقت لم يكن من الممكن فيه للطرفين أن يتواصلا بشكل مباشر مع بعضهما البعض. وكانت المهمة التي نصبتها لنفسي هنا المساهمة في إعادة هيكلية الجبهة بحيث يصبح التواصل معها وعلى أعلى المستويات مقبولاً للجهات الأمريكية والأوروبية. وبما أن المشكلة الأساسية في هذا الصدد تمحورت بالذات حول دور أعضاء في حزب البعث، وخاصة عبدالحليم خدام، ودور حركة الإخوان المسلمين، بقيادة  علي صدر بالدين البيانوني، في عمل الجبهة. لكن، ونظراً للدور المحوري لهذين الطرفين في تأسيس وإدارة عمل الجبهة، كان علي أن أوجد حلاً يسمح بتحييد دورهما من الناحية الإعلامية، مع المحافظة عليه سياسياً وإدارياً، وذلك لكي يحظى مخطط هيكلية الجبهة بدعم الجميع.

وبعد عدة استشارات، وضعت مشروعاً موجزاً لهيكلة المجلس التنفيذي في الجبهة، فاقترحت تشكيل مجلس مكون من 11 مقعداً، منها أربعة مقاعد دائمة (واحد للبعث يتولاه عبدالحليم خدام، وآخر لحركة الإخوان المسلمين يتولاه البيانوني، وثالث للأقليات العرقية تحتله شخصية كوردية معروفة، ورابع للأقليات الدينية تحتله شخصية مسيحية). أما المقاعد السبع الباقية، فاقترحت حجزها للشخصيات المستقلّة وأن يتم ملأها عن طريق انتخابات عامة يشارك فيها أعضاء الجمعية التأسيسية للجبهة. بعد ذلك، اقترحت أن يتمّ اختيار الأمين العام للجبهة ومساعديه من هذه الشخصيات السبع المستقلة والمنتخبة. وبما أن اتخاذ القرارات في المجلس التنفيذي سيبقى يتم بالإجماع، كما كان الأمر بحسب الترتيب القديم، سيبقى لكل من الخدام والبيانوني بحكم خبرتهما العملية وحنكتهما السياسية دورهما الكبير في تحديد سياسات الجبهة. ولقد توقعت إلى أن يؤدي هذا الترتيب إلى موافقة كل الأطراف على هذا المقترح الذي كان سيسمح من جهة لكل من الخدام والبيانوني بالحفاظ على نفوذهما في الجبهة، كما سيسمح، من جهة أخرى، لإدارة بوش بالتواصل معها عن طريق الأمين العام والشخصيات السبعة المستقلة.

لكن عدم قدرتي على السفر لحضور اجتماعات الجبهة في أوروبا في تلك المرحلة التي كنت لا أزال فيها أنتظر الموافقة على طلبي للجوء السياسي في واشنطن، وهو أمر لم تتمكن إدارة بوش من التدخل فيه لتسريعه بسبب الضجة التي أثيرت حول تدخلها في قضايا مثيلة فيما يتعلق بالعراقيين وغيرهما في السابق، أو كما قيل لي وقتها، لم أتمكن من شرح هذا المقترح بشكل مباشر لأعضاء المجلس التنفيذي عندها، واضطررت إلى الاعتماد على "أصدقاء" سافروا من أمريكا إلى باريس لحضور الاجتماعات وعدوني بالتمهيد للأمر قبل دعوتي للتواصل هاتفياً مع المجلس للإجابة على أي استفسار في هذا الصدد. لكن، وللأسف، لم يتم طرح الموضوع بالجدية المناسبة التي كان يستحقها، ولم تغير مداخلتي الهاتفية من الأمر شيئاً، بل كان من الواضح أن أحداً لم يطلع على المقترح قبل مداخلتي، وأن  أحداً لم يدرك المضمون الحقيقي له: السماح بفتح علاقة مباشرة مع الإدارة الأمريكية.

لذا، تم رفض المقترح. واضطررت أن أبلغ السلطات الأمريكية بالموضوع بحسب الاتفاق ما بيننا، وكانت النتيجة صدور قرار بتخفيض مستوى التواصل مع الجبهة وحصر الموضوع بوزارة الخارجية وتحديداً بنواب المدراء المساعدين في قسم الشرق الأوسط. وعوضاً عن أن يتم عقد لقاء في البيت الأبيض ما بين الرئيس بوش والأعضاء المستقلّين السبعة للمجلس التنفيذي اللذين كان من المفترض أن يتم انتخابهم وفقاً للمقترح، تمّت دعوتي في شهر كانون الأول لعام 2007 لحضور هذا اللقاء إلى جانب عضو مجلس الشعب السابق مأمون حمصي والناشط الكوردي الإيزيدي جنكيزخان حسو. وبالتالي تمّ تضويع فرصة تأسيس جسد سياسي كان يمكن له أن يصبح بمثابة حكومة منفى حائزة على اعتراف الحكومة الأمريكية (التطور الذي كان سيستتبع اعتراف عدد من الحكومات الأوروبية أيضاً)، والاكتفاء بخطوة رمزية لا تقدّم ولاتؤخّر دفع أعضاء الأمانة العامة لإعلان دمشق ثمنها غالياً، إذ تم اعتقال أغلبهم بعد لقاء البيت الأبيض بأيام فقط.


حدث كل هذا بسبب رفض شخصيات المعارضة التقليدية التعامل بجدية مع مقترح مقدّم من قبل طرف جاء من خارج أطرها التقليدية، الأمر الذي يذكّرنا برفض بشار الأسد لمشروع مارتن إنديك في 2004 والذي جاء لأسباب مشابهة أيضاً. إذ يشكّل الحفاظ على الأطر التقليدية هدفاً أهم عند النظام والمعارضة من التجديد بما يحمله هذا الأمر من انفتاح على مشاركة عناصر جديدة، وتبنّي أفكار وأساليب جديدة. وللأسف، لم يشكل استعدادي للبقاء بعيداً عن الأضواء والمناصب تنازلاً كافياً لتحفيز الآخرين على تبنّي المشاريع والمقترحات التي قدّمتها أو على الأقل على التعامل الجدي معها، وذلك على الرغم من تعامل الجهات الغربية، والأمريكية تحديداً، معها بكل جدّية.

وبعد فترة العمل مع الجبهة عدت إلى التركّيز التام على نشاطات "ثروة" والذي تم تسجيله كمؤسسة غير ربحية في واشنطن. وتمّ تنظيم عدد كبير من الدورات التدريبية خاصة فيما يتعلّق بمراقبة الانتخابات التشريعية والرئاسية (كما فعلنا في عام 2007)، وتوثيق الواقع المحلّي باستخدام الكاميرات الصغيرة (إذ لم تكن الهواتف الذكية منتشرة في المنطقة بعد)، واستخدام الإنترنيت كوسيلة فعّالة لكسر قبضة الأنظمة الحديدية على الإعلام وتداول المعلومات. وبعد سنة ونيف من هذه النشاطات جاءت النتيجة على شكل برنامج تلفزيوني هو برنامج "الخطوة الأولى،" المكوذ من ست حلقات، والذي تمت الاستعانة فيه بالفيديوهات التي صوّرها الناشطون في الداخل السوري، ودعا في حلقته الأخيرة إلى ثورة سلمية في البلاد.

تمّ عرض "الخطوة الأولى" على قناة "بردى" التي تم تمويلها مرحلياً من وزارة الخارجية الأمريكية، واستمر عرض البرنامج من شهر آب 2009، وحتى انطلاقة الثورة السورية في آذار 2011. لم يكن لي أو لثروة أية علاقة مع إدارة قناة "بردى،" لكنها كانت في تلك الفترة القناة الوحيدة المعنية بالمعارضة السورية والمستعدّة لعرض البرنامج.

وفي آب عام 2009، انتهى تمويل ثروة نتيجة تغير في أولويات إدارة أوباما التي فضّلت التعامل مع نظام الأسد، فاستجابت لطلبه بإغلاق مكاتب ثروة كشرط للأمر، وهو الأمر الذي نوّه إليه موقع موال آنذاك ، هو موقع دامس بوست Damascus Post). ولقد سبب هذا التغيير صعوبات مادية جمّة بالنسبة لأعضاء الفريق في واشنطن وسوريا، وأصبح انتظار الانفجار هو الأمر الوحيد الممكن في مرحلة مصيرية كنا نخطّط فيها، في حال استمر التمويل، أو نجحنا في استقطاب مصادر جديدة له، لإطلاق قناة فضائية خاصة بثروة، وفتح فروع لنا في المنطقة وحول العالم لتعمل على تهيئة الأجواء لقبول فكرة التغيير في سوريا والمنطقة عندما تحين الساعة.

لكن إغلاق مكاتب ثروة ومعرفتي بطبيعة المعارضة جعلاني أتخوّف التغيير عندما تعالت الصرخات في مطلع 2011 إلى  تبنّي يوم غضب في سوريا وإلى إطلاق الثورة. بل شكّل هذا التصعيد تطوراً مقلقاً للغاية بالنسبة لي. فعلي الرغم من قناعتي بأن الشارع في بعض المناطق في سوريا كان مستعداً لتفجير ثورة شعبية منذ صيف 2008، وهو الأمر الذي نوهّت إليه في شهادتي أمام الكونجرس الأمريكي آنذاك مستنداً إلى النشاطات التوثيقية للواقع المحلّي والتي قام بها فريق عمل ثروة، لم تكن المعارضة، في رأيي النابع عن خبرتي في العمل معها وليس عن قناعات إيديولوجية مسبقة أو حزازيات شخصية، مستعدة لإدارة عملية التغيير بتعقيداتها البالغة، سواء فيما يتعلق بالتحدّيات الداخلية أو التشابكات المتعلّقة بالأجندات الدولية والإقليمية المرتبطة بالمنطقة عموماً وسوريا على وجه الخصوص. وكالمعتاد، تكلّمت عن مخاوفي في هذا الصدد في مقال نشرته في صحيفة الجارديان في 6 شباط، 2011.

لكن، وكما هو معتاد، وعوضاً عن التعامل مع الموضوع من منطلق عقلاني وبراجماتي، تم استغلال المقال لتصفية حسابات شخصية، أنا الذي ما زلت لا أفهم كيف يمكن لأشخاص لم ألقهم أو أسمع عنهم في حياتي أن يكون عندهم حسابات شخصية معي، لكن هذه قصة أخرى.

المهم، لم يكن الهدف من كتابة المقال الاعتراض على ضرورة الثورة (وكيف يمكن لي أن أعترض على هذا الأمر وأنا الذي حرّضت على هذا الأمر منذ 2005 وكتبت بشكل منهحي عنه، كما في ورقة "إدارة المرحلة الانتقالية: نحو ثورة ياسمين في سوريا" التي نشرت في مطلع 2006، وكتاباتي المتوفرة على مدونة "ثورة الياسمين" التي أطلقت في مطلع عام 2006 أيضاً، وغيرها؟)، بل كان الهدف الدعوة إلى التريث قبل تحريض الناس إلى الخروج إلى الشوارع، ريثما نناقش مجمل القضايا التي نوهت إليها في المقال (القضية الطائفية، القضية القومية، القضية المناطقية، القضية الطبقية، القضية التنموية، ودور الأجندات الروسية والإيرانية والتركية والإسرائيلية وغيرها)، فالكثير من المعارضين لم يكن عندهم أي تصوّر حول معنى التغيير في سوريا وكيف يمكن له أن يؤدّي إلى فتح صندوق باندورا في المنطقة.

فبالنسبة لي، كان هناك فرق بين الدعوة لنضال مدني سلمي من خلال برنامح تلفزيوني بُثّ في وقت لم يكن هناك فيه أي مؤشر على أن التغيير ممكن، ناهيك عن كونه آت، وكانت الرسالة فيه تهدف إلى تهيئة الأجواء لا غير، وبين الانتقال إلى الواقع العملي للثورة، أي لحظة الصفر: وهو الأمر الذي كان يتطلّب في رأيي تحضيراً أكبر من قبل المعارضة قبل المشاركة في تحريض الناس على الخروج إلى الشارع "الآن." نعم، الثورات الشعبية لا تنتظر أحداً، ولاتندلع اعتباطاً، في أغلب الأحيان (كما في تونس) لكن لحظة الصفر ليست بالعفوية التي يظنها البعض، وهل كانت لحظة الصفر في مصر عفوية؟ التحضير للحظة الصفر في مصر جرى على المفتوح جراء نجاح الثورة التونسية.

الحسّ القيادي المناسب كان يتطلّب من المعارضة التريث لعدة أشهر على الأقل قبل الدعوة إلى يوم غضب، أشهر كان ينبغي أن تشهد نقاشات جدّية حول طبيعة القضايا والتحدّيات المصيرية التي ستواجهنا مع انطلاقة الثورة، ووضع خطط وتصوّرات مناسبة للتعامل معها.

ومرة أخرى، لم يكن ما أردت، فأردت ما كان، لكن، وكما جرت العادة معي ، مع بعض التحفّظات التي تجلّت في محاولاتي اللاحقة لطرح قضايا معينة على الساحة مثل قضية اللامركزية، وتقاسم السلطة، وتبنّي إجراءات وترتيبات قانونية وإدارية خاصة للحفاظ على حقوق الأقليات والمناطق، إلى غيرها من مقترحات أصرّ مشروع ثروة على ضرورتها منذ انطلاقته الرسمية في سوريا في عام 2003.

وكان دافعي وراء هذا كله واضحاً: فعجز المرء عن درء حدث بعينه، أو تحديد توقيته ووسائله، لا يعفيه من ضرورة العمل على احتواء احتمالاته الأسوأ.

مشهد من مؤتمر أنطاليا للمعارضة السورية، حزيران 2011

من هذا المنطلق شاركت مع خولة وعلا في مؤتمر أنطاليا، ولم أتوان لحظة عن دعم الثورة، حتى بعد تحوّلها إلى العمل المسلح، وذلك لتفهمي لطبيعة الظروف التي أدت إلى ذلك، وفي محاولة، يائسة ربما، لتدارك الأسوأ، أي سيطرة الإسلاميين والجهاديين على ساحة القتال.

لكن، ومنذ مؤتمر أنطاليا بطابعه الارتجالي، وتلاعب الإخوان المسلمين بالأمور عن طريق التحضير لمؤتمر بروكسل لفرض واقع آخر على الساحة، ورفض بعض الشخصيات الاعتبارية العلمانية الهامة كبرهان غليون وغيره المشاركة فيه، انتهاءاً بتشكيل المجلس الوطني، بات من الواضح أن احتواء الأزمة القادمة أصبح شبه مستحيل.

ومن المؤشرات في هذا الصدد أيضاً جاء اعتراض معارضوا باريس على المشاركة في المنتدى الذي نظّمه برنارد هنري-ليفي لدعم الثورة السورية، وذلك بعد عقد مؤتمر أنطاليا بأسابيع، وهو الحدث الذي لم نتمكّن أنا وخولة من حضوره وقتها بسبب حاجتنا إلى استخراج وثيقة سفر جديدة. وجاء اعتراض معارضوا باريس على هذا الحدث بناءاً على مواقف هنري-ليفي من الفلسطينيين، وبصرف النظر عن علاقاته القوية مع إدارة ساركوزي التي سمحت له بتسهيل تحصّل المعارضة الليبية على تأييد فرنسا لها قبل أسابيع قليلة فقط. لقد وضع معارضوا باريس فلسطين قبل سوريا، وموقعهم في الساحة السياسية اليسارية في فرنسا الذي كان يمكن أن يتأثر سلباً جرّاء مشاركتهم في منتدى هنري-ليفي، قبل احتياجات الثورة السورية، وذلك في وقت كان اليمين الفرنسي هو المتحكّم في القرار السياسي هناك.

برنارد هنري-ليفي يتحدث إلى التلفزيون الفرنسي في الـ 4 من تموز 2011 قبيل عقده لمؤتمر "إنقاذ سوريا"
 المقاربة الأفضل هنا كانت تتطلب عدم الاعتراض على المنتدى وعدم مهاجمته، وترك المشاركة المباشرة للشخصيات السورية المستقلة أو الأقرب إلى اليمين، مع التنسيق معها من وراء الكواليس. لكن هذا الأمر كان يتطلّب وجود معارضة منظمة وبراجماتية، وهو الأمر الذي لايزال غائباً عن الساحة السياسية السورية أينما وجد السوريون.

طبعاً، هذا الانتقاد لا يعني أن تدخّل هنري-ليفي كان سيفضي بالضرورة إلى التأييد الفرنسي المنشود لدعم المعارضة في سوريا وبالشكل المناسب، لكن طريقة تعامل المعارضة مع مباردته ترك انطباعاً سلبياً عند السطات الفرنسية بل والأمريكية أيضاً، وهو الأمر الذي لم يحاول ممثلوها إخفاءه عنا، . كما جاء الأمر كمؤشّر مبكّر على تفكّك المعارضة وعجزها عن التفكير بالشكل المناسب فيما يتعلّق بكيفية إدارة سيناريو التغيير في سوريا والتصدي للتحديات التي ستواجه الجميع في هذا الصدد. أي أن المعارضة كشفت باكراً عن أنها ستكون هي أيضاً جزءاً من المشكلة في سوريا، تماماً كالنظام، وهو انطباع دأبت المعارضة على تكريسه من خلال نشاطاتها التالية أيضاَ.

وإن كان من الظلم، بل والسذاجة، اختزال تردّد المجتمع الدولي، وخاصة الدول الغربية، فيما يتعلّق بالتدخّل في سوريا بسلوك المعارضة وحسب، تبقى نقطة البداية للانطلاق نحو العمل لتغيير الموقف الدولي وثيقة الارتباط بقدرة المعارضة على مراجعة وتغيير سلوكياتها بل وعقليتها في التعامل مع المجتمع الدولي وقضايا كثيرة متعلّقة بمستقبل سوريا والمنطقة.

إن الاصرار على المثابرة على نهج التشكّي والاعتراض وحسب، مع إهمال الحاجة المستمرة إلى إعادة ترتيب الأولويات، وتحديد الجهات المختلفة التي يتوجّب علينا التعامل معها، والتنازلات التي يمكن تقديمها ، والاتفاق على الطرق والتوقيت الأنسب لذلك، إلى غيرها من أمور، سيبقى يدلّ على أن المعارضة لا تعرف موقعها من الإعراب بعد، ولا حجمها الحقيقي فيه، وأنها بالتالي غير قادرة على مساعدة شعبها على التأقلم مع الواقع.

هذه حصيلتي خبرتي مع المعارضة حتى منذ ما قبل الثورة، ولم يزدنِ أدائها منذ اندلاعها إلا تشكّكاً في قدراتها. لكني لا أملك حلولاً لهذا الداء، ولا يشكّل ما تعرّضت له شخصيات المعارضة من اضطهاد ممنهج عبر العقود الماضية على يد النظام وأزلامه تفسيراً كافياً لفشلها، لأن الداء نفسه يبدو مستشرياً في صفوف تلك الشخصيات التي أمضت عقوداً خارج ارض الوطن أيضاً.

وربما كان على السوريين اليوم أن يحتفوا بهويتهم من خلال نجاحاتهم الفردية أينما كانوا وحلّوا في هذا العالم، عوضاً عن الاستمرار في محاولة تشكيل هوية جمعية لا يبدو أنهم مؤهّلين لبنائها. لأن بناء هويات جمعية في عصرنا هذا، هويات قادرة على المساهمة في بناء الحضارة عوضاً عن الانخراط في محاولات مقاومة عدمية لها، يتطلّب منا الكثير من المرونة والذرائعية السياسية. ولن تمهّد لنا الإيديولوجيات إلا الطريق إلى الهزائم المتتالية.

لماذا كل هذا الكلام الآن؟ والهدف من ورائه؟

قد يرى البعض في كلامي هنا، وفي هذا الوقت بالذات الذي ابتعدت فيه عن الأضواء، حباً في التباهي والتبجّح، أو رغبة في التعويض ومحاولة لاستعادة الأضواء، أو تعبيراً عن نرجسية مريضة ما، إلى آخره من الافتراضات السلبية المعتادة التي يفضل البعض التعامل فيها مع طروحاتي لأسبابهم الخاصة وبصرف النظر عن الدوافع، سواء كانت إيديولوجية أو شخصية. وقد يرتبط هذا الأمر إلى حدّ ما أيضاً بطريقتي المباشرة دائماً، والنزقة أحياناً، في التعبير والإفصاح عما يجول في صدري وعقلي من أفكار وخواطر.

لكن، وبصرف النظر عن هذه الاعتبارات،  يأتي كلامي هنا كمكاشفة أصبحت ضرورية في رأيي قبل بدء مرحلة جديدة من حياتي قد تأخذني إلى اتجاهات مختلفة كثيراً عما سبق.

ولقد تكشّفت حياتي كناشط حتى اللحظة على شكل سلسلة طويلة ومتتالية من الإخفاقات والإحباطات التي، وإن لم يكن أيّ منها مفاجئاً في الواقع، كان كلّ منها مرهقاً بطريقته الخاصة.

لكن المعركة بالنسبة لي كانت تستحقّ الخوض، وماتزال. لأن مفتاح النصر هنا يكمن  في المثابرة والاستمرار، مادام  ذلك ممكناً بالطبع ومن الناحيتين الجسدية والنفسية، فالتعب ليس هزيمة بحدّ ذاته، بل واقع جديد ينبغي على المرء أن يوجد الوسائل المناسبة للتعامل معه.

وإن شاب مواقفي المعلنة أيّ تناقض خلال انتقالي من مرحلة إلى مرحلة، فالأمر، كما حاولت أن أوضح هنا، جاء نابعاً عن رغبتي في الاستمرار في العمل على الرغم من تغير الوقائع التي توجّب علي التعامل معها.

أي أني أعدت ترتيب الأولويات واختيار الوسائل بما يتناسب مع الوقائع المتغيرة من حولي، مع الحفاظ على ذات الأهداف التي سبق وأعلنت عنها في "بيان ثروة" وغيره من الكتابات، أي: العمل وبشكل سلمي على تحقيق تغيير ديموقراطي في سوريا والمنطقة من خلال بناء جسور للتواصل ما بين المكوّنات المختلفة، والتركيز على قضايا التنمية البشرية، والدعوة إلى بناء اتحاد مناطقي لامركزي وفقاً لخطط وجداول زمنية واضحة.

إذ يتجلّى الثبات في تمسّك المرء بالمبادئ لا بالوسائل والأولويات والتي ينبغي عليها أن تتغير بتغير الحقائق والوقائع. إذ لا مناص للمرء من مراجعة وتعديل وسائله وأولوياته عند تغير الظروف والشروط من حوله، مع الحفاظ على الوجهة والأهداف العامة لعمله، لأن الإخفاق في التأقلم مفتاح للفشل والتهميش. أما فيما يتعلّق بمراجعة المرء لمبادئه، فهذه ضرورة مستمرة مدى الحياة. وقد تمرّ على المرء مراحل يشهد فيها تغيراً جذرياً في مبادئه، لكن يبقى هذا الأمر هو الاستثناء، وتبقى المراجعة المستمرة للمبادئ هي القاعدة والأساس.

ويبقى التجسيد العملي لهذه الأفكار، على الرغم من وضوحها، هو التحدّي الذي طالما أخفقنا في مواجهته.

وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى السؤال المتعلّق بالهدف من وارء هذه المكاشفة: الأمر ببساطة يتعلّق بضرورة التنبّه إلى المضامين الحقيقية  للمرحلة القادمة في سوريا والتي قد تبدأ قريباً بسقوط ما تبقى من النظام، إذ ينبغي علينا أن نعاين هذا الحدث بمنأى عن مفاهيمنا الإيديولوجية التقليدية ورغباتنا، المشروع منها، والمخيف. فسقوط ما تبقى من نظام، هذا ما لم تدخل إيران وروسيا مرة أخرى، وأخيرة، للحيال دونه وكسب المزيد من الوقت كجزء من مناوراتهما التي تشمل مناطق وجبهات أخرى، بعضها داخلي، لن يمهّد إلى نهاية الصراع في سوريا والمنطقة، بصرف النظر عن رجائنا وأمانينا، بل إلى بدء مرحلة حديدة له قد تكون أكثر دموية، خاصة على الصعيد السوري.

ولن يكون بوسع المعارضة السورية، نظراً لضعفها وتشرذمها وارتهان بعضها بأجندات القوى الإقليمية المتصارعة، الحيلولة دون الدخول في هذه المرحلة الجديدة، لكنها لن تتمكّن أيضاً حتى من تخفيف وقع هذا الأمر على الناس، وهو أقل ما يمكن لها تقديمه، إذا ما بقيت ترتكس إلى الخطاب المؤدلج ذاته، وآليات العمل العقيمة ذاتها من شخصنة وتسويف ورفض الاعتراف بواقع الأمور. فأذا ما أرادت المعارضة أن تسترجع بعضاً مما فقدته من الشرعية والمصداقية أن تركز جلّ جهودها على كل ما يتعلّق بتحسين الظروف المعيشية للاجئين أينما كانوا وحلّوا، وهذا أمر يمكن للمعارضة على ضعفها التأثير فيه من خلال تحسين طريقتها في التعامل مع وسائل الإعلام الإعلامية، والتواصل مع المنظمات الدولية الكبيرة المعنية بهذا الأمر، بما في ذلك المنظمات المختلفة التابعة للأمم المتحدة. 
 
لاجئون سوريون في مخيم الزعتري في الأردن
إن تعامل المعارضة بمؤسساتها ورموزها مع التفاصيل الجيوسياسية للتطورات في البلد والمنطقة على أنها العناوين العريضة التي ينبغي للصف الأول التعامل معه، في حين يتم التعامل مع قضايا مثل الظروف المعيشية للاجئين والعمالة والتعليم والمشافي الميدانية، إلى غيرها من أمور معيشية، على أنها تفاصيل تناسب الصف الثاني أكثر، الذي ينبغي عليه إثارتها في الاجتماعات التقنية الطابع التي تجري بعيداً عن الأضواء، هو خلط غريب للأولويات، ودليل واضح وصريح حول انقطاع المعارضة التقليدية عن واقع العمل السياسي والذي يمثّل إعطاء الأولوية فيه للقضايا المعيشية مادته الأساسية الفاعلة في كل حال، بل خاصة في أيام الأزمات والمحن.

إن إصرار النظام فيما سبق ولفترة طويلة على صرف معاشات وتعويضات لموظفي الدولة حتى في تلك المناطق التي لم تعد خاضعة تماماً لسيطرته نبع عن فهمه لأهمية هذه الخطوة للحفاظ على مصداقية ما حتى عند تلك الشرائح التي فقد مشروعيته عندها. لقد آن للمعارضة أن تتعلّم أهمية هذه الأمور ومكانها الحقيق من الإعراب في العمل السياسي.

إن إصرار الصف الأول للمعارضة ورموزها على الظهور كمحلّلين سياسيين للأحداث والتطورات المختلفة في البلد والمنطقة يضرّ بهم، وبموقعم من الإعراب، وبالمعارضة ككلّ، ويفقدهم مصداقيتهم عند الناس. بل هو أدى إلى ذلك فعلاً. إن الواجب الأساسي للمعارضة، بمؤسّساتها ونخبها ورموزها، يتمحور حول تمثيل هموم الناس، لا في المحاولة المستمرة والدؤوبة للتذاكي عليهم.