السبت، 16 ديسمبر 2000

سورية وحالة الطوارئ: إلى متى هذا التجاهل؟


لا مفرّ من الاعتراف أن الدولة قد تشهد ظروفاً و تطورات، داخلية أو خارجية، تفرض عليها أحياناً إعلان حالة الطوارئ. و هناك فقرات في دساتير معظم الدول تتعامل مع هذا الأمر وتنظّمه. وإن اختلفت هذه الدساتير فيما بينها فيما يتعلّق بتحديد مدة استمرار هذه الحالة، فإنها تتفق في جعله متناسباً مع حجم الظروف المؤدية إليه، وبالتالي تقدر أغلب الدساتير هذه المدة بالأشهر لا بالسنوات. وربما كان الدستور السوري هو الوحيد الذي لا يحدّد المدة و يتركها مفتوحة ومتموضعة كلية في يد السلطة التنفيذية، أو بالأحرى في يد رئيس هذه السلطة، دون أي احتمال للمراجعة من قبل السلطات الأخرى. يقول الدستور: "يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ و يلغيها على الوجه المبيّن في القانون" (المادة 101). و القانون للأسف الشديد لا يحدّد المدة.

على أية حال، يبقى الكلام هنا عن دستور الـ73، ولكن حالة الطوارئ في سورية أُعلنت بناءً على دستور الـ47 الذي يقصّر هو أيضاً فيما يتعلّق بتحديد المدة. وجاء الإعلان عقب الانقلاب الذي قام به حزب البعث وأمسك من خلاله بزمام الحكم في البلد. فالهدف من الإعلان إذن كان متعلّقاً بإعطاء حزب البعث ورجالاته الزمن الكافي ليوطّدوا دعائم حكمهم. و السؤال الآن: ألم تكف حزب البعث نيف وسبع وثلاثون سنة لتوطيد حكمه وإحكام قبضته على البلد؟ إن كان الجواب "نعم" انتفت الأسباب الموجبة لإعلان حالة الطوارئ وآن أوان إنهائها. وإن كان الجواب "لا،" فالمسألة إذن خطيرة جداً وهي في جوهرها تنمّ عن أزمة ثقة ما بين الحكومة والشعب، خاصة من وجهة نظر الحكومة. إذ لا تفسير آخر لاستمرار هذه الحالة بصراحة.

إن الحكومة التي تثق بشعبها لا تحتاج إلى إعلان حالات طوارئ و تعطيل كل القوانين من أجل ضمان سيطرتها. إن الحكومة التي تثق بشعبها وتحترمه تسعى إلى فرض احترامها هي أيضاً، لا سيطرتها، على الشعب عن طريق أداء مقنع فيما يتعلّق بإدارة شؤون الدولة. أما السعي لفرض السيطرة فأمر يتنافى مع مفهومي السيادة والشرعية. إن للحكومة دور يحدّده الدستور ولا ينبغي للحكومة أن تسعى لتوسيع دورها عن طريق استغلال قوانين الطوارئ، فلهذه القوانين أغراض معينة يؤدي تجاوزها إلى تجاوز حد الشرعية.

هذا هو بالضبط الوضع الذي نريد أن نتعدّاه في سورية عندما ندعو إلى إلغاء حالة الطوارئ وإطلاق الحريات العامة و المعتقلين السياسيين. نحن نريد أن نصل ببلدنا إلى برّ الشرعية والمدنية، وهذا لن يكون إلا إذا أبدت الحكومة ثقة كبيرة بالشعب ومثقفيه واستجابت إلى مطالبهم العادلة. إن بيان الـ99 الذي وقعه خيرة مثقفي البلد يستحق ردّ فعل رسمي من الحكومة، فالتجاهل هو مؤشّر استمرار للعقلية القديمة التي لا تستمد شرعيتها إلا من القمع ولا تعرف فيما يبدو غيره.

إن مثقفي سورية يريدون الدخول في حوار مباشر مع الحكومة فيما يتعلّق بأوضاع البلد ومستقبله، وهم مؤهّلون للدخول في هذا الحوار، وبحكم كونهم النخبة الفكرية لهذا البلد، عندهم الشرعية اللازمة لذلك.  فإن لم يكن بوسع "عنواننا العريض" الدخول في هذا الحوار الآن لكثرة مشاغله، فماذا عن "التفاصيل الصغيرة" التي لم تترفّع عن التعليق على بيانات و تصريحات صدرت في دولة أخرى؟

* لست واثقاً من التاريخ الدقيق لهذا المقال.

الخميس، 16 نوفمبر 2000

الصيرورة البشرية بين الشرك والتنزيه


كان العرب قبل الإسلام يصنعون تماثيل من التمر لآلهتهم، يضعونها في بيتهم، يأخذونها معهم في ترحالهم، يحرقون لها البخور، يقدّمون لها الأضاحي، يتذلّلون لها، يقدّسونها ويتعبّدونها… ومع ذلك، كانوا لا يتوانون عن أكلها، عند الحاجة، تماماً كما يأكل المسيحيون جسد الرب ويشربون دمه ويلوك المسلمون كلمات قرآنهم.

فالناس في الحقيقة يعبدون إلاهاً هو ليس فقط قابلاً للإماتة و "التجييف"، بل هو بطبيعته ميت وقابل للاقتيات. إنه إله شهي الطعم. ربما لأنه مصنوع من أطايب ما طرأ على مخيلات البشر،وربما لأن عملية الاقتيات بذاتها تمثل محاولة للمشاركة في بعض صفات الإله الأساسية، كالكمال والخلود وكلية السيطرة، تماماً كما تنحو بعض قبائل الأمازون إلى التهام دماغ محاربيها الشجعان بعيد وفاتهم علّها تتحصّل على بعض ما كان لديهم من شجاعة.

لا يمكن لإله حيّ ومنزّه أن يرضي احتياجات البشر. لابد للإله إن يخضع بشكل ما من الأشكال لرغبات وسيطرة "خلقه"، ولابد للخلق من الشرك.

إن الاصرار على كون القرآن كلمة الله الأزلية محض شرك، لكن موقف أغلبية الفقهاء المسلمين المؤيد له عبر التاريخ ، علاوة على الموقف الشعبي، هو أكبر دليل على تعارض عملية التنزيه مع احتياجات البشر الفعلية فيما يتعلّق بالقضايا الإيمانية. لقد كان المسلمون بحاجة إلى "لوك" شيء ما عوضاً عن التمر والخبز، فكان أن حلّت الكلمة القرآنية، ذلك المعادل الإسلامي للمسيح (وللصنم)، محلّهما. وبذا تمّ تغييب الإله المنزّه لمصلحة الإله الناقص، واستعاد الناس إلهم المؤنسن واستمرّوا في اشباع نهمهم نحو الكمال المؤجل إلى الأبد.

لكن إماتة الإله كانت هزيمة أكثر منها نصراً. لأن تجييف الإله هو بمثابة تجييف للمبدأ والقيمة. وتجييف المبادئ والقيم هم بمثابة تجييف للحضارة القائمة عليهم. إن موت الحضارة الإسلامية جاء في خاتم المطاف كنتيجة حتمية لتقديس الكلمة عوضاً عن الله، أو لتفضيل الثابت على المتحوّل، وللمصلحة على المبدأ، الأمر الذي وضع حدوداً هائلة في وجه التأويل التحليلي (الذي يختلف عن التأويل الباطني)، وأدى فعلياً إلى وقف عملية الاجتهاد، فيما يتعلق بالأصول على الأقل.

ومن هذا المنطلق، بوسعنا أن نجزم أن الشرك كان السبب الأساسي لموت الحضارة الاسلامية، لكنه بمفهومه الفلسفي والقيمي الأعمق من المفهوم الفقهي المتعارف عليه. إن أغلب الفقهاء والعلماء وفقاً لهذا المفهوم مشركون لأن أغلبهم ينتمي بشكل أو آخر إلى مدرسة تقديس الكلمة. 

إن إماتة الإله والتهامه عملية إشكالية يفضح من خلالها الناس عجزهم عن الارتقاء إلى المبادئ الأساسية التي يدّعون الإيمان بها. إن تفضيل المبدأ على المصلحة أمر طالما أعجز التجمعات البشرية، ولذا، فإن التهام الله هو مظهر أساسي من مظاهر المدنية، ولربما، بحسب رينيه جيرار  René Girard وإريك جانس Eric Gans ومن نحا نحوهم من علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع، كان بدء هذه العملية هو نقطة انطلاق الحضارة المدنية الإنسانية.

وبذا، يكون الصراع بين الشرك والتنزيه (و لا أقول التوحيد لما ارتبط بهذا المفهوم من التباسات)، هو الصراع الأساسي الذي يحكم الصيرورة الإنسانية. لقد نشأ الشرك مع المدنية وبل ربما كان هو مسببها الأول، أما التنزيه فجاء نتيجة الخيبة التي نجمت عن فشل المدنية في تحقيق بعض التطلعات الإنسانية الأساسية كالعدل والاحساس بالانتماء والرغبة في رفع القيود المفروضة على الابداع.


الجمعة، 25 أغسطس 2000

سورية والجمهورية الثالثة

ممثلو الكتلة الوطنية يوقعون على اتفاقية الاستقلال عن فرنسا في باريس، 1936

آب 25، 2000 / النهار

ما معنى أن تموت "الاشتراكية" و "الديموقراطية الشعبية،" على الأقل فيما يتعلّق بمفهومهما السوفييتي والصيني؟ وما معنى أن تطالب تجمّعات من مثقفي سورية في الداخل و الخارج بتعدّدية حزبية حقيقية، أي تعدّدية تسمح نظرياً لأي حزب كان أن يصل إلى سدّة الحكم عن طريق انتخابات حرّة؟

إنه لمن الواضح في الحقيقة، و لكل من هو على اطلاع على محتوى الدستور السوري و على علم بالأسس الفكرية التي تقوم عليها الأنظمة السياسية، أن التطلّعات الليبرالية في وضع كهذا الذي تشهده سورية المعاصرة، لا يمكن لها أن تتحقّق من خلال تعديلات أو إصلاحات دستورية محدّدة مهما كانت هذه التعديلات أو الإصلاحات عميقة و شاملة. ذلك لأن التطلّعات الليبرالية بطبيعتها تتناقض مع جوهر الدستور السوري الحالي الذي يتبنّى الاشتراكية كعقيدة أساسية تتمحور كل الأفكار الأخرى حولها، علاوة على الديموقراطية الشعبية كوسيلة من وسائله المعتمدة لتعبئة الشعب. أن الرؤية الليبرالية للأمور لا تنسجم أبداً مع دستور عقائدي الطابع هدفه الأساسي دعم النظام القائم على حساب الشعب وتطلّعاته. إن الدولة العقائدية لا يمكن أبداً أن تكون ليبرالية، ومن وجهة نظر ليبرالية لا فرق أبداً بين دولة عقيدتها الاشتراكية ويحكمها حزب البعث و دولة عقيدتها الإسلام السني وتحكمها جماعة الإخوان المسلمين. إذ طالما كانت الحريات مقيّدة بعقيدة و نزوات الفرقة الحاكمة وطالما كانت الحكومة تَعِدّ نفسها وصية على الشعب لا مسؤولة أمامه، أي فرق يمكن أي يجده المرء بين الدولتين لا يمكنه أن يكون فرقاً جوهرياً.

المطلوب إذن هو تغيير الدستور برمّته. وهذا يعني، كما يعرف من هم على اطلاع على علوم السياسة، إعادة تأسيس الدولة ذاتها. إن هذا الأمر في الواقع ليس بالجديد في تاريخ سورية المعاصرة على قصره، ذلك لأن الانقلاب التصحيحي الذي قاده الرئيس الراحل كان بمثابة إعادة لتأسيس الدولة السورية و خاصة بعد إفرازه لدستور جديد تمّ تبنّيه رسمياً في عام 1973. دستور جديد يعني دولة جديدة، وبما أن هذا الدستور تبنّى النظام الجمهوري تعدّ جمهورية البعث التصحيحية الجمهورية الثانية في تاريخ سورية المعاصرة. و بالتالي تكون المطالبة بتأسيس جمهورية ليبرالية بديلة هي مطالبة بتأسيس الجمهورية الثالثة. 

ولكن، ما أهمية هذه التسمية؟ وما الفائدة المرجوة من تبنّيها؟ الجواب وبكلّ صراحة واختصار: وضوح الرؤية، أي أن يكون عندنا هدف مستقبلي واضح المعالم نسعى إليه. وأنا لا أدّعي هنا أن مجرّد استخدام هذه التسمية يجعل كلّ شيء واضحاً، لا. إنه مجرّد خطوة صغيرة على طريق الإيضاح، خطوة نعلن من خلالها رفضنا، في وجه كل التهديدات الكائنة، كلامية كانت أم فعلية، لأن يكون التغيير الجاري في سورية حالياً تغييراً من خلال المؤسّسات القائمة يهدف للحفاظ عليها، كما يدعو البعض. إننا نعلن عن رفضنا لهذه المؤسّسات جملة و تفصيلاً لأنها أثبتت تاريخياً إفلاسها سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، إن لم نقل إنسانياً. أفلم توصل هذه المؤسّسات سورية الغنية بثرواتها الطبيعية والإنسانية إلى حافّة الفقر و قائمة الدول الأكثر انتهاكاً لحقوق الإنسان (ناهيك عن خسارة الجولان)؟ لمصلحة من إذن نحافظ على هذه المؤسّسات؟ طبعاً ليس لمصلحة الشعب. لقد آن الأوان لنا لأن نقول وبكلّ صراحة بأننا نريد بديلاً لما هو قائم نستطيع من خلاله أن نقدّم ما هو أفضل للوطن. نحن بحاجة لإجراء انتخابات دستورية، أي انتخابات برلمانية الطابع يقوم الفائزون بها بوضع دستور جديد للبلد، دستور علماني وديموقراطي وليبرالي. علماني كيما ينأ بالدولة عن الصراعات العقائدية، ديموقراطي ليحقق آمال الشعب بالمشاركة في بناء وتسيير أمور الدولة، ليبرالي من حيث احترامه للحريات الأساسية للمواطنين. 

هذه هي فحوى الدعوة إلى الجمهورية الثالثة. إنها دعوة لإنشاء نظام تكون فيه مصلحة الوطن أهم من مصلحة أي حزب أو نخبة أو طائفة فيه. إنها دعوة لبناء مجتمع يتمتّع أبنائه بحدّ أدنى من الخجل لا يسمح لهم بالاستمرار بالخطيئة وبالاستمرار في إنكارهم بأنهم مخطئون وأنباء فضيحتهم قد ملئت الدنيا وشغلت الناس. إنها لعمري دعوة تستحق التلبية. فهل من ملبّي؟ 

الاثنين، 3 يوليو 2000

الأسد والسلام والمستقبل


تموز 3، 2000 / النهار

طرحت قضية السلام مع إسرائيل نفسها بقوّة بعد هزيمة تشرين الأول 1973. وكان موقف الأسد من محادثات السلام التالية لها والتي استمرّت سنين عدّة وتكلّلت بمعاهدة كامب ديفيد، متناقضاً بعض الشيء. فبينما فهم السادات فيما يبدو بأن الولايات المتّحدة الأمريكية هي المحرّك الأساسي للعبة في الشرق الأوسط وأنه لا يمكن التعويل على الاتحاد السوفييتي للحصول على الدعم اللازم للوقوف في وجه العدوان الإسرائيلي (فلماذا يدعم الاتحاد السوفييتي ذلك الكيان العقائدي دول تضطهد الحزب الشيوعي وتتذبذب في توجّهاتها السياسية بين الشرق والغرب في حين يُسمح للحزب الشيوعي بالعمل بكل حرية في إسرائيل؟). أقول: بينما فهم السادات هذا الأمر بدا الأسد وكأنه إما لم يفهمه أو قرّر لسبب ما من الأسباب تجاهله. فما يمكن أن يكون هذا السبب؟

إن محاولات الأسد في الثمانينات لكي يصبح خليفة لعبد الناصر، مستغلاًّ العزلة العربية التي فُرضت على مصر نتيجة للجهود السورية، تقدّم بلا شكّ الجواب الذي نبحث عنه، لقد وضع حافظ الأسد طموحه الشخصي فوق الاعتبارات الوطنية (وهذا ليس غريباً، فالحاكم العربي ما زال ينظر إلى دولته و كأنها ملكية خاصّة)، فوجد في خيارات السادات الفرصة المناسبة لينفرد بزعامة تيار القومية العربية عن طريق "تخوين" الأخير والتمظهر بشخصية الزعيم القومي الذي يرفض التعامل مع العدو والتفريط بالمواقف والمبادئ والقيم. لكن الثمن الذي دفعته سورية بسبب طموح زعيمها كان إلى حدّ كبير أفدح من ذلك الذي دفعته مصر. 

إذ كان تحويل سورية إلى تابع سوفييتي، الأمر الذي بدأ منذ إحجام الأسد عن حضور مؤتمر جنيف في عام 1976، أسوأ تطوّر في تاريخ سورية المعاصرة على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولقد جاء كنتيجة حتمية لخيارات الأسد بعيد الحرب وأدّى بدوره إلى فرض حالة من العزلة السياسية على سورية و إدراج اسمها في لائحة الأمم المساندة للإرهاب. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ساهمت عزلة سورية في خلق الظروف التي حوّلت نظام الأسد "الديموقراطي الشعبي" إلى نظام قمعي استبدادي من الدرجة الأولى كُرّس من خلاله الوضع الذي يجعلنا اليوم نغامر بأسس نظامنا الجمهوري في تجربة محفوفة بالخطر.

و عندما قرّر الأسد بعيد حرب الخليج الثانية أن يشارك في عملية السلام الجديدة مخرجاً بذلك سورية من عزلتها، لم يجئ قراره هذا نتيجة حنكة سياسية بقدر ما كان اعترافاً بالواقع الذي فرض نفسه مع انهيار الاتحاد السوفييتي. على أية حال، وجد الرئيس السوري نفسه هنا محاطاً بأشخاص غير قادرين على التعامل مع عقلية العالم الغربي (والأسد نفسه كان يعاني من ذات المشكلة بالطبع) وبالتالي على ترويج الموقف السوري بثوابته المعروفة. إذ ما كان يمكن لأي مفكّر ليبرالي سوري  أن يبقى في سورية ناهيك عن أن يعمل في الحكومة في ظلّ الظروف الداخلية التي خلقها الأسد. ومن ناحية أخرى، لم يخطر ببال الأسد، أو أي من رجالاته فيما يبدو، أن يرسلوا طاقماً من الشباب إلى الغرب ليدرسوا و يتدرّبوا استعداداً للحظة كهذه. إن التخطيط البعيد المدى لم يكن أبداً ميّزة للرعيل الأول للتصحيح. هذا و لقد ساهم أسلوب الأسد "الباطني" الطابع في التعامل مع شؤون الدولة في تعقيد الأمور. إذ لم يمكّنه هذا الأسلوب من التلويح بقضية مثل "الرأي العام" أمام الأنظار واستخدامها كورقة ضغط إضافية خلال المحدثات كما يفعل الإسرائيليون في الكثير من الأحيان.

إن بطئ سير عملية السلام إذن جاء نتيجة الافتقار إلى الكوادر اللازمة لإجراء المحادثات من جهة، وغياب الرأي العام من جهة أخرى، ولم يكن التشبث بالمواقف والمبادئ والثوابت السبب الأوحد في ذلك كما يُشاع. وجاء الوضع الداخلي في إسرائيل والانتخابات الأمريكية و اغتيال رابين و تعدّد و تشتّت المسارات كعوامل مساعدة أخرى. ولم يكن أمام الأسد من خيار في مواجهة هذا كلّه إلا اللجوء إلى ورقة الضغط اللبنانية من جهة (إلى أن تمكّن باراك مؤخّراً من إبطال مفعول هذه الورقة بخطوة رائدة من نوعها بالنسبة لقائد إسرائيلي) وورقة الرغبة الأمريكية الإسرائيلية ذاتها (ولعلّ هذه هي الورقة الأقوى وإن كنا نتجاهلها في معظم الأحيان) من جهة أخرى في إبرام معاهدة سلام لإنهاء حالة الجمود السائدة و ترسيخ وضع إسرائيل في المنطقة و فتح الطريق أمامها لتطبيع العلاقات مع الدول العربية بشكل خاص ودول المنطقة بشكل عام. إذ يجب أن لا ننسى هنا أن إسرائيل ما احتلّت ما احتلّته من أراض إلاّ بغية الضغط على العرب من أجل التوصل إلى القبول بها ومن ثم تطبيع العلاقات معها. ويجب أن لا ننسى في هذا الصدد أيضاً رغبة إسرائيل في الحصول على المساعدات الأمريكية الضخمة في حال توقيعها لمعاهدة سلام مع سورية. إن توقيع معاهدة سلام مع سورية إذن ستجيء بمثابة إعلان رسمي لانتصار إسرائيل على العرب وبعودتها، في منظور الإسرائيليين بالطبع، لتزعّم هذه المنطقة من العالم بعد غياب دام أكثر من ألفي سنة. هذه هي الورقة الأخطر في عملية السلام، وهي الورقة الوحيدة المتبقية في يد سورية اليوم، لكن موضوع اللعب بها ليس بالأمر السهل أبداّ، وسنعود لهذا لاحقاً.

أما الآن، فدعونا نتوقّف مع قمة جنيف الأخيرة بين كلينتون و الأسد.

جاء الأسد إلى هذا اللقاء وقد فقد ورقة الضغط اللبنانية وحالته الصحية لم تكن تبشّر بخير ولم يكن رجالاته قد نجحوا عبر الجلسات السابقة في الترويج للموقف السوري خاصّة فيما يتعلّق بحقوق سورية في أمواه طبرية، وكانت الانتخابات الأمريكية علاوة على ذلك على الأبواب، وهذا وقت كما نعرف تختار فيه أمريكا دائماً مهادنة إسرائيل تقرّباً من اللوبي الصهيوني الذي يكثّف من نشاطاته في هذه الفترة الحرجة بالذات، ومع كل هذا، يقول الأمريكان لنا أن الصفقة التي عرضها باراك على الأسد كانت بالفعل معقولة بل ومغرية. إذ عرض باراك على الأسد الانسحاب من كل الجولان ما عدا عدة أمتار محيطة ببحيرة طبرية. ما معنى هذا؟ هل معناه أنه لن يكون لسورية أي حقّ في مياه طبرية؟ أم هل يتعلّق الموضوع بالسيادة فحسب مع إمكانية التوصّل لاتفاق فيما يتعلّق بالمياه فتبقى هكذا بحيرة طبرية تحت السيادة الإسرائيلية مع إمكانية منح سورية بعض الحقوق فيما يتعلّق بالمياه؟ تبقى الإجابات على هذه الأسئلة غير ممكنة في الوقت الراهن لعدم توفّر المعلومات الموثوقة. و كل ما نعرفه فيما يتعلّق بموقف الأسد حيال ذلك كله هو أنه اختار الانسحاب من اللقاء لأن الصفقة، حسب شهادة كلينتون ذاته، لم تؤمّن للأسد إمكانية السباحة في البحيرة.

بأي عقلية تعامل الأسد و رجالاته مع عملية السلام؟ هل تعاملوا بعقلية كل شيء أو لاشيء، أي إما كل الجولان أو و لا حتى شبر من الجولان؟ من الأدلة القليلة التي في حوزتنا بوسعنا أن نقول أن هذا هو ما فعلوه بالضبط. فهل كان هذا التصرّف حكيماً؟ في الحقيقة إنها لعقلية صبيانية تلك التي تتعامل بهذا الأسلوب مع مصالح الوطن. إن موقف سورية ضعيف فعلاً من الناحية العملية (و لندع اعتبارات العدالة و الأخلاق جانباً الآن و لنتكلّم من وجهة نظر "الريال بوليتيك" لأنا في الواقع بأمس الحاجة إليها اليوم)، لكن هذا لا يمنعها من التمسّك بثوابتها قدر الإمكان فتحاول الحصول على أفضل صفقة ممكنة، وهذا قد يعني القيام ببعض التضحيات أو التنازلات. فإن كان لابدّ من التضحية بحصّتنا من السيادة على بحيرة طبرية في مقابل الحصول على البعض الحقوق في مياهها واسترجاع الجولان بأسره باستثناء ذلك الشريط الضيّق المحيط بالبحيرة، وتحرير آلاف المواطنين السوريين من نير الاستعمار و السماح للنازحين بالعودة إلى ديارهم، فإنها لعمري صفقة يمكن قبولها و التعايش معها.

على الدكتور بشار إذن أن يحرّر نفسه و في أسرع وقت ممكن من نير سياسات أبيه وعليه أن يحاول أن يحصل على كل شيء، أي على كل الحقوق المغتصبة، أو أن يرضى في ظلّ الظروف الراهنة بما هو أقلّ. أما خيار اللاشيء فهو مرفوض حتماً لأنه يعني التخلّي عن الجولان و لا يحقّ لأي حاكم سوري أن يتّخذ هذا القرار. إذ أن احتمال خسارة الجولان بشكل نهائي، أي كما خسرنا اللواء من قبل، احتمال للأسف حقيقي جداً.

والآن صار بمقدورنا العودة إلى ورقة الرغبة الإسرائيلية الأمريكية في السلام. إن هذه الورقة هي بالطبع في يد إسرائيل  أكثر مما هي في يدنا، تماماً كما كانت الحال مع الورقة اللبنانية. فإذا ما استمرينا نمضي على ذات النهج الذي خطّه الأسد سندفع بإسرائيل عاجلاً أو آجلاً إلى سحب هذه الورقة من يدنا كلّية، تماماً كما فعلت بالورقة اللبنانية، خاصّة في حال توقيعها لمعاهدة مع الفلسطينيين، فتقرّر التخلّي عن مجرى السلام مع سورية وتضم الجولان نهائياً إلى أراضيها متحجّجة بم ستسميه "بتعنّت" السوريين، وإن دعمتها أمريكا في مسعاها هذا، قل على الجولان السلام. وستكتب على سورية العزلة من جديد.

هذه هي الخيارات والوقائع التي يتوجّب علينا اليوم التعامل معها ولقد جاءت كنتيجة مباشرة لسياسات "حكيم الأمة" الراحل وحزبه ورجالاته، وذلك الصمت المطبق لشعب هرم.


الخميس، 22 يونيو 2000

المرحلة الانتقالية والجمهورية الليبرالية


حزيران 22، 2000 / جريدة النهار

يتحدّث الكثير من الناس هذه الأيام عن "مرحلة انتقالية" تشهدها سورية دون أن يوضحوا طبيعة هذه المرحلة: هل هي مجرّد انتقال للسلطة من أب إلى ابنه ضمن الحدود المفروضة من قبل النظام القائم، أم هي مرحلة انتقالية أشمل و أعمق ستودي في خاتم المطاف، أي بعد عدّة سنين و ليس مجرّد أسابيع أو أشهر كما في الحالة الأولى، إلى إقامة "جمهورية جديدة" برلمانية الطابع، ليبرالية في توجّهاتها السياسية والاقتصادية، ديموقراطية و علمانية، و بالتالي أقدر على استيعاب آمال وطموحات شعب متعدّد الطوائف والطبقات بل والقوميات والميول السياسية مثل الشعب السوري؟ أنا من أنصار هذا الحل الأخير، وأرى أنه لابدّ من بسطه أمام ناظري الدكتور بشار في حال فوزه في الاستفتاء القادم. 

فالنظام البعثي القائم حالياً قد أثبت إفلاسه سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، إن لم نقل إنسانياً، عبر تجربتيه السوريتين حتى الآن: تجربة ما قبل التصحيح والتصحيح ذاته، الذي أوصل سورية الغنية بثرواتها الطبيعية و الإنسانية إلى حافّة الفقر و قائمة الدول الأكثر انتهاكاً لحقوق الإنسان (ناهيك عن خسارة الجولان). وهكذا يكون المؤمنون في سورية (وما أكثرهم ويا لسذاجة إيمانهم) قد لدغوا من ذات الجحر مرّتين، فهل سيُلدغون مرّة ثالثة من هذا الجحر ويتطلّعون قدماً إلى تجربة بعثية جديدة؟ التوقّعات تشير إلى أنهم سيفعلون، ذلك لأنهم تعوّدوا عبر الأربعين سنة الماضية أن تُملى عليهم خياراتهم (وهم لم يكونوا ذلك الشعب المتمرّس بالديموقراطية قبل ذلك على أية حال)؛ ولا شكّ في أن ذلك التهديد السخيف بالحرب الأهلية الذي يلوّح به بعض المحلّلين السياسيين من داخل سورية في الوجوه سيسهّل عليهم هذا الأمر. وبالطبع، سيدعم الرعيل الأول من المستفيدين الفاسدين (وكيف لا يفسد من بقي في السلطة أربعين عاماً بلا أية مسائلة؟) هذا الخيار الشعبي ولن يعارضوا، بل سيساندوا وبكل علنية، الدكتور بشار في مسعاه للقيام ببعض التغييرات "الطفيفة" من خلال المؤسّسات القائمة وتعود الأمور عاجلاً لا آجلاً إلى ما كانت عليه في السابق، بل إلى ما تزال عليه الآن (فالتغيير لم يبدأ بعد). 

أما فيما يتعلّق بذلك "الأمل الواعد" ذاته الذي هو الدكتور بشار فيبقى الجواب غامضاً، و ذلك لأن الدكتور بشار نفسه ما يزال مجهولاً بالنسبة لنا، مجهول النوايا، والأهمّ من ذلك، مجهول القدرات. فمستقبل "الجمهورية الثانية" إذن (أو بالأحرى الثالثة، فالجمهورية العقائدية التي أسّسها البعثيون ذاتهم هي الجمهورية الثانية إذ جاءت بدستور جديد)…فمستقبل الجمهورية الثالثة إذن يكاد يتوقّف على هذا الإنسان المجهول، وهو عبء لن يتمكّن الدكتور بشار من حمله ما لم يحيط نفسه بشباب لا يقلّون، لا بل يزيدون، عنه تشرّباً لواقع الحياة المعاصرة ومتطلّباتها ومبادئها، بالأخصّ الديموقراطية و العلمانية و حقوق الإنسان. لكنّ البوادر الأولى حتى الآن، وعلى أساس التغييرات التي جرت من خلال المؤتمر القطري، لا تبشّر بخير. 

أو هل نمرّ حالياً بمرحلة انتقالية مصغّرة ضمن مرحلة انتقالية أكبر؟ 

طالما بقي الدكتور بشار مجهولاً بالنسبة لنا ستبقى الأجوبة على أسئلة كهذه صعبة. وقد لا يتمكّن الدكتور بشار نفسه من مساعدتنا في هذا الصدد لأنه قد لا يرغب في الكشف عن أوراقه الآن. إذ أنه من الواضح أنه حتى لو كانت عنده نوايا ليبرالية من النوع الذي يناسب المشروع القومي (أو بالأحرى الحلم القومي، فدون وجود أي مؤسّسة تدعو وتعبّر عن هذا الحلم، كيف يمكن لنا أن نسمّيه مشروعاً؟)، فليس من مصلحته أن يكشف عنها الآن والوطن محاط من كلّ جهة بمن هم أعداء طبيعيون لمثل هذا التوجّه. 

على أية حال، دعونا لا نتوقّف كثيراً عند هذه المسألة. فموضوع بناء "جمهورية ثالثة" من النوع الذي ألمحنا إليه أعلاه يتطلّب بجوهره وجود قاعدة شعبية واسعة تدعمه وتؤمن به. إنه لمن الواضح أن هذه القاعدة غير موجودة الآن ولا يمكن تصوّر وجودها في أي وقت قريب. بل يتوجّب علينا في الحقيقة أن نعمل ولسنين عدّة، وربما لعشرات السنين، قبل أن نوجد هذه القاعدة. لكن، وإذا ما أمّن الدكتور بشار في داخل سورية قدراً من الحرية السياسية والاجتماعية بحيث يتسنّى العمل على بناء هذه القاعدة من الداخل، وذلك من منطلق قناعاته الشخصية  التي يُشاع عنها في كل وسائل الإعلام الغربية والشرقية بأنها "ديموقراطية الطابع،" وبغضّ النظر عن طبيعة انتماءاته السياسية ذاتها:  أي هل هو بعثي بالفعل أم لا، أقول: إذا ما أمّن الدكتور ما نطمح إليه و نطالب به من حرية في سورية، فهذا بحدّ ذاته سيمثّل خطوة كبيرة بالنسبة للشعب السوري، فهذه الحرية لم تكن متاحة له من قبل، أي في عهد البعث ما قبل الدكتور بشار. 

و هذا لا يعني بالطبع أن نمتنع عن متابعة أعمال الدكتور بشار في المجالات الأخرى أو عن معارضة الحكومة، وننصرف هكذا بكلّيتنا إلى نقد التراث والجماهير والذود عن الحاكم الذي أمّن مقداراً من الحرية هو من حقّنا بحكم كوننا بشر (وهذا كما يحدث في بعض الدول العربية الأخرى). على العكس، إذا ما أردنا أن نعلّم الناس المعنى الحقيقي للديموقراطية والعلمانية فعلينا أن نتمثّل هذه التعاليم في كل ممارساتنا وأعمالنا. علينا أن نعلّم بالقدوة. فيتوجّب علينا في هذه الحال أن نكون نشطين سياسياً واجتماعياً وأن ننقد بصراحة أية ممارسة قمعية للحكومة أو سياسة اقتصادية نراها تتعارض مع الروح الليبرالية التي ندعو إليها. وقد نختلف مع بعضنا البعض هنا، وليكن، فهذا كلّه جزء من المسيرة التقدمية التي نصبو إليها. المهمّ أن نتعلّم كيف نتماسك في وجه الضغوطات الخارجية و الخلافات الداخلية. وهذه امتحان صعب. فخيارنا هو الخيار الأصعب بالتأكيد، لكنه أيضاً الأنسب، علينا أن لا ننسى ذلك. 

ولعلّ أول مطالب يمكن أن تقدّم من خلال النظام الحالي:

1) الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين بصرف النظر عن توجّهاتهم السابقة وإعادة كافة حقوقهم المدنية و تعويضهم عن فترة الاعتقال؛

2) تحديد مدّة تجديد البيعة للشخص ذاته بثلاث مدد متتالية أو غير متتالية؛

3) منع ترشيح أي قريب مباشر للرئيس لمنصب الرئاسة من بعده لمدة سبع سنين على الأقلّ و ذلك رغبة منا في الحفاظ على الطابع الجمهوري للنظام (إذ لا يجب السماح للحالة الاستثنائية التي تحدث اليوم بأن تتكرّر غداً)؛

4) السماح بتأسيس جمعيات وصحف سياسية واجتماعية مستقلّة وعدم التعرّض لها من خلال الرقابات المتشدّدة؛

5) العمل لإجراء التعديلات الدستورية اللازمة للسماح بتأسيس أحزاب علمانية مستقلّة وإعطائها تمثيلاً أكبر في مجلس الشعب.

لكن أهمّ مطلب في فترة ما قبل الاستفتاء هو العمل على التقيّد بالدستور فيما يتعلّق بسريّة الاقتراع وأن لا تجري الأمور "علمكشوف" كما في السابق وكأنّا في مقهى شعبي. 




الثلاثاء، 16 مايو 2000

العرب بين الأسطورة والتاريخ: من أين؟ إلى أين؟ و لمَ؟


النهار / معابر

كيف ننفكّ من قيد هذا التشرّد،
من أسر هذي الإقامة،
في غياهب تلك الخلافة، أو هذه الإمامة؟
عجباً، - نتكسّر، نبني جسوراً
لا لنعبر، لكن لنرثي أنقاضنا.
أدونيس، الكتاب، ج1ص103.

لعلّه من نافل القول أن نصرّح بأن كل معرفة إنسانية إنما جاءت و حُصِّلت نتيجة رغبتنا الجامحة كبشر  لإضفاء معناً ما على حياتنا. لكن، بمقدور المرء أن يقدّم حجّة قوية يدعمها الكثير من الأدلّة على كون الأسطورة و التاريخ أول فرعين للمعرفة النظرية يتعاملان بشكل صريح مع هذا الأمر. ومن هذا المنطلق، فإنه لمن المشروع التساؤل عن مدى نجاح هذين الفرعين المعرفيين في مهمّتها المفترضة. أي: بوسعنا التساؤل اليوم إلى أي مدى تنجح الأساطير و التواريخ المعاصرة في إضفاء معناً على حياتنا. 

أن عصرنا يشهد تقدّماً هائلاً في رصد و توثيق الأحداث وعلى نحو لم يكن متاح في أي وقت مضى. فبينما لا يزال بوسع بعض المؤرّخين التشكيك في وجود بعض الشخصيات "التاريخية" من أمثال لاو تسه وجلجامش وموسى بل ويسوع المسيح، وفي صحّة بعض الحوادث المدّعاة كالطوفان وعبور سيناء و الهجرات السامية، لا يمكن للمرء أبداّ أن يشكّك في وجود شخصيات مثل أينشتاين و هتلر والأميرة ديانا، أو في وقوع أحداث مثل الحربين العالميتين وانفجار أول قنبلة ذرية والهبوط على سطح القمر. فكل هذه الشخصيات وكل هذه الحوادث موثّقة توثيقاً لا يحتمل الشكّ (إلا من قبل بعض الشخصيات العُصابية). لكن هل يكفي التوثيق لمعرفة المعنى؟ 

لنأخذ حالة الأميرة ديانا على سبيل المثال. إنها المرأة التي لُوحقت و صُوّرت و تابع الناس في كلّ أنحاء العالم أخبارها بشغف أكثر من أي امرأة أو رجل في التاريخ. ومع ذلك، كم نعرف عنها في الحقيقة؟ إن الإشاعات عنها أكثر من الحقائق الموثّقة بكثير، والآراء والتفسيرات المتعلّقة بحياتها ونشاطاتها و شخصيتها تحتوي على قدر كبير من التناقض والتضارب. فأين الحقيقة في هذه الحالة؟ من كانت هذه المرأة فعلاً؟ أقديسة كانت أم عاهرة؟ أحائرة تائهة أم متمرّدة على القيود و التقاليد؟ أظالمة أم مظلومة؟ إلى آخره من هذه الأسئلة فهي كثيرة. وإذا كان الجواب خليطاً من كل هذه الأمور، وهو كذلك إلى حدّ كبير، فما هي النسب المكوّنة لهذا الخليط؟ إن كثرة المعلومات الموثّقة، إذن، لا تسمن و لا تغني من جوع على ما يبدو فيما يتعلّق بالبحث عن الحقيقة والمعنى، على الأقل فيما يتعلّق في مجال المعارف الإنسانية. 

فإذا كانت الحال هكذا مع من هم أحياء الآن، أو من توفّوا بالأمس القريب، فكيف هي الحال مع أولئك الذين عاشوا قبل ألف سنة وأكثر؟ هل يمكن للحقيقة عنهم أن تعرف دون أن تشوبها شائبة؟ أو بالأحرى هل بمقدورنا أن نستخلص ذرة حقيقة واحدة عنهم من أطنان الشوائب المحيطة بأخبارهم؟ و الأمر نفسه بالطبع يسري على الأحداث التاريخية: هل بمقدورنا فعلاً أن نعرف الحقيقة عنها؟ إن الدراسات التاريخية غالباً ما تخبرنا عن القائمين بها وأفكارهم وعقائدهم وطبائعهم أكثر مما تخبرنا عن الأحداث والشخصيات التي تدّعي عرضها وتحليلها. و بالتالي، هناك عنصر هام و أساسي وحيوي من الأسطرة في كتابة التاريخ و مراجعته. ولا يمكن الفصل في الواقع ما بين الأسطرة والتأريخ إلا في حالات محدّدة وعلى نحو تقريبي. 

إنّ هذا التأكيد لا يؤدّي إلى نفي التاريخ بالضرورة، لكنه يحدّ من دوره، أو بالأحرى يدعو إلى الحدّ من دوره فيما يتعلّق بتكوين الهوية الإنسانية. إن الاحتكام إلى التاريخ  فيما يتعلّق بحلّ الخلافات، سياسية كانت أم اجتماعية أم دينية، عوضاً عن الرجوع إلى المبادئ الإنسانية العامة، يعني بالضرورة تعليق حلّ هذه الخلافات إلى أجل غير مسمّى، لأن لكلّ طرف في أي صراع أو خلاف كان وجهة نظره المستندة إلى تفسيره الخاص والنفعوي للتاريخ، و ذلك مهما بدا هذا التفسير اعتباطياً أو واهياً للمراقب "الحيادي." 

لقد اخترع الإنسان الأسطورة و التاريخ لوضع قاعدة معرفية يفسّر من خلالها وجوده. فالكون جاء من بيضة كونية أو من جوف تعامة بعد أن قتلها مردوخ، والإنسان ولد من دموع الآلهة أو جبله الله من طين من حمأ مسنون، والمجتمعات البشرية تكوّنت جرّاء طرد آدم و حوّاء من الجنة، والأمراض وجدت نتيجة تلاعب الأرواح الشريرة بالبشر أو لعقاب البشر على أعمالهم السيئة و هلمّجرّا. لقد كان الإنسان بحاجة إلى معرفة من هذا النوع في مرحلة ما من تاريخه كيما يوازن نفسه من الداخل و ينتقل إلى محاولة لموازنة نفسه من الخارج أيضاً عن طريق تأسيسه للمجتمع. لكن، ومع الزمن، اكتسبت الأسطورة والتاريخ دوراً آخر في حياة المجتمعات الإنسانية، دوراً في الحقيقة هدّاماً. إذ باتا يحدّان من النمو النفسي، إن لم نقل الروحي، والمعرفي-العلمي للإنسان وباتا يولّدان المزيد من الجدران الفاصلة بين الإنسان و أخيه الإنسان. و نتيجة لذلك أضحى الوجود الإنساني ذاته مهدّداً. 

و لعلّ أكثر المناطق في العالم التي تعاني من الاضطرابات الناتجة عن كثرة الجدران وعن رفض الإنسان لأخيه الإنسان استناداً إلى تنوع هائل في المعارف التاريخية و الأسطورية-الدينية، هي المنطقة المعروفة اليوم باسم الشرق الأوسط أو الهلال الخصيب. 

إن الروح الكلبية الناتجة عن هذا الأمر و استمراريته على مرّ القرون تفرز اليوم مجموعة غريبة من الظواهر في المجتمعات الشرق-أوسطية، لا سيّما العربية منها. وقد تساعد دعاية ظهرت مؤخّراً عبر القنوات الفضائية العربية في الكشف عن مكنونات هذه الروح. 

الدعاية جاءت على شكل مقارنة يقوم بها رجل عربي بين معالم معروفة في الولايات المتّحدة وأخرى مختارة من بلده ليدلّل، من ناحية، على أن بلده لا يقلّ تقدّماً عن الولايات المتّحدة الأمريكية، ومن ناحية أخرى على كونه شخصياً أكثر ثراء من نظيره الأمريكي بامتلاكه لسيارتين من طراز لنكولن لا واحدة كما هي الحال مع نظيره. وهكذا تتمّ المقارنة ما بين جسر سان فرانسيسكو الشهير و جسر تمّ بنائه مؤخّراً في بلد الرجل، وبين منحوتات جبل رشمور  وبقايا مدينة أثرية، و بين البيت الأبيض و بيت العائلة. هكذا وبكل بساطة وصراحة ووضوح تعرض هذه الدعاية، دون أي قصد بالطبع، على مرأى الجميع إلى أي حدّ و عمق بلغ التخلّف بالعرب. فالمقارنة حدثت بين حضارة حية و مبدعة هي التي أفرزت الجسر، بل الجسرين، والمنحوتات والسيارة، وأخرى ميتة بائدة لم يعد بمقدورها أن تبدع بل باتت تتطفّل على إبداعات الآخرين. والمقارنة كانت بين رمز لأمة ديموقراطية وآخر لمجتمع ما يزال يفخر بتكوينه العشائري. يفتخر العربي في هذه الدعاية إذن بواقع العقم والموت والعشائرية ويبدي جهله أمام الجميع: إنه لا يدرك بعد جوهر الحياة المعاصرة وهو بعيد كل البعد عن أي شيء يمت إلى الإبداع والحرية والتقدم بأدنى صلة. 

إن عربي اليوم يأسطر ماضيه ليجعل منه عصراً ذهبياً، ويأسطر حاضره ليجعل منه واقعاً أقلّ إيلاماً. و هكذا يغرق في حال سلفية في بعض تجلّياتها، عدمية في أخرى، وحالمة إن لم نقل خدرية psychedelic في بعضها الأخير. لقد خسر العربي من الناحية العسكرية على الأقل حرب ال73 مع إسرائيل ولكنه يصرّ على الاحتفال "بنصره" كل عام، هذا النصر الذي لا يوجد إلا في رأسه هو لأنه بحاجة له، ولأن تخيّل النصر وادّعائه خير من مواجهة الهزيمة ونتائجها. ذلك لأن الهزيمة مرة، ذلك لأنها تجعل المرء يعترف، إن أراد أن يعترف بها، بواقع هو أمرّ وأكثر إيلاماً بكثير، ألا وهو واقع موته الحضاري. 

عندما يكون الواقع مرّاً إلى هذا الحد إذن يلجأ الناس إلى الأسطرة، القيادات لتنقذ نفسها وتصرّ على شرعيتها المهزوزة دائماً، والشعب ليحجّم من شعوره بالمرارة والإحباط. ومن هنا تأتي تفسيرات مثل: حرب تشرين كانت حرب تحريك لا حرب تحرير وعلى هذا الأساس يمكن اعتبارها حرب ناجحة إذ أنها مهّدت الطريق لاستعادة سيناء. ومن هنا أيضاً الاتهامات المتبادلة بين قيادات الحرب بالخروج عن "النص" ذلك النص الذي لا يوجد إلاّ في أذهان تلك القيادات التي ما انفتئت ذواكرها أن تكوم منفعية الطابع. 

لقد ماتت حضارة العرب إذن، و ربما منذ قرون (و لعلّ أكبر دليل على هذا هو عدم إفراز هذه الحضارة لأي مفكّر أو عالم إبداعي لأكثر من ستة قرون)، ومعها بالطبع ماتت الحضارة الإسلامية ذاتها، إذ ارتبطت مسيرة الحضارتين بشكل مصيري مع ظهور الإسلام على الساحة منذ نيف وخمسة عشر قرناً. و لا يعدّ هذا التطور أمراً فريداً في الحقيقة، فالحضارات الدينية لاقت المصير ذاته في كل إنحاء العالم ومنذ قرون، وإن كانت الحضارة الإسلامية قد تأخّرت في مواجهتها لهذا الواقع، فذلك لأنها أكثر الحضارات الدينية الأساسية شباباً. 

ولعلّ ظاهرة التطرّف اليوم هي واحدة من أهم مظاهر الأسطرة التي تسعى إلى نكران واقع موت الحضارة الإسلامية. فهذه الظاهرة حتى الآن لم تعبّر عن نفسها إلى بالرفض ولم تقدّم أي جديد، بالمعنى الإبداعي والخلاّق للجِدّة، في أي من طروحاتها الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية. بل إن مناهجها الفكرية ترفض قابلية التجديد أصلاً وتعوّل، أو تدّعي التعويل، على مصادر ومرجعيات الماضي المقدّس والمنزّه حكماً وتعريفاً. وكلّما اصطدم هذا التيار الأصولي السلفي المتطرّف بمعطيات الواقع المعاش المناقضة كلّية لمعطياته هو، لجأ إلى واحد من عدّة أساليب طوّرها مع الزمن مثل الرفض (لا للعلمانية، لا لحقوق المرأة، لا للمجتمع المدني) والاستملاك (القرآن تنبّأ بغزو الإنسان للفضاء)، إلى أخره. هذا، وبينما تتكاثر الفرق و التنظيمات الإسلامية ذات الطابع الأصولي الإرهابي، لم تفرز المجتمعات الإسلامية حتى الآن منظّمات من نوع "أطباء بلا حدود" و "كير Care" ومنظمة العفو الدولية. المجتمعات الإسلامية حتى الآن لم تقم بأي نشاط إنساني حقيقي حتى على الصعيد الداخلي إلاّ إذا أرادت توظيفه لأغراض سياسية مثل حركة الأخوان المسلمين في مصر مثلاً. 

موت الحضارة الإسلامية ليس حدثاً فريداً كما سبق وذكرنا، وهو لا يعني في الحقيقة موت الدين الإسلامي ذاته، شتان ما بين الأمرين. إن موت الحضارة الدينية شرط أساسي من شروط نشوء الحضارة المدنية. والحضارة المدنية يتحرّر المجتمع من سلطة و الدين والدين من سلطة المجتمع، وبذلك يمثّل قيام المجتمع المدني فرصة للدين لتحرير نفسه من قيود الماضي و ممارسة دوره العابر للزمان ويصبح أكثر قدرة على التعامل والتأقلم مع وقائع الزمن الجديد. أي، أنه يصبح حرّاً لبناء مجموعة جديدة وضرورية من الأساطير، ومن إعادة قراءة التاريخ، خاصة تاريخه المؤسّس.  

لكن، هاهم العرب اليوم في مطلع القرن الحادي و العشرين وهم أبعد ما يكون عن التأثير في السيرورة التاريخية للأحداث، يتخبّطون في متاهات الانتماءات الطائفية والإقليمية والعشائرية والفردية (أي انتماء المرء إلى نفسه فقط، ووضعه لمصلحته الشخصية فوق كلّ اعتبار) يبكون على الأطلال حين يبكون و يضحكون على أنفسهم حين يضحكون. 

هل انتهى كل شيء إذن؟ أليس ثمّة بصيص من أمل؟ 

في الحقيقة، هناك ما هو أكثر من مجرّد بصيص من أمل: أنه الأمل كله بين أيدي العرب اليوم. ذلك لأن الحضارات قد تموت لكن الإنسان يحيا و يستمر. بل إن الحضارات قد تموت كيما يحيا الإنسان و يستمرّ. إذ عندما يتهدّم كل شيء من حول المرء يصير بوسعه أن يباشر البناء من جديد وعلى أسس أمتن، هذا إن سمح لنفسه باستيعاب دروس الماضي وتوقف عن تمجيده. إن البناء من جديد خير من الترقيع، والإنسان الذي يتقبّل واقعه ويتقبّل أن عليه أن يبدأ من جديد هو إنسان أقوى وأقدر على الاستفادة من تجارب الماضي وتجارب "الآخرين" في مسعاه نحو تحقيق ذاته من جديد عن طريق نسجه لأسطورة جديدة وانكفائه على التأليف العملي لتاريخ جديد. إن فرصة كهذه لا تتاح كل يوم، فهل سيستغلّها العرب أم…