‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلمانية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلمانية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 17 ديسمبر 2018

الأقباط: مواطنون وغرباء



"الأقباط" هذا هو موضوع حلقتنا الأساسي لهذا اليوم. لكن البداية كالعادة مع جولة إخبارية سريعة:

أميركا تودّع جورج بوش الأب
قدّاس قبطي في السعودية
اعتراض السلطات البريطانية على محتوى موقع "جهادولوجي"
قناة سي. إن. إن. تنهي عقدها مع مارك لامونت هيل لإدلائه بتصريحات مثيرة للجدل 
الممثل عباس النوري يشكك في شخصية صلاح الدين الأيوبي
عرب قدامى في قلب الجزيرة العربية ولا يتكلمون العربية كلغتهم الأم
تعرض أول لاعبة كرة قدم تتسلم الكرة الذهبية لتعليقات جنسية
  
المدخل

يدعي الإسلاميون أن الأقباط "أسعد أقلية في العالم". لكن الواقع أنهم يتعرضون لأصناف عدة من الاضطهاد تجعلهم يشعرون أنهم مواطنون من الدرجة العاشرة، وأين؟ في وطنهم الأم ذاته؟ ولماذا؟ بسبب اضطهاد أخوتهم في الوطن لهم وتجاهلهم لشكاويهم وحقوقهم.

ما هو المطلوب من الأقباط؟ أن يقبلوا بالذل صامتين؟ أن يرحلوا ويتركوا أرض الوطن؟ أن ينتفضوا ويثوروا؟ أم هل هناك إمكانية للتوصل إلى معادلات منطقية للتعايش السلمي تحافظ على حقوق الجميع وكرامتهم؟ 

المحور 1: تعريف سريع بالأقباط

لكن، دعونا نسأل أنفسنا أولاً: من هم الأقباط؟ معظمنا في المنطقة وفي مصر نفسها لا يعرفون الكثير عنهم.

الأقباط – حقائق

  • ليسوا أصحاب دين معين فقط بل أصحاب انتماء قومي واضح له لغته الخاصة والأقدم من اللغة العربية، ولها لهجتان أساسيتان: البحيرية والسهيدية، علاوة على لهجات أخرى. لكن الكلام باللغة القبطية أصبح شبه معدوم على مستوى الحياة اليومية، ولا يستخدم إلا في الصلوات. 
  • الأقباط ليسوا عرباً. 
  • أكبر تجمع مسيحي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
  • نسبة الأقباط في مصر تتراوح ما بين 6 و15%، بسبب خلاف التقديرات ما بين الحكومة والكنيسة. نسبتهم في ليبيا والسودان (1%)
  • معظم الأقباط ينتمون إلى الطائفة الأرثودوكسية، لكن هناك أقباط إنجيليين (بروتستانت) وكاثوليك أيضاً.
  • ليس كل مسيحيي مصري قبطي. وليس كل أقباط مصر مسيحيين. فالمسلمون في مصر هم خليط من الأقباط والعرب وقوميات أخرى.
  • هناك اختلاف ثقافي بين أقباط الشمال والجنوب.
  • مصطلح "القبطي" وردنا عن طريق المصادر اليونانية والرومانية والعربية القديمة عن الأصل المصري هوت-كا-بتاح (معبد لروح الإله بتاح).
  • هناك سلسلة رسولية غير منقطعة تبدأ مع تأسيس الكنيسة القبطية في مصر على يد القديس مرقص في عام 42 ميلادية وتستمر حتى هذه اللحظة. وهذا يعطي خصوصية للكنيسة القبطية.
  • أصبح الأقباط المسيحيين الغالبية في مصر مع بدايات القرن الثالث ميلادية، وأصبحوا أٌقلية في منتصف القرن العاشر.
  • بدأت ظاهرة الأديرة والخلوات مع الأقباط ثم انتشرت في الأوساط المسيحية في أنحاء العالم.
  • بعد مجلس خلقدونيا، انقسم المسيحيون إلى فرقتين رئيستين: الملكيين والميافيزيين، وإليها انتمى الأقباط. الاعتقاد الأساسي أن الطبيعة الإلهية والبشرية للمسيح توجد معاً متحدتين دون فصل أو انقسام أو خلط.
  • عومل الأقباط كأهل ذمة إلى أن جاء "محمد علي،" فتحسنت أحوالهم وبدأ يُسمح لهم بتقلّد المناصب الرفيعة والخدمة في الجيش ودفع الضرائب العادية.
  • ما يزال الأقباط والمسيحيون يعانون من التمييز والاضطهاد في مصر: صعوبة في الحصول على تراخيص لتجديد وبناء الكنائس، حرمان عملي لهم من لعب كرة القدم على مستوى الأندية الكبيرة، وهناك أعمال ونشاطات إرهابية تستهدفهم.
المحور 2: أوجه الظلم الذي يتعرض له الأقباط

هناك ثلاث أطراف مسؤولة عن الظلم الواقع على الأقباط: الحكومة والإسلاميون والمجتمع.

الحكومة: 
  • كان الحصول على ترخيص لبناء الكنائس أو حتى تجديدها أمراً في غاية الصعوبة، وما يزال، على الرغم من صدور قانون جديد لذلك قبل عامين، لكن القانون بحد ذاته شيء والتطبيق شيء آخر.
  • عدد الأقباط الذين يتم تعيينهم لشغل المناصب الحكومية المختلفة لا يتناسب على الإطلاق مع حجمهم الديموغرافي أو مستواهم التعليمي، سواء تكلمنا عن الوزرات أو المحافظات أو أي من مؤسسات الدولة المختلفة، بما في ذلك المؤسسات الأمنية.
  • هناك تغييب للماضي القبطي سواء في المناهج التعليمية أو الإعلام الرسمي، في محاولة تبدو ممنهجة ومقصودة لمحو الهوية القبطية. هذا في وقت تشير فيه الدراسات التاريخية إلى أن المسلمين لم يصبحوا أغلبية في مصر إلا بحلول عام 1000 م.
  • تقصير واضح في حماية الأقباط من أعمال العنف الموجهة ضدهم، بما في ذلك الأنشطة الإرهابية. 
 الإسلاميون: 
  • استهداف الأقباط من قبل جماعات إرهابية.
  • التحريض ضد الأقباط من قبل الإسلاميين عامة ولومهم على الكثير من المشاكل التي تواجه الدولة والتعامل معهم وكأنهم طابور خامس وعملاء للصهاينة والغرب وأعداء الإسلام.
 المجتمع:

بسبب الجهل، واستغلاله من الإسلاميين والوصوليين، يواجه الأقباط اضطهاداً اجتماعياً كبيراً. إذ غالباً ما تؤدي الإشاعات حول الأقباط إلى أعمال عنف ضدهم خاصة في المناطق الريفية.

وتنقسم الإشاعات عادة إلى ثلاث أصناف: 
  • رغبة الأقباط ببناء كنيسة، حتى في حالة عدم رغبتهم بذلك،
  • اتهام قبطي بأنه على علاقة بمسلمة،
  • واتهام قبطي بأنه أساء على الله أو رسوله

عادة ما تؤدي هذه الإشاعات إلى أعمال عنف ضد الأقباط، في حين يرفض رجال الشرطة التدخل لحماية المساكن والمتاجر القبطية على الرغم من معرفتهم مسبقاً في الكثير من الأحوال أن أحداث شغب على وشك الوقوع.

التعامل مع النتائج من خلال تأسيس مجالس عرفية يحضرها أعداد متساوية من الطرفين، "تتصافي فيها القلوب" ولا يتم معاقبة أحد، بل قد يتم طرد القبطي أو العائلة القبطية التي اتهمت بالإساءة. لا يعاقب المسلمون في معظم الأحيان على أي جريمة اقترفوها بحق الأقباط، بما في ذلك القتل والسرقة.

هذا الواقع باختصار، فهل ثمة حل؟

المحور 3: حلول مقترحة لمعالجة وضع الأقباط

في حال توفرت الإرادة السياسية للتعامل مع هذه القضية الحساسة والمتشعبة الأبعاد بلا شك، فنعم، هناك أكثر من طريقة يمكن من خلالها تحسين وضع الأقباط في مصر بالتدريج وصولاً إلى تحقيق المساواة في فترة منطقية، لا تسرّع فيها ولا تسويف.

  • تعديل المناهج التعليمية بحيث تشمل اعترافاً واضحاً بالتاريخ القبطي ودورهم في بناء الحضارات المتعاقبة على مصر، بل بتاريخ التنوع في المنطقة ككل.
  • ولا يقتصر إصلاح المناهج التعليمية على التاريخ فقط، لابد من الكلام الصريح أيضاً عن الحقوق المدنية، والمساواة، مع التركيز على الدراسات الاجتماعية والانفتاح على الحضارات الأخرى، وأولويات التفكير النقدي.
  • تعيين المزيد من الأقباط في المناصب الرسمية على مختلف الأصعدة استناداً إلى قدراتهم. لا أحد يطالب بتعيين الجهلة. لكن من الواضح أن نسبة التعليم عند الأقباط عالية على الرغم من كل شيء، وهذا يعني أن هناك وفرة في الشخصيات القبطية القادرة على تبوء مختلف المناصب وأعلاها.
  • تشجيع التنمية المحلية المشتركة، نشاطات التعاون بين القرى القبطية والمسلمة في أماكن الاختلاط، وتشجيع تأسيس منظمات مدنية تراقب نشاطات المتطرفين، وتسعى إلى مكافحة الجهل المتبادل، والشائعات.
  • تدريب رجال الشرطة في مناطق الاختلاط للتعامل بشكل أكثر فعالية مع أعمال الشغب، مع إصرار على معاقبة المشاغبين والمحرضين.
  • مع مراعاة حرية التعبير، لابد من وضع ضوابط صارمة لخطاب الكراهية والخطاب التحريضي. 

لا يوجد في أي من هذه الإجراءات ما يمكن اعتباره معاملة تفضيلية للأقباط، فلا أحد يطالب بحجز حصة معينة في التعيينات، فقط في أن يكون هناك تناسب منطقي ما بين حجم الأقباط الديموغرافي وحجم التعيينات في المناصب المختلفة والوظائف. ولا يوجد مطالبة بحماية خاصة للأقباط، الحماية المطلوبة هي للأمن والاستقرار خاصة في المناطق المختلطة والتي شهدت أو يمكن أن تشهد نشاطات تحريضية وتخريبية. هذه الإجراءات ضرورية حتى في المجتمعات الديمقراطية في الغرب: تدريب رجال الأمن على التعامل مع قضايا التنوع أو مع المناطق الحساسة حدث طبيعي هناك.

رفع الشعارات المتعلقة بالمواطنة لا يكفي. وتوقّع أن المساواة والحقوق يمكن أن تتحقق عن طريق سنّ القوانين والتشريعات دون تبني إجراءات تمهيدية وانتقالية ومراعاة للأوضاع المحلية يمثل طريقة ساذجة في التعامل مع الأمور. يمكن للتغيير أن يبدأ اليوم، بل ينبغي له أن يبدأ اليوم. فالوقت لم يعد حليفنا.  لكن المساواة الحقيقية لن تتحقق اليوم أو غداً، بل تتطلب متابعة وصبر ومثابرة.

حتى يتحقق التغيير، سيبقى الأقباط يشعرون بالتغرب في وطنهم، فطوبى للغرباء.

موقف عمار

الأقباط جزء أساسي من النسيج المصري. ولا يمكن لمصر أن تنهض وتساهم في مسيرة التقدم الإنساني من جديد من غيرهم، ولا يهم من هذا المنطلق إن كانوا أقلية أم أكثرية، إذ لا يمكن تغييب حقوق الأقلية من غير اضطهاد الأغلبية، وبالتالي لا يمكن للمصريين أن ينهضوا إلا متحدين. هذا أو الهاوية.

الثلاثاء، 12 سبتمبر 2017

المعصية والاستبداد


الحرة / من زاوية أخرى -- إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا" مقولة مشهورة ورائجة في المجتمعات العربية والإسلامية هذه الأيام، يخالها البعض حديثا نبويا وهي ليست كذلك وإن اتفقت من حيث المضمون مع أحاديث معروفة.

وغالبا ما تستخدم هذه المقولة كطريقة لشرعنة حالة الازدواجية الأخلاقية التي بات يعيشها كثير من المسلمين حول العالم من خلال التناقض الصارخ ما بين مبادئهم المعلنة وممارساتهم الفعلية، علاوة على تجييرها كمقاربة استباقية لمنع التشكيك بالمبادئ ذاتها من خلال إيجادها آلية للتعايش مع "المعصية" من دون الانخراط في أية محاولة جدية للتدقيق فيها أو لإعادة التفكير في معناها في ضوء معطيات الواقع المعاصر، واقع القوانين المدنية ومفاهيم مثل المواطنة والديموقراطية والمساواة ما بين الجنسين، بل والحرية الجنسية.

علاوة على ذلك، تستخدم المقولة أيضا كأداة في حرب نفسية مستمرة ضد أصحاب الفكر المخالف ووسيلة لقمع أي حوار جدي حول الأعراف والتقاليد والموروث من خلال تخجيل أصحاب الفكر الجديد ودفعهم لعدم المجاهرة بآرائهم وفرض حالة من الحصار الاجتماعي عليهم. إنها وسيلة لمحاربة التغيير من خلال منع طرح الأفكار الجديدة على الساحة وحصار أصحابها وعزلهم عن المشاركة في الحياة الاجتماعية والفكرية.

المقولة خطيرة إذن، لكنها لا تعبر عن تطرف في الفكر بقدر ما تنم عن هشاشة في الهوية وعقلية رافضة للتغيير ومشبعة بالخوف منه، ونفسية غير قادرة على الانتماء إلى العالم المعاصر لأنها لم تشارك في صنعه أو في تشكيل أدواته، الفكرية منها والمادية. بل تعكس المقولة حالة من الضياع وانعدام التوازن وتناقضا في الأهواء ما بين الرغبة في الاستفادة من منجزات العالم المعاصر، بحداثته وقوانينه وحرياته، بل والاستحواذ عليها أو بعضها على الأقل، ورغبة في الحفاظ على الماضي الذي لا يزال يشكل مصدر الهوية الأساسي وربما الوحيد عند الشعوب التي تبنّت هذه المقولة.

لكن هذا الموقف يأتينا كدليل على الاحتضار المستمر لهذه الشعوب حتى بعد مرور عقود على تجارب التحديث المجتمعي والسياسي والثقافي فيها، فهو من حيث قدرته على التأثير على مجريات الأمور لا يزيد عن كونه ردة فعل عدمية الطابع على الحضارة المعاصرة، ردة قادرة على تجميد عمليات التغيير والتحديث المجتمعي وعلى تدمير الشعوب والمجتمعات لكن ليس بوسعها أن تفرز أية بدائل ناجعة غير ما هو قائم من مؤسسات حضارية معاصرة، بحسناتها وسيئاتها.

ولهذا الموقف تجلياته في المجتمعات الأخرى بالطبع، فهو موقف نفسي في جوهره أكثر منه دينياً أو عقائدياً، كونه نابعا عن المنشأ الخارجي للكثير من المفاهيم الحضارية المعاصرة كما سبق ونوهنا في مقال سابق. لكن وجود حامل ديني وثقافي له في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، متمثل في المقولة المطروحة هنا، وغيرها، يفرض على مواطني هذه المجتمعات إيجاد طريقة ما لتفنيده ومعالجة آثاره وتبعاته.

إن الشعوب الحية هي تلك التي تستمد هويتها من نشاطاتها وإنجازاتها المعاصرة في المجالات المختلفة وليس من نجاحات الأجداد وأمجاد الماضي، فلكل الشعوب أمجادها وماضيها. إنها الشعوب القادرة على الانتماء للحاضر وعلى المشاركة في صناعته. إنها الشعوب التي تعطي للمواطن فيها حق المجاهرة بما يؤمن به، ما لم يدعُ إلى قتل أو سرقة أو أي تعدّ واضح وصريح على حقوق الآخرين، والتي لا دخل للدولة فيها بتعريف "المعصية"، تاركة الأمر في هذا الصدد للأفراد وللجماعات الإيمانية المختلفة بما يتناسب مع معتقداتها الخاصة، ما لم تتعد إحداها على أخرى أو تحرّض عليها.

ولاشك في أن الجماعات الإيمانية في مجتمعاتنا المعاصرة باتت بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم المعصية وفي طريقة التعامل معها في ضوء المتغيرات الجمة التي طرأت على الواقع المعاش خاصة في ما يتعلق بحق الفرد في تقرير سلوكه الشخصي، وربما أصبح لزاماً على المؤسسات الدينية في هذه المرحلة أن تكتفي بدور الناصح والمرشد وأن تبتعد عن دورها الوصائي التقليدي. وربما كان إفساح المجال أمام الأفراد للمجاهرة حتى بتلك التصرفات التي تعترض عليها المؤسسات الدينية يعطيها، والدولة، والمواطنين كافة، فرصة أفضل للتعامل مع الواقع كما هو بعيداً عن التكهنات والافتراضات.

أما الإصرار على ثقافة الاستتار فله أبعاد لا تتوقف عند حد المعاصي المتعارف عليها تقليدياً، فإن اختيار المرء أن يكون شيوعياً أو ليبرالياً مثلاً، ومحاولته التعبير عن توجهاته وآرائه هذه من خلال تصريحاته وتصرفاته، يعد معصية عند معظم الإسلاميين، بل والمسلمين عامة، فلا شك في أن بعض الخيارات والسلوكيات المرتبطة بالتوجهات السياسية والاجتماعية والفكرية المعاصرة، تشكّل معصية وفقاً للمفاهيم والأعراف والشرائع التقليدية، لذا تمثل الدعوة إلى الاستتار والسترة هنا وسيلة لقمع تيارات سياسية وشرائح اجتماعية بعينها، وتكريساً أو تأسيساً لأنظمة استبدادية دينية وطائفية الطابع.

أما في المجتمعات الحرة فلا حرج على امرئ جاهر بما يؤمن به، حتى وإن اعتبره البعض معصية، ما لم يدعُ إلى تعدّ صريح وواضح على حقوق الآخرين. أما المشاعر، فحمايتها ليست من مهمة الدول والحكومات، ولا ينبغي لها أن تكون، بل إنه من النضج أن يقبل الناس في مرحلة من العمر أن الحياة قد لا تتوافق مع رغباتهم وأهوائهم في الكثير من الأحيان، وأن يتعلموا كيف يدارون مشاعرهم عندما تتأذى، وأن لا يطالبوا الدولة بذلك، خاصة إذا كان الأمر يستدعي انتهاك الحقوق الأساسية لمن كان مختلفاُ عنهم في آرائه وتصرفاته.

الجمعة، 4 سبتمبر 2015

العدل، والإسلام، والعلمانية، والتيارات اليسارية

(1)

قال (ابن تيمية) في الفتاوى 28/63: فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى: { الله يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً }.

وقال ابن تيمية أيضاً في "رسالة الحسبة" والمدرجة في مجموع الفتاوى (ج 28/146): وأمور الناس تستقيم فى الدنيا مع العدل الذى فيه الاشتراك فى أنواع الاثم أكثر مما تستقيم مع الظلم فى الحقوق؛ وإن لم تشترك فى إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والاسلام).

وفي القرآن: "إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا" (سورة الكهف: 30).

وفي الحديث: عن أَبُي عَبْدِ الله الْأَسَدِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ". [رواه أحمد (3 / 153) والضياء في "المختارة" (249 / 2)] ["السلسلة الصحيحة": 767].

وفي السيرة، قال النبي لمهاجرة الحبشة: "...فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد." ولم يكن الملك مسلماً.

الخلاصة:

1)   العدل عماد الدولة.
2)   الله مع العدل، وينصر الدولة العادلة بصرف النظر عن معتقداتها الدينية.
3)   لاعلاقة ما بين قدرة الإنسان على التصرف بعدل، أي على إعطاء كل ذي حقّ حقّه، ومعتقده الديني.

وتعني هذه النقاط الثلاث أنه وعلى المستوى الجمعي والمؤسّساتي (فما الدولة إلا مؤسّسة أو مجموعة مؤسّسات)، العدل هو الأساس وليس المعتقد. فالمعتقد يأطر للعلاقة ما بين الله والفرد. أما العلاقة ما بين الفرد والفرد، فينبغي أن تخضع لمبادئ تنبع من إنسانية الجميع ورغبتهم في العيش بحرية وأمان، ولهذا لايمكن لهذه العلاقة أن تُنظّم بناءاً على معتقد مجموعة معينة من الأفراد بصرف النظر عن معتقدات الآخرين، فليس هذا من العدل من شيء.

فالمعتقد بطبيعته يفرّق، ولايمكن به بالتالي أن يكون أساساً لقيام الدول، أما العدل فيجمع، والناس في التاريخ الإسلامي لم يأسفوا على رحيل حاكم إلا وكان عدله هو الصفة الأساسية التي دفعتهم إلى ذلك.

وفي هذا كله تبرير وشرعنة إسلامية لمفهوم العلمانية، بعيداً عن كل السفسطة المحيطة بهذا المفهوم.

وفي هذا أيضاً دليل على أهمية التراث وقدرته على المساهمة في مساعينا لإيجاد حلول عقلانية لمشاكلنا الحالية، وذلك إذا ما تعاملنا معه بشكل موضوعي ومنهجي ونقدي بناء. إن من نبش ألف وأربعمئة عام من الحضارة الإسلامية ولم يجد أمامه إلا الترّهات فلأنه مسكون بالترّهات أساساً. وهنا جوهر مشكلتنا مع الكثير من الإسلاميين اليوم، لأنا حتى لو خاطبناهم بلغة الإسلام ذاتها، بل بلغة أولئك العلماء مثل ابن تيمية الذين يلعب فكرهم دوراً كبيراً في تشكيل الوعي الإسلامي المعاصر، لن يفهموا ولن يفقهوا. ولنا في محاولات نصر حامد أبو زيد، وخليل عبد الكريم، وهادي العلوي وغيرهم خير دليل على ذلك.

(2)

المشكلة ليست في التراث الإسلامي بحد ذاته إذاً، والذي لا يختلف عن غيره من حيث احتوائه لما هو سلبي وإيجابي، ومن حيث ذخره بالكثير من الشخصيات التي لها سلبياتها وإيجابيتها مثل ابن تيمية ذاته والذي أدى إنعاش فتواه المنسية بحق "النصيرية" في سبعينات القرن الماضي إلى تعميق الهوة ما بين المكونين السني والعلوي في سوريا ولبنان، وبالتالي من حيث احتياجه المستمر للتحليل والتنقيح بحثاً عما هو مفيد لنا، بل وللبشرية جمعاء، في عصرنا هذا. بل تكمن المشكلة الحقيقة في حالة الذعر التي يغرق بها الإسلاميون، وغيرهم من المثقفين الإيديولوجيين الشرقيين، عند معاينتهم للواقع المحيط بهم، والذي ما بوسعهم الانتماء إليه لأنهم لم يساهموا في صنع أي شيء فيه، والذي لا يمتّ لما يؤمنون به بأية صلة، هذا الواقع الذي يشعرهم بالعجز والاغتراب واللاإنتماء. ويبدو أن الحل الأسهل بالنسبة لهم في مواجهته يتلخص بالإرتكاس، ليس فقط إلى ما هو قديم (الإسلام) وجاهز (فكر عدد محدد من العلماء)، بل إلى تبني العقائد والمظاهر والممارسات الأكثر اختلافاً عن القيم المعاصرة كنوع من المبالغة في الرفض والتحدي.

من آراء ابن تيمية الأخرى التي تستوجب التفنيد بدورها، بل الرفض التام، لما فيه من تقليص لدور العقل وحرية الفرد، لكنه للأسف ينمّ عن اعتقاد شائع بين الإسلاميين على اختلاف مشاربهم.

أما فيما يتعلق بالمعتدلين منهم، والذين قد يتبنى بعضهم، خاصة الذكور، بعض المظاهر العصرية فيما يتعلق بالملبس والمعشر (الاختلاط)، فإن اعتدال معظمهم يبقى في واقع الأمر سطحياً، وغالباً ما يتجلى في وثائق غرائبية وموجهة للرأي العام العالمي أكثر منها لشعوبهم، مثل إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام، والذي يربط كل مواده بالشريعة الإسلامية دون أية محاولة لرفض تلك الأحكام فيها التي تتعارض كلية مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مما يفقده قيمته جملة وتفصيلاً.
  
 إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام هو إعلان تم إجازته من قبل مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، القاهرة، 5 أغسطس 1990.

الديباجة: تأكيداً للدور الحضاري والتاريخي للأمة الإسلامية التي جعلها الله خير أمة أورثت البشرية حضارة عالمية متوازنة ربطت الدنيا بالآخرة وجمعت بين العلم والإيمان، وما يرجى أن تقوم به هذه الأمة اليوم لهداية البشرية الحائرة بين التيارات والمذاهب المتناقضة وتقديم الحلول لمشكلات الحضارة المادية المزمنة.

المادة 6: أ- المرأة مساوية للرجل في الكرامة الإنسانية، ولها من الحق مثل ما عليها من الواجبات ولها شخصيتها المدنية ذمتها المالية المستقلة وحق الاحتفاظ باسمها ونسبها. ب- على الرجل عبء الإنفاق على الأسرة ومسؤولية رعايتها.

المادة 10: الإسلام هو دين الفطرة، ولا يجوز ممارسة أي لون من الإكراه على الإنسان أو استغلال فقره أو جهله على تغيير دينه إلى دين آخر أو إلى الإلحاد.

المادة 16: لكل إنسان الحق في الانتفاع بثمرات إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني أو التقني. وله الحق في حماية مصالحه الأدبية والمالية العائدة له على أن يكون هذا الإنتاج غير مناف لأحكام الشريعة.

المادة 19: ... د- لا جريمة ولا عقوبة إلا بموجب أحكام الشريعة.

المادة 22: أ- لكل إنسان الحق في التعبير بحرية عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية. ب- لكل إنسان الحق في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقاً لضوابط الشريعة الإسلامية. ج- الإعلام ضرورة حيوية للمجتمع، ويحرم استغلاله وسوء استعماله والتعرض للمقدسات وكرامة الأنبياء فيه، وممارسة كل ما من شأنه الإخلال بالقيم أو إصابة مجتمع بالتفكك أو الانحلال أو الضرر أو زعزعة الاعتقاد.

المادة 24:كل الحقوق والحريات المقررة في هذا الإعلان مقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية.

المادة 25: الشريعة الإسلامية هي المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح أي مادة من مواد هذه الوثيقة.

يمكن الإطلاع على تحليل عبد القادر أنيس للإشكالات المختلفة الكامنة في الإعلان على موقع الحوار المتمدن. لكن ننوه هنا إلى النقاط التالية:

1.               التناقض الجلي في تفضيل الإعلان لأمة بعينها على حساب كل الأمم الأخرى (الديباجة والمادة 10).
2.               المادة 16، ومن خلال تقييدها للإنتاج الأدبي والفني بأحكام الشريعة، تمثل رفضاً لمعظم ما أنتجه الأدباء والفنانون العرب والمسلمون عبر القرن الماضي وهي بالتالي تتنافى مع حرية التعبير.
3.               قبول المادة 19 بأحكام الشريعة فما يتعلق بالجريمة على الرغم من احتوائها على عقوبات قروسطية مثل قطع اليد والصلب والرجم.
4.               تقييد حرية الرأي والأمر المعروف والمنكر بمبادئ وأحكام الشريعة، علاوة على تحريم "زعزعة الاعتقاد" يتنافي بدوره مع حرية التعبير.
5.               تشكل المادتان 24 و25 من الإعلان إلغاءاً عملياً لكل ما سبقه من مواد، وتكريساً لدور الشريعة، كما هي، كالمرجع الأول والأخير للمجتمعات الإسلامية.

 من ناحية أخرى، يشكّل إيمان هؤلاء المعتدلين بأمور مثل الإعجاز العلمي في القرآن والطب النبوي، علاوة على مبالغتهم في كتبهم "التنويرية" و"الإصلاحية" لمساهمة الحضارة الإسلامية في النهضة العلمية الأوروبية، محاولة رخيصة للاستحواذ على منجزات الحضارة الغربية المعاصرة.

(3)

لكن المشكلة هنا لا تتوقف على الإسلاميين، فتصرفات معظم المفكرين العلمانيين، اليساريين خاصة (إذ مايزال دور الليبراليين، بأنواعهم، في تشكيل الوعي العربي والإسلامي المعاصر محدوداً لأسباب كثيرة)، لا تقل تناقضاً.

فاليسار استورد عقائده جاهزة من الغرب (الشيوعية والاشتراكية والفوضوية) دون أن يقوم منظروه بأية مراجعة جدية لها، وحوّل مواقفه المناهضة للإمبريالية إلى عداء صريح للحضارة الغربية ككل. كما يدل استمرار النزعات العشائرية و"المحافظة" للكثير من أتباع التيارات اليسارية على الصعيد الاجتماعي على فشلهم في تقبل السلوكيات الناجمة بشكل طبيعي عن مبدأ الحريات الفردية، خاصة فيما يتعلق بحرية المرأة. ومع ذلك، هناك ما يكفي من الاختلاف في الأنماط السلوكية الاجتماعية ما بين أعضاء التيارات الإسلامية واليسارية (والليبرالية) لخلق أزمة كبيرة بينهم فيما يتعلق بطبيعة الدولة والأنظمة الحاكمة فيها، في حين تسمح لهم مواقفهم المناهضة للإمبريالية والرأسمالية والغرب بإيجاد أرضية سياسية مشتركة. ولقد لعب هذا الأمر دوراً كبيراَ في تشكيل الوعي العربي والإسلامي المعاصر، وبالتالي في الأزمة الراهنة التي تمر بها غالبية الشعوب التي تحمل إحدى أو كلا هاتين الهويتين.
  
الميثاق العربي لحقوق الإنسان: اعتمد من قبل القمة العربية السادسة عشرة التي استضافتها تونس في  23 أيار، 2004.

الديباجة: انطلاقاً من إيمان الأمة العربية بكرامة الإنسان الذي اعزه الله منذ بدء الخليقة وبأن الوطن العربي مهد الديانات وموطن الحضارات ذات القيم الإنسانية السامية التي أكدت حقه في حياة كريمة على أسس من الحرية والعدل والمساواة.

المادة 3: 3- الرجل والمرأة متساويان في الكرامة الإنسانية والحقوق والواجبات في ظل التمييز الايجابي الذي أقرته الشريعة الإسلامية والشرائع السماوية الأخرى والتشريعات والمواثيق النافذة لصالح المرأة.

مادة 33: 1- الأسرة هي الوحدة الطبيعية والأساسية للمجتمع.

مادة 43: لا يجوز تفسير هذا الميثاق أو تأويله على نحو ينتقص من الحقوق والحريات التي تحميها القوانين الداخلية للدول الأطراف أو القوانين المنصوص عليها في المواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها أو أقرتها بما فيها حقوق المرأة والطفل والأشخاص المنتمين إلى الأقليات.

تم وضع هذا الميثاق من قبل القوى القومية العربية العلمانية التي تسيطر عليها التيارات اليسارية بشكل كبير، وإن كان للشخصيات الليبرالية مساهمتها فيه أيضاً.

ومن منطلق حقوقي بحت يبدو من الواضح أن الميثاق أفضل بمراحل من نظيره الإسلامي وأقرب في مواده من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي شكّل مرجعية أساسية له، إضافة إلى المواثيق الدولية الأخرى المتعلقة بحقوق  الإنسان (المادة 43).

لكن، بوسعنا أن نرى فيه إيضاً ذات الغطرسة والغرور الفئوي ("الوطن العربي مهد الديانات وموطن الحضارات ذات القيم الإنسانية السامية...")، وإشكالية واضحة فيما يتعلق بدور المرأة ("في ظل التمييز الايجابي الذي أقرته الشريعة الإسلامية..." المادة 3)، ونزعة عشائرية محافظة من خلال اعتبار الأسرة، وليس الفرد، بمثابة "الوحدة الطبيعية والأساسية للمجتمع" (المادة 33).

 ولا يمكن لهذا الوضع أن يتحسّن حتى يتصالح أتباع هذه التيارات مع ضرورة الانخراط النقدي بالحضارة الغربية العالمية المعاصرة، بما فيها من قيم، الأمر الذي يتطلب القيام بمراجعة شاملة ونقدية للتراث، بما فيه من قيم. وبالتدريج، ومن خلال المساهمة في تطوير حضارتنا المعاصرة هذه، خاصة في المجالات العلمية والفنية والأدبية والفلسفية والقانونية، سيجد أتباع هذه التيارات أنفسهم قادرين على الانتماء لهذه الحضارة، بل وعلى نسبها لأنفسهم أيضاً، بفضل إثرائهم لها بإنجازات حقيقية.

لا يكمن الحل إذاً في المقاومة، بل في الإنخراط، الإنخراط النقدي الواعي. فلا الغرب ولا القوى الإقليمية الناشئة حول العالم اليوم، سيفتحوا لنا أبواب الإنخراط على مصاريعها، لإن الانخراط يهدد نفوذهم أكثر من تلك المقاومة العدمية التي تبنيناها عبر العقود الماضية والتي جاءت بمثابة الطبق الذهبي الذي قدمنا عليه أنفسنا وثرواتنا طعمة وهدية للأخرين. فالإنخراط يعني زيادة حصصنا وقدراتنا التنافسية على الساحة السياسية والإقتصادية، وهذا الأمر لن يتحقق من دون معركة. لكنها ستكون معركة من نوع آخر: تنموية وسياسية بالدرجة الأولى، وإن شابها العنف في بعض مراحلها، فلن يكون عبثي الطابع، أو بالأحرى، لا ينبغي له أن يكون وإلا عدنا إلى المربع الأول. لكن هذا الأمر يتطلب نقاشاً آخر.



الأربعاء، 8 يوليو 2015

العقيدة والمصلحة

مشهد من اجتماع الجامعة العربية الذي جرى في شرم الشيخ في 28 أذار، 2015

هناك تعارض في العمق ما بين التفكير العقائدي أو الإيديولوجي، والتفكير المصلحي، ولعل تفوّق العقيدة على المصلحة عند كل تعارض هو أحد الأسباب الأساسية التي تجعلنا نشكّك في فرص نجاح أية مبادرة عقلانية للتغيير فيها. لكن التشكيك لا يبرّر الخنوع والاستسلام، لأن مستقبل المنطقة، إن أردنا له أن يكون واعداً، ما يزال يعتمد وإلى حدّ كبير على قدرة نخبها الفكرية والسياسية في تغليب النزعة العقلانية المصلحية على النزعات العقائدية غيرالعقلانية بجوهرها.

ويصف العقائديون تفضيلهم للعقيدة على المصلحة بالتضحية، لكنه في معظم الأحيان غباء أو نفاق محض يخدم النخب المستبدة والفاسدة وحسب. فالمصلحة عماد الدولة، ولا تحكم فقط العلاقات ما بين الدول. ولعل أكثر المفاهيم خطورة وتهديماً في ثقافتنا المعاصرة هو ذلك المفهوم الرومانسي للوطن والأرض، الذي روّج له مثقفو اليسار القومي خاصة، والذي يمثّل في فكرهم مرادفاً وبديلاً لمفهوم الله عند الإسلاميين، إذ يعطى هذا المفهوم الوطن (الله عند الإسلاميين)، أو بالأحرى الحاكمين باسمه (المشايخ والإئمة عند الإسلامين)، الحقّ في مطالبتنا بكل أنواع التضحيات بلا أي مقابل، لأن الوطن (الله/الدين) يستحقّ، كما دأبوا على تذكيرنا، أما نحن فلا نستحق إلا أن يضحّى بنا على ما يبدو. وفي الكثير من الأحيان، يجمع الإسلاميون واليساريون معاً على مطالبة شعوبهم بالاكتفاء بالمكافأة التي سيلقونها في الحياة الأخرى، لأن الحياة الدنيا مجرد "لهو ولعب،" لذا، فهي تستحق أن نضحّي بها من أجل سعادة محتملة ومؤجّلة دائماً.

لكن الواقع أن الدول التي لا تخدم مصالح مواطنيها من خلال احترام حقوقهم الأساسية، وتقديم الخدمات لهم، وتوفير الأمان، لا يحقّ لها مطالبتهم بالتضحية من أجلها، إلا في حال جاء تقصيرها نتيجة ظروف قاهرة وعابرة. ومن الواضح أن رغبة نخبة معينة بالاستفراد بالحكم وبالتعامل مع الوطن كمغنم لا تعتبر مثالاً مشروعاً على هذه الظروف.

ومع الوقت، يفقد مواطنو هذه الدول حسّهم بالانتماء إليها معبّرين عن ذلك بتصرّفاتهم وسلوكياتهم اليومية، وإن أصرّوا على التمسّك بذات الشعارات العقيمة للنخب الفاسدة لقيمتها العاطفية عندهم. وفي النهاية، تأتي الأزمة قاصمة الظهر التي يرتكس فيها الكل إلى انتماءات فئوية ومناطقية، فيضيع الوطن لأن الشعب سبقه إلى ذلك.



الأحد، 26 أكتوبر 2014

مشكلتنا مع الإسلاميين


مشكلتنا مع معظم الإسلاميين أنهم لايكتفون بأن يعيشوا كما يريدون بل يريدون للآخرين أيضاً، بصرف النظر عن عقائدهم أو آرائهم الخاصة، أن يعيشوا على شروطهم، متذرّعين في ذلك بإدعائهم أنهم على هدى، والآخرين على ضلالة، وأحياناً بأنهم هم الأغلبية وكأنّ للأغلبية الحق المطلق في تشكيل المجتمع على شاكلتها بصرف النظر عن الاعتبارات الأخرى. مشكلتنا مع الإسلاميين إذاً، أنهم لم يدركوا بعد معنى "الحق" في مفهوم حقوق الإنسان الأساسية. لكن الديموقراطية الحقيقية لا تنبنى إلا على أساس فهم عميق لهذا المفهوم وتقبّل له.

وإلى أن يتوصّل الإسلاميون إلى فهم أعمق للحق، سيبقوا يتصيّدون هفوات وأخطاء ومشاكل المجتمعات الغربية لينتقصوا من مفهوم الحقوق والديموقراطية والحداثة، وكأنه من المفترض أن تؤسّس هذه المفاهيم ليوتوبيا، أو أن تتصرّف المجتمعات الغربية وكأنّ هذه المفاهيم قد جرّدتها من إنسانيتها فأصبحت خالية من التعصّب والأهواء والمصالح، وتحوّل الناس فيها إلى ملائكة. إنّ عدم قدرتنا على التصرّف بمثالية في كل زمان ومكان، وفي كل الأحوال، وعدم قدرتنا على الوصول إلى مرتبة الكمال، لا تبرّر تمسّكنا بمفاهيم بالية باسم القداسة، وعدم قدرتنا على تقبّل حق الآخر في أن يكون كما يريد لنفسه أن يكون، طالما خلت تصرفاته من التعدّي على حقوقنا. أما مشاعرنا فشأن آخر، فالقوانين تحمي الحقوق لا المشاعر.

وهنا نواجه مشكلة أخرى عند الإسلاميين، فغالباً ما يتم الاعتراض من قبلهم على بعض الانتقادات ومظاهر التعبير المتعلقة بمعتقداتهم من منطلق الحماية المعنوية "للمقدسات" ولمشاعر الناس، لكن الناس ليسوا أطفالاً وعليهم أن يتأقلموا مع العيش في عالم عليه أن يحترم حقوقهم لكن ما بوسعه احترام مشاعرهم لما في ذلك من تقييد فعلي لحقوق الآخرين. والواقع أن المؤمنين أنفسهم هم عادة أقل الناس احتراماً لمشاعر الآخرين لأنهم بإسباغهم للقداسية على مصطلحاتهم وكلامهم لا يبالون بأن الكثير من هذه المصطلحات (مثلاً، أهل الذمة، الكفار، المشركين، الضالين إلخ.) فيها الكثير من التحقير والاستخفاف بالآخر المختلف. لكن حرية التعبير تكفل حقهم باستخدام هذه المصطلحات بصرف النظر عن مشاعر الآخرين، وعلى المؤمنين أن يتقبلوا أن حرية التعبير تكفل للآخرين أيضاً حق استخدام مصطلحاتهم الخاصة للتعبير عن معتقداتهم وإن آذت هذه المصطلحات مشاعر المؤمنين.

وفي الواقع ينبغي على الإسلاميين في ظل الدولة الحديثة استبدال هوسهم بتأسيس دولة إسلامية بالمسعى الأكثر ملائمة للطبيعة المتنوّعة للمجتمعات الحديثة ألا وهو السعي لتأسيس شبكات وتجمّعات إسلامية متكاملة يمكن لها أن توجد في أية دولة، مؤسّسات تسمح للمسلمين باتباع شريعتهم وتطبيقها على كل من شاء، وباختيار زعامات دينية وسياسية لهذه المؤسسات يمكن لها تمثيل مصالحهم على الساحة السياسية الأوسع للدول. بهذه الطريقة يمكن للإسلاميين التوفيق بين مطامحهم المشروعة من ناحية، وقوانين الدولة الديموقراطة المدنية ومتطلبات حقوق الإنسان من ناحية أخرى.

ولاشكّ أن هذه التسوية ستتطلب تعطيل بعض الحدود مثل الجلد والصلب والرجم، لأنها ستبقى دائماً مرفوضة في عالمنا المعاصر هذا بصرف النظر عن المبرّرات، لكن، من المفترض أن تكون هذه الأمور ثانوية بالنسبة للقضية الإسلامية العامة، خاصة وأنها لا تحظى باهتمام كبير إن في القرآن أو في السنة. وما لم يستطع الإسلاميون القيام بتضحيات من هذا النوع فالنجاح الوحيد الذي سيحقّقونه في هذا العصر الحديث هو تأسيس تجمّعات وحركات إرهابية الطابع مثل القاعدة والنصرة وداعش وغيرها. الخيارات المطروحة إذاً واضحة، ولن يؤدي التسويف هنا إلا إلى إسقاط المصداقية والمشروعية عن الطروحات الإسلامية المعاصرة.


الخميس، 23 أكتوبر 2014

عن الدين والدولة

داعش ترجم امرأة في ريف حماة بتهمة الزنى، والأب يشارك في الرجم.

لو قارنا بين العصور الذهبية لكل الحضارات لما كان بوسعنا أن نجد أيّ دليل على تفضيل الله لقوم أو دين بعينه، أو على أن الدول والحضارات تقوم أو تنهار بناءاً على الممارسات الجنسية للأفراد أو استهلاكهم للكحول أو لباسهم المفضل. فلم الانشغال بهذه الأمور إذاً، إلا من منطلق الرغبة في فرض سيطرة مطلقة على الأفراد باسم المقدس؟

ويالها من سيطرة تلك التي تسمح لك بالتدخل في خصوصيات مأكل الناس ومشربها وعلاقاتها الحميمة إلى هذه الدرجة. ودعونا لا ننسى هنا أنه على الرغم من الادعاء بأن الله هو الذي بتّ في هذه الأمور، فالواقع، وإن سلّمنا بذلك، يبقى أن التفسير والتنفيذ لا يتسنَيان إلا للبشر. فمن الناحية العملية إذاً، السيطرة ليست لله، ولكن للبشر، بأخطائهم، ومصالحهم، ورغباتهم، ونزواتهم، وعقدهم. وعندما يدّعي هؤلاء البشر بأنه من حقهم إدارة الدولة والمجتمع ككل من منطلق إيمانهم بأن الدين والسياسة لاينفصلان، لا يمكن للدولة التي سيأسسون إلا أن تكون دولة مستبدة إلى أقصى الحدود. هنا لبّ المشكلة مع الإسلام السياسي، ومع أية دولة قائمة على أساس العقيدة الدينية والإيديولوجيات السياسية. فالحكم دائماً في يد البشر، وإن ادعوا الاستناد إلى كتب وتعاليم مقدسة. لكن نقد من ادعى الاستناد إلى تعاليم مقدسة أصعب بكثير من انتقاد أولئك الذين يعترفون صراحة بالمنبت البشري للقوانين.

وقد يقول البعض أنه حتى في الدول الديموقراطية الغربية تقوم الدولة بالتدخل في شؤون مأكل ومشرب وملبس المواطنين. هذا بالطبع صحيح. لكن الدول الغربية تتدخّل هنا في الحدود الدنيا ودون الاختباء وراء المقدس وإصدار أحكام أخلاقية على تصرفات الناس الخاصة. الدول هنا تمنع الناس مثلاً من ارتداء لباس البحر في وسط المدينة، أو من قيادة السيارة في حالة سكر، وتمنع الاغتصاب، والعلاقات الجنسية مابين البالغين والقاصرين، لكنها لا تتدخل فيما يتعلّق بالعلاقات الحميمة ما بين البالغين طالما كانت قائمة بموافقة الطرفين، وفي حال الخيانات الزوجية، يمكن للطرف المتضرر، في حال أثبت وقوع الخيانة، أن يتحصّل على الطلاق بشروط أفضل. ولاتتدخل الدولة فيما يتعلق بشرب الحكول إلا فيما يتعلق بالمكان والساعة، وحتى في هذه الحالة يبقى الهدف هو الحفاظ على النظام، ولاتتعلّق القرارات بوجود حكم أخلاقي مسبق فيما يتعلق بموضوع استهلاك الكحول وأخلاق المستهلكين.

الفرق شاسع في الواقع مابين المنطلقات النظرية في الدولة المدنية وتلك السائدة في الدول الإيديولوجية. والفرق العملي أيضاً شاسع. الدولة المدنية الديموقراطية معنية أساساً بتوفير الخدمات لجميع المواطنين، والدفاع عن حقوقهم الأساسية، والحفاظ على التوازنات القائمة مابين الأفراد والجماعات ومابين الفضاء العام والخاص. ولا تهتم الدولة المدنية بقضية الأخلاق بقدر ما تهتم بقضية القانون والحقوق. فالقيم الأخلاقية لا تبثّ أو تحفظ من خلال القوانين، بل من خلال "الحكمة والموعظة الحسنة،" لأن عامل الخيار مهم فيها. القانون يمنع التزوير وشهادة الزور، لكن الكذب في الحياة العامة قضية أخلاقية لا يتدخل فيها القانون أو الدولة، فالمجتمع هنا هو الذي يحدّد كيفية التعامل مع الكذاب. وسواء كنا في الغرب أو الشرق، الناس هم الناس، وهم في العادة يحتقرون الكذب خاصة فيما يتعلق بعملية التواصل اليومية أو أخلاقيات التعامل. الصدق والأمانة في التعامل هو مطلب لكل الناس، مسلمهم وبوذيهم، مؤمنهم وملحدهم. والدولة المدنية الديموقراطية بامتناعها عن التدخل في قضايا الأخلاق والدين تعطي مجالاً أكبر للخيار الفردي في الموضوع.

وتدلّنا التجربة العملية هنا على أن الأخلاق لا تنهار عندما تمتنع الدولة عن التدخل المباشر فيها، وكذلك الدولة لا تنهار بسبب بعض الممارسات الفردية الخاصة، فهاهي المجتمعات الديموقراطية في الغرب أمامنا حيث تحترم غالبية الناس قوانين السير والتدوير (recycling) ونظافة الشارع، إلخ، على الرغم من أن الأغلبية تحتسي الكحول بشكل منتظم، ولا تربط ما بين ممارسة الجنس والزواج.

وإن كان البعض ينتقد المجتمعات الغربية بسبب غياب ما يسمى بالتكافل الاجتماعي، إلا أن هذه الظاهرة تبدو أكثر ارتباطاً بالأنماط الحياتية السائدة في المدن الكبيرة منها بموضوع الخلاف الثقافي مابين الغرب والشرق.

أخيراً، علينا أن نتذكر دائماً أن الذين يريدون أن يحكموا باسم الله ويتدخلوا في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا هم بشر مثلنا، تحركهم الأهواء والمصالح كما تحركنا، وبوسعهم التلاعب بالنصوص وفقاً لأهوائهم ومصالحهم. لا مجال للثقة هنا، المحاسبة تتطلب التشكيك. والتشكيك في إطار الدولة المدنية لا يخضعنا لاتهامات بالتكفير والردة، ولا لأحكام شريعة بات معظمنا يرفضها حتى المؤمنون منا بالله ورسوله.


الخميس، 11 سبتمبر 2014

الدولة المدنية والطروحات الإسلامية


البعض يكذب، وبكل صدق، إلى درجة أنه يصدّق أكاذيبه، ثم يستغرب، وبصدق مطلق، عدم قدرة البعض على تصديق هذه الأكاذيب.

مثال: صديق مؤيد قال لي في بداية الثورة: "هاهو سيادة الرئيس قد أعطاكم ما تريدون (في إشارة إلى الدستور الجديد)، لماذا لا توقفوا الثورة إذاً قبل أن يأتي الإسلاميون الإرهابيون ويسيطروا على كل شيء؟" هذا الصديق يعرف تماماً أننا نعيش في بلد تم فيه تعديل الدستور في أقل من عشرين دقيقة، ويعرف تماماً كيف يستخدم النظام "الإرهابيين،" فاللعبة مفضوحة إلى درجة أن فنانينا سخروا منها في المسلسلات ("أيام الولدنة" وغيره). ومع ذلك، ها هو يريديني أن أصدق بأن الدستور الجديد الذي تم وضعه في غرف مغلقة من قبل مجموعة قليلة من الناس، الذين لاحيلة لهم على الإطلاق فيما يتعلق بالتعامل مع المؤسسات الأمنوعسكرية الحاكمة، سيغير كل شيء. هذا إذا ما تجاهلنا المشكلة الكبيرة الكامنة في كلمة "قد أعطاكم،" وتجاهلنا من أين يأتي الإرهاب.

مثال آخر: الكثير من أتباع التيارات الإسلامية تبنوا في مرحلة ما طرح الدولة المدنية، لكنهم مع ذلك أصروا وفي كل الحوارات التي أجريتها معهم على: ضرورة الحفاظ على تسمية "الجمهورية العربية السورية،" بصرف النظر عن المطالب الكوردية وبأن الدولة المدنية تعريفاً ليست دولة قومية، وأصروا على اعتبار الإسلام الدين الرسمي للدولة، والشريعة المصدر الأساسي للتشريع، مع أن الدولة المدنية لا دين لها، ورفضوا مفهوم الزواج المدني، وأصروا على تعليم الدين للجميع في المدارس بمن فيهم أولاد العلمانيين... و...و...و... عند التفاصيل يتضح أن مفهوم معظم أتباع التيارت الإسلامية للدولة المدنية ليس مدنياً على الإطلاق، على الرغم من قناعتهم الواضحة بأنهم من مؤيدي قيام الدولة المدنية! فإذا كانت هذه هي الحال مع هؤلاء، فكيف بنا مع من يطرح منهم وبشكل واضح وصريح رفضه للدولة المدنية ودعوته لقيام الدولة الإسلامية؟

علي أن أعترف هنا أنه في بعض الحالات تقابلت مع شخصيات من التيار الإسلامي قالوا لي فيما يتعلّق ببعض المطالب أعلاه بأنهم "قد نعطيكم إياها!!" لكن الحقوق الأساسية للإنسان تنبع منه ذاته، من إنسانيته ذاتها، وليست خاضعة للمساومة، إذ لايساوم على حريته وحقوقه إلا عبد.

ما مشكلة الإسلامي مع الحياة في دولة له فيها حق بناء المساجد والعبادة فيها بحرية، وحق الزواج والطلاق والتوريث حسب الشريعة الإسلامية والمذهب الذي يتبعه، وفي أن يعلّم أولاده الدين كما يفهمه هو، أي وفقاً لمذهبه الخاص؟ أين الاضطهاد الذي يتعرّض له الإسلامي هنا؟

أما بالنسبة للشخص الذي يؤمن بالفعل بطرح الدولة المدنية والذي قد تقدر له الظروف أن يعيش في دولة إسلامية فالاضطهاد الذي سيتعرض له هناك واضح وصريح: إذ ستفرض عليه الدولة صلوات وعبادات قد لايؤمن بها من منطلق أنه مسلم بالولادة، وأن يعيش، فيما يتعلق بالزواج والطلاق والميراث والحياة الاجتماعية ككل، وفقاً لطرق وتقاليد وأعراف وقوانين قد لا يؤمن ببعضها على الأقل، أن لم نقل بكلّها، وسيضطر إلى مراقبة أولاده وهو يتلقون تعاليم حول الحياة والوجود تناقض بعض معتقداته الأساسية، إن لم نقلّ جلّها، لأنه وإن كان مسلماً بالولادة توصل في حياته إلى قناعات مغايرة أو تفسيرات مختلفة للإسلام ذاته.

المشكلة إذاً أن الصديق المؤيد يريد لنا، من خلال تصديقنا لكذبة الدستور الجديد، أن نوافق على استمرار النظام لكي نحمي أنفسنا من الإسلاميين، والأصدقاء الإسلاميون يريدون لنا، من خلال تصديقنا بأنهم بالفعل ملتزمين بالقيم المدنية وأنهم "قد يعطوننا بعض الحقوق،" أن نوافق على قيام الدولة الإسلامية لكي نحمي أنفسنا من النظام. لكن السؤال الذي يواجهنا في الحقيقة هو: من سيحمينا من الطرفين؟



لايكفي بالنسبة لي أن يكون المرء صديقاً من فترة ما قبل الثورة ليبقى صديقاً اليوم إن كان ما يزال مؤيداً. ولايكفي المرء أن يكون ثائراً ليكون صديقاً حقيقياً وشريكاً إذا كان مشروعه الخاص يقتضي قيام دولة لا تحترم حقوقي الأساسية.

كيف لي أن أبدي أي تعاطف صادق مع أشخاص لم أر منهم منذ بداية الثورة حتى اللحظة إلا احتقاراً لحقوقي ومخاوفي، أو محاولة تلاعب على المشاعر وضحك على العقول؟ أشخاص لم يضيرهم على الإطلاق بأن "أمثالي" لم يضمروا لهم أي شر، وأننا أردنا لهم ما أردنا لأنفسنا: أن يعيشوا بكرامة، وعملنا معهم جاهدين لنتفق على رؤى مشتركة حقيقية، لكنهم لم يوافقوا إلا على القشور، ومضوا، كالنظام، في مشروع فئوي أرادوا أن يفرضوه على كل الناس، وبقوة السلاح. ثاروا، أي نعم، وقاتلوا ويقاتلون بشجاعة، لكن من أجل حريتهم هم فقط، ومن أجل أن يتوصلوا هم إلى السلطة، ليحكموا بما حكم الله، على حسب قولهم، لكن الواقع يقول بأنهم سيحكمون حسب أهوائهم، وإلا كيف تشتتوا إلى فرق وجماعات كداعش، وجبهة النصرة، وأحرار الشام، وصقور الشام، والجبهة الإسلامية، وجيش الإسلام، و....و..و...؟  هذا غير الاختلافات ما بين إسلاميي الحركات السياسية من سلفيين وإخوان وتحريريين، إلخ؟ ومن الواضح هنا أيضاً أن بعضنا لا يريد أن يحتكم إلى شرع الله أساساَ فيما يتعلّق بحياتنا الشخصية، وهو أمر لم ننكره أبداً، وهو من خقنا مهما أساء إلى مشاعر البعض.

إن طرح الدولة المدنية شكّل ليعطي الجميع جزءاً كبيراً مما يريدون: قد لايتحصّل الإسلاميون فيه على دولة إسلامية: لكن سيكون بوسعهم أن يبنوا بيوتاً إسلامية، شبكات إسلامية، جمعيات إسلامية، مصارف إسلامية، مدارس إسلامية، جامعات إسلامية وغيرها من المؤسسات بما فيها أحزاب إسلامية أيضاً. وقد لا يتحصّل العلمانيون على دولة علمانية، لكن سيكون بوسعهم أن يعيشوا حسب معتقداتهم دون خوف من اضطهاد وأن يديروا مؤسساتهم العلمانية المرادفة. الدولة المدنية حل ناجع ومجرّب في دول كثيرة لايرفضه إلا من يريد سلطة مطلقة لا تتم محاسبته فيها من أحد.
نحن لا نطالب الإسلاميين أن يكونوا كما نريد، لكننا لا نريد أن نكون كما هم، أين الإيديولوجية أو رفض الآخر في هذا المطلب؟

الثورة أساساً لا تجمع، بل تفرّق وتغربل، أما ما يمكن له أن يجمع، دون اللجوء إلى القمع والعنف والاضطهاد، فهو الرؤية، وفيما يتعلّق بالوضع السوري بالذات: رؤية مشتركة لسوريا ما بعد الثورة. ولا يمكن لرؤية كهذه أن تبنى على أسس عقائدية، سواء كانت هذه العقيدة دينية الطابع (دولة إسلامية) أو علمانيته (دولة قومية عربية و/أو اشتراكية)، لأن العقائد تفرّق. ومالم نتمكن من الاتفاق على هذه الرؤية الجامعة، فلاشكّ عندي من أن الحرب ستستمر حتى التقسيم، ولسنين ما بعده، حتى لو طال هذا التقسيم المنطقة بأسرها. وهذا الكلام لا يأتي بمثابة التهديد، بل التوصيف لواقع نراه يتجلّي وبسرعة أمام أعيننا جميعاً.