الأربعاء، 29 أبريل 2015

السياق الغائب: خليط ضروري من الذكريات والملاحظات

مظاهرة أمام السفارة السورية في واشنطن في مطلع الثورة السورية 

إذا أخفقتَ كناشط مدني في إقناع الطرف أو الأطراف المعنية، سواء عن طريق الحوار أو الضغط أو كليهما، بضرورة تبنّي السياسة التي تريد، أو أخفقتَ في منعها من تبنّي السياسة التي تعترض عليها، فإن أولويتك الجديدة في كلتا الحالتين تتطلّب منك العمل لتخفيف وطئ هذا الإخفاق على الناس. ولايتأتى هذا الأمر في أغلب الأحيان إلا من خلال الاستمرار في "التعامل" مع ذات الأطراف ووفقاً لذات الأدوات، أي الحوار والضغط، مع بعض الإضافة والتعديل.

وتكمن المشكلة هنا في أن مواقفك العلنية المتغيرة قد لا تبدو مفهومة للمراقبين، مما سيفسح مجالاً كبيراً لخصومك لإدانتك بصرف النظر عن حقيقة فهمهم للدوافع والضرورات الموجبة لهذه المواقف.

لكن، كيف تتجلّى هذه الأمور في سياق العمل والنشاط؟ ربما كان من الأفضل هنا أن أستخدم نفسي وتجاربي الشخصية كمثال للإجابة على هذا السؤال بوضوح، فأكون بذلك قد روّضت أسدين بسوط واحد: أجبت على السؤال، وردّيت على بعض التساؤلات القديمة المتعلقة بنشاطاتي.

في عام 2003، كنت ضد اجتياح العراق وحاولت من خلال بعض المؤتمرات الدولية التي حضرتها في الفترة التحضيرية له أن أحذّر من مغبّة هذه الخطوة بالنسبة للعراقيين والأمريكيين وغيرهم، وكذلك بالنسبة للبرامج المرتبطة بتطوير المنطقة وتحرير أنظمتها السياسية. لم أكن الناشط الوحيد الذي تبنّى هذا الموقف طبعاً، بل واحداً من مئات الناشطين من المنطقة والعالم، لكني كنت جديداً على الساحة واتسم أسلوبي بالكلام والعمل بقلة اكتراث بالخطوط الحمراء والمصطلحات التقليدية، مما جعلني أحظى بحيز أكبر من الاهتمام خاصة من قبل المسؤولين والمحللين الغربيين.

ومع ذلك، لم يقيد لأي من الاعتراضات التي قدمتها وغيري النجاح في منع هذا الحدث. لكن، وعوضاً عن الانسحاب من الساحة  والاكتفاء بالإدانات، قرّرت تبنّي أولوية جديدة للنشاط تمثّلت في المشاركة في عدد من المؤتمرات المعنية بوضع سيناريوهات مختلفة لما قد يجري في العراق بعد الاجتياح، واستغليت هذه الفرصة لتقديم استشارات ركّزت على ضرورة إعادة هيكلية النظام السياسي والمدني في العراق بشكل تدريجي لتجنّب المخاطر التي ستنجم عن التفكيك السريع له، خاصة بعد سنوات طويلة من العزلة الدولية. كما شدّدت أيضاً على ضرورة تجنّب التورّط في مغامرات عسكرية إضافية في المنطقة، والاكتفاء بالضغوط الدبلوماسية وبدعم الناشطين المدنيين والقوى السياسية المعارضة المنفتحة على الغرب لتطوير وتفعيل برامج إصلاحات سياسية ومجتمعية طويلة الأمد. ولقد تقاطعت آرائي هذه مع نصائح وإرشادات معظم الخبراء المشاركين.

فمرة أخرى لابد من التنويه هنا إلى أني كنت واحداً من مئات الناشطين والخبراء الإقليميين والدوليين الذين شاركوا في هذه المؤتمرات. لكن كوني، في معظم الأحيان، السوري الوحيد المشارك والذي قدم من سوريا ولم يكن يحمل أية جنسية أخرى يمكن لها أن تحميه، جعلني أحظى باهتمام أكبر مما كان متوقّعاً أو طبيعياً.

لكن، وكما تدلّ الأخطاء التي حدثت في الفترة التي تلت الاجتياح الأمريكي، يبدو من الواضح أن الآراء والاستشارات التي تم تقديمها من قبل معظم المشاركين لم تلق الكثير من الاهتمام من الجهات المعنية التي غالباً ما كانت أولوياتها مقيدة باعتبارات مالية وبيروقراطية على حساب الاعتبارات الجيوسياسية في الكثير من الأحيان.

الجندي الأمريكي ريتشارد بارنيت يحمل بين يديه طفلاً عراقياً، 29 آذار/مارس، 2003 (رويترز)
 بصرف النظر عن هذا، أصبحت مهمتي في المرحلة التالية التركيز على منع تدخل أمريكي مماثل في سوريا، الأمر الذي فتح له النظام الباب على مصراعيه بدعمه المفضوح للجهاديين في العراق.

وشاءت الظروف أني وفي تلك المرحلة تلقيت عرضاً للعمل كباحث زائر في معهد بروكينجز الأمريكي في واشنطن لمدة ست أشهر. وخلال تواجدي هناك اكتشفت أن تدخّل الأسد في لبنان بعد العراق بات يلعب في أيدي الجهات التي تدعو إلى التدخّل العسكري في سوريا، فألقيت عدة محاضرات وكتبت مجموعة من المقالات الناقدة للنظام في ذلك الوقت محذّراً من مغبّة سياساته. وكان أن تواصل معي جراء هذه النشاطات السفير السوري في واشنطن آنذاك، عماد مصطفى، في محاولة لـ "احتوائي،" كما قال، وبطلب من الأسد. وعن طريق مصطفى، تبادلت عدة رسائل مع الأسد بخصوص ضبط النفس في لبنان وضرورة العمل مع الأمريكيين لإحياء محادثات السلام مع إسرائيل، وهو الأمر الذي نجحت في إقناع الإدارة الأمريكية بربطه ببرنامج واضح للإصلاحات السياسية في سوريا.

ونتيجة هذه الخطوات، ذهب مارتن إنديك إلى سوريا في تشرين الأول ٢٠٠٤، بترتيب من مصطفى، وعرض على الأسد الخطوط العريضة لمقترح "السلام والإصلاح،" كما سمّيته، موضحاً له أن المقترح يحظى بتأييد جهات رسمية أمريكية وإسرائيلية وعلى أعلى المستويات، لكن الأسد رفضه بحجة أنه يعترض على التفاوض مع الإسرائيليين سراً، مع أننا كنا نعرف تماماً أن مباحثات سرية ملنت تجري ما بين الطرفين السوري والإسرائيلي في مدريد في نفس ذلك الوقت.

ما السبب الحقيقي وراء رفض الأسد  لمقترحنا إذاً ؟ التحليل الذي أجرته الجهات الأمريكية للموقف عندها خلص إلى اعتراض الأسد على أمرين: ربط مباحثات السلام بقضية التغيير الديموقراطي في سوريا، ومشاركة شخصية إصلاحية من خارج المنظومة الأمنية للنظام، وبالتحديد كاتب هذه الكلمات، في العملية التفاوضية. ولقد أدّى فشل هذه المبادرة إلى توسيع الهوّة ما بين إدارة بوش ونظام الأسد.

وبعد انتهاء مدة عقدي مع بروكينجز في منتصف كانون الثاني ٢٠٠٥، عدت إلى دمشق لمتابعة عملي في إدارة مشروع ثروة، والذي أشرفت الناشطة خولة يوسف على إدارته في غيابي بالتعاون مع مجموعة جميلة من الناشطين الشباب من مختلف المناطق والانتماءات والخلفيات المهنية. وتركزت أولويتي في ذلك الوقت على توسيع فريق العمل والتمهيد لإطلاق عدة أفرع للمشروع في مناطق مختلفة في سوريا والمنطقة. لكن، ونظراً لتنبّه الأجهزة الاستخباراتية لنشاطاتي وطبيعتها، شهدت هذه المرحلة أيضاً انطلاق فترة مكثفة من التحقيقات معي ومع خولة من قبل الأجهزة الأمنية المختلفة. وأشرف على هذه التحقيقات شخصيات عدة منها رفيق شحادة وسعيد سمور وأخيراً آصف شوكت الذي حاول فرض نوعاً من الوصاية عليّ أدت إلى عدة مشادّات كلامية بيننا انتهت بالاتفاق على وجوب مغادرتي للبلد في أيلول ٢٠٠٥، خاصة بعد اتهامي للنظام في وسائل الإعلام العالمية بالوقوف وراء اغتيال الحريري، ووصفي لبشار الأسد بأنه أحمق وأخرق، ودعوتي للعصيان المدني ضد النظام. جرت كل هذه الأمور وأنا مازلت أسكن في دمشق مع عائلتي، وتم الإشارة إليها في وسائل الإعلام الغربية في حين تجاهلها الإعلام العربي. إذ شكّلت استقلاليتي، فيما يبدو، ورفضي الانتماء إلى أي من الأحزاب والحركات السياسية التقليدية إشكالاً بالنسبة للعاملين في أجهزة الإعلام العربية، والجهات الممولة لها.

وجاء قيام مجلة النيوزويك العربية في 2005 بتسميتي كواحد من أهم ٤٣ شخصية عربية يمكن لها أن تساهم في تشكيل مستقبلها كاستثناء عرضي لهذه القاعدة، وكتطوّر مفاجئ بالنسبة لي. ومع إني كنت السوري الوحيد على اللائحة، تم تجاهل الأمر كلية ليس فقط من قبل السلطات السورية والإعلام السوري (ما خلا فقرة عارضة في مجلة الثورة تعترض على هذا الخيار) بل أيضاً من قبل السلطات الكويتية المسؤولة عن تمويل النسخة العربية للمجلة، إذ تمّت دعوة جميع شخصيات اللائحة لتكرّم في حفل خاص في الكويت، ما عداي.

لكن بروز اسمي في الإعلام الدولي، وقيامي بالتواصل والعمل مع شخصيات معروفة مثل مارتن إنديك وغيره، وقدرتي على التواصل المباشر مع شخصيات عالية المستوى في الحكومة الأمريكية وعدد من الحكومات الأوروبية، مثل الحكومة الهولندية التي قدمت دعماً واضحاً لنشاطات ثروة في سوريا، جعل آصف وغيره يتعاملون معي بجدية وندية أفسحت مجالاً للكثير من الحوارات الصريحة بل والمشادات الكلامية، كما سبق ونوّهت، لم تخل من تبادل الاتهامات والشتائم أحياناً.

والواقع أنه بعد اغتيال الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان، أصبح من الواضح بالنسبة لي أن ساحة الصراع الإقليمي قد انتقلت إلى سوريا، وأن نظام الأسد هو عامل جاذب ومسعّر لهذا الصراع، وأن المسألة أصبحت مسألة وقت فقط قبل الانفجار. ولقد عبّرت عن هذه القناعة بوضوح من خلال تصريحاتي وكتاباتي من ذلك الحين وحتى لحظة اندلاع الثورة. ومنذ ذلك الحين، أصبح العمل على إسقاط النظام بشكل سلمي هو الحل الوحيد الممكن في نظري لتجنّب هذه الأزمة أو على الأقل تجلّياتها الأسوأ. وعلى الرغم من قناعتي الشخصية بأن النجاح في مسعى من هذا النوع غالباً ما يكون مستحيلاً، لم أر بديلاً أخلاقياً أفضل من المحاولة، تماماً كما فعلت فيما يتعلق بالاجتياح الأمريكي للعراق.

ولقد جاءت فلسلفتي في العمل بعد مجيئي إلى واشنطن مع خولة وعلا ومهند استمراراً لتلك التي وجهت عملي في سوريا، أي أني لم أعنَ كثيراً بإيديولوجيات اليسار واليمين، لا في أمريكا ولا في غيرها، بل قمت بالتواصل مع الجهات الفاعلة على اختلاف توجهاتها السياسية بغية التحصل على دعمها لقضية التغيير اللاعنفي في سوريا. ولقد جاء استجابة الأوساط اليمنية بشكل أكبر مع نشاطاتي هذه كانعكاس منطقي للتركيبة السياسية الفاعلة في واشنطن في ذلك الوقت، وكمؤشّر على وجود قصور إيديولوجي حادّ عند اليسار فيما يتعلّق بكيفية تقديم دعم فعّال لقضية التغيير الديموقراطي وحقوق الإنسان في المنطقة والعالم. لم يكن الأمر إذاً مرتبطاً بتوجّهاتي وقناعاتي السياسية الخاصة. لكن، يبدو واضحاً بالنسبة لي في هذه المرحلة أن علاقاتي مع اليمين ستبقى أقوى وأفضل من تلك التي تربطني مع اليسار طالما بقي اليسار يتخبّط فيما يتعلّق برؤيته لقضية الدمقرطة والحريات في الدول النامية، لكني، مع ذلك، سأبقى أحاور وأضغط على جميع التيارات والجهات، ما استطعت، وسواء قيد لي الفشل أو النجاح.

ولقد كانت أولويتي بعد اغتيال الحريري هو العمل على تحريض الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على تبنّي ما سميته وقتها بالضربات الجراحية الدبلوماسية diplomatic surgical strikes، عوضاً عن الضريات الجراحية الجوية، أي أني دعوت إلى تكثيف النشاط الدبلوماسي في سوريا عوضاً عن عزلها سياسياً، وذلك من خلال تكثيف زيارات الوفود الرسمية الغربية وعقدها للقاءات، ليس فقط مع الأسد وأزلامه، بل مع الناشطين المدنيين والمعارضين والصحفيين والفنانين، وذلك للمطالبة بفتح تحقيق داخلي فيما يتعلّق بتورط مسؤولين سوريين بقضية اغتيال الحريري، ووضع برامج لتبنّي إصلاحات سياسية حقيقية في البلاد تقيها مغبات العزلة السياسية والعقوبات الاقتصادية والضربات العسكرية. وكان الهدف من وراء هذه النشاطات بالنسبة لي خلق حالة من الفوضى والبلبلة في صفوف النظام، المضعضع لتوه بسبب انسحابه المفاجئ من لبنان، وعدم إعطائه فرصة للتقوقع على نفسه وإعادة تنظيم صفوفه.

لكن، ومرة أخرى كان الفشل هو نصيبي هنا، إذ اختارت الحكومتان الأمريكية والفرنسية سياسة العزل الدبلوماسي، مع فرض بعض العقوبات الاقتصادية. لكني على الأقل ساهمت، أو هكذا قيل لي من قبل بعض المسؤولين في بروكسل وواشنطن، في منعهما من تبنّي عقوبات اقتصادية أكثر قسوة كان يمكن لها أن تقوّض بنية المجتمع المدني في سوريا، عوضاً عن معاقبة النظام، تماماً كما حدث في العراق. وترك لنا هذا الأمر مجالاً للعمل مع مؤسسات المجتمع المدني في سوريا لتدريب ناشطيها على النضال اللاعنفي عن طريق عقد دورات إلكترونية وميدانية في لبنان وتركيا والأردن وعدد من الدول الأوروربية، بل وفي الداخل السوري أيضاً.

وجاء عملي مع جبهة الخلاص في تلك المرحلة، على الرغم من تردّدي المبدئي في هذا الصدد، بناءاً على طلب عدد من شخصيات إعلان دمشق في الداخل من جهة، وشخصيات في إدارة بوش من جهة أخرى، في وقت لم يكن من الممكن فيه للطرفين أن يتواصلا بشكل مباشر مع بعضهما البعض. وكانت المهمة التي نصبتها لنفسي هنا المساهمة في إعادة هيكلية الجبهة بحيث يصبح التواصل معها وعلى أعلى المستويات مقبولاً للجهات الأمريكية والأوروبية. وبما أن المشكلة الأساسية في هذا الصدد تمحورت بالذات حول دور أعضاء في حزب البعث، وخاصة عبدالحليم خدام، ودور حركة الإخوان المسلمين، بقيادة  علي صدر بالدين البيانوني، في عمل الجبهة. لكن، ونظراً للدور المحوري لهذين الطرفين في تأسيس وإدارة عمل الجبهة، كان علي أن أوجد حلاً يسمح بتحييد دورهما من الناحية الإعلامية، مع المحافظة عليه سياسياً وإدارياً، وذلك لكي يحظى مخطط هيكلية الجبهة بدعم الجميع.

وبعد عدة استشارات، وضعت مشروعاً موجزاً لهيكلة المجلس التنفيذي في الجبهة، فاقترحت تشكيل مجلس مكون من 11 مقعداً، منها أربعة مقاعد دائمة (واحد للبعث يتولاه عبدالحليم خدام، وآخر لحركة الإخوان المسلمين يتولاه البيانوني، وثالث للأقليات العرقية تحتله شخصية كوردية معروفة، ورابع للأقليات الدينية تحتله شخصية مسيحية). أما المقاعد السبع الباقية، فاقترحت حجزها للشخصيات المستقلّة وأن يتم ملأها عن طريق انتخابات عامة يشارك فيها أعضاء الجمعية التأسيسية للجبهة. بعد ذلك، اقترحت أن يتمّ اختيار الأمين العام للجبهة ومساعديه من هذه الشخصيات السبع المستقلة والمنتخبة. وبما أن اتخاذ القرارات في المجلس التنفيذي سيبقى يتم بالإجماع، كما كان الأمر بحسب الترتيب القديم، سيبقى لكل من الخدام والبيانوني بحكم خبرتهما العملية وحنكتهما السياسية دورهما الكبير في تحديد سياسات الجبهة. ولقد توقعت إلى أن يؤدي هذا الترتيب إلى موافقة كل الأطراف على هذا المقترح الذي كان سيسمح من جهة لكل من الخدام والبيانوني بالحفاظ على نفوذهما في الجبهة، كما سيسمح، من جهة أخرى، لإدارة بوش بالتواصل معها عن طريق الأمين العام والشخصيات السبعة المستقلة.

لكن عدم قدرتي على السفر لحضور اجتماعات الجبهة في أوروبا في تلك المرحلة التي كنت لا أزال فيها أنتظر الموافقة على طلبي للجوء السياسي في واشنطن، وهو أمر لم تتمكن إدارة بوش من التدخل فيه لتسريعه بسبب الضجة التي أثيرت حول تدخلها في قضايا مثيلة فيما يتعلق بالعراقيين وغيرهما في السابق، أو كما قيل لي وقتها، لم أتمكن من شرح هذا المقترح بشكل مباشر لأعضاء المجلس التنفيذي عندها، واضطررت إلى الاعتماد على "أصدقاء" سافروا من أمريكا إلى باريس لحضور الاجتماعات وعدوني بالتمهيد للأمر قبل دعوتي للتواصل هاتفياً مع المجلس للإجابة على أي استفسار في هذا الصدد. لكن، وللأسف، لم يتم طرح الموضوع بالجدية المناسبة التي كان يستحقها، ولم تغير مداخلتي الهاتفية من الأمر شيئاً، بل كان من الواضح أن أحداً لم يطلع على المقترح قبل مداخلتي، وأن  أحداً لم يدرك المضمون الحقيقي له: السماح بفتح علاقة مباشرة مع الإدارة الأمريكية.

لذا، تم رفض المقترح. واضطررت أن أبلغ السلطات الأمريكية بالموضوع بحسب الاتفاق ما بيننا، وكانت النتيجة صدور قرار بتخفيض مستوى التواصل مع الجبهة وحصر الموضوع بوزارة الخارجية وتحديداً بنواب المدراء المساعدين في قسم الشرق الأوسط. وعوضاً عن أن يتم عقد لقاء في البيت الأبيض ما بين الرئيس بوش والأعضاء المستقلّين السبعة للمجلس التنفيذي اللذين كان من المفترض أن يتم انتخابهم وفقاً للمقترح، تمّت دعوتي في شهر كانون الأول لعام 2007 لحضور هذا اللقاء إلى جانب عضو مجلس الشعب السابق مأمون حمصي والناشط الكوردي الإيزيدي جنكيزخان حسو. وبالتالي تمّ تضويع فرصة تأسيس جسد سياسي كان يمكن له أن يصبح بمثابة حكومة منفى حائزة على اعتراف الحكومة الأمريكية (التطور الذي كان سيستتبع اعتراف عدد من الحكومات الأوروبية أيضاً)، والاكتفاء بخطوة رمزية لا تقدّم ولاتؤخّر دفع أعضاء الأمانة العامة لإعلان دمشق ثمنها غالياً، إذ تم اعتقال أغلبهم بعد لقاء البيت الأبيض بأيام فقط.


حدث كل هذا بسبب رفض شخصيات المعارضة التقليدية التعامل بجدية مع مقترح مقدّم من قبل طرف جاء من خارج أطرها التقليدية، الأمر الذي يذكّرنا برفض بشار الأسد لمشروع مارتن إنديك في 2004 والذي جاء لأسباب مشابهة أيضاً. إذ يشكّل الحفاظ على الأطر التقليدية هدفاً أهم عند النظام والمعارضة من التجديد بما يحمله هذا الأمر من انفتاح على مشاركة عناصر جديدة، وتبنّي أفكار وأساليب جديدة. وللأسف، لم يشكل استعدادي للبقاء بعيداً عن الأضواء والمناصب تنازلاً كافياً لتحفيز الآخرين على تبنّي المشاريع والمقترحات التي قدّمتها أو على الأقل على التعامل الجدي معها، وذلك على الرغم من تعامل الجهات الغربية، والأمريكية تحديداً، معها بكل جدّية.

وبعد فترة العمل مع الجبهة عدت إلى التركّيز التام على نشاطات "ثروة" والذي تم تسجيله كمؤسسة غير ربحية في واشنطن. وتمّ تنظيم عدد كبير من الدورات التدريبية خاصة فيما يتعلّق بمراقبة الانتخابات التشريعية والرئاسية (كما فعلنا في عام 2007)، وتوثيق الواقع المحلّي باستخدام الكاميرات الصغيرة (إذ لم تكن الهواتف الذكية منتشرة في المنطقة بعد)، واستخدام الإنترنيت كوسيلة فعّالة لكسر قبضة الأنظمة الحديدية على الإعلام وتداول المعلومات. وبعد سنة ونيف من هذه النشاطات جاءت النتيجة على شكل برنامج تلفزيوني هو برنامج "الخطوة الأولى،" المكوذ من ست حلقات، والذي تمت الاستعانة فيه بالفيديوهات التي صوّرها الناشطون في الداخل السوري، ودعا في حلقته الأخيرة إلى ثورة سلمية في البلاد.

تمّ عرض "الخطوة الأولى" على قناة "بردى" التي تم تمويلها مرحلياً من وزارة الخارجية الأمريكية، واستمر عرض البرنامج من شهر آب 2009، وحتى انطلاقة الثورة السورية في آذار 2011. لم يكن لي أو لثروة أية علاقة مع إدارة قناة "بردى،" لكنها كانت في تلك الفترة القناة الوحيدة المعنية بالمعارضة السورية والمستعدّة لعرض البرنامج.

وفي آب عام 2009، انتهى تمويل ثروة نتيجة تغير في أولويات إدارة أوباما التي فضّلت التعامل مع نظام الأسد، فاستجابت لطلبه بإغلاق مكاتب ثروة كشرط للأمر، وهو الأمر الذي نوّه إليه موقع موال آنذاك ، هو موقع دامس بوست Damascus Post). ولقد سبب هذا التغيير صعوبات مادية جمّة بالنسبة لأعضاء الفريق في واشنطن وسوريا، وأصبح انتظار الانفجار هو الأمر الوحيد الممكن في مرحلة مصيرية كنا نخطّط فيها، في حال استمر التمويل، أو نجحنا في استقطاب مصادر جديدة له، لإطلاق قناة فضائية خاصة بثروة، وفتح فروع لنا في المنطقة وحول العالم لتعمل على تهيئة الأجواء لقبول فكرة التغيير في سوريا والمنطقة عندما تحين الساعة.

لكن إغلاق مكاتب ثروة ومعرفتي بطبيعة المعارضة جعلاني أتخوّف التغيير عندما تعالت الصرخات في مطلع 2011 إلى  تبنّي يوم غضب في سوريا وإلى إطلاق الثورة. بل شكّل هذا التصعيد تطوراً مقلقاً للغاية بالنسبة لي. فعلي الرغم من قناعتي بأن الشارع في بعض المناطق في سوريا كان مستعداً لتفجير ثورة شعبية منذ صيف 2008، وهو الأمر الذي نوهّت إليه في شهادتي أمام الكونجرس الأمريكي آنذاك مستنداً إلى النشاطات التوثيقية للواقع المحلّي والتي قام بها فريق عمل ثروة، لم تكن المعارضة، في رأيي النابع عن خبرتي في العمل معها وليس عن قناعات إيديولوجية مسبقة أو حزازيات شخصية، مستعدة لإدارة عملية التغيير بتعقيداتها البالغة، سواء فيما يتعلق بالتحدّيات الداخلية أو التشابكات المتعلّقة بالأجندات الدولية والإقليمية المرتبطة بالمنطقة عموماً وسوريا على وجه الخصوص. وكالمعتاد، تكلّمت عن مخاوفي في هذا الصدد في مقال نشرته في صحيفة الجارديان في 6 شباط، 2011.

لكن، وكما هو معتاد، وعوضاً عن التعامل مع الموضوع من منطلق عقلاني وبراجماتي، تم استغلال المقال لتصفية حسابات شخصية، أنا الذي ما زلت لا أفهم كيف يمكن لأشخاص لم ألقهم أو أسمع عنهم في حياتي أن يكون عندهم حسابات شخصية معي، لكن هذه قصة أخرى.

المهم، لم يكن الهدف من كتابة المقال الاعتراض على ضرورة الثورة (وكيف يمكن لي أن أعترض على هذا الأمر وأنا الذي حرّضت على هذا الأمر منذ 2005 وكتبت بشكل منهحي عنه، كما في ورقة "إدارة المرحلة الانتقالية: نحو ثورة ياسمين في سوريا" التي نشرت في مطلع 2006، وكتاباتي المتوفرة على مدونة "ثورة الياسمين" التي أطلقت في مطلع عام 2006 أيضاً، وغيرها؟)، بل كان الهدف الدعوة إلى التريث قبل تحريض الناس إلى الخروج إلى الشوارع، ريثما نناقش مجمل القضايا التي نوهت إليها في المقال (القضية الطائفية، القضية القومية، القضية المناطقية، القضية الطبقية، القضية التنموية، ودور الأجندات الروسية والإيرانية والتركية والإسرائيلية وغيرها)، فالكثير من المعارضين لم يكن عندهم أي تصوّر حول معنى التغيير في سوريا وكيف يمكن له أن يؤدّي إلى فتح صندوق باندورا في المنطقة.

فبالنسبة لي، كان هناك فرق بين الدعوة لنضال مدني سلمي من خلال برنامح تلفزيوني بُثّ في وقت لم يكن هناك فيه أي مؤشر على أن التغيير ممكن، ناهيك عن كونه آت، وكانت الرسالة فيه تهدف إلى تهيئة الأجواء لا غير، وبين الانتقال إلى الواقع العملي للثورة، أي لحظة الصفر: وهو الأمر الذي كان يتطلّب في رأيي تحضيراً أكبر من قبل المعارضة قبل المشاركة في تحريض الناس على الخروج إلى الشارع "الآن." نعم، الثورات الشعبية لا تنتظر أحداً، ولاتندلع اعتباطاً، في أغلب الأحيان (كما في تونس) لكن لحظة الصفر ليست بالعفوية التي يظنها البعض، وهل كانت لحظة الصفر في مصر عفوية؟ التحضير للحظة الصفر في مصر جرى على المفتوح جراء نجاح الثورة التونسية.

الحسّ القيادي المناسب كان يتطلّب من المعارضة التريث لعدة أشهر على الأقل قبل الدعوة إلى يوم غضب، أشهر كان ينبغي أن تشهد نقاشات جدّية حول طبيعة القضايا والتحدّيات المصيرية التي ستواجهنا مع انطلاقة الثورة، ووضع خطط وتصوّرات مناسبة للتعامل معها.

ومرة أخرى، لم يكن ما أردت، فأردت ما كان، لكن، وكما جرت العادة معي ، مع بعض التحفّظات التي تجلّت في محاولاتي اللاحقة لطرح قضايا معينة على الساحة مثل قضية اللامركزية، وتقاسم السلطة، وتبنّي إجراءات وترتيبات قانونية وإدارية خاصة للحفاظ على حقوق الأقليات والمناطق، إلى غيرها من مقترحات أصرّ مشروع ثروة على ضرورتها منذ انطلاقته الرسمية في سوريا في عام 2003.

وكان دافعي وراء هذا كله واضحاً: فعجز المرء عن درء حدث بعينه، أو تحديد توقيته ووسائله، لا يعفيه من ضرورة العمل على احتواء احتمالاته الأسوأ.

مشهد من مؤتمر أنطاليا للمعارضة السورية، حزيران 2011

من هذا المنطلق شاركت مع خولة وعلا في مؤتمر أنطاليا، ولم أتوان لحظة عن دعم الثورة، حتى بعد تحوّلها إلى العمل المسلح، وذلك لتفهمي لطبيعة الظروف التي أدت إلى ذلك، وفي محاولة، يائسة ربما، لتدارك الأسوأ، أي سيطرة الإسلاميين والجهاديين على ساحة القتال.

لكن، ومنذ مؤتمر أنطاليا بطابعه الارتجالي، وتلاعب الإخوان المسلمين بالأمور عن طريق التحضير لمؤتمر بروكسل لفرض واقع آخر على الساحة، ورفض بعض الشخصيات الاعتبارية العلمانية الهامة كبرهان غليون وغيره المشاركة فيه، انتهاءاً بتشكيل المجلس الوطني، بات من الواضح أن احتواء الأزمة القادمة أصبح شبه مستحيل.

ومن المؤشرات في هذا الصدد أيضاً جاء اعتراض معارضوا باريس على المشاركة في المنتدى الذي نظّمه برنارد هنري-ليفي لدعم الثورة السورية، وذلك بعد عقد مؤتمر أنطاليا بأسابيع، وهو الحدث الذي لم نتمكّن أنا وخولة من حضوره وقتها بسبب حاجتنا إلى استخراج وثيقة سفر جديدة. وجاء اعتراض معارضوا باريس على هذا الحدث بناءاً على مواقف هنري-ليفي من الفلسطينيين، وبصرف النظر عن علاقاته القوية مع إدارة ساركوزي التي سمحت له بتسهيل تحصّل المعارضة الليبية على تأييد فرنسا لها قبل أسابيع قليلة فقط. لقد وضع معارضوا باريس فلسطين قبل سوريا، وموقعهم في الساحة السياسية اليسارية في فرنسا الذي كان يمكن أن يتأثر سلباً جرّاء مشاركتهم في منتدى هنري-ليفي، قبل احتياجات الثورة السورية، وذلك في وقت كان اليمين الفرنسي هو المتحكّم في القرار السياسي هناك.

برنارد هنري-ليفي يتحدث إلى التلفزيون الفرنسي في الـ 4 من تموز 2011 قبيل عقده لمؤتمر "إنقاذ سوريا"
 المقاربة الأفضل هنا كانت تتطلب عدم الاعتراض على المنتدى وعدم مهاجمته، وترك المشاركة المباشرة للشخصيات السورية المستقلة أو الأقرب إلى اليمين، مع التنسيق معها من وراء الكواليس. لكن هذا الأمر كان يتطلّب وجود معارضة منظمة وبراجماتية، وهو الأمر الذي لايزال غائباً عن الساحة السياسية السورية أينما وجد السوريون.

طبعاً، هذا الانتقاد لا يعني أن تدخّل هنري-ليفي كان سيفضي بالضرورة إلى التأييد الفرنسي المنشود لدعم المعارضة في سوريا وبالشكل المناسب، لكن طريقة تعامل المعارضة مع مباردته ترك انطباعاً سلبياً عند السطات الفرنسية بل والأمريكية أيضاً، وهو الأمر الذي لم يحاول ممثلوها إخفاءه عنا، . كما جاء الأمر كمؤشّر مبكّر على تفكّك المعارضة وعجزها عن التفكير بالشكل المناسب فيما يتعلّق بكيفية إدارة سيناريو التغيير في سوريا والتصدي للتحديات التي ستواجه الجميع في هذا الصدد. أي أن المعارضة كشفت باكراً عن أنها ستكون هي أيضاً جزءاً من المشكلة في سوريا، تماماً كالنظام، وهو انطباع دأبت المعارضة على تكريسه من خلال نشاطاتها التالية أيضاَ.

وإن كان من الظلم، بل والسذاجة، اختزال تردّد المجتمع الدولي، وخاصة الدول الغربية، فيما يتعلّق بالتدخّل في سوريا بسلوك المعارضة وحسب، تبقى نقطة البداية للانطلاق نحو العمل لتغيير الموقف الدولي وثيقة الارتباط بقدرة المعارضة على مراجعة وتغيير سلوكياتها بل وعقليتها في التعامل مع المجتمع الدولي وقضايا كثيرة متعلّقة بمستقبل سوريا والمنطقة.

إن الاصرار على المثابرة على نهج التشكّي والاعتراض وحسب، مع إهمال الحاجة المستمرة إلى إعادة ترتيب الأولويات، وتحديد الجهات المختلفة التي يتوجّب علينا التعامل معها، والتنازلات التي يمكن تقديمها ، والاتفاق على الطرق والتوقيت الأنسب لذلك، إلى غيرها من أمور، سيبقى يدلّ على أن المعارضة لا تعرف موقعها من الإعراب بعد، ولا حجمها الحقيقي فيه، وأنها بالتالي غير قادرة على مساعدة شعبها على التأقلم مع الواقع.

هذه حصيلتي خبرتي مع المعارضة حتى منذ ما قبل الثورة، ولم يزدنِ أدائها منذ اندلاعها إلا تشكّكاً في قدراتها. لكني لا أملك حلولاً لهذا الداء، ولا يشكّل ما تعرّضت له شخصيات المعارضة من اضطهاد ممنهج عبر العقود الماضية على يد النظام وأزلامه تفسيراً كافياً لفشلها، لأن الداء نفسه يبدو مستشرياً في صفوف تلك الشخصيات التي أمضت عقوداً خارج ارض الوطن أيضاً.

وربما كان على السوريين اليوم أن يحتفوا بهويتهم من خلال نجاحاتهم الفردية أينما كانوا وحلّوا في هذا العالم، عوضاً عن الاستمرار في محاولة تشكيل هوية جمعية لا يبدو أنهم مؤهّلين لبنائها. لأن بناء هويات جمعية في عصرنا هذا، هويات قادرة على المساهمة في بناء الحضارة عوضاً عن الانخراط في محاولات مقاومة عدمية لها، يتطلّب منا الكثير من المرونة والذرائعية السياسية. ولن تمهّد لنا الإيديولوجيات إلا الطريق إلى الهزائم المتتالية.

لماذا كل هذا الكلام الآن؟ والهدف من ورائه؟

قد يرى البعض في كلامي هنا، وفي هذا الوقت بالذات الذي ابتعدت فيه عن الأضواء، حباً في التباهي والتبجّح، أو رغبة في التعويض ومحاولة لاستعادة الأضواء، أو تعبيراً عن نرجسية مريضة ما، إلى آخره من الافتراضات السلبية المعتادة التي يفضل البعض التعامل فيها مع طروحاتي لأسبابهم الخاصة وبصرف النظر عن الدوافع، سواء كانت إيديولوجية أو شخصية. وقد يرتبط هذا الأمر إلى حدّ ما أيضاً بطريقتي المباشرة دائماً، والنزقة أحياناً، في التعبير والإفصاح عما يجول في صدري وعقلي من أفكار وخواطر.

لكن، وبصرف النظر عن هذه الاعتبارات،  يأتي كلامي هنا كمكاشفة أصبحت ضرورية في رأيي قبل بدء مرحلة جديدة من حياتي قد تأخذني إلى اتجاهات مختلفة كثيراً عما سبق.

ولقد تكشّفت حياتي كناشط حتى اللحظة على شكل سلسلة طويلة ومتتالية من الإخفاقات والإحباطات التي، وإن لم يكن أيّ منها مفاجئاً في الواقع، كان كلّ منها مرهقاً بطريقته الخاصة.

لكن المعركة بالنسبة لي كانت تستحقّ الخوض، وماتزال. لأن مفتاح النصر هنا يكمن  في المثابرة والاستمرار، مادام  ذلك ممكناً بالطبع ومن الناحيتين الجسدية والنفسية، فالتعب ليس هزيمة بحدّ ذاته، بل واقع جديد ينبغي على المرء أن يوجد الوسائل المناسبة للتعامل معه.

وإن شاب مواقفي المعلنة أيّ تناقض خلال انتقالي من مرحلة إلى مرحلة، فالأمر، كما حاولت أن أوضح هنا، جاء نابعاً عن رغبتي في الاستمرار في العمل على الرغم من تغير الوقائع التي توجّب علي التعامل معها.

أي أني أعدت ترتيب الأولويات واختيار الوسائل بما يتناسب مع الوقائع المتغيرة من حولي، مع الحفاظ على ذات الأهداف التي سبق وأعلنت عنها في "بيان ثروة" وغيره من الكتابات، أي: العمل وبشكل سلمي على تحقيق تغيير ديموقراطي في سوريا والمنطقة من خلال بناء جسور للتواصل ما بين المكوّنات المختلفة، والتركيز على قضايا التنمية البشرية، والدعوة إلى بناء اتحاد مناطقي لامركزي وفقاً لخطط وجداول زمنية واضحة.

إذ يتجلّى الثبات في تمسّك المرء بالمبادئ لا بالوسائل والأولويات والتي ينبغي عليها أن تتغير بتغير الحقائق والوقائع. إذ لا مناص للمرء من مراجعة وتعديل وسائله وأولوياته عند تغير الظروف والشروط من حوله، مع الحفاظ على الوجهة والأهداف العامة لعمله، لأن الإخفاق في التأقلم مفتاح للفشل والتهميش. أما فيما يتعلّق بمراجعة المرء لمبادئه، فهذه ضرورة مستمرة مدى الحياة. وقد تمرّ على المرء مراحل يشهد فيها تغيراً جذرياً في مبادئه، لكن يبقى هذا الأمر هو الاستثناء، وتبقى المراجعة المستمرة للمبادئ هي القاعدة والأساس.

ويبقى التجسيد العملي لهذه الأفكار، على الرغم من وضوحها، هو التحدّي الذي طالما أخفقنا في مواجهته.

وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى السؤال المتعلّق بالهدف من وارء هذه المكاشفة: الأمر ببساطة يتعلّق بضرورة التنبّه إلى المضامين الحقيقية  للمرحلة القادمة في سوريا والتي قد تبدأ قريباً بسقوط ما تبقى من النظام، إذ ينبغي علينا أن نعاين هذا الحدث بمنأى عن مفاهيمنا الإيديولوجية التقليدية ورغباتنا، المشروع منها، والمخيف. فسقوط ما تبقى من نظام، هذا ما لم تدخل إيران وروسيا مرة أخرى، وأخيرة، للحيال دونه وكسب المزيد من الوقت كجزء من مناوراتهما التي تشمل مناطق وجبهات أخرى، بعضها داخلي، لن يمهّد إلى نهاية الصراع في سوريا والمنطقة، بصرف النظر عن رجائنا وأمانينا، بل إلى بدء مرحلة حديدة له قد تكون أكثر دموية، خاصة على الصعيد السوري.

ولن يكون بوسع المعارضة السورية، نظراً لضعفها وتشرذمها وارتهان بعضها بأجندات القوى الإقليمية المتصارعة، الحيلولة دون الدخول في هذه المرحلة الجديدة، لكنها لن تتمكّن أيضاً حتى من تخفيف وقع هذا الأمر على الناس، وهو أقل ما يمكن لها تقديمه، إذا ما بقيت ترتكس إلى الخطاب المؤدلج ذاته، وآليات العمل العقيمة ذاتها من شخصنة وتسويف ورفض الاعتراف بواقع الأمور. فأذا ما أرادت المعارضة أن تسترجع بعضاً مما فقدته من الشرعية والمصداقية أن تركز جلّ جهودها على كل ما يتعلّق بتحسين الظروف المعيشية للاجئين أينما كانوا وحلّوا، وهذا أمر يمكن للمعارضة على ضعفها التأثير فيه من خلال تحسين طريقتها في التعامل مع وسائل الإعلام الإعلامية، والتواصل مع المنظمات الدولية الكبيرة المعنية بهذا الأمر، بما في ذلك المنظمات المختلفة التابعة للأمم المتحدة. 
 
لاجئون سوريون في مخيم الزعتري في الأردن
إن تعامل المعارضة بمؤسساتها ورموزها مع التفاصيل الجيوسياسية للتطورات في البلد والمنطقة على أنها العناوين العريضة التي ينبغي للصف الأول التعامل معه، في حين يتم التعامل مع قضايا مثل الظروف المعيشية للاجئين والعمالة والتعليم والمشافي الميدانية، إلى غيرها من أمور معيشية، على أنها تفاصيل تناسب الصف الثاني أكثر، الذي ينبغي عليه إثارتها في الاجتماعات التقنية الطابع التي تجري بعيداً عن الأضواء، هو خلط غريب للأولويات، ودليل واضح وصريح حول انقطاع المعارضة التقليدية عن واقع العمل السياسي والذي يمثّل إعطاء الأولوية فيه للقضايا المعيشية مادته الأساسية الفاعلة في كل حال، بل خاصة في أيام الأزمات والمحن.

إن إصرار النظام فيما سبق ولفترة طويلة على صرف معاشات وتعويضات لموظفي الدولة حتى في تلك المناطق التي لم تعد خاضعة تماماً لسيطرته نبع عن فهمه لأهمية هذه الخطوة للحفاظ على مصداقية ما حتى عند تلك الشرائح التي فقد مشروعيته عندها. لقد آن للمعارضة أن تتعلّم أهمية هذه الأمور ومكانها الحقيق من الإعراب في العمل السياسي.

إن إصرار الصف الأول للمعارضة ورموزها على الظهور كمحلّلين سياسيين للأحداث والتطورات المختلفة في البلد والمنطقة يضرّ بهم، وبموقعم من الإعراب، وبالمعارضة ككلّ، ويفقدهم مصداقيتهم عند الناس. بل هو أدى إلى ذلك فعلاً. إن الواجب الأساسي للمعارضة، بمؤسّساتها ونخبها ورموزها، يتمحور حول تمثيل هموم الناس، لا في المحاولة المستمرة والدؤوبة للتذاكي عليهم.