‏إظهار الرسائل ذات التسميات اليونان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اليونان. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 15 يوليو 2015

الأزمة اليونانية والنظام العالمي

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس في مؤتمر صحفي عقب محادثات

(1)

بعد ما تم التوصّل إلى اتفاق بخصوص أزمة الديون اليونانية يبدو جلياً الآن أن الهدف من كل المناورات والمهاترات التي شهدتها الأشهر والأسابيع الماضية هو التحصّل على أفضل صفقة ممكنة وفقاً لقواعد اللعبة ذاتها، وليس تغيير قواعد اللعبة.

لا يوجد ما يعيب في هذا، لكنه يدل على ضرورة التفريق بين ما يُقال وما يُراد. كما يدل أيضاً على طبيعة التيارات اليسارية التي توجّه خلالها الكثير من الانتقادات إلى النظام العالمي الحالي، بأبعاده السياسية والمالية والاقتصادية، ويأتي بعضها في محلّه بالفعل، لكن لا يبدو أنها تملك أية بدائل عملية له. ولاشكّ في أن الكثير من القيادات اليسارية في اليونان وغيرها يدرك هذا الأمر، لكن أغلب الناس لا يدركونه، وينساقون بالتالي وراء ما يُقال خالطين بينه وبين ما يُراد، وهنا لبّ المشكلة. إذ عندما لا يدرك الناس حقيقة ما يجري من حولهم، يصبحون عرضة للتلاعب، خاصة من قبل الشخصيات والتيارات الوصولية الشعبوية والمتطرّفة حتى العدم.

وتقع مسؤولية ما حدث في اليونان على عاتق الكثير من الجهات، منها شركة جولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي وعدد من المصارف الأوروبية. لكن المسؤول الأكبر هي في الواقع الأحزاب السياسية والنخب الاقتصادية اليونانية على اختلاف مشاربها. إذ طالما تلاعبت هذه الجهات بالحقائق، فأخفت بعضها، وزوّرت أخرى، وكل ذلك بهدف الحفاظ على نفوذها وخطها السياسي على المدى القصير، دون الانخراط في أية محاولة جدية لتشكيل رؤى وسياسيات للمدى الطويل. فقد رأت هذه الجهات فيما يبدو في الانخراط في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو فرصة ذهبية بذاتها، وأن مجرّد المشاركة فيهما ستؤدي تلقائياً إلى إنعاش الاقتصاد وتنمية الدولة والمجتمع. أي أنهم تبنّوا نسخة تنموية لمبدأ الانتثار الاقتصادي trickledown economics  التي جاء بها الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريجان والتي تنصّ على أن انخفاض العبء الضريبي وزيادة الاستثمار الحكومي في المجالات الاقتصادية المختلفة سيساهم في زيادة إنتاجية قطاع الأعمال، الأمر الذي سيساهم بدوره في زيادة فرص العمل، علاوة على زيادة أجور العاملين ورواتب الموظّفين. من هذا المنطلق، أهملت الشخصيات اليونانية النافذة مهمة تطوير برامج عملية للتنمية البشرية والمؤسّساتية، مما أدى مؤخراً إلى انفجار فقاعة التوقعات التي تم بنائها والركون إليها.

فمما لاشكّ فيه هنا أن الثقافة الحياتية اليومية في اليونان ماتزال تتمحوّر حول الدولة ومؤسّساتها، كما هو عليه الحال في الدول الليفانتية الأخرى، ربما باستثناء إسرائيل نظراً لبعض النشاطات الاقتصادية التي شهدها القطاع الخاص في العقدين الأخيرين. لكن الاعتماد المستمر والدائم على الدولة في كل صغيرة وكبيرة يتعارض مع طبيعة العمليات الديموقراطية، من حيث إحباطه لمحاولات القطاع الخاص لتطوير نفسه بحيث يتمكن من المساهمة في عمليات التنمية المستدامة، فيبقيه في الطور الجنيني إن لم نقل الطفيلي.

وتهدف سياسات التقشّف المقترحة من قبل الدول الأوروبية، خاصة ألمانيا وفرنسا، إلى فكّ الارتباط الوثيق ما بين الشعب والدولة الخانق لكليهما لصالح المجتمع المدني بمؤسساته المختلفة، بما في ذلك القطاع الخاص، الذي سيصبح مطالباً أكثر من ذي قبل بتطوير نفسه وقدراته ليصبح قوة قيادية في الدولة والمجتمع. ولأن القطاع الخاص يقوم أساساً على المؤسّسات الربحية الصغيرة والمتوسطة، لن تؤدي تقويته بالضرورة إلى استئثار نخبة ما بالنشاطات الأكثر ربحاً وإدارتها خدمة لمصالحها الخاصة على حساب باقي الشعب. إذ طالما بقيت عمليات صنع القرار في الدولة شفافة الطابع، وقامت مؤسّسات المجتمع المدني، بما فيها الصحافة والإعلام المرئي، بمتابعة ومراقبة التطورات يمكن الحدّ من عمليات التلاعب والاستئثار التي تمثّل جزءاً عضوياً من النشاطات العامة بمختلف أوجهها لأنها انعكاس حتمي لطبيعتنا الإنسانية.

لم يكن هناك مؤامرة ضد اليونان إذاً، ولايمثل الاتفاق الجديد لحل أزمتها محاولة لإخضاعها وإذلالها أو للقضاء على ديموقراطيتها، كما يروّج البعض. كل ما في الأمر أنه ينبغي على الدول أن تدرك أن التعامل مع النظام المالي الدولي بشكل خاص، والنظام العالمي بشكل عام، يتطلب الالتزام بذات الحكمة القديمة التي يفترض على المواطن العادي أن يأخذها دائماً بعين الاعتبار: تقع المسؤولية على عاتق المشتري caveat emptor.

(2)


وفي الواقع، نحن بحاجة ماسة إلى إصلاح تدريجي للنظام العالمي القائم، وليس لعملية ثورية ضده. إذ لايوجد شيء محدّد هنا ليثور المرء ضده. فما يزال "النظام العالمي" مجرّد مفهوم غامض في هذه المرحلة، وذلك على الرغم من وجود مؤسّسات مالية وسياسية وقانونية واقتصادية دولية الطابع تبدو وكأنها دعائم له. فالتخبّط الحاصل في إدارة هذه المؤسّسات وتوجيهها، خاصة في أوقات الأزمات، يدل على أنها ماتزال مشاريع قيد التنفيذ أكثر منها دعائم راسخة لنظام بعينه. ولاشك في أن لتعارض سياسات ومصالح الدول الأساسية الداعمة لهذه المؤسّسات دور كبير في تمييع هويتها المؤسّساتية وعرقلة مساعيها لخدمة أهدافها والالتزام بمبادئها المعلنة.

ولايمكن وصف النظام العالمي موضوعياً في هذه المرحلة لا بالديموقراطية ولا بالاستبداد، ولاوجود هناك لنخبة أو كتلة بعينها قادرة على السيطرة عليه بشكل كلّي، وتجييره لخدمة مصالحها الخاصة. لكن، لا مفرّ من الاعتراف أيضاً بأن الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، ما تزال تلعب الدور الأكبر في بلورة معالمه، وماتزال، بسبب قوة أنظمتها الديمقراطية، الأكثر قدرة على التأقلم الفعّال مع متغيراته المستمرة.

وتشكّل المثابرة على المساعي الرامية لتنظيم آليات عمل المؤسّسات الدولية المختلفة، وإصلاح أنظمتها الداخلية لتعكس تغير الحقائق على الأرض، ولتصبح أكثر قدرة على تفعيل وخدمة المبادئ التي أسّست من أجل خدمتها، وسيلة أنجع وأفضل من أية ثورة عالمية في هذه المرحلة لتحقيق العدالة، إن كانت هي الهدف الحقيقي.

ولاشك في أن للإعلام المستقل دوره الهام هنا من خلال تغطية نشاطات وفعّاليات هذه المؤسسات وتببين وقعها على الواقع المُعاش لمختلف الشعوب.

إذن، يتطلّب تحقيق العدالة على المستوى الدولي استمرار عمليات الدمقرطة والترويج لها، لأن الدول غير الديمقراطية لن تسعى إلا لتحقيق مصالح النخب المتنفّذة فيها، بصرف النظر عن مصالح شعوبها. وطالما استمرت عملية تشكيل النظام الدولي من خلال الصراع النخبوي ما بين قوى ديموقراطية وأخرى غير ديموقراطية، ستبقى المساومات الحاصلة تتمحور حول المصالح الضيقة للنخب، بصرف النظر عن المبادئ الديموقراطية واعتبارات العدالة، ولن يكون للمبادئ التي نراها في التشريعات الدولية، مثل "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" و"مسؤولية الحماية،" أثر كبير على قرارات المؤسّسات الدولية، كما هو الحال في معظم القرارات الصادرة عن مجلس الأمن مثلاً.

كيف سيكون بوسع الشعوب أن تراقب وتحاسب ممثليها في المؤسّسات الدولية ما لم تكن قادرة على مراقبة ومحاسبة ممثليها في المؤسسات المحلية والوطنية؟ وكيف يمكن للنظام الدولي أن يتصرّف بعدالة حيال بعض الشعوب إن كانت مستعبدة وكان ممثلوها في مؤسّساته ودهاليزه ومؤتمراته مشغولين ليل نهار بإقناع ممثلي الشعوب الحرة بأن شعوبهم غير جاهزة بعد للحرية؟ وإن كانت الدول الغربية على استعداد دائم لتناسي مبادئها الإنسانية في تعاملها معنا، وهو أمر من النادر أن تقدم عليه عند تعاملها مع شعوبها، فذلك لأن حكامنا ونخبنا المتنفّذة قد سبقوها إلى ذلك، فسوّلوا وسهّلوا لها الأمر. فإن بدا لنا النظام الدولي القائم اليوم غير عادل فربما لأن أنظمتنا المحلية والوطنية غير عادلة أيضاً.

وإن كانت العدالة، حتى في المجتمعات الديموقراطية، لا تُؤخذ أو تُصان إلا من خلال الضغوط الشعبية المباشرة، أو عن طريق مؤسّسات المجتمع المدني، فأي خيار هناك للشعوب المستعبدة من قبل أنظمتها غير الكفاح؟

والخلاصة: ما لم تتحقق مصالح الشعوب لن تتحقق العدالة، ولن يتحقق السلام، لكن الشعوب التي لا تناضل من أجل تحقيق العدالة على الصعيد الداخلي لن يكون بوسعها أن تناضل من أجلها، ومن أجل مصالحها، على الصعيد الخارجي. وإن كان اليونانيون قد ساهموا في أزمة الديون التي يمرون اليوم بها، فهم، وعن طريق العملية الديموقراطية، استطاعوا أن يتحصّلوا على صفقة أفضل من تلك التي طرحت عليهم في بادئ الأمر، وإن كانت مسيرتهم نحو الخروج من المأزق تماماً ماتزال طويلة وصعبة.


أما فيما يتعلق بالنظام العالمي بمؤسّساته وعثراته وأطماعه، فالغرب جزء من المشكلة وليس كلها، ونحن، بأنظمتنا الاستبدادية الفاسدة، وبإيديولوجياتنا العقيمة، وبعقد الاضطهاد التي ما زلنا نعاني منها، نمثل الجزء الآخر. ولن يكون بوسعنا التعامل بنجاح مع أية تحديات ناجمة عن مطامح الدول الغربية، ما لم نجد حلولاً لمشاكلنا الخاصة أولاً، أو، ربما كان علينا أن ننشط على المسارين في آن. أما الاستمرار في التذمّر والتفكير التآمري فتكريس لعقلية التخاذل والجمود.

الثلاثاء، 7 يوليو 2015

التغيير في اليونان: النصر الزائف

صورة من الاحتفالات في ساحة أومونيا في أثينا قبيل فوز حزب سيريزا اليساري بالانتخابات اليونانية في كانون الثاني 2015.
 لقد صوّت اليونانيون مرتين ضد سياسات التقشف، مرة حين انتخبوا حزب سيريزا ومرة حين صوتوا بـ "لا" في الاستفتاء الأخير. لكن سيريزا لم يتمكّن من إلغاء سياسات التقشف، فازداد بالتالي الوضع الاقتصادي والمالي للبلاد سوءاً في الأشهر التالية لانتخابه. والآن، وما لم تكن ألمانيا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي على استعداد لتقديم تنازلات صعبة، أي ما لم يكن موقفها التفاوضي السابق للاستفتاء مجرد محاولة للخداع، سيجد اليونانيون أنفسهم أمام سياسات تقشّف أسوأ من سابقاتها، وقد يؤدي هذا الوضع إلى تفكّك كارثي وانهيار للدولة.

فلا روسيا ولا الصين قادرتان على تقديم أي دعم كافٍ لسد الفراغ الذي سيتركه خيار الانعزال هذا. ولقد طرح محلل إسرائيلي أن تعود اليونان إلى حضن الليفانت وتشكل مع تركيا وإسرائيل  وسوريا ولبنان ومصر وقبرص اتحاد ما، لكن، يبقى هذا الطرح مجرد فكرة في هذه المرحلة، لا يمكن لها أن تأثر في مجريات الأمور على المدى القصير. مشكلة اليونان ليس نتيجة ما قام به الأوروبيون فقط، بل ما قامت به النخب الفكرية والسياسية في اليونان من اليمين واليسار عبر العقدين الماضيين: مشكلة فساد وكذب على الشعب وسوء إدارة وتعلّق بالأوهام. والغريب في الأمر أن أثينا استضافة على مدى عقد ونيف الكثير من النشاطات واللقاءات الهامة المتعلقة باستقراء مستقبل المنطقة ككل والتي تم فيها مناقشة سيناريوهات التفيكيك المحتملة في المنطقة.

ولنذكر هنا أن كل شيء جرى في وضح النهار: فالمساعدة التي قدمتها شركة جولدمان زاكس للحكومات اليونانية السابقة على تزوير دخولها وميزانيتها مما سمح لها باقتراض مبالغ كبيرة من صندوق النقد العالمي عن طريق عدد من البنوك الأوروبية كما جرت العادة، لم يكن بذلك السر الدفين. ولم تكن التنمية هي السبب الأساسي الذي دفع الحكومات السابقة على الاقتراض، بل كانت رغبة اليونانيين بالتمسّك بدعم الدولة لهم، دون التسائل عن قدراتها المالية الحقيقية في هذا الصدد. إن كان ما يجري في اليونان مؤامرة فالكل شريك بها، بمن فيهم اليومانيو أنفسهم.

من ناحية أخرى، من الواضح أن لا الصين ولا روسيا بوسعهما تقديم بديل آخر لليونانيين، ما خلا استغلال الوضع لتوجيه بعض الرسائل السياسية للغرب، وقد ترغب روسيا بالذات باستخدام المرافئ اليونانية لتعزيز وجودها في البحر المتوسط. لكن لن يعود هذا الأمر بفائدة كبيرةعلى اليونان، بل سيضع أمنها على المحكّ. ومهما بلغت قيمة المساعدات الاقتصادية المحتملة أو المتوهّمة التي يمكن أن تقدمها هاتان الدولتان فلن تكفي لوضع حدّ لسياسات التقشّف.

فما معنى الجو الاحتفالي في اليونان وبعض الأوساط اليسارية في هذه المرحلة إذاً؟ هل يدرك اليونانيون أن النصر الذي حقّقوه هو نصر زائف Pyrrhic victory؟ أم تراهم يتعاملون مع موضوع الاستفتاء كوسيلة للضغط على الاتحاد الأوروبي الذي أقنعهم ساساتهم وخبرائهم بأنهم مجبرون على تقديم التنازلات المطلوبة والتي ستستمح لهم بالحفاظ على المعونات الحكومية التي ألفوها؟ وهل هم مستعدون لما سيأتي في حال خسروا رهانهم هذا؟

التعثّر، أي الامتناع عن تسديد القروض لأسباب قاهرة، هي إحدى مخاطر عمليات الإقراض، فعملية الإقراض، كما نوّهت مجلة "بيزنيس إنسايدر،" بطبيعتها مغامرة خطيرة من حيث كونها رهان، لا يمكن ضمانه 100%، على قدرة المقترض على التسديد خلال الفترة المتفق عليها وبالطريقة المتفق عليها مع الفائدة المتفق عليها، فالفائدة هي مصدر الربح وهي الدافع الأساسي وراء القبول بهذا الرهان. لذا لا يمكن اعتبار موقف سيريزا هنا خارج عن تقاليد النظام الرأسمالي.

لكن لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتوقّف كثيراً عند هذه الاعتبارات. لأن وجود دول أوروبية أخرى تعاني هي أيضاً من مشكلة الديون مثل إسبانيا والبرتغال وإيرلندا وإيطاليا سيجعلها تفكير عميقاً فيما إذا كان بوسعها خلق سابقة يمكن لهذه الدول الاعتماد عليها في علاقتهم مع الاتحاد الأوروبي في المستقبل القريب. لقد بات مستقبل منطقة اليورو وربما الاتحاد الأوروبي ذاته على المحك الآن. ومن هذا المنطلق، يمكن لدول الاتحاد أن تختار معاقبة اليونان وتعويض البنوك المتضرّرة بغية توجيه رسالة واضحة للدول الأخر في هذا الصدد بأن إعلان التعثّر أو الخروج من منطقة اليورو قرار له توابع خطيرة وضارة بالبلد ذاته قبل الاتحاد.

صورة لقادة البريكس خلال قمة البريكس السادسة والتي عقدت في البرازيل في تموز 2014 وأعلن خلالها عن تأسيس مصرف البريكس.
وعلينا أن نذكّر اليسار العالمي للمرة الألف أن لابديل في المرحلة الحالية عن النظام العالمي القائم، وأنه ما بوسع، لا روسيا ولا الصين ولا إيران ولا غيرها من الدول، أن تأسس هذا البديل في هذه المرحلة لأن كل هذه الدول باتت تلعب اللعبة نفسها، ووفقاً لذات القواعد، وإن قدّمت في بعض الأحيان ما يمكن اعتباره شروطاً أفضل، كما تحاول الصين أن تفعل من خلال تأسيس مصرف التنمية العالمي الجديد الذي أسّسته بالتعاون مع دول البريكس الأخرى (أي روسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا). لكن هذه الخطوة، إن أثبتت نجاحها، لن تغير قواعد اللعبة كثيراً، لأنها لا تمثّل إلا نوعاً من المضاربة على بعض مؤسّسات النقد العالمية الغربية المنشأ أو الواقعة تحت تأثيره.

لن تؤدي أية من هذه التطوّرات إلى انتصارات للفلاحين والعمال والفقراء، بل ستعود عليهم بالويلات، وسيدفعون ثمنها أولاً وغالياً. وإذا لم يكن بوسع اليساريون أن يستوعبوا هذه الحقيقة بمضامينه الخطيرة، كما تدلنا على ذلك احتفالاتهم الحالية، فذلك لأنهم ماهوا في منظورهم الإيديولوجي ما بين الشر والغرب. إذ لم يعد بوسع الشرّ أن يأتي من الشرق في منظورهم على ما يبدو، لأن شعوب الشرق أضعف وأكثر تخلّفاً من أن تقدر على ذلك. فالشرق ضحية، الشرق خصيّ. نعم، لقد أصبح اليساريون المفكرين الأكثر استشراقاً في العالم. واليونان المعاصر، على الرغم من كل ما قدمه اليونان القديم للحضارة الغربية، بات يعد في منظور الكثيرين جزءاً من الشرق لا الغرب.

بل لقد قام الباحث الإسرائيلي آموتز أسائيل مؤخراً استناداً إلى التطورات الحالية في اليونان بتشجيع اليونان على مغادرة الاتحاد الأوروبي والعمل على إحياء رؤية أسكندر المقدوني القديمة من خلال تأسيس اتحاد ليفانتي بالتعاون مع تركيا وقبرص ومصر وإسرائيل والفلسطينيين، مع ترك المجال أمام سوريا ولبنان للانضمام لاحقاً عندما تسمح أوضاعهما الداخلية بذلك.

ولا يوجد أية مشكلة في هذا المقترح، بل، ومن منطلق شخصي، أرى أن مشروعا من هذا النوع يتماشى مع الرؤية التي طرحتها "مؤسسة ثروة" في بيانها الصادر في دمشق في عام 2003 الذي حفّز الحكومات والمنظمات المدنية الإقليمية على العمل لإطلاق كمنويلث مناطقي يمكن له أن يشجع العملية التنموية في المنطقة ويسمح لها بالتعامل مع بعض القضايا المناطقية والقومية والفئوية الحسّاسة بمرونة أكثر، لأن أية تنازلات سيادية وأي تعديل في الحدود إذا ما ترافق مع عملية تجميع من خلال الانضمام إلى كمنويلث مناطقي مشترك لن يخلّف الكثير من الآثار السلبية على الدول المعنية وشعوبها، بل على العكس، سيساهم هذا التطور في بناء جسور للثقة ما بين المكونات المختلفة للمنطقة سامحاً لشعوبها بتركيز جهودها على القضايا التنموية.

ويبقى هذا الطرح في هذه المرحلة حلماً، ولن يكون له تأثير إيجابي ملحوظ فيما يجري في اليونان وسوريا، وغيرها من دول المنطقة، من تطورات مأساوية.