‏إظهار الرسائل ذات التسميات أمريكا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أمريكا. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 7 ديسمبر 2018

ملاحظات حول أصل داعش

سمير غانم: "لا المتين بينفع ولا المتينة، علأصل دوّر!"
ابن الوردي: "لا تقل أصلي وفصلي أبداً، إن أصل الفتى ما قد حصل"


السيرة الذاتية لأحد أهم قياديي داعش الراحلين تلقي أضواء جديدة على أصول تنظيم الدولة الإسلامية – هذا هو محور حلقتنا الأساسي لهذا الأسبوع.

الجولة الإخبارية

في تونس، التونسيون يحتجون بالآلاف على زيارة بن سلمان لبلدهم
في فرنسا، استمرار احتجاجات ذوي السترة الصفراء
في واشنطن، الرئيس ترامب ينتقد قرار جنرال موتورز تخفيض موظفيها بنسبة 15%
في لقاء إعلامي، كلينتون تشجع الدول الأوروبية على تقييد الهجرة
في مصر، شيخ الأزهر يختلف مع طروحات الرئيس السيسي فيما يتعلق بدور السنة النبوية
فاز ورب الكعبة! القائد الشيشاني رمضان قاديروف يزور قبر الرسول في مكة
في الهند، مقتل مبشر أمريكي خلال محاولته التبشير في جزيرة نائية

الملاحظات التحضيرية لهذه الحلقة:

داعش – هذه المنظمة الإرهابية العالمية التي ما تركت جريمة إلا وارتكبتها عبر السنين الماضية سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا أو مصر أو غيرها من الدول، غالباً ما يربط الباحثون نشأتها بالغزو الأمريكي، وبفشل الإدارتين الأمريكيتين السابقتين على التعامل معها بشكل فعّال. لكن، وبعيداً عن التسييس، تبدو قصة نشأة داعش أكثر ارتباطاً بطبيعة المجتمعات في المنطقة منها برد فعل على السياسات الأمريكية.

دراسة مهمة جداً للباحث والصحفي المتميز حسن حسن نشرت مؤخراً على موقع ذي أتلانتيك يتحدى كل ما كتب من قبل حول نشأة تنظيم الدولة الإسلامية أو داعش والذي ربط ظهور هذه المنظمة بالغزو الأمريكي مباشرة.

الدراسة استندت إلى كتاب تم تداوله مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي المدارة من قبل الإسلاميين. مؤلف الكتاب هو ابن أحد أهم قياديي داعش: عبد الرحمن القادولي، وهو عراقي من محافظة نينوى والمعروف باسمه الحركي أبو علي الأنباري، ويتعامل الكتاب المؤلف من 93 صفحة مع حياة أبو علي الأنباري ونشاطاته خلال فترة التسعينات إلى أن قتل في 2016. استند مؤلف الكتاب على يوميات تركها أبو علي الأنباري نفسه وعلى لقاءات عدة مع الجهاديين الذين عملوا معه. واستند حسن حسن في دراسته على هذا الكتاب وعلى لقاءاته الخاص مع الخبراء بل وبعض المتمردين السوريين الذين احتكوا بأبو علي وداعش خلال الحرب في سوريا.

قبل الدراسة، كانت هناك قراءة مجتزأة لقضية ظهور داعش، قراءة أهملت ما حصل في المجتمع العراقي قبل الغزو، خاصة في الفترة الواقعة ما بين تحرير الكويت والغزو نفسه. لجوء نظام صدام حسين للدين في تلك الفترة كان واضحاً، خاصة في إضافة شعار الله الأكبر إلى العلم الوطني. بل تم عقد مؤتمرات سنوية للتنظيمات الإسلامية المتشددة في بغداد، كامتداد لحملة تشجيع التدين التي تم أطلاقها في ذلك الحين.

وهذا ما يقودنا إلى النقطة التالية: 

في رأيي أن جذور قضية التشدد الإسلامي في العراق أقدم حتى من هذا. علينا أن نأخذ بعين الاعتبار حالة الضعضعة التي شهدها المجتمع العراقي نتيجة الحرب مع إيران. على السطح بقي المجتمع علمانياً، والتزم صدام حسين بتشدقه بالعروبة، لكن الواقع أن حروب لعبت فيها الطائفية دوراً كبيراً في التجييش الشعبي، وفي مجتمع كان للتركيبة الطائفية فيه أهميتها الوجودية حتى قبل ذلك من حيث اعتماد صدام ومن معه على تأييد طائفة معينة وعشائر معينة، لا يمكن للتشدد الديني ألا يلعب دوره في الموضوع. صحيح أن الانتماءات الطائفية لا تكون دائماً دينية الطابع، وغالباً ما تأخذ طابعاً عشائرياً وقبلياً، لكن، في العمق، الدين هو الأساس، والاختلافات الطائفية والتمايز الطائفي هي في جوهرها تعبير على اختلافات عقائدية. ومن الطبيعي أن يصبح هذا التعبير أكثر فجاجة وتقليدية وتشدد وطهرانية في أوقات الأزمات. بمعنى، أن المجتمع العراقي الذي ظهر بعد الحرب كان كتلة من الاحتقانات، إذ تقوقع كل مكون، سواء عرّف نفسه على أسس دينية أو طائفية أو عشائرية على نفسه، زادت نسبة التعصب والعزلة والتشكك عند كل مكون، وأصبح الوضع مهيأ لانفجار داخلي، وأعتقد أن سياسات صدام الصدامية مع دول جوار مثل الكويت بعد الحرب مع إيران كانت تعبيراً عن ذلك، ومحاولة لإيجاد طرق لتفريغ الشحنات.

الحرب مع إيران هي التي مهدت لانهيار المجتمع العراقي وظهور التشدد العرقي والمذهبي، ومن ثم جاءت حرب الكويت وفترة الحصار لتمهد بالتدريج لتأسيس للعمل المنظم على هذا الأساس، وبالتالي لظهور القاعدة، بل جسد أكثر تطرفاً منها: كيان يضع الصراع مع الشيعة والأنظمة العلمانية في صلب اهتماماته ويعمل عليها بالتزامن مع حربه مع الغرب والولايات المتحدة والعالم.

بالعودة إلى أبو علي الأنباري، خريج كلية الشريعة في جامعة بغداد في عام 1982، والذي قاتل في الحرب ضد إيران، فمن الواضح الآن أنه بدأ نشاطاته في منتصف التسعينات، كإمام يخطب ضد الشيعة والمتصوفة في تلعفر في شمال العراق، ومن ثم كمقاتل مع التنظيمات الجهادية الكوردية. وبعد هجمات 11 أيلول الإرهابية، وبحسب سيرة أبو علي الأنباري نفسه، تم تأسيس "نواة للإمارة" الداعشية في تلعفر.

"وجهات نظر الأنباري المتطرفة، التي انعكست في وقت لاحق على "تنظيم الدولة"، تشكلت قبل الغزو الأمريكي للعراق، وقبل أن يلتقي بالزرقاوي."...  "الاستعدادات للجهاد كانت تنضج، من حيث التمويل والرجال والأسلحة... كل هذا كان يحدث في ظل حكم البعث". (الرابط)

دعنا نتوقف هنا قليلاً لنقارن الوضعين في العراق وسوريا: العراق في التسعينات تحت الحصار، أصبح مثل سوريا في الثمانيات تحت الحصار. نعم كان هناك قمع للإخوان وللإسلاميين المعادين للسلطة، لكن، كان هناك تشجيع للفكر الجهادي الموجه ضد الغرب، وكانت تجري مؤتمرات سنوية للإسلاميين المتشددين برعاية وزارة الأوقاف، واستمرت هذه النزعة عند نظام الأسد حتى في فترة التسعينات وما بعد، المؤسسات الإسلامية الرسمية وشبه الرسمية، استخدمت للتواصل مع الحركات الجهادية العالمية. طبعاً، هذا الوضع أعطى الأجهزة الاستخباراتية السورية تصور دقيق عن عمل هذه المنظمات والقدرة على اختراقها، وهذا ما جعل الكثير من الأجهزة الاستخباراتية العالمية تنسق وتتعاون معها على الرغم من التضارب في السياسات. وبعد غزو العراق، استغل النظام السوري هذه الخبرة في بناء شبكات وخلايا إسلامية لمقاومة الوجود الأمريكي هناك. ولما بدا واضحاً للنظام أنه لا يوجد نية عند إدارة بوش لغزو سوريا، بل على العكس، أن دعمه للجهاديين هو الذي يمكنه أن يدفع الأمريكيين لتوجيه ضربات عسكرية لسوريا قد تزعزع استقرار النظام، بدأ حملة من الاعتقالات بحق الجهاديين، وهم الجهاديون الذين أطلق سراحهم في بداية الثورة، أصبحوا قادة للحركات الجهادية في سوريا، بما فيها النصرة أو فتح الشام وداعش.

وهكذا نرى كيف ساهم النظامين العلمانيين الطائفيين في كل من سوريا والعراق بتسهيل ظهور وانتشار الحركات الجهادية المتطرفة في كلا البلدين.

موقف عمار

البنية التحتية السياسية والفكرية والمجتمعية اللازمة لانتشار الفكر المتشدد وظهور منظمات إرهابية كالنصرة وداعش كانت موجودة قبل عقود من الغزو الأمريكي للعراق، ونشأت عن السياسات التي انتهجتها الأنظمة الحاكمة وفشل النخب المعارضة لها، سياسياً وفكرياً، في فرز بدائل واضحة ومقنعة. داعش، النصرة، حزب الله، نظام الأسد، نظام صدام، كلها سلع محلية المنشأ، إن لم تعجبنا، فلنسعى إذن لتغيير ما بأنفسنا.

السبت، 1 ديسمبر 2018

هل سَلِمَ العرب من شر العنصرية؟

تعاملت حلقة "بين سام وعمار" هذا اليوم مع قضية العنصرية خاصة في إطار مجتمعاتنا الشرقأوسطية.



لكن، وكالعادة، بدأت الحلقة بجولة إخبارية سريعة، وفيما المواضيع التي تطرقنا إليها هذه المرة:

المرشح الروسي يفشل في انتخابات الانتربول
الكويت قد تمنح الجنسية لغير المسلمين
تجدد الانتقادات الدولية للمناهج التعليمية في السعودية لبثها روح الكراهية
في السعودية النساء يرتدين العباءة بالمقلوب رفضاً لها
مايكل بلومبرغ يتبرع بـ 1.8 مليار دولار لجامعة جونز هوبكنز
قاض أميركي يعلن أن القانون الفدرالي الذي يُحرّم ختان البنات "غير دستوري"
عائلة الفتاة الباكستانية المسيحية آسيا بيبي تتعرض للتهديد
عيد الشكر – عيد أمريكي بامتياز

فيما يلي الملاحظات التي اعتمدت عليها في إطار تحضيري لهذه الحلقة.

العنصرية – هذا المرض الذي نخر وما يزال الجسد البشري مستغلاً اختلاف هيئاتنا وثقافتنا، وهو المرض الذي غالباً ما يدّعي العرب والمسلمون اليوم بأنهم كانوا وما يزالوا ضحايا للممارسات الناجمة عنه والتي تبنّاها بحقهم الآخرون، وبالذات الشعوب الغربية. لكن، ألا تدل الكثير من الممارسات والمعتقدات المنتشرة في صفوف المسلمين، وطريقة تعاملهم مع بعضهم البعض، ونظرتهم للشعوب الغربية ذاتها، على أنهم بدورهم مصابون بالمرض ذاته؟ 

المحور الأول: تعريف بالمصطلح وبأصول الظاهرة وأسبابها وآثارها

العنصرية – الاعتقاد بأفضلية متأصّلة لعرق على آخر بسبب الفروق البيولوجية بينهما من لون البشرة إلى بعض المواصفات الخلقية مثل شكل وحجم الجمجمة وملامح الوجه. وفي العصر الحديث، أصبح المصطلح يُطلق أيضاً على الممارسات التّمييزيّة المستندة إلى اختلاف الثقافات والأديان، وعلى الاعتقاد بالأفضلية المتأصلة لدين أو ثقافة ما بالمقارنة مع الأديان والثقافات الأخرى. إذ ينجم عن هذا الوضع مجموعة من السياسات التمييزية على الصعيد الاجتماعي والسياسي، كانت العبودية هي أسوأ تجليّاتها، وذلك إضافة إلى ظاهرة الفصل العنصري أو "الأبارتايد"، وظاهرتي "الذميّة" و"المِلّية" في المجتمعات الإسلامية.

قد يقول البعض أن كل الأديان والإيديولوجيات قائمة على الإيمان بصحة معتقدات معينة وأفضليتها على غيرها من المعتقدات، فهل يعني هذا أن كل المتدينين والإيديولوجيين عنصريين؟

من الناحية النظرية نعم، كل فكر مغلق وكل جماعة بشرية مغلقة على نفسها عنصرية بطبيعتها، لكن على الصعيد العملي القضية تتعلق بالخيارات العملية والتصرفات التي يتبناها الناس في إطار تعاملهم مع الآخرين. قد يكون المرء مقتنعاً بصحة معتقده الديني أو الفلسفي أو السياسي الخاص، لكن طالما أصر في تصرفاته على احترام حقوق الآخرين الأساسية، بما في ذلك حرية الرأي والتعبير والتجمع، وغيرها، فلا يمكن وصفه بالعنصرية.

بشكل عام، علينا أن نفرق ما بين نوعين من العنصرية: 

1.     هناك عنصرية عقائدية يؤمن أصحابها بالطروحات العنصرية بشكل واضح وصريح ويُبرَرُونها على أُسس دينية أو ثقافية أو حتى "علمية". في أحيان كثيرة عبر التاريخ، كان فكر هذه الجماعات هو السائد على الصعيد الاجتماعي والسياسي.
2.     العنصرية غير المباشرة، وهي العنصرية التي لا يُدرك أصحابها بأنهم عنصريّون أساساً، وأنهم جزء من المشكلة، بل يعترضون على وصفهم بالعنصرية. لكن، ليس من الضروري أن يغير هؤلاء الأشخاص ممارساتهم وتصرفاتهم العنصرية عند تنبيههم إليها، بل قد يسعون لتبريرها بوسائل مختلفة أو محاولة الدفاع عن أنفسهم من خلال اتهام من نبههم إلى إشكالية تصرفاتهم بالعنصرية. هذا النوع من العنصرية هو الأكثر انتشاراً اليوم، وقد يكون التعامل مع هذا النوع من العنصرية هو الأصعب والأكثر تعقيداً.

العنصرية إذن هي الاعتقاد بوجود صفات خلقية موروثة خارجة عن إطار التصرفات والخيارات تميز الجماعات البشرية عن بعضها فتجعل بعضها أفضل من بعض. أي هي الاعتقاد بوجود أفضلية متأصلة غير مكتسبة نتيجة العمل والخيار، بل هي أفضلية نابعة من الولادة والوراثة.

من حيث الممارسة، يمكن للعنصرية أن تتجلى بعدة طريق:

·      سياسات تمييزية واضحة ضد مكون ما (مثل سياسات التعريب التي مورست ضد الأكراد، أو منع المسيحيين من تبوأ مناصب معينة)
·       سياسات تمييزية غير مباشرة (وضع شروط خاصة للتوظيف أو التصويت أو التأجير)
·       علاوة على ممارسات يومية (التعامل الفوقي مع الأشخاص المختلفين، وعدم الاختلاط بهم، استخدام بعض الألفاظ لوصفهم)

يترتب على العنصرية أضرار كبيرة تصيب الأفراد والمجتمعات، فهي نوع من الاضطهاد وتأثر على صحة الضحايا النفسية والمادية، هذا علاوة على خلقها لشروخ اجتماعية قد تضر باستقرار الدولة على المدى المتوسط والبعيد.

لكن، هل يعني انتشار وقِدَم هذا الاعتقاد أن العنصرية حالة طبيعية؟ من أين جاءت هذه النزعة، وماهي مدلولاتها النفسية؟ 

هناك نظريات كثيرة في هذا الصدد: بعض المختصين في علم النفس التطوري Evolutionary Psychology يرون أن العنصرية انتشرت عبر التاريخ لأنها أثبتت "نفعها" للمجتمعات بالذات لأنها بررت استعباد واستغلال الآخرين وتسخيرهم لخدمة المشاريع الخاصة بهذه الجماعات. وأعطتهم أفضلية في تنافسهم مع المجتمعات الأخرى. كما يرى هؤلاء الباحثون أن المجتمعات التي آمنت بتميّزها وتفوّقها على الآخرين كانت أكثر تماسكاً وتعاضداً. بالنسبة لهم إذن، العنصرية كانت الحالة الطبيعية في المجتمعات البشرية لأنها أعطت أفضلية في البقاء والتقدم للمجتمعات البشرية. أي أن العنصرية كانت آلية من آليات البقاء والتطور.

هناك اعتراضات كثيرة على هذه النظرية، فالدراسات الأنثروبولوجية للمجتمعات البدائية التي ما تزال منتشرة في بعض أرجاء المعمورة تدل على وجود نسبة كبيرة من التفاعل الإيجابي من تعاون وتشارك وتجاور سلمي وتزاوج ما بين هذه المجتمعات. مما يعني أن العنصرية لم تكن بالضرورة "الحالة الطبيعية" للمجتمعات البشرية البدائية، وأن هذه المجتمعات كانت تدرك أن التفاعل الإيجابي يعطي أفضلية بدوره لهذه المجتمعات فيما يتعلق بمواجهة تحديات البقاء والتقدم.

التفسير الأفضل لظاهرة العنصرية يبدو أكثر ارتباطاً بالخوف والقلق وعدم الإحساس بالأمان منه بأي أفضلية تطورية متخيلة. هذا على الأقل ما يقوله أصحاب "نظرية إدارة الذعر Terror Management Theory"، بالنسبة لهم، البحث عن الانتماء الجمعي والتميز الاجتماعي والطمع والعدوانية والتعصب كلها نزعات تعبر عن رغبة المرء في تعزيز إحساسه بقيمته في مواجهة الموت والمجهول والآخر.
 
عدم إحساسك بالانتماء والأمان يدفعك إلى الانخراط في جماعة ما، أو التماهي معها، لكن، جماعة قائمة على هذا الأساس غالباً ما تصبح عدوانية تجاه من هم خارجها، ومع الوقت، حتى التعاطف مع الآخرين يصبح مرفوضاً، بل يتم تجريدهم من إنسانيتهم عن طريق النظر إليهم كوحدة متجانسة ودونية، وأخيراً، تسقط الجماعة العنصرية كل نواقصها وعيوبها على الآخرين وتلومهم فيما يتعلق بكل مشاكلها. في صميمها إذن، العنصرية هي عارض لمرض نفسي أو مجموعة من الأمراض النفسية.

المحور الثاني: جذور المشكلة في مجتمعاتنا

سنركز في نقاشنا على موضوع العنصرية في تاريخنا ومجتمعاتنا لأننا غالباً ما نصف أنفسنا كضحايا للعنصرية على الرغم من وجود مؤشرات وأدلة كثيرة على أننا ممارسين للعنصرية بدورنا.

 النظرة العرقية عند عرب شبه الجزيرة قبل الإسلام: بني أصفر (الفرس وغيرهم) وبني أحمر (الروم)، الأفارقة.
 بعد انتشار الإسلام: ظهرت هناك عدة نزعات عنصرية...

الشعوبية

خلال المرحلة الأموية تعامل العرب مع الحكم على أن الله كرمهم بالإسلام وجعلهم أسياداً على الشعوب الأخرى (العجم)، أسلم أصحابها أم لم يسلموا.

إذا كان الفيلسوف الفرنسي، غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) قد قال يوماً في معرض انتقاده لسياسيات بلاده الاستغلالية في المستعمرات: "لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب". الواقع يقول: لم يعرف التاريخ فاتحاً رحيماً أبداً.

ولم يتغير الوضع كثيراً في العصر العباسي، على الرغم من استغلال الخلفاء العباسيين للغضب عند الشعوب الأخرى، خاصة الفرس، للتوصل إلى الحكم والمحافظة عليه. أدى هذا الوضع مع الوقت إلى انتشار النزعة الشعوبية.

 أول من جاء بالشعوبية كان الخوارج، الذين استندوا إلى الآية القرآنية "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم" للرد على ادعاءات قريش المتعلقة بحقها في الخلافة.

 وانتشر المفهوم فيما بعد بمعزل عن الطروحات الخارجية الأخرى، في صفوف الشعوب المغلوبة، الفرس خاصة، ومحاولتها الدفاع عن خصوصيتها وتأكيد هويتها في مواجهة التسلط والعنجهية العربية: (نحن مسلمون لكننا لسنا عرباً، بل، وكنوع من العنصرية المضادة أو إحياء لعنصرية سابقة، ربما كنا أفضل من العرب).

وبعد قرنين، شهد الأندلس حراك شعوبي مشابه في صفوف البربر والأوروبيين الذين اعتنقوا الإسلام، كاحتجاج على ادعاءات العرب. ومن هنا رسالة الكاتب الأندلسي أبو عامر بن غرسية (من أعلام الشعبوية) التي حالت التقليل من شأن العرب أسوة بالأدب الشعوبي الفارسي.

في بعض الأحيان، كان هناك رفض للإسلام ككل أيضاً. تعامل المؤرخون المسلمون مع الثورات التي جرت في بعض المناطق التي خضعت للخلافة الأموية والعباسية وكأنها مجرد تمرد على السلطة، وخروج عن الدين (البابكية) وتجاهلوا البعد التحرري لها وأنها تمثل محاولة طبيعية من قبل الشعوب المغلوبة للدفاع عن خصوصيتها الثقافية والدينية التي وجدت مما قبل الإسلام.

وفي هذا الجو أيضاً انتشرت الأحاديث التي تكلمت عن آخر الساعة وتحدثت عن الاقتتال المحتوم ما بين العرب وما بين بني الأصفر وبني الأحمر، في ربط وخلط ما بين العروبة والإسلام، وتجاهل لانتشار الإسلام في صفوف "بني الأصفر" و"بني الأحمر."

الذمية:

نعم، يمكن التعامل مع الذمية على أنها تعبير عن العنصرية لأنها نزعة مؤسساتية تصر على إسباغ وضع دوني على أتباع الديانات الأخرى في الدولة، خاصة أهل الكتاب. نعم، نحن في هذا نسقط مبادئ العصر الحديث على الماضي، لكن، في ظل إصرار البعض على تنزيه الحضارة الإسلامية بكل ما فيها عن النقد، وطروحات الإسلام السياسي، هذا إسقاط لابد منه.

الذمية تجلت فيما يسمى العهدة العمرية، وهو نظرياً العهد الذي قدمه عمر لبطرق القدس بعد دخول المسلمين إليها. لكن، بحسب دارسات الحديثة، يبدو أنه تم تعديل نص العهدة مع الزمن، خاصة خلال فترة حكم الخليفة الأموي عمر الثاني، وبعده، وإدخال شروط مهينة هدفها تقييد حركة المسيحيين واليهود وطريقة لبسهم ومعيشتهم، كما تم منعهم من بناء معابد جديدة.

في الشرق الأوسط، تطور النظام الذمي إلى النظام المِلّي (The Millet System) في العهد العثماني. لكن تم الاستغناء عن النظام الملي في عهد السلطان عبد المجيد الأول في عام 1856 كجزء من الإصلاحات المعروفة باسم التنظيمات لصالح مبدئ المواطنة. طبعاً كان للضغوط الأوروبية دورها الكبير هنا.

المحور الثالث: الوضع في المنطقة اليوم

"الشعوبية الجديدة" في مواجهة الحراك القومي العربي: نمو النزعات القومية المتشددة عند شعوب المنطقة أسوة بما جرى في أوروبا، وتبني سياسات التتريك من قبل قادة الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين سرّع من وتيرة انهيار الامبراطورية العثمانية من ناحية، وأطلق العنان لصراعات عنصرية جديدة بين شعوب المنطقة من ناحية أخرى.

الحلم القومي العربي وسياسات التعريب التي اتبعت بخصوص الأقليات القومية من ناحية، وطريقة العرب العنصرية في التعامل مع العمال القادمين من الدول الأفريقية والآسيوية، بصرف النظر عن الانتماءات الدينية، تم مواجهتها بما أسماه بعض الباحثين بنزعة "شعوبية جديدة" – نزعة عنصرية جديدة حيال العرب من قبل القوميات الأخرى.

علاوة على هذا كله، هناك عنصرية بين-عربية أيضاً تتجلى في تعامل الخليجيين مع باقي العرب وتفريقهم ما بين العرب العاربة والمستعربة، وفي نظرة باقي العرب إلى الخليجيين كقبائل بدوية همجية، وهو النقد الذي توجهه القوميات غير العربية إلى العرب عموماً.

من ناحية أخرى، العرب المسيحيون يتهمون العرب المسلمين بأنهم متخلفين وبدو. في المقابل، الإسلاميون يتمسكون بطرح أهل الذمة، وهناك تجليات لهذا الفكر على المستوى الرسمي (هناك حسابات كثيرة تتعلق بوضع المسيحيين في مناصب رسمية، تراخيص بناء الكنائس)، وعلى المستوى الشعبي من خلال التعامل اليومي.

هناك نزعة عنصرية عند العرب أيضاً تجاه ذوي البشرة السوداء، حتى العرب منهم، بل حتى المواطنين. كما هو الحال مع الفلسطينيين السود (غزة) والتونسيين السود أيضاً (القصبة).

النظرة الشعبية تجاه الشعوب الإفريقية عنصرية بشكل عام: ففي الثقافة الشعبية العربية، ارتبط مصطلح العبد بذوي البشرة السوداء (فيروز: "علبوابة في عبدين: الليل وعنتر بن شداد").  وتجلت النزعة أيضاً في الفن: مسلسل سمير غانم الأخير، وغيرها من الأعمال من مسلسلات وأفلام ومسرحيات عبر تاريخ الفن المعاصر في مصر والخليج.

لكن، ليس في الكوميديا فقط، هناك مسلسل "طبول الحرية" (إنتاج ليبي، تمت دبلجته إلى الإنكليزية، ممثلين عرب بيض صبغوا بشرتهم باللون الأسود). بل تم عرض المسلسل في عدد من الدول الإفريقية وقتها واعتبر إيجابياً لأنه دعم النضال الإفريقي، وذلك على الرغم من الاعتراض على قضية صبغ الوجوه:



وهناك أيضاً مسلسل "طرائف أبي دلامة" الذي قام ببطولته الممثل السوري الزيناتي قدسية بعد طلي وجهه لأن أبا دلامة كان من أصول إفريقية. المسلسل كوميدي لكن مرة أخرى الهدف لم يكن السخرية من السود لأن أبا دلامة كان رجلاً شاعراً ذكياً.



ما الهدف إذن من اختيار ممثلين بيض في هذين المسلسلين؟ الهدف ترويجي بحت: لا يوجد ممثلون سود البشرة يتكلمون العربية معرفون في العالم العربي، وأنت تريد للدول العربية أن تشتري المسلسل وأن يتابعه الناس. كان يمكن البحث عن ممثلين سود البشرة، لكن الأمر كان يتطلب أن يكون عند المرء وعي بالبعد العنصري للموضوع، وأن تكون ثقافة الترويج مختلفة، في وقت يمكن فيه للمنتجين في منطقتنا أن يشيروا إلى هوليوود مثلاً ويقولوا: ها هي هوليوود نفسها تختار ممثلاً من أصول صينية ليلعب دور شخصية يابانية في أحد أفلامها لأنه معروف، دون أن يهتموا برأي المشاهد الآسيوي القادر على التمييز بين الياباني والصيني.

والمشكلة الأكبر أن المشاهد الآسيوي قديماً ولأنه اعتاد على هذا الخلط العنصري كان يجد سهولة أكبر بتقبل التأقلم مع الموضوع منه بتحدي الموضوع. اختلف الوضع اليوم، في هوليوود وإلى حد ما في المنطقة أيضاً. لهذا لم يمر إحياء سمير غانم لموضوع صبغ الوجوه في مسلسله الأخير دون انتقادات شديدة، على الأقل على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن، غياب النقاش على الساحة العامة ودفاع المؤلف عن الموضوع، يدل على استمرار عدم الجهل والتعصب في المجتمع ككل.

بل هناك عنصرية في السودان مثلاً في التعامل ما بين الشعوب الناطقة بالعربية والتي تزاوجت مع العرب وأصبح لون بشرتها أقل سواداً (الجنجويد)، والشعوب غير الناطقة بالعربية (الفور والمساليط والزغاوة والنوبيين، إلخ...)، هذا علاوة على الاختلافات في الدين.

وأخيراً، تتجلى النزعة العنصرية عند العرب في تعاملهم مع العمالة الوافدة، ليس فقط في دول الخليج بل في لبنان وسوريا وغيرها من الدول، خاصة مع العمال الآسيويين والأفارقة.

من ناحية أخرى، التعامل مع المهاجرين الأفارقة في ليبيا وكأنهم عبيد رسميين من بيع وشراء، أمر له دلالته.

موقفي من قضية العنصرية في المجتمعات الشرقأوسطية، وخاصة في المجتمعات الناطقة باللغة العربية:

العنصرية داء أصابنا جميعاً، لكن تجاهل شعوب المنطقة لتفشي هذا المرض في صفوفها يكرس حالة الانقسامات والصراعات ويعرقل محاولاتنا إيجاد طرق إيجابية للتعامل مع قضية التنوع. الاعتراف بتفشي مرض العنصرية في صفوفنا هو الخطوة الأولى والأساسية على طريق التغيير والتحضّر.


الاثنين، 20 نوفمبر 2017

محمد بن سلمان ومستقبل المملكة السعودية



الحرة / من زاوية أخرى – يريد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن يعطي انطباعاً لكل من يتابع أخباره وأخبار المملكة بأنه صاحب رؤية عصرية وجريئة للمستقبل، وأنه رجل حزم لا يتوانى عن اتخاذ القرارات الحاسمة لإدراكه التام أهمية تسريع وتيرة الإصلاحات في المملكة. ومع ذلك، فإن الانطباع العام الذي خلفته قرارات بن سلمان عبر السنين القليلة الماضية عند معظم المراقبين في المنطقة والعالم، حتى أولئك الذين يتمنون له النجاح، يصوره كرجل متسرع ومتهور وربما غير قادر على تحمل أعباء الدور القيادي الذي أسند إليه بصرف النظر عن نواياه وأحلامه. ولا ينبغي لبن سلمان أن يتجاهل هذا الواقع إذا ما أراد أن يتغلب عليه ويحصل على مبتغاه، فللانطباعات قدرتها الكبيرة على التأثير على السياسات المتخذة حيال المملكة في عدد من الدول المحورية الإقليمية والعالمية.

من ناحية أخرى، وفي هذه المرحلة الحافلة بالتحزبات والاستقطابات والصراعات، لا يمكن فصل الانطباعات المتراكمة بشأن تصرفات وسياسات بن سلمان عن خلفيات أصحابها وتعصباتهم الخاصة، بما في ذلك انتماءاتهم القومية والطائفية والسياسية. ويضفي هذا الأمر بعداً آخر على المعضلة التي تواجه الأمير الشاب. ومن هذا المنطلق، كثفت المملكة منذ بروزه على الساحة من اعتمادها على شركات العلاقات العامة الغربية، لكن هناك حدود لما يمكن لهذه الشركات أن تقوم به، خاصة في جو نشاطات مضادة تقوم بها شركات أخرى لصالح إيران وقطر وحلفائهما في الأوساط السياسية الغربية. هذا علاوة على أن المشكلة الأساسية تبقى مرتبطة بنهج بن سلمان ذاته الذي بات مطالباً في هذه المرحلة بأن يقوم بمراجعة معمقة لما اتخذ من خطوات وتدابير حتى اللحظة قبل أن يقدم على المزيد.

فإذا كان الهدف من وراء تدخله في الأزمة اليمينة هو احتواء خطر التوغل الإيراني عن طريق الثوار الحوثيين من ناحية، وخطر تمدد القاعدة (ربما بدعم إيراني أيضاً) من ناحية أخرى، فمن الواضح أن التدخل السعودي لم يحقق مبتغاه بعد على الرغم من تكلفته المادية المرتفعة بالنسبة للسعودية واليمن معاً، وعلى الرغم من الأزمة الإنسانية الضخمة التي نجمت عنه والتي باتت السعودية تتحمل وحدها المسؤولية عنها على الصعيد الدولي، على الرغم من أنها ليست الطرف الوحيد المعني بما آلت إليه الأوضاع، بل إن مسؤولية إيران هنا قد تكون أكبر كونها هي التي مهدت الطريق إلى هذه المواجهة وهي التي ما تزال تمد الحوثيين بالأسلحة المتقدمة. لكن سرية التدخل الإيراني علاوة على طابعه التدريجي وغير المباشر تعطي إيران وحلفائها القدرة على الإنكار والمناورة الإعلامية، فيما جاء التدخل السعودي على نحو سافر راهن من خلاله بن سلمان على قدرته إحراز نتائج سريعة، ثم فشل. لذا، بات لزاماً عليه اليوم أن يجد طريقة لتبرير هذا الفشل وتغطيته، بل والتكفير عن نتائجه.

وتنطبق الملاحظة نفسها على كيفية تعامل بن سلمان مع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري والأزمة التي أثارتها استقالته الممسرحة. فمرة أخرى أدى أسلوب بن سلمان في إدارة الأمور إلى توجيه أصابع الاتهام إلى السعودية فيما يتعلق بمحاولة زعزعة الاستقرار في لبنان، فيما تناسى الجميع الدور الإيراني الأخطر والأقدم والأكثر دموية ذلك لأنه يتم بالوكالة عن طريق حزب الله.

ما لم يتمكن بن سلمان من إيجاد طرق أكثر مرونة وحنكة في التعامل مع المتغيرات في المنطقة عند دفاعه عن المصالح الجيوسياسية السعودية، ستؤدي سياساته مع الوقت إلى إضعاف الموقف الاستراتيجي للمملكة وإلى فرض نوع من العزلة الدبلوماسية عليها، وهو أمر سيكون له انعكاساته الخطيرة على مستقبل بن سلمان السياسي وعلى الوضع الداخلي ككل.

فعلى الرغم من ضرورة تحجيم الدور العائلي لآل سعود في صنع القرارات وضرورة تحديد عدد الشخصيات المؤهلة للمشاركة في العملية القيادية فيها وإيجاد آلية مناسبة لذلك، وعلى الرغم من استحالة القيام بهذه العملية من دون استخدام أساليب قمعية في دولة أمنية الطابع كالمملكة العربية السعودية، لا يمكن التعويل على القبضة الحديدية وحدها في إدارة العملية الانتقالية في هذا الصدد، بل ينبغي على بن سلمان أن يقدم رؤية ما جذابة ومقنعة لما ستؤول إليه الأوضاع من الناحيتين السياسية والإدارية في المملكة في المستقبل القريب. فبدون القيام بخطوة من هذا النوع، أي من دون تقديم رؤية سياسية لمستقبل البلد، سيكون من الصعب، إن لم نقل من المستحيل، لولي العهد أن يحصل على مصداقية دولية كافية تسمح للشركات العالمية بالمساهمة بشكل فعال في إدارة العملية الانتقالية والاستثمار فيها بما يتماشى مع احتياجات بن سلمان وطموحاته. ومع الوقت سيكتشف بن سلمان أن الإغراءات المادية وحدها لن تكون كافية للحفاظ على تأييد الكوادر التكنوقراطية التي ستتولى إدارة الإصلاحات، وأن الأحوال لن تنضبط من دون تقديم تنازلات سياسية مناسبة.

إن الدعم النسبي الذي يتلقاه بن سلمان حالياً من الرئيس الأميركي لا يعد مؤشراً كافياً على ما يمكن لهذه الإدارة أن تقدمه بالفعل عند الامتحان، بسبب الإشكاليات الخاصة التي تعاني منها، أو على الكيفية التي ستتعامل فيها دول أخرى مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا مع المملكة عموماً ومع رؤية وسياسات بن سلمان على وجه الخصوص. إن السعي لإعادة تأسيس المملكة على قواعد جديدة وعصرية يتطلب حنكة أكبر في التعامل مع الظروف والمتغيرات وليس جرأة فقط. فالجرأة من دون حنكة تهور، ولن يراهن المجتمع الدولي، وخاصة الغرب، على متهور.


الاثنين، 2 أكتوبر 2017

عن الإمبريالية والديموقراطية (1)


الحرة / من زاوية أخرى -- على الرغم من أن مصطلح الإمبريالية غالباً ما يستخدم هذه الأيام عند الكلام عن الحروب التوسعية التي شنتها الأمم الغربية خصوصاً على حساب الدول والممالك الأخرى، فإن الظاهرة بحد ذاتها، أي ظاهرة الحروب التوسعية الرامية إلى احتلال أراضي الغير وضمها إلى دولة أو مملكة بعينها بصرف النظر عن رغبة سكانها الأصليين، ظاهرة قديمة قدم التاريخ وطالت كل المجتمعات والدول، وماتزال. إذ يبدو أن النزعة الإمبريالية/الاستيطانية توجد متجذرة في التركيب البنيوي أو الجيني ذاته للدول والجماعات. فإن كانت الشعوب قد أدركت ومنذ آلاف السنين أن احتلال أراضي الغير واستيطانها يعد عملاً مستنكراً وفعلاً شنيعاً، لم يكن من الممكن لهذا الإدراك بحد ذاته أن يلغي الدوافع والمصالح الكامنة وراء المطامح الإمبريالية، العقلاني منها، أي ذلك المرتبط بتحقيق مصالح مادية واقتصادية واستراتيجية معينة، والذاتي، أي ذلك المتعلق بشخصية الحاكم أو النخب الحاكمة، واقتصر دوره على "إجبار" القوى الإمبريالية على تبرير حملاتها الاستعمارية بوسائل مختلفة بما في ذلك: إنكار إنسانية الغير ككل، كما كان دأب قبائل ما قبل التاريخ بحسب بعض الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، أو اعتبارهم أدنى شأناً لاختلاف ما في الدين أو العرق أو اللغة أو الثقافة، أو إسباغ دوافع نبيلة على الحروب التوسعية مثل الادعاء أننا "جئنا لنخرج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام،" كما فعل المسلمون الأوائل، أو الاعتقاد بأن القدر ألقى على عاتقنا عبء القيام بـ "مهمة نشر الحضارة Mission Civilisatrice" أو "عبء الرجل الأبيض White Man’s Burden،" كما أدعى المستعمرون الأوروبيون في القرون السابقة.

وقد يسرع البعض هنا ليضيف المساعي الحينية (أي المتفرقة) للولايات المتحدة الأميركية لنشر الديموقراطية إلى اللائحة السابقة، لكن ينبغي توخي الحذر هنا، فهناك فرق كبير ما بين الترويج لفكر سياسي معين، وبين السعي لضم واحتلال أراضي الآخرين. فمن الواضح لمن يتابع التاريخ الأميركي المعاصر والمشهد السياسي الأميركي أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة، على الأقل بعد الحرب العالمية الثانية، لم تهدف أبداً إلى التوسع والاستيطان أو بناء المستعمرات بل إلى تحقيق مكاسب معينة مرتبطة بالمواجهة مع الاتحاد السوفييتي أبان الحرب الباردة وبالحرب على الإرهاب العالمي مؤخراً. ولا يشرعن تأكيدنا هذا التدخل الأميركي في أي من الدول، ولا يبرره، فليست هذه القضية المطروحة هنا، كما أنه لا ينفي وجود نزعة إمبريالية مستحدثة ومستبطنة مختلفة عما عهدناه سابقاً، نزعة نابعة من مطامح ومصالح وحسابات القوى المتدخِّلة والتي قد لا تنسجم بالضرورة مع مصالح شعوب الدول المستقبلة لهذا التدخل.

وهنا بيت القصيد.

لقد قامت الإمبرطوريات الغربية عبر العقود الماضية بتفكيك نفسها وبوضع قيود جديدة على تصرفاتها في مجال السياسة الخارجية جعلت من الارتكاس إلى النزعة الإمبريالية التقليدية أمراً في غاية الصعوبة، إذ لم يعد تقديم المسوغات والمبررات أمراً كافياً لتبرير التدخل في شؤون الدول الأخرى، بل أصبح من الضروري وضع ضوابط معينة له ولأدواته، بما في ذلك: بناء التحالفات الإقليمية والدولية لشرعنة التدخل، وتحديد الأهداف المزمع تحقيقها، ووضع جدول زمني ما لذلك، إلى آخر ما هنالك من قيود وشروط. وإن كانت هذه الخطوات تبقى قاصرة في ما يتعلق بمقاومة النزعات الإمبريالية عند الدول، لا ينفي هذا القصور أنها ساهمت، على عواهنها، في تغيير قواعد اللعبة على نحو جذري.

هناك ثلاثة أسباب أساسية وراء هذا القرار الغربي بالتخلي عن النزعة الإمبريالية: أولاً، رغبة القوى العظمى في تحقيق توازنات جديدة تجنبها مغبة الاقتتال البيني، ثانياً، رغبة الشعوب التي كانت خاضعة للاحتلال الغربي في تقرير مصيرها وسعيها لتحرير أنفسها، ثالثاً، الحوار الداخلي الطويل والصعب الذي شهدته المجتمعات الغربية حول حقوق الإنسان والشعوب، وبالتالي حول مدى شرعية النزعات الإمبريالية وجدواها الاقتصادية والسياسية.

لم تتبن كل الإمبراطوريات التقليدية هذه المقاربة الغربية، فالاتحاد الروسي مثلاً، وعلى الرغم من انهيار الاتحاد السوفييتي، ما يزال يشكل في بنيته وجوهره إمبراطورية إمبريالية تقليدية قائمة على احتلال أراضي الغير واستيطانها واستغلال ثرواتها الطبيعية لصالح سكان المركز، وعلى قمع حقوق السكان الأصليين بمختلف الوسائل، سواء في القفقاس أو الفولغا أو الأورال أو سيبيريا.

وتسري هذه الملاحظة أيضاً على جمهورية الصين المصرة بدورها ومن خلال تواجدها في شينشيانغ والتبت على تجاهل حقوق السكان الأصليين وإرادتهم، بل تسعى جاهدة إلى تحويلهم إلى أقلية مهمشة من خلال سياسات التهجير والتوطين.

والغريب هنا أننا نادراً ما نسمع أي انتقاد لهذا الوضع من قبل الدول والقوى التي تدعي أنها مناهضة للإمبريالية في العالم، في حين لا تتوقف وسائل إعلامها وتعليمها عن انتقاد التجربة الاستعمارية الغربية على الرغم من أنها انتهت منذ عقود.


الأحد، 17 أبريل 2016

قصة اغتيال معلن


في مثل هذا الوقت تقريباً من العام الماضي، طرحت رؤية لحل سياسي في سوريا تشمل تأسيس حكومة انتقالية، وعرض رسالة على الأسد مفادها الاستقالة من منصبه مقابل البقاء في سوريا، وتحديداً في المناطق المؤيدة، مع تحييد دور دمشق كونها العاصمة التي ينبغي أن تسمح بتمثيل كل الأطراف فيها. لم أتطرق لموضوع العدالة الانتقالية بشكل مباشر راغباً في أن تقوم الأطراف الدولية باستخدامها كورقة للضغط على الأسد لإقناعه بالقبول بالطرح. كان يمكن لهذا الطرح أن ينفع على الرغم من التدخل الروسي، لكن تعنت الأسد يجعل هذا الطرح مستحيلاً اليوم، بل يبدو من الواضح أن الاغتيال، وعلى أيد صديقة، بات هو الحل الوحيد لمعضلة الأسد.

أنا لا أدعو إلى هذا بالطبع، بل إني أفضل خيار المحكمة الدولية، لأنها تشكل رسالة أقوى إلى المستبدين الآخرين في هذا العالم أن العدالة قادمة لا محالة، لكن الدول الصديقة للأسد هي التي تجد حرجاً في الاحتكام إلى القانون الدولية، وهي التي ستضطر، مقابل الحفاظ على مكاسبها في سوريا، إلى التضحية بالأسد. لأن تعنت الأسد يحرجها بأكثر مما يحرج الأطراف الأخرى، خاصة الولايات المتحدة. إذ ما لم تتمكن من وضع حد لصلفه، بعد كل ما قدمته له من دعم، لا بد وأن تتأثر مصداقيتها عند الأطراف الأخرى، الأمر الذي سيكون له انعكاساته السلبية على ما يجري من حوارات حول حزمة هامة من القضايا العالقة.


الأربعاء، 30 مارس 2016

"النصر" و "الهزيمة" في عالمنا المعاصر

لوحة للرسام الفرنسي شارل لبرون (1616-1690): عائلة الإمبراطور الفارسي داريوس تركع أمام الإسكندر المقدوني بعد انتصاره. 

النصر بمعناه التقليدي المألوف لدينا من خلال الأساطير و "الحواديت" التاريخية المنتشرة في ثقافتنا يقتضي عادة هزيمة الطرف الآخر بشكل تام وماحق يشمل السيطرة على المناطق التي خضعت لسيطرته في مرحلة ما بشكل تام، وربط مصيره بمزاجية قائد الجانب المنتصر وحساباته المرحلية الخاصة.

وفقاً لهذا التعريف، ولاستقرائي الخاص للواقع القائم اليوم، بوسعي أن أؤكد أن ما بوسع أي طرف من أطراف النزاع الحالي في سوريا، محليين كانوا، أم إقليميين، أم دوليين، أن يحقق هذا النصر مهما فعل.

فتحقيق نصر من هذا النوع، وهو الأمر الذي يشتهيه كل طرف محلي، لا يحقق بالضرورة مصالح حلفائه، الإقليميين والدوليين، ولا ينسجم مع متطلبات مصالحهم أو مع حساباتهم الخاصة بالتطورات والتوازنات القائمة في بلدان ومناطق أخرى. إن هذه الاعتبارات تحتم على القوى الإقليمية والدولية المعنية بالصراع السوري القيام بـ "إدارة الصراع" لا محاولة حسمه لحساب أي طرف، لأن الهدف بالنسبة لهم لا يتجاوز إجراء تعديل، أو تعديلات، ما في التوازنات القائمة، لا السعي وراء انهيارها، لما في ذلك من انعكاسات سلبية محتملة على الجميع. علاوة على ذلك، هناك إدراك أعمق عند الكثير من هذه الأطراف، بالمقارنة مع اللاعبين المحليين على الأقل، لحجمهم الحقيقي من الإعراب، سياسياً واقتصادياً وبنيوياً، وبالتالي لأي مدى يمكن لهم المغامرة بالتدخل وقلب الموازين.

من ناحية أخرى، هناك عامل جدي آخر لابد من التنويه إليه هنا لتأثيره المباشر على معظم القرارات المتخذة فيما يتعلق بكيفية إدارة الصراع في سوريا، ألا وهو عامل الثقة، سواء بالنوايا أو بالقدرات. ففي حين يبدو أن بوسع الأطراف الإقليمية والدولية أن تثق ببعضها البعض إلى حد معقول، بسبب التاريخ الطويل لتفاعلاتها المشتركة،  الودية منها والعدوانية، وإدراك معظمها بشكل أو آخر لضرورة الحفاظ على بعض، إن لم نقل معظم، التوازنات القائمة بينها، وتجنب التسرع والتهور في المحاولات الجارية لتعديلها، لا يبدو أن لدى أي من هذه الأطراف ثقة كبيرة بالجهات المحلية التي يدعمها لا من حيث النوايا، ولا من حيث الكيفية التي يمكن أن تتصرف بها في حال تحقق لها النصر الحاسم والنهائي، ولا من حيث القدرة على تحمل مسؤولية الحكم في المرحلة التالية.

فإن كان حلفاء الأسد يريدون له أن يبقى في هذه المرحلة، فهذا لا يعني أنهم يثقون به ويريدون له أن ينتصر. بل هم يفضلون له أن يبقى في حاجة مستمرة إليهم حتى يتعبوا هم منه، ويتمكنوا من إيجاد معادلات أخرى للسيطرة على المناطق التي يرغبون بها في البلد عن طريق شخصيات وتوازنات داخلية أخرى. أي أن الأسد بالنسبة لهم لا يزيد عن كونه ستار يمكن له أن يخفي وراءه أهدافهم الحقيقية ومساعيهم إلى تقسيم سوريا لمناطق نفوذ خاضعة لهم، بشكل أو آخر: المناطق الساحلية لروسيا، والمناطق الجنوبية والوسطى لإيران وميليشياتها الشيعية المتطرفة، بحيث تحظى أخيراً بممر  بري يصل طهران بالبقاع وبيروت، عن طريق بغداد وتدمر وحمص ودمشق، خاضع لسيطرة مباشرة من قبل ميليشياتها الطائفية.

ويمثل الأسد أيضاً ورقة ضغط يمكن استخدامها في العملية التفاوضية للتسويف وللتحصل على تنازلات من حلفاء الجهات المعارضة إلى أن يأتي الوقت المناسب لحرقها. وقد تكون اللحظة قد اقتربت، بالذات لأن الأسد يبدو غير قادر على إدراك ذلك، ومايزال يتكلم ويتصرف وكأنه سيد الموقف. 

أما بالنسبة للدول الداعمة للمعارضة، بشكل أو آخر، فإن لم تكن الحقيقة واضحة فيما قبل، فلابد أنها قد أصبحت واضحة اليوم: إن دعم هذه الدول للمعارضة كان دئماً مشروطاً برؤيتها الخاصة للكيفية التي ينبغي من خلالها إدارة الحكم في سوريا في المرحلة التالية.

لوحة للرسام الفرنسي يوجين دولاكروا (1798-1863): سقوط القسطنطينية على أيدي الصليبيين في 12 نيسان/أبريل، 1204.

إذ سعت كل من تركيا وقطر إلى تحقيق انتقال يضمن استمرار الدولة المركزية لكن تحت سيطرة إخوانية "مدنية"، بحيث لا يتحقق للإكراد ما يريدون، أي دولة لامركزية أو فيدرالية، ولا يتحقق للقوى العلمانية ما تريد: دولة علمانية ديموقراطية. من هذا المنطلق جاءت سياسة العزل التي مارسها الأتراك بحق الضباط المنشقين، العلويين منهم خاصة، بالتوا زي مع محاولاتهم المستمرة لاختيار مَنْ من الضباط السنة يمكن لهم دعمه، أو بالأحرى، مَنْ منهم يبدي انفتاحاً على موضوع التعامل مع الإخوان والقبول بسلطتهم السياسية. ولنا في ما حصل مع الضابط حسين هرموش، مؤسس حركة الضباط الأحرار، خير مثال على الكيفية التي قامت بها السلطات التركية بالتلاعب بالمنشقين وتحييد من لم يرق لها منهم. وإن لم يقدر لهذه المحاولات أن تنجح تماماً، فهي لم تخفق كلية أيضاً.

أما السعودية، فكانت معنية أكثر بدعم التيارات السلفية على حساب حركة الإخوان المسلمين، لا لأسباب دينية، لكن لأن الإخوان، كما أبدوا في مصر، كانوا دائماً على استعداد لإيجاد صيغة تعاونية ما مع إيران من منطلق السياسة الشرعية، أما التيارات السلفية الوهابية فيمكن للسعودية الاعتماد عليها أكثر في هذا الصدد بسبب عدائهم الأعمى للشيعة، مما يضمن قيام حكومة غير مهادنة لإيران بعد سقوط النظام الأسدي في سوريا، وهو الهدف الأساسي للسعودية فيما يتعلق بالنزاع في سوريا، في حين لا تمثل قضية الفدرلة عائقاً كبيراً بالنسبة لحكامها.

أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فلقد أبدت إدارة أوباما تخوفها من الملف السوري منذ اللحظة الأولى، بسبب اهتمامها الأكبر بالمفاوضات الجارية مع إيران حول برنامجها النووي، ورؤيتها الإيديولوجية التي تصور لها إمكانية إعادة تأهيل إيران كلاعب إقليمي هام في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، لاعب يمكن التعويل عليه لتحقيق الاستقرار في المنطقة في المستقبل، لاعب لا يمكن لمشاغباته المتكررة أن تكون مصدراً كبيراً للإزعاج، خاصة بعض تجميد وتحجيم برنامجه النووي، لأن صبغته الديموغرافية والسياسية، أي كونه بلداً شيعياً محكوماً من قبل نخبة دينية، ستحد من قدرته على التأثير على الصيرورات المختلفة من حوله، وستمنعه من التحول إلى مصدر للقلق. وفي حال تمردت إيران وأصرت على لعب دور أكبر من حجمها، سيتم تذكيرها بمدى هشاشتها من خلال تقديم دعم حقيقي للمعارضات المختلفة فيها. فإن بدت إيران مستقرة اليوم فذلك بسبب وجود إرادة دولية، غربية بل أمريكية على وجه التحديد، تحبذ ذلك، وليس لأنها تملك مقومات الاستقرار بالضرورة. وهناك ما يكفي من الحصافة عند قادتها ليدركوا حقيقة الأمر. على الأقل، هذه هي رؤية الإدارة الإمريكية الحالية والواقعيين السياسيين للأمور.

من ناحية أخرى، ما كان بوسع الإدارة أن تترك الحكم في بلد محوري مثل سوريا يقع في أيدي معارضة متخبطة كالمعارضة السورية، معارضة لا تملك أية مقومات تؤهلها للتعامل مع الملفات المعقدة المتعلقة بشكل أو آخر بسوريا. لذا، نرى الإدارة مصرة على بقاء مؤسسات الدولة، الذي يستتبع بقاء الكثير من الشخصيات التابعة للنظام في مكانها.

جانب من لوحة للرسام الفرنسي شارل لبرون (1616-1690): الإسكندر المقدوني يعاين حال غريمه حاكم مدينة بور أثناء معركة هيداسبيس. 

نظراً لكل هذا، لا شك هناك في لاجدوى الجدال الجاري بين فئات المعارضة حول موضوع طبيعة المرحلة الانتقالية والفدرلة، لأنا ما زلنا في الواقع نرزح تحت "انتداب لين" وغير معلن، بل لا يمكن له أن يعلن، من قبل قوى إقليمية ودولية مختلفة، تتطلب مصالحها ورؤاها الخاصة، المتعارضة في الكثير من الأحيان، في هذه المرحلة والمراحل القادمة، إجراء بعض التعديلات فيما يتعلق بالحدود وآليات إدارة الدول للحكم، سواء في منطقتنا أو المناطق المجاورة. وليس ما يجري من صراعات في سوريا والمنطقة إلا ضرباً من ضروب التفاوض بين هذه القوى.

ويبدو اليوم أن اعتماد النظام الفدرالي في سوريا مع رحيل اللأسد في المستقبل القريب، أو اغتياله، وهو الاحتمال الأكبر، بات يمثل حلاً مقبولاً لهذه القوى.

من أعطى هذه الدول الحق في التصرف هكذا؟ قوتها طبعاً، كما هي العادة. فهناك معادلات موضوعية تحكم تصرفات الدول مع بعضها، سواء كانت ديموقراطية أم استبدادية، علمانية أم دينية، ولا تغير الديموقراطية في هذه الأمر شيئاً إلا من خلال قدرتها على إسباغ نوع من المرونة والحصانة على تلك الدول التي تبنتها بحيث تصبح أكثر قدرة وفعالية في تعاملها مع المتغيرات الدولية، على المديين المتوسط والطويل على الأقل. 

ولن نستطيع كشعوب شرقأوسطية تغيير هذه المعادلات بقوة السلاح، لأن هذه القوى هي مصدر السلاح، ولن تقوم بتسليحنا لنهزم مخططاتها. فعلى الرغم من حالة التنافس القائمة بينها، هناك أيضاً تنسيق كبير لم يجر مثيله خلال الحرب الباردة، لذا لا توجد لدينا اليوم فرصة حقيقية للعب طرف ضد آخر كما فعلت أنظمتنا في السابق. إن هامش المناورة المتاح لدينا اليوم محدود للغاية، ويتطلب تحقيق أي تقدم حكمة ومهارة دبلوماسية وسياسية كبيرة لا يبدو أنها متوفرة اليوم. وهذه هي المعضلة الحقيقية التي تواجهنا: ها نحن نمر بمرحلة حرجة أخرى من تاريخنا المعاصر ولا توجد لدينا، فيما يبدو، لا الشخصيات ولا الخبرات ولا الرؤى المناسبة لإدارتها بحيث نتحصل على بعض المكاسب، أو على الأقل نقلل حجم الخسائر.

ولمن يرى في تسليمنا بهذا الواقع هزيمة، أود تذكيرهم بأن في المقاومة العسكرية هزيمة أكبر، إذ حتى عندما تنجح هذه المقاومة في أيامنا هذه، كما حدث مع الشعوب الأفغانية في مواجهتهم مع الاتحاد السوفييتي، سيأتي هذا النجاح مصحوباً بدمار شامل للدولة والمجتمع، وبنزوح للعقول والمهارات عن البلد، مما يفسح المجال أمام بروز قوى ظلامية متناحرة كالقاعدة، والطالبان، وداعش، أو قوى الحشد الشعبي وغيرها من الميليشات الشيعية المنافحة عن الأسد والمصالح الإيرانية. ولا يمكن لهذه القوى أن تصنع حضارة أو تقود نهضة. ولا شك في أن السماح ببروزها وبتقويتها هو الهزيمة الحقيقية. ولأنها أصبحت هي المسيطر على الساحة اليوم، ينبغي علينا أن نقلل من حجم الخسائر ونسعى إلى اتفاق ينهي حالة النزيف والاستنزاف، ويسمح للقوى الانتدابية بتحويل عملياتها إلى ساحات أخرى للصراع. لقد دفعنا ما يكفي من أثمان باهظة في سوريا. لندع القوى إياها تخطط كما يحلو لها، ولنحاول التحصل على أفضل شروط ممكنة لنا.

لكن، وفي خاتم المطاف، علينا أن نتعامل مع هذه المرحلة مسلحين بإدراك أفضل لطبيعة المتغيرات من حولنا، وبإيمان بقدرتنا في التأثير على الصيرورات مع مرور الوقت من خلال العمل الدبلوماسي والنشاط الفكري والإنساني. هذه هي المقاومة التي نحن بحاجة إليها اليوم، وإن كان ثمة نصر في مستقبلنا فلن يتحقق لنا إلا من خلالها. ولابد أن يؤدي هذا النصر في مرحلة ما إلى تحييد دور شخصيات بعينها، ومحاسبة بعضها، لكنه لا يتطلب هزيمة الطرف الآخر، أو تهديد وجوده، أو وضعه تحت حكم البوط العسكري الطائفي، فالهدف هنا هو الاتفاق على آلية تحقق توازناً جديداً بين الجميع يحافظ على حقوقهم الأساسية، يأخذ بعين الاعتبار توازن القوى العام في الداخل والخارج، مما يسمح لنا بالتعامل على نحو أفضل مع ضغوط وتدخلات القوى الخارجية في المراحل القادمة.