‏إظهار الرسائل ذات التسميات السلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السلام. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 17 أبريل 2016

قصة اغتيال معلن


في مثل هذا الوقت تقريباً من العام الماضي، طرحت رؤية لحل سياسي في سوريا تشمل تأسيس حكومة انتقالية، وعرض رسالة على الأسد مفادها الاستقالة من منصبه مقابل البقاء في سوريا، وتحديداً في المناطق المؤيدة، مع تحييد دور دمشق كونها العاصمة التي ينبغي أن تسمح بتمثيل كل الأطراف فيها. لم أتطرق لموضوع العدالة الانتقالية بشكل مباشر راغباً في أن تقوم الأطراف الدولية باستخدامها كورقة للضغط على الأسد لإقناعه بالقبول بالطرح. كان يمكن لهذا الطرح أن ينفع على الرغم من التدخل الروسي، لكن تعنت الأسد يجعل هذا الطرح مستحيلاً اليوم، بل يبدو من الواضح أن الاغتيال، وعلى أيد صديقة، بات هو الحل الوحيد لمعضلة الأسد.

أنا لا أدعو إلى هذا بالطبع، بل إني أفضل خيار المحكمة الدولية، لأنها تشكل رسالة أقوى إلى المستبدين الآخرين في هذا العالم أن العدالة قادمة لا محالة، لكن الدول الصديقة للأسد هي التي تجد حرجاً في الاحتكام إلى القانون الدولية، وهي التي ستضطر، مقابل الحفاظ على مكاسبها في سوريا، إلى التضحية بالأسد. لأن تعنت الأسد يحرجها بأكثر مما يحرج الأطراف الأخرى، خاصة الولايات المتحدة. إذ ما لم تتمكن من وضع حد لصلفه، بعد كل ما قدمته له من دعم، لا بد وأن تتأثر مصداقيتها عند الأطراف الأخرى، الأمر الذي سيكون له انعكاساته السلبية على ما يجري من حوارات حول حزمة هامة من القضايا العالقة.


الاثنين، 14 مارس 2016

مضامين القرار الروسي بخصوص الانسحاب من سوريا: قراءة مبدئية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو

القرار الروسي بالنسبة لي لم يكن متوقعاً على الإطلاق، لكنه أيضاً، ومن حيث محتواه، ليس مفاجئاً إلى هذا الحد، ولا يغير، في هذه المرحلة، الحقائق التي أصبحت قائمة على الأرض نتيجة التدخل. فهو، من ناحية، لا يشكل تراجعاً عن الهدف الأساسي الروسي من وراء التدخل، والذي جاء لتأمين القاعدة الروسية في المتوسط وتوسيعها، من خلال مساعدة نظام الأسد على تأمين المناطق الساحلية وبعض المناطق الوسطى، خاصة حمص، والجنوبية، خاصة دمشق، والشمالية، بما في ذلك حلب والرقة.

ولعل توقيت الانسحاب قبل تحقيق المراد في حلب والرقة يأتي كورقة ضغط على نظام الأسد في هذه المرحلة لكي يتفهم الأسد بالذات أن الروس لم يتدخلوا إكراماً له وأنه لا يمكن التعويل عليهم لإعادة بسط سيطرته على كل البلاد، وأن بوسع الأسد أن يستفيد من التدخل الروسي لإنقاذ رأسه ولكن ليس لإنقاذ منصبه، على الأقل، ليس على المدى الطويل.

ولقد سبق ونوهت إلى أن الروس ليسوا متمسكين بالأسد ذاته كقرار نهائي ولكن كورقة تفاوضية مرحلية، بعدها يفقد الأسد قيمته. وها قد وصلنا فيما يبدو إلى هذه المرحلة، ولابما بأسرع مما كنت أتوقع، وقد يعكس هذا الأمر تعنت الأسد وغبائه من جهة، وما يجري من تنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا من جهة أخرى.

وقد يكون بوسع الأسد التعويل على الدعم الإيراني من جديد في المرحلة التالية، ولكن ضمن حدود. ففي الواقع لم يبقى أمام الأسد من مخرج من أزمته إلا العملية التفاوضية، وذلك لإنقاذ رأسه، وربما تحصين نفسه وعائلته وبعض أزلامه من أية محاسبة مستقبلية. لكن، عليه أن يتصالح مع ضرورة تخليه بشكل أو آخر عن منصبه خلال الشهر الـ 18 القادمة، وإلا فأن رأسه وبعض رؤوس من حلو قد يكون هو الثمن.

ونعم، هناك بعد مادي للقرار الروسي. فروسيا قد خفضت ميزانيتها العسكرية هذا العام بأكثر من 5%، وذلك للمرة الأولى منذ تقلد بوتين سدة الحكم فيها.

لكن، علينا ألا ننسى في غضون هذه التحليلات المبدئية أن روسيا ستتابع عملياتها الجوية في الشمال على الأقل بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي هذه الأثناء، لاشك أن هذا التطور يشكل مغنماً للمعارضة السورية التي أصبح بوسعها أن تفاوض بثقة أكبر في جنيف، ولكن بذكاء وحنكة وبإدراك للحدود المرسومة. نعم لقد أرسل الروس رسالة واضحة إلى الجميع وعلى رأسهم الأسد، حول عدم تمسكهم به لذاته، لكنهم يبقوا فيما يبدو متمسكين بالكيفية التي سيتم من خلالها إزالته، وهي: انتخبات يرشح فيها الأسد نفسه إلى جانب منافسيه. عوضاً عن الإصرار على رفض هذا الأمر بالتحديد، ربما كان على المعارضة أن تصر على ضرورة استقالة الأسد من منصبه قبل موعد انعقاد الانتخبات بعدة أشهر لكي لا يستغل منصبه في الدعاية لنفسه، وضرورة محافظة مؤسسات الدولة على حياديتها خلال الفترة الانتخابية، خاصة وسائل الإعلام الحكومية، وضمان ذلك من خلال إدراتها من قبل لجان انتقالية خاصة تجمع ما بين ممثلين للمولاة والمعارضة والكجتمع الدولي، وغيرها من الخطوات.  

باختصار، لقد باتت محادثات جنيف تشكل فرصة حقيقية اليوم للتوصل إلى حل لأزمتنا  السورية لا ينبغي إضاعتها.

من ناحة أخرى، فإن تجنب إدارة أوباما لتقديم إية وعود علنية فيما يتعلق برغبتها في إيجاد حل سياسي في سوريا قبل انتهاء فترة حمكها، لا يعني أنها غير جادة في مساعيها الدبلوماسية في هذا الصدد. إذ لم يعد يغفل على أحد أن المجتمع الدولي، والكثير من القوى السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، من اليمين واليسار، تنحي باللوم على أوباما شخصياً فيما يتعلق بالكارثة السورية. ومهما بلغ الصلف به، فلا شك أن أوباما يدرك ذلك جيداً، ومن هنا رغبته في التوصل إلى حل قبل رحيله.


السبت، 30 يناير 2016

مناورة لا مقاطعة، وإن أخفقنا

جانب من مؤتمر صحفي لوسائل الإعلام في مكتب الأمم المتحدة في جينيف: 29 كانون الثاني، 2016 - 
السياسة مناورة وليست مقاطعة. وقرار الهيئة المشاركة في محادثات جنيف يعفيها من تحمل تعنت وعجرفة وعجز الآخرين حيال ما يجري في سوريا، علاوة على إجرام النظام وحلفائه، وهذا أضعف الإيمان. أن نذهب إلى آخر الدنيا مطالبين بحقنا ونخفق، أفضل من أن نجلس في أماكننا، ونخفق، ونلام.

إن التقرير الأممي المسرّب للتو والذي يعترف " أن الأمم المتحدة لن تكون قادرة على رصد أو تنفيذ أي اتفاق للسلام قد يخرج عن محادثات السلام الجارية في جنيف" لا يحمل جديداً، لكنه على الأقل يعطي المعارضة ورقة هامة لاستخدامها في المحادثات: ورقة الضمانات. كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يضمن الحد الأدنى من الامتثال لمقرارته من قل النظام وحلفائه بحيث تتمكن المعارضة من المضي قدماً في المباحثات من منطكلق الإيمان بجديتها وجدواها. هذا هو السؤال الذي على المعارضة أن تدفع باتجاه التحصل على إجابة مقنعة عليه، وهو مفتاح المطالبة برفع الحصار ووضع حد لسياسات التجويع والتهجير والتطهير والقصف.


الأحد، 19 يوليو 2015

مبادرة لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا: النسخة المعدلة


فيما يلي نص النسخة المعدّلة لـِ "مبادرة ثروة لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا" والتي طرحت رسمياً في 30 حزيران 2015. تم تعديل المواد الأساسية للمبادرة بناءاً على الحوارات، الخاصة والعامة، التي دارت مع مجموعة كبيرة من الخبراء والنشطاء والمعارضين السوريين. ويجري العمل حالياً على التحضير لطرح هذه المبادرة على نطاق عالمي أوسع (English Version).

مقدمة

تهدف المبادرة المقترحة هنا إلى تحويل النزاع في سوريا من صراع عسكري مدمّر إلى عملية سياسية يمكن من خلالها للأطراف الداخلية والخارجية المختلفة الاتفاق على ترتيبات إدارية مرحلية تسمح لكل طرف داخلي بالبدء بإعادة بناء ما تهدّم في منطقته، وإعادة توطين اللاجئين وتقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين، وذلك بمساعدة القوى الداعمة له على الصعيد الإقليمي والدولي. وفي هذه الأثناء يمكن للمباحثات المتعلّقة بالوضع النهائي للبلد من الناحية الإدارية والسياسية والقانونية والدستورية أن تبدأ، وإن امتدت لسنين.

وتتلخّص المبادرة بالبنود التالية:

1.  يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على خطوط واضحة لوقف إطلاق النار تفصل ما بين المناطق الخاضعة للأطراف الداخلية المختلفة، واعتماد كل منطقة مرحلياً كوحدة تابعة للطرف المعني يديرها بحسب توافقات داخلية محددة. ويأتي هذا الترتيب الجديد كجزء من استمرار لالتزام الأطراف الداخلية والخارجية المختلفة بوحدة الأراضي وسيادة الدولة السورية.
2. يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على بنود واضحة للتعاون ما بين الوحدات الجغرافية المختلفة الخاضعة لسيطرتهم في عدد من المجالات الحيوية، خاصة فيما يتعلّق بالقضايا الأمنية والاقتصادية، وآليات التنقّل ما بين الوحدات، وإدارة العلاقات القائمة ما بين المكونات والشرائح الاجتماعية المختلفة في كل منطقة.
3. يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على تحييد دور دمشق في الصراع عن طريق تأسيس حكومة مرحلية حيادية يشارك فيها ممثلين عن الأطراف المختلفة تدير شؤون المدينة ونواحيها تحت إشراف لجنة دولية أممية معينة من قبل مجلس الأمن. ويفضل إعطاء المسؤول الأممي المشرف على الشأن السوري صلاحية تشكيل هذه الحكومة بالتشاور مع كافة الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية المعنية.
4. يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على تنصيب رئيس مرحلي في دمشق، لفترة غير قابلة للتجديد، لا تقل عن سنتين ولاتزيد عن خمس سنوات، يتصف بأنه قادر على بناء الإجماع ما بين الأطراف المختلفة، تكون مهمّته الإشراف على عمل الحكومة المرحلية وعلى المباحثات ما بين أطراف الصراع، والعمل على تنسيق المساعي الإقليمية والدولية في هذا الصدد، في حين يبقى بشار الأسد مسؤولاً عن إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات الموالية له، وعلى تمثيل تلك الشرائح التي ماتزال تعتبره ناطقاً شرعياً معبراً عن مصالحها.
5. عند الضرورة، يمكن لأطراف النزاع الاتفاق على التبادل السلمي لبعض المناطق والسكان ما بين الأطراف المختلفة حفاظاً على أمن جميع الشرائح والمكونات الاجتماعية والثقافية. وبسبب الصعوبات المتعلّقة بعمليات تبادل السكان، لابد وأن ينبثق القرار المتعلّق بالرحيل من المكونات المتأثرة. علاوة على ذلك، ينبغي تقديم تعويضات مالية وعينية (مثل السكن) مناسبة إلى كل المتضررين وخلال إطار زمني منطقي.
6.  يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على دعوة قوات حفظ سلام مشكّلة من دول محايدة لمراقبة خطوط التماس المرحلية، والنقاط الحدودية، والمطارات والمرافئ الدولية، لمنع وقوع أية خروق لاتفاق وقف إطلاق النار، ولتسهيل التنقّل ما بين المناطق المختلفة، ولمنع تدفق المقاتلين والأسلحة من وإلى سوريا، إلا بحسب الاتفاقات الموقّعة من قبل أطراف النزاع.
7.  يمكن لكل طرف من أطراف النزاع في المرحلة الانتقالية أن يحتفظ بمجموعاته المقاتلة شرط تفريغها من العناصر الأجنبية بالتدريج وفقاً لجدول زمني محدّد، ولا يجوز للأطراف التحايل على ذلك عن طريق التجنيس و/أو منح الإقامات.
8.    ينبغي على الحكومة المرحلية احترام كافة العقود والاتفاقات التي عقدها النظام حتى تاريخ إعلان هذه المبادرة.
9.  يتوجّب على أطراف النزاع حظر خطاب التحريض والكراهية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، واحترام قداسة كل المعابد والمؤسسات الدينية، والصروح ذات الأهمية التاريخية، وعليهم توفير الحماية لكافة الحجاج والزوار القادمين من داخل أو خارج البلاد.
10. يتوجّب على كافة أطراف النزاع، ما أن تم التوقيع على هذا الاتفاق في صيغته التفصيلية النهائية، توجيه وتنسيق جهودهم لمحاربة المجموعات الداعمة للإرهاب الدولي والتي بنت لنفسها مقرات وبسطت سيطرتها على أراضٍ سورية. ويتوجّب في هذه المرحلة على جميع الأطراف أن تفرج عن كافة المعتقلين السياسيين، وأن تقدّم لوائح بأسماء من قضى منهم خلال فترة اعتقاله، وأن تفتح سجونها ومعتقلاتها للمراقبين العاملين في هيئات حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ليتأكدوا من امتثال الجميع لهذا الشرط.
11. تبدأ المرحلة الانتقالية مع تاريخ تعيين الرئيس المرحلي، وتنتهي عندما يستقيل بعد خدمة لاتقل عن سنتين ولاتزيد عن خمسة. ولاينبغي تجديد أو تمديد المرحلة الانتقالية. وينبغي على محادثات الوضع النهائي للبلد أن تبدأ وتنتهي خلال فترة حكم الرئيس المرحلي، وأن تتناول كل القضايا المتعلّقة بمستقبل سوريا، بما في ذلك وضع دستور جديد وطرحه للاستفتاء الشعبي، والبت في القضايا المتعلّقة بالعدالة الانتقالية. وعلى تاريخ انتهاء حكم الرئيس المرحلي أن يتزامن مع تاريخ استلام أول رئيس منتخب وطنياً في البلد لمنصبه. كما على تاريخ انتهاء حكم الرئيس المرحلي أن يتزامن أيضاً مع تاريخ انتهاء عمليات ونشاطات الحكومة المرحلية وبداية عمل الحكومة الوطنية الجديدة المنتخبة.
12.  ينبغي أن تخضع كل العمليات الانتخابية وكل الاستفتاءات التي تجري خلال المرحلة الانتقالية لرقابة الأمم المتحدة عن طريق هيئاتها المختصة.

تقتضي الموافقة على هذه النقاط الدخول في عملية تفاوضية لاحقة للاتفاق على التفاصيل المتعلَقة بتنفيذها، مثل تحديد هوية الرئيس المرحلي، وأعضاء الحكومة المرحلية، والاتفاق على هوية الأطراف الداخلية التي يحقّ لها المشاركة في هذه الحكومة وفي العملية التفاوضية اللاحقة، وتعيين الجداول زمنية وخطوط وقف إطلاق النار، إلى آخر ما هنالك من تفاصيل وقضايا. وتبدأ المرحلة الانتقالية من تاريخ توقيع الاتفاق النهائي، وهو أيضاً تاريخ تعيين الرئيس المرحلي بشكل رسمي.

(يمكن الإطلاع على الشرح التفصيلي لهذه البنود على الرابط التالي).


الخميس، 9 يوليو 2015

ظاهرة الانتداب في سوريا ما بين فرنسا وإيران

السفارة الإيرانية في دمشق

كون بعض المناطق السورية أصبحت واقعة تحت احتلال إيراني فعلي هو في الواقع أكبر حجّة يمكن طرحها على الساحة السياسية فيما يتعلّق بضرورة فتح خط للحوار مع  إيران. فالنخبة السياسية السورية أبان الانتداب الفرنسي لم تتردّد بالدخول في عمليات تفاوض وحوار مع السلطات الفرنسية بغية تخفيف وقع بعض الممارسات القمعية، ولنقل مطالب الثوار إليها، انتهاءاً بتحقيق الاستقلال.

وإن كان الوضع اليوم يختلف عن فترة الانتداب الفرنسي في بعض وجوهه، خاصة من ناحية خوضنا في غمار حرب أهلية، وتورّط أكثر من قوة إقليمية ودولية فيها، إلا أن تخوّف المكوّنات المختلفة في سوريا من مسألة إعلان "الاستقلال" عن النفوذ الإيراني، أو السعودي، أو التركي، لايمكن إلا وأن يذكّرنا بتخوّف بعض الشرائح في السابق من إعلان الاستقلال عن فرنسا.

من هذا المنطلق، لا يمكن للحوار في هذه المرحلة أن يكون حواراً حول الاستقلال والديموقراطية، بل حول التهدئة وحدود نفوذ الأطراف المختلفة وطبيعة مصالحها في المناطق السورية المختلفة.

لكن، وبعد عودة الاستقرار للبلد والمنطقة، ومع بدء التحديد العملي لطبيعة العلاقات مابين المناطق السورية المختلفة، مع ارتباط ذلك بما يجري من استقطابات وتمايزات مماثلة في دول الجوار، يمكن حينئذ البدء بحوار جدي حول الأمور المتعلّقة بالسيادة.


الخميس، 2 يوليو 2015

مبادرة ثروة للحل السياسي في سوريا: ملاحظات استباقية

من المؤتمر الصحفي الذي عقد عقب انتهاء لقاء الأستانة في 28 أيار، 2015

قبل قراءة نص مبادرة مؤسسة ثروة فيما يتعلّق بإيجاد حل للأزمة السورية، أريد أن ألفت انتباه المهتمين إلى النقاط التالية:

(1)

أرجو عدم الخلط ما بين المبادرة المطروحة باسم مؤسسة ثروة لحل النزاع في سوريا (والتي سأنشرها قريباً جداً)، واللقاء الذي جرى في أستانة، والذي شاركت فيه للإستئناس بآراء شخصيات لم ألتق معها سابقاً وما تزال تلعب دوراً ما في العمل السياسي، بصرف النظر أعجبنا هذا الدور أم لم يعجبنا. لقاء الأستانة لم يتبن المبادرة، ولم يكن مطلوباً منه أن يتبناها.

ففي الواقع، ومن منطلق سياسي بحت، لا يمكن، بل لا ينبغي، لأي مجموعة من مجموعات المعارضة، بما فيها الإئتلاف، أن تتبنى هذه المبادرة في هذه المرحلة. بل ينبغي على هذه المبادرة أن تطرح من قبل أشخاص قادرين على تحييد مشاعرهم والوقوف على مسافة متساوية من كل أطراف النزاع في الداخل والخارج، بما فيها الدول المعنية بالشأن السوري، وذلك بصرف النظر عن الآراء والمشاعر المتعلقة بشخصيات بعينها، مثل بشار الأسد وغيره.

(2)

لم يسبق لي أن خوّنت أي شخص في المعارضة، حتى لو كان حديث العهد بها، مهما كان اختلافي معه، ولن أفعل. ومما لاشك فيه عندي أن الكثير من الشخصيات التي كانت مواقفها "رمادية" في مرحلة سيصبح لها دور هام في المرحلة القادمة بسبب تغير على الأرض.

(3)

نعم، الحل في سوريا أصبح بيد القوى الإقليمية والدولية، بل كان بيدها من البداية، وهو أمر نوّهت إلى أهميته عندما بدأت قوى المعارضة تدعو إلى ثورة في سوريا في شباط 2011، وتم حينها ليس فقط تجاهلي، بل تخويني أيضاً.

(4)

لكنّ كون مفتاح الحل بيد قوى خارجية لا يعني أنه لا يوجد دور للمعارضة وللناشطين، بل من واجبنا أن نتواصل مع الجميع لكي نطرح الحل الذي يناسبنا، ولكي لا نسمح لهم بتدويم الصراع، كما فعلوا في السودان والصومال وأفغانستان، وغيرها من الدول المنكوبة. هذا يبقى واجبنا في هذه المرحلة بصرف النظر عن ضآلة فرص النجاح المتاحة لنا.

(5)

السياسية ممارسة وكلنا يتعلمها الآن، أو هذا ما أرجوه على الأقل، لأن فرصة العمل لم تكن متاحة لنا في السابق، حتى فيما يتعلق بمعارضة الخارج المقيمة في الدول الديموقراطية لأنها بقيت رهينة القيود الإيديولوجية التي فرضتها على نفسها.

(6)

لقد تكلمت عن التقسيم منذ بدايات الثورة وقبل أن يصبح موضة. أرجو قراءة هذا المقال مرة أخرى لأنه قد يفسر ما أحاول أفعله اليوم بشكل أفضل، ربما، من أي كلام جديد.

(7)

مشكلتي ليست مع التقسيم، فالحدود ما بين الدول، الصغيرة والكبيرة، تبقى عرضة للتغيير، وقد يجلب تغيير الحدود معه منافع كثيرة للجميع، إن ترافق مع عملية سياسية جدية وأحسن الجميع إدارة العملية الانتقالية. ما يهمني في هذه المرحلة هو إيقاف الدمار وتحويل عملية التغيير القائمة من عملية عسكرية صرفة إلى عملية سياسية جدية يتم من خلالها مناقشة جملة من القضايا الحساسة التي ما يزال الكثيرون يصرّون على تجاهلها من منطلقات إيديولوجية وعاطفية ومصلحية.

(8)

التقسيم لا يمنع أو يوقف الحروب بالضرورة، بل غالباً ما يسعّرها (السودان وجنوبه مثلاً). وحدها العمليات السياسية الجدية، بما فيها من مساومات وتنازلات، قادرة على تحقيق السلام وإعادة الاستقرار والسماح بالمضي قدماً على طريق إعادة البناء والدمقرطة والتنمية.

العراق وسوريا واحتمالات التقسيم


(9)

ما أسعى إلى تحقيقه حالياً هو تشكيل مجموعة عمل صغيرة مؤلفة من عدد من الناشطين والتكنوقراط للتواصل مع كافة الأطراف الداخلية ولإقليمية والدولية، لدفع هذه المبادرة إلى الأمام، وتحقيق هدنة طويلة الأمد على الأرض تسمح بإطلاق عملية سياسية جدية للتدارس الوضع السيادي والقانوني والإداري النهائي لسوريا. على من أراد المشاركة في هذا الأمر أو تقديم الدعم له التواصل معي.

(10)

لقد أصبح بشار الأسد مجرد بيدق في هذه اللعبة، وذلك منذ بداية التدخل الإيراني السافر في سوريا. ولم يعد من المفيد أن نستمر في ربط مفهومنا للنجاح أو الفشل بمصيره. إذا أراد بعض السوريين أن يستمر الأسد كممثل لهم على الساحة السياسية  في هذه المرحلة فهذا شأنهم، لأنه من الواضح أنه لم يعد، ولن يصبح من جديد، ممثلاً للسوريين جميعاً. بل حتى الدول التي ما تزال تؤيده لم تعد تتعامل معه على هذا الأساس.

وفي الحقيقة، تشكّل مشاركة النظام في مؤتمري جنيف 1 و2 وقبوله الجلوس مع المعارضة على طاولة الحوار اعترافاً علنياً ورسمياً بأن النظام لم يعد يمثل إلا شرائح معينة من السوريين وإن المعارضة تمثل الشرائح الأخرى. لقد تحدّد مصير الأسد منذ تلك اللحظة، وإن كان هو لا يدرك ذلك فهذه مشكلته، لكن المشكلة الأكبر هو أن الكثيرين منا لا يدركون ذلك أيضاً، ولا يفهمون مضامينه.

(11)

أما فيما يتعلق بموضوع العدالة الانتقالية فلا يمكن الخوض بشكل جدي في هذا الأمر والحرب الأهلية ما تزال مستعرة. ولايتعارض القبول ببشار الأسد كممثل لبعض السوريين في العملية السياسية المزمعة مع إمكانية تحريك هذه القضية ضده في أي وقت، لأن الأمر بات مرتبطاً من الناحية القانونية بإرادة مؤسسات دولية مستقلة شُكّلت لهذا الغرض أصبح في حيازتها الكثير من الوثائق التي تدين بشار وغيره فيما يتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتفاويض رسمية من مئات سوريين لملاحقتهم. ولم يعد بالإمكان تحصين أحد من المسائلة إلا من خلال قرار أممي، أي قرار لمجلس الأمن. ولايمكن للأسد وغيره من شخصيات المحورية في النظام إن يشملوا في قرار من هذا النوع ما لم يتنازلوا عن كل شيء ويغادروا البلد.

(12)

أما فيما يتعلّق بالعدالة الحقيقية، أي العدالة التي تشفي الصدور والآلام، فهي لا تتحقّق من خلال ملاحقة ومعاقبة لجرمين وحسب، بل من خلال مواصلة السعي وراء تحقيق أهداف الثورة على مدى العقود القادمة. ولا ننسى هنا أن الثورة الفرنسية لم تحقق أهدافها إلا بالتدريج وعلى مر قرنين ونيف من الزمن شهد الفرنسيون الحالمون بالحرية والإخوة والمساواة خلالما انتكاسات عدة.

أما فيما يتعلّق بروسيا والصين وإيران، فالنضال ما يزال مستمراً. ليست خيانة أوعيباً إذاً أن نقبل مرحلياً بما هو أقل من طموحاتنا وتوقعاتنا الأولى، بل تكمن الخيانة والعيب في تبنينا لعقلية النظام وداعش العدمية، عقلية "كل شيء، الآن، أو لاشيء،" عقلية تحويل الصراع إلى هدف بحد ذاته عوضاً عن كونه وسيلة. إن عملية التغيير الديموقراطي عملية طويلة الأمد، ولايمكن اختزالها بسنوات عدة بصرف النظر عن حجم التضحيات والخسائر.

من ناحية أخرى لن تضيع أهداف الثورة من خلال محاولة إطلاق عملية سياسية جدية، والمشاركة فيها، أو من خلال تقديم بعض التنازلات المرحلية، بل هي أكثر عرضة للضياع عندما يصرّ الثوار والجهات الممثلة لهم، على الانخراط في صراع عدمي بلا رؤية أو هدف.

(13)

هناك فرق شاسع ما بين تغيير المواقف وتطويرها للتماشى مع تطور الأحداث على الأرض. من هذا المنطلق، نعم أنا لم أكن مع الحوار في البداية، لا مع النظام، ولا مع روسيا، ولا مع إيران، لأني أعرف طبيعة النظام، وأعرف أنه لن يكون جدياً في أي حوار قد يدخل فيه مع المعارضة ما لم يتم تغيير موازين القوى على الأرض.

والأمر نفسه ينطبق على موضوع الحوار مع روسيا وإيران. وكان يمكن لموقف أمريكي وأوروبي إيجابي تجاه دعم المعارضة، خاصة في طور العمل السلمي، أن يغير الكثير، لكن، ونتيجة لظروف معينة لم يكن ما أردنا. ولا جدوى من التباكي اليوم على ما حصل وما لم يحصل، أو من تبادل اللوم حياله، المهم أن نقوم بتحليل وفهم الأسباب، لكي تصبح جهودنا المستقبلية أكثر فعّالية.

من لقاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ووزير خارجية الأسد، وليد المعلم، في موسكو في 26 حزيران، 2015

(14)

لقد بات من الواضح في هذه المرحلة أن موقف بوتين فيما يتعلّق بسوريا أصبح أكثر مرونة، بصرف النظر عن التصريحات الرسمية، وذلك بسبب بروز النصرة وداعش على الساحة من ناحية، وفتح جبهات أخرى للمواجهة مع الغرب من ناحية أخرى. لذا، لقد أصبح بوسعنا الانخراط في حوار بناء مع الروس في هذه المرحلة.

(15)

أما فيما يتعلق بإيران، فالقضية أكثر تعقيداً.

فمن ناحية، يمكن لنجاحها في التوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة والدول الغربية، ولتحرير أكثر من 150 مليار من الأموال المحتجزة، أن يجعلها أكثر إصراراً على دعم الأسد وإطالة أمد الصراع في سوريا. أو، على النقيض من هذا، يمكن لهذا النجاح أن يجعلهم أكثر انفتاحاً على جميع أطراف الصراع في سوريا وليس فقط الأسد ونظامه. إذ قد يتمكن الإيرانيون من خلال إقامة علاقات تعاون أقتصادي وأمني مع أطراف المعارضة والمناطق الخاضعة لسيطرتها أن يتوصلوا لصيغة تحفط مصالحهم الحيوية فيها بشكل أفضل مما يمكن التحصل عليه من خلال العمليات العسكرية.

من ناحية أخرى، يمكن لفشل المباحثات الحالية المتعلقة بالملف النووي الإيراني، أن تضعنا أمام نفس الخيارين: المزيد من التعنّت والتطرّف من منطلق التحدي، أو انفتاح مشروط من منطلق الرغبة في تحجيم الأعباء المادية الناجمة عن استمرار الحصار الاقتصادي ضد إيران.

في كلتي الحالتين، يبقى احتمال التعنّت والتطرّف أقوى من احتمال الانفتاح والمرونة، وذلك لوجد بعد عقائدي في طريقة التعامل الإيرانية مع الملف السوري وغيره من القضايا الخارجية. فإذا، كانت جميع الصراعات والخلافات ما بين القوى الكبرى اليوم تحاصصية أكثر منها عقائدية الطابع، لا تنطبق هذه الملاحظة على إيران فيما يبدو، بخلاف ما تعتقده إدارة أوباما ومؤيدوها. لكن وجود بعد عقائدي لا يحتم الفشل في أية مباحثات مع إيران، لكنه ومن دون شكّ، سيجعلها أكثر تعقيداً.

(16)

عملياً، تدعو مبادرة ثروة إلى عملية سلام في سوريا، ومنطق عمليات السلام يختلف بشكل جوهري عن منطق العمل الثوري. فعمليات السلام تشرعن كل أطراف النزاع من منطلق وجود جهات داخلية وخارجية داعمة ومؤيدة لكل طرف منها. ولا تجرّم عمليات السلام أي طرف في النزاع، لكن تعلن لاشرعية ممارسات بعينها، بصرف النظر عن مرتكبيها. هذا يعني، من الناحية النظرية، أن بوسع داعش نفسها أن تصبح طرفاً في عملية السلام المزمعة فيما لو أعلنت نبذها لبعض الممارسات. لا أحد يتوقع ذلك من داعش بالطبع، لكن أريد أن أوضح هنا منطق عمليات صنع السلام.

يشكّل هذا المنطق أزمة عميقة بالنسبة للأشخاص العاملين في الحقل الثوري، لكننا أصبحنا نتعامل هنا مع حرب أهلية، وغزو خارجي، بل استيطان، وتدخلات من كل حدب وصوب، وهو الأمر الذي يفرض علينا تغيير أولوياتنا واستراتيجياتنا في هذا المرحلة.  الأهداف تبقى هي هي، وحدها الوسائل والمقاربات هي التي تتغير. وطالما أننا ندرك في العمق أن التغيير الديموقراطي عملية طويلة الأجل بطبيعتها، لا يوجد ما يدعو لليأس في تغييرنا لأولايتنا المرحلية.

(17)

وإن قيد لهذه المبادرة الفشل، وهو الاحتمال الأقوى في الواقع، فلا يعني هذا أن كل شيء قد انتهى. إذ طالما جاءت مساعينا بشكل منظّم وممنهج، سنكتسب من خلالها مصداقية كبيرة عند معظم الأطراف قد تؤهلنا في مرحلة قادمة لإحياء مبادرتنا، أو لإطلاق مبادرة جديدة، أو لتوجيه النصح والإرشاد لأية جهة جديدة تسعى لإطلاق مبادرة واقعية.

(18)

السياسي المخلص لشعبه ووطنه ومبادئه يقول للجميع بعض ما يريدون أن يسمعوه على الأقل، أما الناشط المخلص فيفعل العكس تماماً، ويقول لكل طرف ما لا يريد أن يسمعه. لأن الناشط يسعى دائماً إلى التغيير عن طريق حثّ الجميع على مواجهة الواقع، خاصة إن كان بشعاً، أما السياسي فيكتفي بالتعديل، ويسعى إلى تخفيف وقع الحقائق الصعبة على الناس ليتقبلوها ويعطوه فرصة أخرى لدفع العربة إلى الأمام. السياسي والناشط، كلاهما محق، وكلاهما ضروري، ما فهم كل منهما طبيعة عمله. لكن مشكلتنا في الواقع ، أننا غالباً ما نجد أنفسنا منغمسين في السياسة والنشاط (أو المناصرة) معاً، ومن هنا يبرز التناقض السافر في بعض مواقفنا. ولا يوجد حل لهذا الأمر غير الانغماس في مراجعة دائمة للنفس وللمسار، وغير السعي الدائم لتحقيق التوازنات المناسبة لكل مرحلة.


الأربعاء، 1 يوليو 2015

أسئلة مذنبة حتى الثمالة ومتورّطة حتى نقيّ العظم في الجريمة

إذا تم "تحرير" دمشق بنفس الطريقة التي ما يزال يتم من خلالها "تحرير" حلب، هل سنعتبر هذا نصراً؟ هل سنحتفل على الأنقاض؟ هل سننظر إلى سقوط مأذنة العروس ودمار الجامع الأموي بنفس العجز التي أنتابنا ونحن نشاهد ما جرى للجامع الكبير في حلب، وعشرات الجوامع الأخرى في البلد؟ هل سيعنينا كثيراً دمار دمشق القديمة: وهي روح المدينة؟ هل بات المطلوب اليوم أن يعمّ الخراب ويطال كل شبر في سوريا لكي نشعر بأننا قد "تحرّرنا" بالفعل، وبأن ما "حدا أحسن من حدا" – نحن الذين نهضنا أساساً لإنقاذ البلد من الخراب المستتر؟ هل ينبغي على الخراب أن يشمل الساحل والحسكة والقامشلي والسلمية وحماة والسويداء ودمشق لكي نتحرّر من عقدة المناطقية؟

أين سيذهب ملايين اللاجئين الذين ما زالوا في الداخل؟ أين سيذهب سكان المدن التي لم يطالها الخراب بعد إن وصل الخراب إليهم؟ وهل سيعودون يوماً إلى البلاد إن إجبروا على مغادرتها؟ ولمن تبقى البلاد إن خلت من أفضل متعلّميها وتجارها وحرفييها؟ وهل يمكن للحرية أن تنمو في الخراب إذا ما أمست النفوس ذاتها خَرِبة (ولنا في ما يجري في أفغانستان والصومال دروساً كثيرة في هذا الصدد، وعِبَر)؟

أسئلة باتت ضرورية لأن تعريف الكثير منا للنصر فيما يبدو أصبح لا يختلف كثيراً، ولايقلّ عدمية أو نرجسية أو تشفّياً عن تعريف النظام له.

خلاصة القول: نعم. إن كان ثمة حل للأزمة السورية، فالأمر يستدعي الانخراط في عملية سياسة ما وإن تطلبت منا تنازلات كثيرة. ومن رأى في التنازلات خسارة، فهذا لأنه بنى توقعات غير منطقية حول الثورة ومكاسبها، فثمار الثورة لا تقطف دفعة واحدة بل على دفعات، ومع مرور الوقت، ومالم نتعلم سياسة المساومات سنخسر كل شيء.


الثلاثاء، 30 يونيو 2015

مبادرة لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا


تمثل هذه الخطة المكونة من 9 نقاط (اضغط هنا لقراءة النسخة الإنكليزية) مساهمة خاصة ومتواضعة لمؤسسة ثروة فيما يتعلق بالجهود الرامية إلى حل النزاع في سوريا. وكخطة داعمة لعملية سلام، لا يمكن لهذه المبادرة أن تمثل توقعات وآمال الثوار، ناهيك عن توقعاتي الخاصة أو توقعات أي من الأطراف المنخرطة في هذا النزاع. إذ ينبغي على جميع الأطراف في هذه المرحلة أن يعدوا أنفسهم لتسوية لن يتحصلوا من خلالها إلا على نزر بسيط من المكاسب التي سعوا إليها في البداية. فالنضال من أجل الديمقراطية عملية معقدة وطويلة الأمد تتطلب تعديلات مستمرة في المسار، وقد تبدأ هذه العملية مع حركة احتجاج أو ثورة شعبية لكنها لا تنتهي معها. السياسة، مهما بدت قميئة وكلبية في بعض الأحيان، تبقى ضرورة لا يمكن التحصل على أي مكسب وتحصينه بلاها.

وترجئ المبادرة النظر في تلك القضايا المتعلقة بشكل سوريا المستقبلي وطبيعة ونطاق عملية العدالة الانتقالية إلى مرحلة لاحقة، وذلك نظراً لتعقيدها وارتباطها بقضايا ومصالح وأطراف أخرى تجمع ما بين الشأن السوري وتطورات في بلدان ومناطق أخرى من العالم. وتكتفي الخطة بالسعي لتمكين أطراف النزاع، المحليبن والإقليميين والدوليين على الاتفاق على هدنة طويلة الأمد (قد تستمر لمدة 5 سنوات أو أكثر)، يتم خلالها التفاوض على تسوية نهائية. بعبارة أخرى، تسعى الخطة إلى استبدال صراع عنيف طويل الأجل بعملية سياسية طويلة الأجل، وإن بدت معقدة، وذلك من أجل تخفيف معاناة الشعب السوري.\

مقدمة

تهدف المبادرة المقترحة هنا إلى تحويل النزاع في سوريا من صراع عسكري مدمّر إلى عملية سياسية يمكن من خلالها للأطراف المختلفة الاتفاق على ترتيبات إدارية مرحلية تسمح لكل طرف بالبدء بإعادة بناء ما تهدّم في منطقته، وإعادة توطين اللاجئين وتقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين، وذلك بمساعدة القوى الداعمة له على الصعيد الإقليمي والدولي. وفي هذه الأثناء يمكن للمباحثات المتعلّقة بالوضع النهائي للبلد من الناحية الإدارية والسياسية والقانونية والدستورية أن تبدأ، وإن امتدت لسنين.

ويمكن تلخيص جوهر هذه المبادرة بالبنود التالية:

1.     يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على خطوط واضحة لوقف إطلاق النار تفصل ما بين المناطق الخاضعة للأطراف المختلفة، واعتماد كل منطقة مرحلياً كوحدة تابعة للطرف المعني يديرها بحسب توافقات داخلية محددة.
2.     يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على بنود واضحة للتعاون ما بين المناطق المختلفة في عدد من المجالات الحيوية، خاصة فيما يتعلّق بالقضايا الأمنية والاقتصادية، وآليات التنقّل ما بين المناطق، وإدارة العلاقات القائمة ما بين المكونات والشرائح الاجتماعية المختلفة في كل منطقة.
3.     يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على تحييد دور دمشق في الصراع عن طريق تأسيس حكومة مرحلية حيادية يشارك فيها ممثلين عن الأطراف المختلفة تدير شؤون المدينة ونواحيها تحت إشراف لجنة دولية أممية معينة من قبل مجلس الأمن. ويفضل إعطاء المسؤول الأممي المشرف على الشأن السوري صلاحية تشكيل هذه الحكومة بالتشاور مع كافة الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية المعنية.
4.     يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على تجريد بشار الأسد من صفة رئيس الجمهورية، وتنصيب رئيس مرحلي في دمشق بالتوافق ما بين الأطراف تكون مهمّته الإشراف على عمل الحكومة المرحلية وعلى المباحثات ما بين أطراف الصراع، وتنسيق المساعي الإقليمية والدولية في هذا الصدد، في حين يبقى الأسد مسؤولاً عن إدارة المناطق الخاضعة لسيطرته وتمثيل الشرائح الموالية له.
5.     عند الضرورة، يمكن لأطراف النزاع الاتفاق على التبادل السلمي لبعض المناطق والسكان ما بين الأطراف المختلفة حفاظاً على أمن جميع الشرائح والمكونات الاجتماعية والثقافية.
6.     يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على دعوة قوات حفظ سلام مشكّلة من دول محايدة لمراقبة خطوط التماس المرحلية، والنقاط الحدودية، والمطارات والمرافئ الدولية، لمنع وقوع أية خروق لاتفاق وقف إطلاق النار، ولتسهيل التنقّل ما بين المناطق المختلفة، ولمنع تدفق المقاتلين والأسلحة من وإلى سوريا، إلا بحسب الاتفاقات الموقّعة من قبل أطراف النزاع.
7.     يمكن لكل طرف من أطراف النزاع في المرحلة الانتقالية أن يحتفظ بمجموعاته المقاتلة شرط تفريغها من العناصر الأجنبية وفقاً لجدول زمني محدّد، ولا يجوز التحايل على ذلك عن طريق التجنيس و/أو منح الإقامات.
8.     ينبغي على الحكومة المرحلية احترام كافة العقود والاتفاقات التي عقدها النظام حتى تاريخ إعلان هذه المبادرة.
9.     يتوجّب على أطراف النزاع حظر خطاب التحريض والكراهية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، واحترام قداسة كل المعابد والمؤسسات الدينية، والصروح ذات الأهمية التاريخية، وعليهم توفير الحماية لكافة الحجاج والزوار القادمين من داخل أو خارج البلاد.

الشرح

1.
بات الوضع في سوريا اليوم، من منظور القانون الدولي، يشكّل حرباً أهلية، وبالتالي لا جدوى هنا من الحديث عن طرف شرعي وآخر غير شرعي. فلكلّ طرف في الصراع، بصرف النظر عن سلوكياته، نسبة ما من التأييد الشعبي الداخلي، وبما أن معظم الأطراف تعتمد على دعم لوجستي وتمويل خارجي ما علاوة على مقاتلين أجانب، فلا جدوى هنا أيضاً من تبادل الاتهامات.

2.
من الناحية العملية لم تعد سوريا اليوم تمثّل دولة موحّدة، بل أصبحت مؤلّفة من مجموعة من المناطق المتناحرة، وعلى تصوراتنا المتعلّقة بإنهاء الصراع التعامل مع هذا الواقع.

3.
هناك في سوريا اليوم مناطق واقعة تحت سيطرة نظام الأسد وجيشه، وحزب الله، وجيش الدفاع المدني، واللجان الشعبية، علاوة على المليشيات الشيعية المشكّلة من مقاتلين أجانب من إيران والعراق وأفغانستان، وغيرها من الدول.

وهناك مناطق واقعة تحت سيطرة جبهة النصرة، والكتائب الإسلامية الأخرى مثل جيش الإسلام وجيش الفتح، وكتائب تابعة للجيش الحر، بالتعاون مع مقاتلين أجانب موزّعين على كل هذه الأطراف.

وهناك مناطق خاضعة لسيطرة الدولة الإسلامية أو داعش الذي يعتمد في أغلب الأحيان على عناصر جهادية أجنبية، وإن كان قد نجح في الفترة الأخيرة في زيادة عدد السوريين المنخرطين في صفوفه، نظراً لاعتماده على القاصرين، وتمكّنه من شراء ولاء بعض المجموعات المسلحة وبعض العشائر التي دفعتها حاجتها المادية وغضبها من القمع الذي تعرضت له من قبل النظام، علاوة على خوفها من داعش، إلى الالتحاق به وإن كانت رؤيتها فيما يتعلق بمستقبل البلد لا تتفق بالضرورة مع رؤيته.

وأخيراً هناك مناطق خاضعة لسيطرة وحدات الحماية الكوردية بالتعاون مع حلفائها من الجيش الحر والقبائل العربية والمجموعات المسلحة الآشورية. وماتزال هذه الوحدات، في هذه المرحلة على الأقل، تحافظ على علاقة ما مع المؤسّسات الممثّلة للنظام في مناطقها، وإن كانت قادرة عملياً على قطع هذه العلاقة في أي وقت شاءت.

ولم تتضح بعد معالم الحدود بين هذه المناطق بسبب استمرار المعارك، فهي تبقى بالتالي خاضعة للتغير بين يوم وآخر. وإن كانت قوات المعارضة فد أحرزت بعض التقدم في الآونة الأخيرة، فإن قيام إيران بإرسال آلاف المقاتلين الشيعة من أفغان وإيرانيين وعراقيين كردٍّ على هذا التطور قد يقلب الموازين مرة أخرى فارضاً واقعاً أو توازناً جديداً على الأرض.

4.
بحسب تصريح معظم الأطراف، يمثّل داعش عدواً مشتركاَ لها. لكن الأوضاع الحالية على الأرض واستمرار المعارك بين هذه الأطراف، علاوة على الحسابات الخاصة لبعضها التي تجعلها ترفض تنسيق جهودها المناوئة لداعش، بل ربما تجنّبت ما أمكن الصدام معه، هذا إن لم تقم بالتنسيق معه في معاركه ضد الأطراف الأخرى، ونشير هنا بالتحديد إلى تلك التقارير والتحليلات الاستخباراتية والإعلامية التي تشير إلى التعاون الظاهر ما بين النظام وداعش،... هذه الأوضاع سمحت لداعش عبر السنين الماضية بتقوية مواقعه على حساب جميع مناوئيه، بمن فيهم النظام.

ولايبدو أن الهدن المؤقتة قادرة على قلب المعادلة هنا، وذلك لتجنّبها الدخول في مجموعة من القضايا الحساسة المتعلّقة بعلاقة الأطرف ببعضها البعض وطريقة إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها.


5.
ونظراً لتعنّت القوى الإقليمية الداعمة للأطراف المتنازعة في الداخل السوري، واستمرارها في تسعير وتصعيد المواجهات، لايبدو أن حسم هذا الصراع ممكن عسكرياً، أو بلا وساطة دولية.

لذا، يبدو أن الخطوة الوحيدة التي يمكن لها أن تخرجنا من الأزمة الراهنة تتطلّب من القوى الدولية أن تضغط على الأطراف الإقليمية والداخلية للتوصّل إلى اتفاق على ترتيبات إدارية مرحلية قد تستمر ما بين سنة وخمس سنوات، تشمل تحديد خطوط واضحة لوقف إطلاق النار تفصل ما بين المناطق المختلفة، وبنود واضحة للتعاون ما بينها في مجالات حيوية عدة، خاصة فيما يتعلّق بالقضايا الأمنية والاقتصادية وإدارة العلاقات القائمة ما بين الشرائح الاجتماعية المختلفة في كل منطقة.

وقد تتطلّب الأوضاع أيضاً الاتفاق على التبادل السلمي لبعض المناطق، وربما السكان أيضاً، ما بين الأطراف المختلفة. ويمكن لقوات حفظ سلام مشكّلة من دول محايدة ومكرّسة لمراقبة نقاط التماس المرحلية أن توفّر قسطاً ما من الاطمئنان يسمح للأطراف المتوافقة بتغير بعض حساباتها الحالية متفرّغة للمعركة ضد العدو المشترك: داعش.

ويمكن للرئيس المرحلي أن يقوم بتشكيل حكومة مرحلية تشمل ممثلين للنظام والمعارضة بتنوعاتها، وليس فقط الإئتلاف. وينبغي على هذه الحكومة احترام كافة العقود والاتفاقات التي عقدها النظام حتى تاريخ إعلان (وليس توقيع) هذه المبادرة.

ويمكن لكل طرف من أطراف النزاع في المرحلة الانتقالية أن يحتفظ بمجموعاته المقاتلة شرط تفريغها من العناصر الأجنبية بالتدريج ووفقاً لجدول زمني متفق عليه، ولا يجوز التحايل على ذلك عن طريق التجنيس و/أو منح الإقامات.

6.
وفيما تدور المعارك مع داعش، يمكن لممثّلي الأطراف المختلفة البدء بمحادثات جدّية حول شكل الدولة الجديد، وعلاقة المناطق المختلفة ببعضها، والترتيبات الإدارية والدستورية المتعلقة بالصعيد الوطني، والقضايا المتعلقة بالعدالة الانتقالية، أي محادثات حول الوضع النهائي للبلد من الناحية السياسية والإدارية والقانونية والدستورية.

7.
ولعلّه من الضروري التنويه هنا إلى أن خطوة تحديد خطوط واضحة لوقف إطلاق النار ما بين المناطق المختلفة لا تهدف إلى تقسيم البلاد، بل إلى فصل مرحلي للأطراف المتناحرة، مع تأمينها، والشرائح الاجتماعية الداعمة لها، في مناطقها.

8.
على الرغم من عقيدتها السياسية التي لا تختلف كثيراً عن عقيدة داعش، فإن اعتماد جبهة النصرة الأكبر في تركيبتها الداخلية على دعم كبير من المقاتلين السوريين يجعل العلاقة معها أكثر تعقيداً، وإن لم يكن بوسعنا التحاور مع القادة الأساسيين للجبهة، مثل أميرها أبو محمد الجولاني، الذي لم تترك تصريحاته الأخيرة للجزيرة مجالاً لذلك، ربما كان من الممكن لنا التواصل مع بعض القادة المحليين وقادة الصف الثاني وذلك عن طريق بعض الشركاء الإسلاميين الأكثر مرونة من الناحية السياسية. ولقد أدت مبادرات من هذا النوع في جنوب سوريا مؤخراً إلى هجرة أعداد كبيرة من مقاتلي جبهة النصرة للانضمام إلى تجمعات أكثر اعتدالاً.

9.
أما فيما يتعلّق بالإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، فعلى الرغم من أن لايملك الكثير من النفوذ على الأرض في هذه المرحلة، فإن الاعتراف الدولي الكبير الذي تحصّل عليه في السنتين الأخيرتين يجعل من تهميشه أو استبعاده أمراً صعباً وغير مستحبّ، ما لم يستبعد هو نفسه بشكل أو آخر، مثلاً من خلال مقاطعة العمليات السياسية الجارية والمتعلقة بسوريا مثل رفضه اللقاء مع مبعوث الأمم المتحدة المختصّ بالملف السوري السيد استيفان دي مستورا. من ناحية أخرى، ينبغي على الإئتلاف، إذا أراد تحسين موقفه التفاوضي، أن يسعى للتواصل مع قوات المعارضة في الداخل ويبنى علاقة أفضل معها، ليتحوّل في الوقت المناسب إلى قوة سياسية قادرة على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها. لكن، لايبد أن هذا الأمر ممكناً من دون وساطة القوى الإقليمية الداعمة لقوات المعارضة في الداخل.


10.
نظراً لخضوع المناطق ذات الغالبية الكوردية في سوريا في هذه المرحلة لسيطرة حزب الاتحاد الديموقراطي، التابع تنظيمياً لحزب العمال الكوردستاني، ونظراّ لإشراف هذا الحزب المباشر على العمليات العسكرية لوحدات الحماية الشعبية الكوردية وحلفائها، وعلى الرغم من اعتراض الأحزاب الكوردية الأخرى على بعض ممارساته، لا مناص في الواقع من إشراك حزب الاتحاد الكوردستاني كطرف مستقلّ في أية مباحثات جدّية حول مصير المناطق ذات الغالبية الكوردية في سوريا وطبيعة علاقاتها ببقية المناطق.

11.
أما فيما يتعلق بقيادات النظام، بمن فيهم بشار الأسد، فلأنهم أصبحوا من الناحية العملية مجرّد زعماء لطرف من أطراف النزاع لا غير، فمن الأفضل ربط مصيرهم النهائي بالنقاشات التي ستدور حول موضوع العدالة الانتقالية، أي تأجيل البتّ فيها حتى انطلاق تلك المباحثات، إذ لا يتطلّب الاتفاق حول الترتيبات الإدارية المرحلية للمناطق السورية البتّ في هذه القضايا الخلافية الآن، بل ربما كان الأمر على عكس ذلك، أي قد يتطلّب إنجاح هذا الاتفاق تجنّب هذه القضايا بالذات وتأجيلها لمرحلة قادمة.


12.
لكن، وكحلّ وسط ما بين رغبة الموالاة في بقاء الأسد ومطالبة المعارضة برحيله، يفضّل في هذه المرحلة أن يتم تجريد الأسد من صفة رئيس الجمهورية، وتنصيب رئيس مرحلي بالتوافق ما بين الأطراف تكون مهمّته الإشراف على المباحثات ما بينها وتنسيق المساعي الإقليمية والدولية في هذا الصدد، في حين يبقى الأسد مسؤولاً عن إدارة المناطق الخاضعة لسيطرته والشرائح الموالية له، ويبقى مصيره النهائي مرتبطاً بالتطورات الخاصة بعملية العدالة الانتقالية وتوافق الأطراف الداخلية والقوى الإقليمية والدولية الداعمة لها على الترتيبات الخاصة بشأنها.

ولاننسى في هذا الصدد أن تحصّل عدد من الجهات الرسمية والقانونية الدولية على ملفات ووثائق مختلفة تتعلّق بما تعرّض له السوريين من قمع في الفترة الأخيرة، علاوة على الحق القانوني للضحايا وعائلاتهم فيما يتعلّق بملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتكبت بحقهم في عدد من المحافل الدولية، قد خلق لعملية العدالة الانتقالية مساراً مستقلاً عن إرادة النظام والمعارضة معاً، وأصبح الأمر، أي المصير النهائي للأسد وكل من يقف متهماً بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاضعاً لحسابات دولية مختلفة.

وربما تشكّل هذه المبادرة فرصة أخيرة للأسد بالذات لإيجاد مخرج مناسب لنفسه. إذ ما لم يبدِ الأسد أية مرونة في هذه المرحلة من خلال قبوله بالعملية السياسية المقترحة هنا، فقد لا توجد أية إمكانية لإعطائه حصانة قانونية من المسائلة، وسيبقى ملاحقاً قانونياً أينما كان أو حلّ. وفي الواقع، ومن الناحية العملية، لم تعد قضية مصير الأسد بالأهمية التي كانت عليها في المرحلة السابقة. وإن كانت بعض أطراف المعارضة غير قادرة بعد على استيعاب هذا الأمر، فإن الأسابيع المقبلة قد تشهد تغيراً في هذا الصدد.

وفي الواقع تأتي هذه المبادرة أيضاً لتعطي القوة الإقليمية الوحيدة الداعمة للأسد بشكل علني، أي إيران، مخرجاً مناسباً يسمح لها بتقديم التنازلات دون أن تبدو ضعيفة أو متذبذبة في مواقفها أمام حلفائها الآخرين في المنطقة، أو تخسر كل نفوذها في سوريا، وهو أمر لا يبدو أنها على استعداد لتقبله أساساً وإلا لما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.

وقد لا يلقى هذا الحل ترحيباً من قبل الأوساط الشعبية التي عانت من قمع الأسد خلال السنين الماضية، لكنه يبقى يمثل الخطوة الأكثر قدرة على التخفيف من معاناتها على المديين القصير والطويل.

13.
قد يشكّل وضع بعض المناطق أو المدن السورية، مثل وادي النصارى في وسط سوريا، ومدينة السويداء، والعاصمة دمشق، تحت إدارة دولية حلاً مرحلياً مناسباً إلى حين اتفاق أطراف النزاع على الوضع النهائي لها. لكن الإرادة الدولية لدعم تحرّك من هذا النوع قد لا تكون متوفّرة، ما لم تقتنع القوى الكبرى بجدية الأطراف فيما يتعلّق بالالتزام بنصوص هذه المبادرة.

14.
إذا لم يشكّل التقدّم الملحوظ الذي تحرزه قوات المعارضة بمختلف فصائلها في إدلب ودرعا والقلمون والغوطة الشرقية دافعاً للنظام ليدخل في العملية التفاوضية المقترحة هنا، فقد يؤدي التسويف إلى إضعاف قوته التفاوضية. ولايغرنّنا في هذا الصدد تصريحات بعض القادة العالميين حول استحالة فرض حلّ عسكري للأزمة السورية، لأن القوى الفاعلة في الصراع هي قوى إقليمية بات معظمها يتصرّف، وفي الآونة الأخيرة على وجه الخصوص، وفقاً لمصالحها وأهوائها ورؤاها الخاصة وبشكل مستقلّ عن المؤثرات الدولية. هذا علاوة على الضعضعة والخلخلة الواضحة في الأوضاع الاقتصادية والبنى المؤسساتية للدولة مما يجعلها مرشحة لانهيار كارثي في أية لحظة، الأمر الذي سيجلب معه ويلات كثيرة على جميع السوريين، وخاصة أولئك المتواجدين في المناطق التي ما تزال تخضع لسيطرة النظام، سواء كانوا من الموالاة أو المعارضة أو ممن التزم بالحياد.

15.
مع استمرار الدعم الخارجي لأطراف الصراع المختلفة، وبصرف النظر عن سيناريو الانهيار الكارثي، وإن باتت احتمالات وقوعه أكبر مما مضى، قد تدوم الحرب السورية لسنين أخرى قادمة. لكن مسار المعارك اليوم يدلّ على أن معظمها سيجري في الأراضي الخاضعة لسيطرة النظام الآن، والتي نجت حتى اللحظة من الدمار الذي حاق بالمناطق الأخرى، وبالتالي فهي ستطال بالذات تلك الشرائح الاجتماعية التي ما يزال النظام يعوّل على استمرار تأييدها له. ومع استمرار تقلّص المناطق الخاضعة لسيطرة النظام ستتقلّص أيضاً نسبة تأييده، مما سيعرقل عملية التسوية السياسية فاتحاً المجال أمام السيناريوهات الأسوأ.

ولاننسى هنا أن معظم المهجّرين السوريين لم يغادروا البلاد، بل توجّهوا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وخاصة دمشق والساحل، وسيكون هؤلاء المهجّرين من أوائل المتضرّرين جرّاء انتقال العمليات العسكرية إلى هذه المناطق.

وإن كان فتح الأبواب على مصارعها أمام هذه لسيناريوهات أمر لايناسب القوى الوطنية في سوريا بالفعل، بصرف النظر عن انتماءاتها السياسية، يفرض هذا الأمر إذاً على كل الأطراف وجوب التخلّي عن تصوراتها المبدئية حول كيفية إدارة الصراع والأهداف المرجوّة منه، على المدى القصير على الأقل، والانخراط في عملية سياسية جدّية ستتطلب في مرحلة قريبة وبلا أدنى شكّ تقديم تنازلات كبيرة من كل طرف.

خاتمة

قد لاتكون أطراف الصراع في سوريا، أو بعض القوى الإقليمية والدولية الداعمة لها، مستعدة لقبول مبادرة من هذا النوع في هذه المرحلة، ذلك على الرغم من كل ما مرّ على البلد، والمنطقة ككل، من خراب وويلات خلال السنوات الأربع المنصرمة، بل قد يسيء الكثيرون فهمها ويرون فيها خطة للتقسيم وإنقاذ الأسد، أو للالتفاف على ما يعتبرونه إنجازات الثورة. لكن انتقال العمليات العسكرية إلى دمشق والساحل، وهو تطوّر بات على الأبواب، وما ستجلبه هذه العمليات معها من وبال على الجميع، قد يغير بعض هذه الآراء في الأشهر القادمة.

أما في حال تمّ الاتفاق على النقاط المذكورة أعلاه، فستتطلّب الخطوة التالية عقد اجتماع موسّع، بحضور القوى الداعمة لكل طرف من أطراف النزاع على الصعيدين الإقليمي والدولي، وذلك للدخول في تفاصيل تحديد خطوط وقف إطلاق النار ما بين المناطق التابعة للأطراف المتنازعة، والاتفاق على طريقة مناسبة لإدارتها تحترم حقوق وآراء الجميع، وتحديد طبيعة العلاقات المرحلية ما بينها، علاوة على تحديد نوعية وحجم قوة حفظ السلام المنشودة. على أن يتم في المرحلة التالية لعقد هذا الاتفاق التركيز على العمليات العسكرية ضد داعش، وإطلاق المحادثات النهائية المتعلّقة بالوضع النهائي للبلد، وعملية العدالة الانتقالية.

عمار عبد الحميد
مدير مجلس إدارة مؤسسة ثروة

وضعت المسودة الأولية للمبادرة في 19 أيار، 2015، وتمت مناقشتها على هامش مؤتمر المعارضة السورية في أستانا ما بين 24-27 أيار، وصيغت في شكلها النهائي في 5 حزيران، 2-15. بعد ذلك، تم تقديمها إلى الحكومة الروسية عن طريق السفارة الروسية في واشنطن، وإلى مكتب المبعوث الأممي السيد إستيفان دي مستورا. وماتزال المساعي المتعلقة بنشرها على نطاق أوسع مستمرة. وتتوجه مؤسسة ثروة بشكر خاص إلى السيدة خولة يوسف، والسيد بسام بيطار، علاوة على عدد من الناشطين والمعارضين في الداخل السوري وذلك لتقديمهم النصح والإرشاد خلال إعداد هذه المبادرة.