‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإرهاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإرهاب. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 7 ديسمبر 2018

ملاحظات حول أصل داعش

سمير غانم: "لا المتين بينفع ولا المتينة، علأصل دوّر!"
ابن الوردي: "لا تقل أصلي وفصلي أبداً، إن أصل الفتى ما قد حصل"


السيرة الذاتية لأحد أهم قياديي داعش الراحلين تلقي أضواء جديدة على أصول تنظيم الدولة الإسلامية – هذا هو محور حلقتنا الأساسي لهذا الأسبوع.

الجولة الإخبارية

في تونس، التونسيون يحتجون بالآلاف على زيارة بن سلمان لبلدهم
في فرنسا، استمرار احتجاجات ذوي السترة الصفراء
في واشنطن، الرئيس ترامب ينتقد قرار جنرال موتورز تخفيض موظفيها بنسبة 15%
في لقاء إعلامي، كلينتون تشجع الدول الأوروبية على تقييد الهجرة
في مصر، شيخ الأزهر يختلف مع طروحات الرئيس السيسي فيما يتعلق بدور السنة النبوية
فاز ورب الكعبة! القائد الشيشاني رمضان قاديروف يزور قبر الرسول في مكة
في الهند، مقتل مبشر أمريكي خلال محاولته التبشير في جزيرة نائية

الملاحظات التحضيرية لهذه الحلقة:

داعش – هذه المنظمة الإرهابية العالمية التي ما تركت جريمة إلا وارتكبتها عبر السنين الماضية سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا أو مصر أو غيرها من الدول، غالباً ما يربط الباحثون نشأتها بالغزو الأمريكي، وبفشل الإدارتين الأمريكيتين السابقتين على التعامل معها بشكل فعّال. لكن، وبعيداً عن التسييس، تبدو قصة نشأة داعش أكثر ارتباطاً بطبيعة المجتمعات في المنطقة منها برد فعل على السياسات الأمريكية.

دراسة مهمة جداً للباحث والصحفي المتميز حسن حسن نشرت مؤخراً على موقع ذي أتلانتيك يتحدى كل ما كتب من قبل حول نشأة تنظيم الدولة الإسلامية أو داعش والذي ربط ظهور هذه المنظمة بالغزو الأمريكي مباشرة.

الدراسة استندت إلى كتاب تم تداوله مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي المدارة من قبل الإسلاميين. مؤلف الكتاب هو ابن أحد أهم قياديي داعش: عبد الرحمن القادولي، وهو عراقي من محافظة نينوى والمعروف باسمه الحركي أبو علي الأنباري، ويتعامل الكتاب المؤلف من 93 صفحة مع حياة أبو علي الأنباري ونشاطاته خلال فترة التسعينات إلى أن قتل في 2016. استند مؤلف الكتاب على يوميات تركها أبو علي الأنباري نفسه وعلى لقاءات عدة مع الجهاديين الذين عملوا معه. واستند حسن حسن في دراسته على هذا الكتاب وعلى لقاءاته الخاص مع الخبراء بل وبعض المتمردين السوريين الذين احتكوا بأبو علي وداعش خلال الحرب في سوريا.

قبل الدراسة، كانت هناك قراءة مجتزأة لقضية ظهور داعش، قراءة أهملت ما حصل في المجتمع العراقي قبل الغزو، خاصة في الفترة الواقعة ما بين تحرير الكويت والغزو نفسه. لجوء نظام صدام حسين للدين في تلك الفترة كان واضحاً، خاصة في إضافة شعار الله الأكبر إلى العلم الوطني. بل تم عقد مؤتمرات سنوية للتنظيمات الإسلامية المتشددة في بغداد، كامتداد لحملة تشجيع التدين التي تم أطلاقها في ذلك الحين.

وهذا ما يقودنا إلى النقطة التالية: 

في رأيي أن جذور قضية التشدد الإسلامي في العراق أقدم حتى من هذا. علينا أن نأخذ بعين الاعتبار حالة الضعضعة التي شهدها المجتمع العراقي نتيجة الحرب مع إيران. على السطح بقي المجتمع علمانياً، والتزم صدام حسين بتشدقه بالعروبة، لكن الواقع أن حروب لعبت فيها الطائفية دوراً كبيراً في التجييش الشعبي، وفي مجتمع كان للتركيبة الطائفية فيه أهميتها الوجودية حتى قبل ذلك من حيث اعتماد صدام ومن معه على تأييد طائفة معينة وعشائر معينة، لا يمكن للتشدد الديني ألا يلعب دوره في الموضوع. صحيح أن الانتماءات الطائفية لا تكون دائماً دينية الطابع، وغالباً ما تأخذ طابعاً عشائرياً وقبلياً، لكن، في العمق، الدين هو الأساس، والاختلافات الطائفية والتمايز الطائفي هي في جوهرها تعبير على اختلافات عقائدية. ومن الطبيعي أن يصبح هذا التعبير أكثر فجاجة وتقليدية وتشدد وطهرانية في أوقات الأزمات. بمعنى، أن المجتمع العراقي الذي ظهر بعد الحرب كان كتلة من الاحتقانات، إذ تقوقع كل مكون، سواء عرّف نفسه على أسس دينية أو طائفية أو عشائرية على نفسه، زادت نسبة التعصب والعزلة والتشكك عند كل مكون، وأصبح الوضع مهيأ لانفجار داخلي، وأعتقد أن سياسات صدام الصدامية مع دول جوار مثل الكويت بعد الحرب مع إيران كانت تعبيراً عن ذلك، ومحاولة لإيجاد طرق لتفريغ الشحنات.

الحرب مع إيران هي التي مهدت لانهيار المجتمع العراقي وظهور التشدد العرقي والمذهبي، ومن ثم جاءت حرب الكويت وفترة الحصار لتمهد بالتدريج لتأسيس للعمل المنظم على هذا الأساس، وبالتالي لظهور القاعدة، بل جسد أكثر تطرفاً منها: كيان يضع الصراع مع الشيعة والأنظمة العلمانية في صلب اهتماماته ويعمل عليها بالتزامن مع حربه مع الغرب والولايات المتحدة والعالم.

بالعودة إلى أبو علي الأنباري، خريج كلية الشريعة في جامعة بغداد في عام 1982، والذي قاتل في الحرب ضد إيران، فمن الواضح الآن أنه بدأ نشاطاته في منتصف التسعينات، كإمام يخطب ضد الشيعة والمتصوفة في تلعفر في شمال العراق، ومن ثم كمقاتل مع التنظيمات الجهادية الكوردية. وبعد هجمات 11 أيلول الإرهابية، وبحسب سيرة أبو علي الأنباري نفسه، تم تأسيس "نواة للإمارة" الداعشية في تلعفر.

"وجهات نظر الأنباري المتطرفة، التي انعكست في وقت لاحق على "تنظيم الدولة"، تشكلت قبل الغزو الأمريكي للعراق، وقبل أن يلتقي بالزرقاوي."...  "الاستعدادات للجهاد كانت تنضج، من حيث التمويل والرجال والأسلحة... كل هذا كان يحدث في ظل حكم البعث". (الرابط)

دعنا نتوقف هنا قليلاً لنقارن الوضعين في العراق وسوريا: العراق في التسعينات تحت الحصار، أصبح مثل سوريا في الثمانيات تحت الحصار. نعم كان هناك قمع للإخوان وللإسلاميين المعادين للسلطة، لكن، كان هناك تشجيع للفكر الجهادي الموجه ضد الغرب، وكانت تجري مؤتمرات سنوية للإسلاميين المتشددين برعاية وزارة الأوقاف، واستمرت هذه النزعة عند نظام الأسد حتى في فترة التسعينات وما بعد، المؤسسات الإسلامية الرسمية وشبه الرسمية، استخدمت للتواصل مع الحركات الجهادية العالمية. طبعاً، هذا الوضع أعطى الأجهزة الاستخباراتية السورية تصور دقيق عن عمل هذه المنظمات والقدرة على اختراقها، وهذا ما جعل الكثير من الأجهزة الاستخباراتية العالمية تنسق وتتعاون معها على الرغم من التضارب في السياسات. وبعد غزو العراق، استغل النظام السوري هذه الخبرة في بناء شبكات وخلايا إسلامية لمقاومة الوجود الأمريكي هناك. ولما بدا واضحاً للنظام أنه لا يوجد نية عند إدارة بوش لغزو سوريا، بل على العكس، أن دعمه للجهاديين هو الذي يمكنه أن يدفع الأمريكيين لتوجيه ضربات عسكرية لسوريا قد تزعزع استقرار النظام، بدأ حملة من الاعتقالات بحق الجهاديين، وهم الجهاديون الذين أطلق سراحهم في بداية الثورة، أصبحوا قادة للحركات الجهادية في سوريا، بما فيها النصرة أو فتح الشام وداعش.

وهكذا نرى كيف ساهم النظامين العلمانيين الطائفيين في كل من سوريا والعراق بتسهيل ظهور وانتشار الحركات الجهادية المتطرفة في كلا البلدين.

موقف عمار

البنية التحتية السياسية والفكرية والمجتمعية اللازمة لانتشار الفكر المتشدد وظهور منظمات إرهابية كالنصرة وداعش كانت موجودة قبل عقود من الغزو الأمريكي للعراق، ونشأت عن السياسات التي انتهجتها الأنظمة الحاكمة وفشل النخب المعارضة لها، سياسياً وفكرياً، في فرز بدائل واضحة ومقنعة. داعش، النصرة، حزب الله، نظام الأسد، نظام صدام، كلها سلع محلية المنشأ، إن لم تعجبنا، فلنسعى إذن لتغيير ما بأنفسنا.

الاثنين، 23 أكتوبر 2017

خواطر حول التطرف والإرهاب والتغيير




الحرة / من زاوية أخرى – لا يمكن اختزال مشكلة التطرف الفكري في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة في مسألة المعتقدات وحدها، فالتطرف ظاهرة نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية أكثر منها ظاهرة فكرية ودينية. ولا يشكل وجود سوابق تاريخية وفكرية للتطرف في الإسلام أو نصوصاً إشكالية في كتبه المقدسة مبرراً لهذا الاختزال أو ظاهرة فريدة في تاريخ الأمم والأديان، فهناك سوابق لهذا الأمر في معظم الأديان والمجتمعات التقليدية. وغالباً ما يقتصر دور الفكر والعقائد على التبرير والتحريض والتجييش لخدمة مخططات ومصالح لا علاقة للدين بها لا من قريب ولا بعيد.

لا نهدف من خلال هذه الملاحظة إلى التقليل من أهمية البعد العقائدي في ظاهرة التطرف، وبالتالي إلى التقليل من ضرورة إصلاح الفكر الديني، لكن فهماً أعمق لدور الدين والعقيدة هنا سيساعدنا بلا شك في ترتيب أولياتنا وفي التعامل مع تحدي الإصلاح الديني بشكل أفضل وأنجع.

فإذا كان ثمة إشكال في ما يتعلق بالمقدسات والمعتقدات في هذا الأمر فلن نجده في الإسلام كظاهرة استثنائية، أو في أي دين بعينه إذا ما توخينا الدقة، ولكن في ذلك التناقض ما بين بعض المعتقدات والنزعات التقليدية من ناحية، وبعض معطيات الحداثة بظروفها وشروطها الموضوعية الخاصة والقيم الناجمة عنها من ناحية أخرى، وهذا إشكال يواجه كل الأديان والمجتمعات التقليدية ولا يقتصر على الإسلام والمجتمعات ذات الغالبية المسلمة.

لذا، يتطلب التعامل الناجع مع قضية التطرف في هذه المجتمعات أن نبتعد عن إغراءات الاختزال والتبسيط، والتي غالباً ما تنجم عن تعصبات معينة نابعة عن إشكالات الهوية، إثنية كانت أو مذهبية، فيرى بعض المسيحيين أن مشكلة التطرف توجد في الإسلام ذاته، أو يرى بعض الشيعة أن المشكلة تقع عند أهل السنة تحديداً، أو العكس، أو يرى بعض الأكراد أن المشكلة تنجم أساساً عن "العقلية العربية الصحراوية،" إلخ. علينا أن نتجاوز كل هذه النزعات اللاعقلانية وأن نواجه العوامل الحقيقية وراء ظاهرة التطرف في مجتمعاتنا والتي طالت كل مكوناتها بلا استثناء، وهي عوامل بنيوية الطابع تبدو أكثر ارتباطاً بالمنظومة الإدارية والسياسية للدولة وطريقة تعاملها مع مسألة الحكم والهوية منها بالفكر والدين، خاصة في المراحل التالية للمرحلة التأسيسية للدول في منطقتنا.

ومن هذه العوامل فشل المنظومة التعليمية الرسمية في ترسيخ المفاهيم والقيم الثقافية الحداثية، وسوء إدارة عمليات التنمية الوطنية أو إهمالها تماماً، خاصة في مناطق بعينها، وذلك نتيجة لاعتماد الأنظمة الحاكمة على الولاءات عوضاً عن الكفاءات عند القيام بتوزيع المناصب والوظائف الرسمية، أو كجزء من سياسة خاصة حيال هذه المناطق استناداً إلى اعتبارات إيديولوجية أو إثنية أو مذهبية، إلى آخر ما هنالك من عوامل.

وعلينا التعامل مع مسألة الإرهاب من المنطلق ذاته فنتجاوز إشكالية الاختزال والتبسيط. فالإرهاب اليوم يمثل ظاهرة إقليمية وعالمية أمنية بامتياز ومرتبطة بدول وأجهزة ومصالح وصراعات بعينها. إذ لا يمكن للمنظمات الإرهابية أن تتواجد وتنتشر على النطاق الواسع الملحوظ حالياً من دون دعم مستمر وممنهج من قبل حكومات وجهات أمنية معينة. ولا نشير هنا إلى الحكومة الأميركية والـ سي. أي. إيه.، كما جرت العادة في أدبياتنا المعاصرة، بقدر ما نوجه أصابع الاتهام إلى حكوماتنا الإقليمية وأجهزتها الأمنية، والتي انضم إليها الروس مؤخراً. أي أن دود الخل منه وفيه، كما يقول المثل الشامي.

إن استغلال الحكومات الإقليمية لسلاح الإرهاب، أولاً تحت مسمى المقاومة، ومن ثم ابتداعها لقضية محاربة الإرهاب والإرهابيين، وتجيير كلا الأمرين لخدمة مصالحها الفئوية الخاصة، ولإدارة صراعاتها البينية، ولإحكام قبضتها على المجتمعات المحلية، سبق بعدة عقود إعلان أميركا لحربها العالمية الخاصة على الإرهاب. ولقد جلب علينا هذا الوضع ويلات أكثر وأكبر وأخطر وأعمق مما جلبه التدخل الأميركي في العراق والمنطقة عموماً.

إن الحجم الديموغرافي للمسلمين وانتشارهم في جميع أنحاء العالم علاوة على طريقة تعامل الإعلام العالمي والإقليمي مع ظاهرة الإرهاب ككل يولد انطباعاً عاماً يحعلها تبدو أكثر ارتباطاً بالإسلام والمسلمين من غيرهم، وهذا يخدم مصالح الإرهابيين الإسلاميين أنفسهم، فالإرهابي يريد أن يُعرف لأن هذا الأمر يساعده على الترويج لرسالته وعلى كسب الدعم والمؤيدين.

لكن الإرهابي في الواقع ليس سيد نفسه، وغالباً ما يتم استغلاله، بمعرفة عنه أو جهل، لخدمة مصالح وقوى إقليمية معينة. ولا شك في أن هذا الارتباط ما بين الدول والأنظمة الإقليمية من ناحية، والإرهاب من ناحية أخرى، يعقد إلى نحو كبير عملية محاربة التطرف في مجتمعاتنا ويعرقلها. فأنظمتنا السياسية، وبصرف النظر عن ادعائاتها وتبجحاتها المتكررة، بحاجة دائمة إلى وجود المتطرفين والإرهابيين في أوساطنا كونهم يشكلون أحد أدواتها الأساسية في الحكم، وستبقى هذه الأنظمة بالتالي الراعي والداعم الأكبر للتطرف والإرهاب في مجتمعاتنا، ونكاد في تأكيدنا هذا لا نستثني أياً من الأنظمة الحاكمة في منطقتنا.

ومن هنا بالذات ينبع ذلك الارتباط البيني المصيري لقضايا التوعية والتحديث والدمقرطة والمعارضة السياسية في مجتمعاتنا. ونظراً لهذا كله، لن يكون التغيير سهلاً أبداً، وليس من الغريب على الإطلاق أن تجد شعوبنا أنفسها مراراً وتكراراً غارقة في دوامة العنف والقتل والدمار.

سيطول هذا المخاض.


الأحد، 3 أبريل 2016

سوريا والحوار المغيَّب حول تفاعلات الهوية والطائفية، والأقليات والأكثرية


أثبت تاريخنا المعاصر أنه لا يمكن للأقليات الدينية أو الطائفية أن تكون حامل العَلمانية في مجتمعاتنا إن إردنا لهذه المجتمعات أن تكون ديموقراطية أيضاً. كما لا يمكن للأكثرية الدينية أو الطائفية في مجتمعاتنا أن تكون ديموقراطية حقاً ما لم تكن عَلمانية أيضاً، لكن، لا يمكن لهذه الأكثرية أن تتبنى العَلمانية ما بقيت الأخيرة تستخدم كمبرر فكري وسياسي لاستبداد الأقليات، وما بقي مفهوم العلمانية بحد ذاته مشوهاً في أذهان الأقليات والأكثريات على حد سواء.

فالنزعات الأصولية المتشددة عند الأقليات في مجتمعاتنا لا تقل في الواقع تشدداً عما نراه عند الأكثريات، وإن اختلفت المظاهر، وأحياناً المسوغات. ففيما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية مثلاً، لا يقل رفض الأقليات الدينية لها عنفاً عنه عند الأكثرية المعنية. علاوة على ذلك، تقوم بعض الأقليات باستخدام اختلاف عاداتها وتقاليدها وأعرافها، و/أو مظلوميتها التاريخية الخاصة، كمبرر لازدراء الأكثرية وحقوقها وللتشكيك المستمر بنواياها مستغلين وجود شرائح متشددة في صفوفها، بصرف النظر عن الظروف التي أدت إلى نشأة هذه الشرائح، وعن رفض الأكثرية المعنية لها كونها تشكل تهديداً لهذه الأكثرية أيضاً.

ويهيمن عند هذه الشرائح المتشددة في صفوف الأكثرية مفهوم للعلمانية يجعلها تتعارض مع بعض العقائد الأساسية لهذه الأكثرية، خاصة في تلك الحالات التي تصر فيها النخب الثقافية عند هذه الشرائح على فكرة حصر "الحاكمية" بشرع الله، مما يقتضي أن تقوم الدولة على أساس الدين. ولا تقتصر هذه الظاهرة على الطائفة السنية، فالشيعة أيضاً يعانون منها تحت مسمى ولاية الفقيه، ومسميات أخرى.

لكن، إلى أي حد تمثل هذه الشرائح الأصولية المتشددة الطائفة التي تنتمي إليها، وما هو مدى نفوذها وتأثيرها؟

بصرف النظر عن طبيعة الإجابات التي يمكن أن تنشأ عن التحليل الموضوعي لهذه الظاهرة، تكمن المشكلة الحقيقية في وجود إجابات مسبقة عليها عند الجماعات الطائفية المختلفة، إجابات لها مصداقية ووقع في نفوس المعنيين بها أكبر من أية معايير موضوعية يمكن اللجوء إليها في هذا الصدد.

ففي سوريا مثلاً، ترى أن وجود هذه الشرائح الأصولية عند أهل السنة يشكل سبباً كافياً عند الأقليات الدينية والطائفية  السورية لعدم الثقة بهم نهائياً فيما يتعلق بإدارة الدولة وأجهزتها الحساسة، خاصة القطاعات العسكرية والأمنية، بصرف النظر عن الحجم الديموغرافي الحقيقي لهذه الشرائح، وحقيقة كونها تشكل أقلية ضمن الأكثرية، وبصرف النظر عن وجود شرائح سنية واسعة حافظت على ولائها للأسد أبان الثورة، وأخرى صامتة. من هذا المنطلق جاء شعار "الأسد أو نحرق البلد،" والشعار الأفصح منه "كس أخت الحرية،" علاوة على هالة القداسة التي أسبغت على البسطار العسكري، لتشكل أصدق وأجلى تعبير عن المخاوف التي تجول في نفوس الأقليات في هذه المرحلة، بحيث يصبح اختيار العيش في ظل الفساد والقمع الممنهجين لنظام الأسد، أو حتى اختيار الفوضى والتفتيت، خير من حكم أهل السنة. وتأتي جهود النخب الأقلوية المثقفة لتقديم الكثير من التحاليل "العقلانية" لتبرير هذا الموقف الشعبي لطوائفهم كمؤشر على الكيفية التي يتم من خلالها تجنيد العقل لخدمة الخوف والعصبوية أولاً وأخيراً. ففي الواقع، هناك تغييب في هذه التحليلات، متعمد عند البعض، لكنه غير واعٍ عند السواد العام، بصرف النظر عن مكانتهم الفكرية، لكل المعطيات التي تناقض افتراضهم الأساسي حول طبيعة الثقافة السنية التي تبقى، من وجهة نظرهم، متعجرفة، وعنصرية، واستبدادية الطابع، وغير قابلة للتحديث، وذلك بخلاف الاعتقادات السائدة لدى معظمهم حيال عقائدهم الخاصة، والتي يخالها الكثير منهم أقرب إلى الحداثة أو  الإصلاح من عقائد أهل السنة. فقبول الشيعة الجعفريين بتساوي حصة المرأة والرجل في الإرث يجعل معتقداتهم أقرب إلى الحداثة، وكون العلويين أقل تعلقاً بمعتقداتهم الدينية يحعلهم أقرب إلى الحداثية، وكون المسيحيين مسيحيين يجعلهم أقرب إلى الحداثة لأنها الغربية المنشأ، والغرب "مسيحي." إن هذه الطروح على سذاجتها الصارخة تعتبر من المسلمات.  


لا يترك هذا الأمر  مجالاً كبيراً أمام أهل السنة للدفاع عن أنفسهم أو تبريرها. والواقع أنهم ليسوا أبرياء تماماً، فالسلطة مورست باسمهم في البلاد، أي سوريا الطبيعية، حتى ما قبل تأسيسها في العصر الحديث، على مر قرون من الزمن، ولا شك في أن لهذا الواقع  أثره الكبير على أنماطهم السلوكية والفكرية العامة، أنماط قد تغيب عن انتباههم، لكنها لا تخفى على الأقليات. فـ "نون" الجماعة التي غالباً ما تستخدم في الخطاب السوري الرسمي الموجه للعموم، وفي معرض الكلام العام عن "ثقافتنا" و "قيمنا" و "مبادئنا و "همومنا"... تشير في الواقع إلى الثقافة والقيم والمبادئ والهموم كما يفهمها أهل السنة بالدرجة الأولى، بل المحافظون والمتدينون والمدينييون منهم على وجه الخصوص. ولقد سعى نظام الأسد عن قصد وإدراك وبشكل منهجي إلى تكريس هذا الواقع لما فيه من تهميش لثقافات وقيم وتطلعات الأقليات بالذات، مما لا يترك أمامها إلا خيار الاصطفاف وراءه.

وإن كانت الخيارات الإيديولوجية السياسية للأقليات تعكس إلى درجة ما مخاوفها حيال الأكثرية، أهل السنة في الحالة السورية، فقلما عكست الخيارات السنية، حتى الآونة الأخيرة على الأقل، تفهماً حقيقياً وعميقاً لهموم ومخاوف وتطلعات الأقليات الدينية والطائفية في البلاد، ناهيك عن الأقليات القومية، ولكونها تختلف في جوهرها وفي الكثير من تفاصيلها عن نظائرها عند أهل السنة. وفي هذا الأمر بحد ذاته دلالاته الخاصة التي تسبغ بعض الشرعية على مخاوف وشكوك الأقليات حيال أهل السنة.

لكن المشكلة الأكبر تكمن في رفض الأقليات الدينية والطائفية التعامل الصريح مع هذه القضية حتى اليوم، أي في الوقت الذي بدأ فيه الكثير من أهل السنة يشعرون بأهمية وحقيقة وخطورة هذه القضية، قضية حقوق الأقليات والترتيبات المتعلقة بحمايتها، وأصبحوا يبدون استعدادهم للتعامل بانفتاح أكبر معها، وإن اختلفت طروحاتهم في هذا الصدد. وربما يكمن السر وراء هذا الرفض الأقلوي لطرح حقوقهم على مائدة البحث بشكل صريح ومن خلال مناقشة ترتيبات بعينها يمكن لها أن تضمن حقوقهم في المستقبل في أن هذا الأمر يشير بوضوح إلى وجود عامل أصولي و "رجعي" في فكر وسلوكيات الأقليات أيضاً، وهو الأمر غير المقبول من قبل النخب المثقفة والسياسية عند الأقليات التي تصر على إلصاق تهمة الأصولية والرجعية بالأكثرية السنية حصراً، في الوقت الذي تطرح فيه هذه الأقليات نفسها، عن طريق نخبها الفكرية والسياسية، كرائدة التطور والتقدم والتحديث في سوريا، بل والمنطقة. لذا، ترفض هذه النخب، في خطابها على الأقل، وبصرف النظر عن طبيعة الممارسات السياسية للنظام الذي حكم سوريا بإسمها وبذريعة ضمان أمنها عبر العقود الماضية، التعامل مع قضية "حقوق الأقليات،" وتصر على اكتفائها بمفاهيم المواطنة والمساواة. ويشكل هذا الإصرار، من الناحية العملية، رفضاً لأي بديل لما هو قائم: نظام استبدادي يحكم باسم الأقليات، ويقمعها أيضاً ليكرس قبضته عليها ويمنعها من إفراز أية بدائل داخلية له، لكنه يختص بالذات ويتفنن في قمع الأكثرية.

لقد ساهم الإحساس بالمظلومية التاريخية حيال أهل السنة في صنع هوية أقلوية معاصرة ترضى لنفسها العيش تحت نير الاستبداد، طالما بقي أهل السنة بعيداً عن سدة الحكم، بصرف النظر عن الاعتبارات الديموغرافية والحقوقية والإنسانية، أو عن بوجود عوامل مشتركة في الهويات الجمعية لدى الجميع.

لقد أصبح شعور الأقليات الدينية والطائفية في سوريا بالأمان مرتبطاً ببقاء أهل السنة في القفص وتحت حكم البسطار العسكري. أضف إلى ذلك، ونظراً للكيفية التي استخدمت بها القوى الخارجية في السابق، واليوم، قضية حقوق الأقليات وحمايتها كمبرر لحملاتها الاستعمارية والاستيطانية في البلد والمنطقة، يبدو من الطبيعي أن تتجنب النخب الممثلة للأقليات أي طرح صريح يمكن أن تشتم منه رائحة التقسيم والسياسيات التفضيلية، إذ لا تريد  هذه النخب أن تتهم بأنها طابور خامس يسعى لخدمة مخططات خارجية. وإن كانت الوقائع منذ بداية الثورة تشير إلى أن من يحكمون سوريا باسم الأقليات كانوا هم السباقين إلى الاستعانة بقوى الخارجية لحمايتهم، وأنهم هم من يخلق وعن قصد واقع التقسيم على الأرض، وهم من قام بحملات تطهير عرقي قبل غيرهم، وعلى نطاق أوسع، وأحرقوا خاصة تلك المناطق من البلاد التي يسكنها أهل السنة، وأنهم هم من سعى ومن اللحظة الأولى لنهجهم القمعي حيال الثورة إلى تأمين تلك المناطق التي تسكنها أقلية بعينها، وتعتبرها موطنها الأصلي. 

هكذا، وبسبب وجود موقف عدائي مسبق من الأغلبية السنية، وبسبب جهل النخب الفكرية والسياسية السنية لهذا الواقع بمضامينه المختلفة، أو تجاهله، وبسبب التبني المسبق من قبل الجميع لنظريات المؤامرة التي، وإن كان لها مبررات تاريخية، ساهمت رؤانا المؤدلجة في تضخيمها إلى درجة لم نعد نعي فيها مقدار مساهمتنا في بناء واقعنا المعيشي والسياسي، وأنا نتحمل القسط الأكبر عما يجري في حياتنا وما يقع علينا من ظلم، كان من السهل على البعض منا تصديق أكاذيب الأسد حول "المندسين" و "المؤمرات الكونية،" ومن السهل على البعض الآخر الإنجرار وراء الأحلام الغيبية والرؤى المتشددة. لقد ساهم انغلاق الأقليات على نفسها لقرون سابقة، نتيجة للنظام المللي العثماني الذي حماها وعزلها في آن، على الأقل في أواخر عقوده، وعلى الرغم من انفتاحها على المستعمر الفرنسي خلال وجوده في البلاد، والذي ترك رحيله عندها إحساساً بالخذلان طالما تجاهلته أدبياتنا، بل على العكس، ظهر تيار فكري وأدبي ركز على تواطئ بعض التجار السنة مع المستعمرين الفرنسيين، فيما تم تجاهل التواطئ الأقلوي الأعمق والأكثر شعبية، ساهم هذا الانغلاق  في تكوين مظلومية حادة عند الإقليات الدينية والطائفية في سوريا مبنية على أساس تراكمي تحكمه المزاجيات والذاكرة الجمعية النفعية والمكرسة للعصوبية الخاصة بكل فريق، أكثر من الحقائق التاريخية والتمحيص والتحليل الموضوعي لها. بمعنى آخر، هناك الكثير من الأوهام إلى جانب الحقائق في إحساس الإقليات بالمظلومية، والكثير من التحامل على فئة مسحوقة مثلهم، حتى وإن كانت تشكل الأكثرية.

ولهذا، لن يقدم ممثلو الأقليات المقبولين شعبياً (إذ لا تهم في إطار هذا التحليل هنا المواقف الفردية لبعض الشخصيات طالما بقي نفوذهم ومصداقيتهم على المستوى الشعبي محدوداً للغاية) أي حل منطقي للأزمة، وسيدأبوا على رفض المقترحات والرؤى الموضوعة من قبل التحالفات التي تشرف عليها الأكثرية، لأنها ستبقى دائماً مقصرة، خاصة وأن الحل المثالي الذي ترتاح إليه الأقليات يبقى مرتهناً، كما نوهنا آنفاً، إلى عودة الأمور إلى ما كانت عليه في السابق، مهما كانت سيئة. فمن الأسهل على الأقليات من الناحية النفسية أن تتمسك بإيمانها بأنها الضحية الأساسية لأهل السنة ولطموحات الأسد ومن حوله وفسادهم، ولثلة من المؤامرات الخارجية من الدول ذات الأغلبية السنية، مثل تركيا والسعودية وقطر، علاوة على أمريكا وغيرها من الدول الأوروبية، خاصة فرنسا وبريطانيا وألمانيا، من أن تواجه حقيقة مساهمتها الملوسة في صنع هذا الواقع.  باختصار، سيبقى ممثلو الأقليات في خطابهم العام يتمسكون بالوحدة والسيادة الوطنية، لكن ستبقى أفعالهم وخطابهم الداخلي الخاص يمهد للتقسيم والتفتيت والفوضى والإرهاب، حتى ذلك الممارس باسم أهل السنة ونصرتهم، وذلك  من خلال تورط النظام في إنشاء وتشجيع الجماعات الإرهابية. فالخوف هو الحاكم هنا: الخوف من أهل السنة، المضطهِد والظالم والمذنب الأول بحق كل الأقليات، كما يرى السواد الأعظم فيها.


ولقد ساهمت كل هذه الاعتبارات من ناحية، والنزعة أو العقلية "المركزية" عند أهل السنة من ناحية أخرى، والتي تضعهم دائماً، كما هي الحال مع سائر الأكثريات التقليدية، في مركز الصيرورات وعلى قمة الهرم، وهي الحقيقة التي تتجلي دائماً في تصرفاتهم وسلوكياتهم وكيفية اتخاذهم للقرارات التي تنم كلها عن فوقية وعنجهية يشعر بها الجميع ما خلا أصحابها... كل هذه الأمور والاعتبارات ساهمت في تشكيل ذلك الاتفاق الضمني الذي يبدو أن النخب الفكرية السياسية والاجتماعية والدينية التي شاركت في عهد التأسيس لسوريا ما بعد الاستقلال من الاستعمار الفرنسي قد توصلت إليه بطريقة أو أخرى.

ويتجلى هذا الاتفاق في التناسي المنهجـي لطبيعة التحولات السياسية المختلفة التي ساهمت في تشكيل الدولة السورية الحديثة، بما فيها الخلافات والحوارات التي دارت بين النخب السياسية والاجتماعية المختلفة حول طبيعة الدولة، والكيفية التي تم من خلالها الاتفاق على تأسيس دولة واحدة وليس دولتان، أو ثلاث، أو أربع، وتغييب الكثير من الأحداث التي ساهمت في تشكيل الوعي آنذاك، مثل أسباب محاكمة وشنق عضو البرلمان سلمان المرشد، العلوي الأصل والمنشأ، بعد مرور أقل من ثلاث أشهر على إعلان استقلال دولة سوريا بتهمتي الخيانة والردة، ومثل التفاصيل المتعلقة بالإنقلابات العسكرية المختلفة وأسبابها الحقيقة، إلخ. فالكتب المدرسية والجامعية، سواء تلك التي أنتجت في المرحلة البعثية أو التي جاءت قبلها، لم تتعامل أبداً بشكل موضوعي مع المرحلة التأسيسية، هذا علاوة على تغييب أو منع الكتب والمذكرات التي كتبتها الشخصيات السياسية والفكرية التي عاصرت هذه المرحلة الهامة وساهمت في تشكيلها. ومما لا شك فيه أيضاً وقوع الكثير من التزوير والتشويه في بعض هذه الكتابات خاصة تلك التي ما تزال متداولة بشكل مفتوح.

خلاصة الكلام: إن مسألة التنوع الطائفي وحقوق الأقليات، بل حقوق جميع المكونات، الآن وقد أصبح لأهل السنة في سوريا مظلوميتهم الخاصة حيال باقي المكونات، أهم من يتم التعامل معها عن طريق تفادي الغوص في التفاصيل، وتجاهل المظلوميات المتراكمة والانطباعات النمطية الخاطئة، والاصرار على التمظهر بالتمدن من خلال تبني شكلياته وتجاهل فحواه. لن تفيدنا في الفترة القادمة الدساتير والاتفاقيات والوثائق التي تضعها النخب من خلال حوارات ونقاشات مغلقة، نحن بحاجة إلى عقد حوار مفتوح حول مجمل قضايانا، بالتركيز على قضية تنوعنا بالذات، قبل تبني أية وثيقة نهائية. إن أية محاولة لتناسي الإشكالات والعوامل التي ساعدت على اندلاع الحرب الأهلية في ربوعنا، وسمحت بالتدخل الخارجي فيها، ستؤدي إلى إعادة إنتاج الماضي وبالتالي إلى التمهيد إلى صراع جديد في المستقبل.

وحتى ذلك الحين، علينا أن نحسن التعامل مع عهد الانتداب الجديد والمتنوع، المباشر منه وغير المباشر.

الاثنين، 7 مارس 2016

المعارض عمار عبد الحميد: ما يجري اليوم تقسيم ليّن لسوريا

المعارض السوري عمار عبد الحميد: "الروس في اللاذقية والأميركيون في الحسكة والقامشلي." 
يرى المعارض السوري عمار عبد الحميد أن ما يجري اليوم في سوريا محاصصة مناطقية دولية، أو تقسيم ليّن، معلقًا الأمل على تسوية تخرج من مفاوضات جنيف-3.

بهيةمارديني - موقع إيلاف: اعتبر المعارض السوري عمار عبد الحميد أن العودة إلى الوراء مستحيلة، "فبشار الأسد لن يستمر إلى الأبد، بل تحول منذ بداية الثورة إلى جثة متحركة، زومبي، وسيتخلص منه حلفاؤه عاجلًا أم آجلًا، لكن المشكلة التي تواجهنا لا تتلخص بالأسد ومصيره، فالقضية مصير وطن بل مصير منطقة واسعة من العالم بكل ما تحويه من شعوب، فقد تتغير الحدود وتتكاثر الدول في قادم السنين، لكن، لا مناص من إيجاد صيغة للتعايش، مؤكدًا أن ما يجري في سوريا عملية محاصصة مناطقية في هذه المرحلة، أو تقسيم ليّن، أكثر منها عملية استنزاف للروس أو الإيرانيين، وما يزال المجال مفتوحًا أمام تركيا وإيران والسعودية لقلب بعض هذه الحسابات، أو لتغييرها جذريًا، ما لم يتم تحقيق تقدم حقيقي من خلال المفاوضات المزمعة في جنيف.

وعبد الحميد معارض سوري معروف منذ ما قبل الثورة، يعيش في الولايات المتحدة الاميركية، ويرئس "مؤسسة ثروة"، وهو من ضمن المعارضين الذين ظهروا على الاعلام في بداية الثورة وشاركوا في بعض المؤتمرات ثم باتوا مقلين في ظهورهم الاعلامي.

التفاعل الأميركي الروسي

قال عبد الحميد لـ"إيلاف": "في الوقت الذي تسعى فيه روسيا إلى تأمين المناطق الساحلية وبعض المناطق المحيطة بها، تنشغل إدارة أوباما ببسط نفوذها بشكل هادئ وتدريجي في الحسكة والقامشلي، فيما يستمر الحوار حول مصير حلب، وتتم محاولة تهدئة الأوضاع في دمشق".

وعن رأيه في الموقفين الأميركي والروسي والتكامل بينهما، قال المعارض السوري: "مر التفاعل الأميركي-الروسي مع الثورة السورية منذ اندلاعها في مرحلتين رئيستين: في البداية، رفض الروس تمامًا أي تدخل خارجي في سوريا، ومعنى ذلك رفض أي تدخل أميركي-غربي، خصوصًا عندما لا يحظى هذا التدخل بتأييد مجلس الأمن، وبدا واضحًا في هذه المرحلة أن الموقف الروسي المتعنت هذا جاء نتيجة إسقاط نظام القذافي في ليبيا، ما شكّل تجاوزًا واضحًا لمحتوى قرار مجلس الأمن 1973 الذي سمح بإقامة منطقة حظر طيران في ليبيا لمنع سقوط مدينة بنغازي في القبضة القذافية من جديد، وما قد يتبع ذلك من مجازر".

أضاف: "وفي المرحلة الثانية، تطور هذا التفاعل لينتج مسارات متوازية عدة، سمح بعضها بالتعاون بين الطرفين بخصوص قضايا معينة، مثل قضية الأسلحة الكيماوية وضرورة احتوائها، وقضية مكافحة انتشار داعش والنصرة وغيرهما من الحركات الإسلامية المتشددة، فيما استمرت المواجهة - وبالتالي الحوار - بخصوص مجموعة من القضايا الأخرى، منها مصير الأسد ومصير دمشق ومؤسسات الدولة".

محاصصة مناطقية

رأى عبد الحميد أن هناك ارتباطًا واضحًا بين مصير الأسد ومصير دمشق، "فقد نجح الروس والإيرانيون أخيراً في استغلال إصرار إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على تحجيم البعد العسكري في تعاملها مع الملف السوري وغيره من الملفات، فأقنعوا الإدارة الأميركية بضرورة بقاء الأسد ريثما يتم الاتفاق على تفاصيل المرحلة الانتقالية، بما في ذلك كيفية إدارة الدولة وطبيعة العلاقة بين المناطق والمكونات المختلفة. وفي الوقت الذي تسعى فيه روسيا إلى تأمين المناطق الساحلية وبعض المناطق المحيطة بها، تنشغل أميركا ببسط نفوذها بشكل هادئ وتدريجي في الحسكة والقامشلي، فيما يستمر حوارهما حول مصير حلب، وتتم محاولة تهدئة الأوضاع في دمشق".

ووصف عبد الحميد العملية بأنها "عملية محاصصة مناطقية في هذه المرحلة، أو تقسيم ليّن، أكثر منها عملية استنزاف للروس أو الإيرانيين. وما يزال المجال مفتوحاً أمام تركيا وإيران والسعودية لقلب بعض هذه الحسابات، أو لتغييرها جذرياً، ما لم يتم تحقيق تقدم حقيقي من خلال المفاوضات المزمعة في جنيف في العاشر من الجاري".

فرصة حقيقية

وحول توجه المعارضة السورية إلى المفاوضات في جنيف-3، أكد عبد الحميد أن العملية السياسية بشكل عام، ومفاوضات جنيف-3 بشكل خاص، تشكل فرصة كبيرة للمعارضة كي تتفاعل مع المجتمع الدولي وتكسب ثقته، وكي تستخدم التغطية الإعلامية المكثفة التي تحظى بها هذه العملية لكسب تعاطف أكبر في ما يتعلق بقضية المساعدات الإنسانية، وقضية اللاجئين، وقضية السجناء والمعتقلين، وضرورة عملية العدالة الانتقالية، علاوة على مشروعية الثورة السورية ككل".

قال: "في هذه المرحلة، هناك فرصة صغيرة لكن حقيقية للتوصل إلى اتفاق ناجع، بفضل النجاح النسبي لاتفاق وقف إطلاق النار، وعودة ظاهرة الاحتجاجات السلمية إلى الساحات، وجدية الحوار الأميركي-الروسي في هذه المرحلة، ورغبتهما المشتركة في وضع حد لهذا النزاع. على المعارضة أن تكرس كل جهودها في المرحلة القادمة لإنجاح جنيف".

وعن موقعه وسط هذا كله، قال: "لا أجد مساحة حقيقية لي للمشاركة الفاعلة في العملية السياسية المتعلقة بسوريا في هذه المرحلة، سوى إجراء لقاءات من هذا النوع بين الحين والآخر، ونشر المقالات. فأنا أنظر إلى القضية السورية كجزء من صيرورة إقليمية وعالمية أكبر، ينبغي على السوريين المشاركة فيها أينما كانوا وحلوا، لكنهم بالطبع ليسوا اللاعبين الوحيدين على الساحة. وستمتد هذه العملية لعدة أجيال، ويعتمد نجاحنا على المساهمة الفاعلة والإيجابية فيها كسوريين بحسب قدرتنا على تحليل الأمور بشكل موضوعي، بعيداً عن الأيديولوجيات ورومانسيات اللحظة. لقد زرعنا بذرة مهمة خلال الأعوام الخمسة الماضية، وعلينا أن نعتني بها ونحميها، ونوفر لها الظروف المناسبة للنمو. لكن موعد الحصاد لم يأت بعد". 


الخميس، 28 يناير 2016

ملاحظات حول قرار المعارضة مقاطعة محادثات جنيف

رياض حجاب : لن نفاوض في جنيف
1.

مرة أخرى أبدأ بالإلحاح على ضرورة مشاركة الهيئة العليا للمفاوضات في محادثات جنيف، وإن من خلال وفد متابعة رمزي. فنظراً للطبيعة العلنية للضغوط الدولية الممارسة عليها في هذه المرحلة، يبدو من الواضح أن قرار المقاطعة سيضع الهيئة، لا النظام ولا روسيا ولا إيران، في موقع اللوم والاتهام بعرقلة التسوية في سوريا، وهو الأمر الذي سيتم استغلاله من قبل النظام في مسعاه لاستعادة شرعيته التي لم يفقدها تماماً بالأساس، مع الأسف.

هذا من ناحية.

من ناحية أخرى، فأن المباحثات تأتي بمثابة منبر إعلامي هام ينبغي علينا استغلاله لتسليط الأضواء على قضية المناطق المحاصرة، وسياسة التجويع، وملف اللاجئين والمهجّرين، علاوة على الانتهاكات المستمرة من قبل النظام وروسيا لقرارات مجلس الأمن، من حيث استهداف المدنيين والامتناع عن محاربة داعش، وهي الذريعة التي ما انفكا يستخدمونها لتبرير عنفهما. قد تكون كل هذه الأمور معروفة، لكن التذكير والتكرار والاصرار على طرحها في كل محفل بشكل واضح وصريح وفاضح حتى تتحول إلى هاجس عند الجميع أمر لا يمكن أن نغفل عنه لحظة.

طبعاً، هناك احتمال أن تقرر الهيئة المشاركة في المباحثات في آخر لحظة، بشكل أو آخر، وبالتالي يشكل امتناعها عن المشاركة حتى آخر لحظة تكتيكاً تفاوضياً، سواء كان هذا هو القصد والنية أم لا.

بالعودة إلى القرار ذاته، يبدو واضحاً هنا أن التحليل السابق مبني على افتراض أن الهيئة العليا هي سيدة قرارها، لكن معرفتنا بطبيعة المعارضة السورية بشكل عام، وظروف تشكيل الهيئة بشكل خاص، تثير مجموعة من علامات الاستفهام حول صحة هذا الافتراض. وربما كان من الأفضل هنا أن نذكر أنفسنا أن القرار في الهيئة هو قرار سعودي بالدرجة الأولى، وهذا أمر يفرض علينا تحليل طبيعة قرار المقاطعة من منطلق التوازنات الإقليمية وإشكالاتها، وليس من منطلق سوري بحت. أي أن القرار يعكس بطبيعته سخط سعودي حول التطورات في سوريا والمنطقة وقد لا يأخذ مصلحة الشعب السوري بمكوناته المختلفة بعين الاعتبار.

ولا يأتي التذكير بدور السعودية في الأمر من منطلق عدواني حيالها، لكن التنبه إلى طبيعة القرارات والمؤسسات والعمليات يبقى أمراً ضرورياً لكي لا نضيع البوصلة. فقرار المقاطعة لم يأت استجابة لمطالب الكثير من الناشطين بـ "حفظ كرامة الشعب السوري،" بل انعكاساً لرؤية قوة إقليمية بعينها لمصالحها. وقد لا يكون بوسع الهيئة أن تخالف الرغبات السعودية في هذه المرحلة، لكن علينا أن نتعلم كيف نفرق ما بين رغباتنا ومصالحنا ورغبات ومصالح القوى الداعمة لبعض مؤسساتنا المعارضة. لأنه يتوجب علينا في مرحلة ما أن نعرف كيف نقف مع مصالحنا نحن، حتى عندما لا تتوافق مع مصالح بعض "شركائنا" و"أصدقائنا."

2.

دمشق
دعونا لوهلة نفترض الأسوأ. نعم، دعونا نفترض أن المجتمع الدولي فرض علينا بشكل أو آخر قبول حله الحالي: حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات للأسد فيها حصة الأسد، مع بقائه كرئيس والسماح له بترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها بعد التوافق على دستور وقانون انتخابي جديدين، خلال مدة أقصاها سنة ونصف من تاريخ تشكيل الحكومة الانتقالية.

ماذا يعني التوصل إلى اتفاق من هذا النوع على أرض الواقع: ستبقى لداعش والنصرة وأحرار الشام وغيرها من الجماعات الإسلامية المسلحة مناطقها على الأرض، وستنضم إليهم جماعات أخرى من منطلق الاعتراض على الاتفاق، وسيبقى الأكراد مسيطرين على مناطقهم، مع حفاظ النظام على وجود رمزي له هناك، وسيستمر الوجود الأمريكي في الحسكة بل سيكبر، ويسري الأمر نفسه على الوجود الروسي والإيراني. أي أن المعارك والقصف سيستمران في أماكن كثيرة.

لكن، وهنا الفرق، سيؤدي الاتفاق إلى رفع الحصار عن الكثير من المناطق، ويمكن للكثير منها أن تدار محلياً من قبل شخصيات تابعة للمعارضة بعد ذلك. كما ستحظى أطياف المعارضة، ليس تلك المهادنة للنظام فقط، بل تلك المسؤولة عن تشكيل الائتلاف والهيئة العليا، بوجود في دمشق ذاتها وفي بعض المناطق الأخرى تحت حماية دولية (وهذا شرط لا يمكن للمعارضة التنازل عنه). وجود المعارضة سيؤدي إلى بروز إعلام سوري معارض ومنظمات مجتمع مدني حقيقية وليست خاضعة لسيطرة النظام، علاوة على الأحزاب السياسية المعارضة، وسيكون للتمويل الخليجي والدولي دوره هنا، وسيكون للمنظمات الدولية وجودها على الساحة أيضاً، مما سيسمح بوجود رقابة حيادية للتطورات الداخلية المختلفة. وستستمح كل هذه الأمور بعودة الكثير من الناشطين من الخارج للعمل مرة أخرى على أرض الوطن برعاية دولية. طبعاً، ومما لاشك فيه، أن مسرحية الاغتيالات والخطف لن تغيب عن الساحة طويلاً، بصرف النظر عن الحماية الدولية، لكنها من المخاطر التي لا يمكن تفاديها كلية.

إن هذه المكاسب ستكون جزءاً لا يتجزأ من أي اتفاق، وهي مكاسب هامة وستتيح لنا فرصة للتواصل مع المجتمعات المحلية خارج نطاق سيطرة النظام والحركات المتطرفة، وستسمح لنا بتطوير نضالنا من أجل مجتمع حر مدني وديموقراطي، وهو نضال لا يمكن له أن يدار من الخارج، أو يتحقق من خلال العمل العسكري وحده.

إذاً، حتى في حال تحققت هذه الفرضية الأسوأ من وجهة نظرنا كمعارضة وكناشطين في مجال الديموقراطية، سيبقى لها ما يكفي من تأثير إيجابي على الأوضاع الداخلية، بحيث يكون النظام هو الخاسر الأكبر. الأسد يخاف هذا السيناريو أكثر من خوفه لنا، لأن هذا السيناريو سيشرعن وجودنا في الداخل وسيتيح لنا مجالاً كبيراً للعمل، كما سيفرض ضوابط وقيود على حركة النظام حتى من قبل داعميه، أي إيران وروسيا.

لذا، فللأسد المصلحة الكبرى في عدم التوصل إلى أي اتفاق، ومن هذا المنطلق، قد يخدم "قرار المعارضة" مقاطعة محادثات جنيف رؤية سعودية ما، أو قد يأتي تعبيراً عن تخبط صناع القرار هناك، وهو الاحتمال الأكبر، لكنه وبالتأكيد، لا يخدم المعارضة السورية. إذ ليس من مصلحة المعارضة لا سياسياً ولا إعلامياً أن تظهر بمظهر المعرقل، في حين نعرف كلنا أن الأسد ورجالاته هم من يريد العرقلة ويسعون إليها.

إن أي حل سياسي يسمح بعودة العمل المعارض إلى الساحة السورية بموافقة وحماية دولية يشكل مغنماً ما بوسع معارضة تحترم كرامة شعبها، كما تدعي معارضتنا، التخلي عنه، رحل الأسد مباشرة أم بقي لفترة ما، لأن خطوة من هذا النوع تكاد تكون المسمار ما قبل الأخير في نعش حكم الأسد لسوريا. النظام يعرف هذا تماماً، ومن هذا المنطلق نراه دائماً يسعى إلى العرقلة، وآن الآوان لنا نحن أيضاً أن نعرف هذا الأمر، ونفهم مضامينه، ونتخذ قراراتنا على هذا الأساس. لذا علينا أن لا نعرقل الحل السياسي، والأهم من هذا، علينا أن لا نسمح لأي كان بأن يصورنا وكأنا نحن الجهة المعرقلة.

وإن لم يكن بوسع المتعاطفون مع قضيتنا في السعودية أن يفهموا هذا الأمر، فعلينا أن نشرحه لهم بالتفصيل، لأن فيه خدمة أكبر لمصالحهم أيضاً، في وقت بات الإعلام الغربي يصورهم على أنهم هم الجانب المسؤول عن ما يجري في منطقتنا من عنف وإرهاب، لا إيران أو روسيا، وهو في الواقع قلب للحقائق خاصة فيما يتعلق بما يجري في سوريا.



الثلاثاء، 19 يناير 2016

ملاحظات حول القهقرى السياسية الأمريكية

تشريح لمفهوم الواقعية السياسية الأمريكية من خلال تحليل موقف أتباعها حيال الصراع السعودي-الإيراني


يمثل النفاق المتجلي في الحملة الإعلامية المكثفة التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية في الأوساط الغربية هذه الأيام، وخاصة الأمريكية، والتي تتخذ من سياسات المملكة الداخلية والخارجية الإشكالية، كما يصفها أصحاب الحملة، ذريعة ومبرراً لها، مؤشراً على وجود أجندة ما لديهم لا علاقة لها بالمسوغات العلنية للحملة، وذلك نظراً لامتناعهم عن شن حملة مماثلة ضد إيران التي لا تقل سياساتها "إشكالية."

فكلا الطرفان، أي السعودية وإيران، متورط في بث وتشجيع النزعات الطائفية في المجتمعات الإسلامية حول العالم، وفي انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ليس فقط في أرض الوطن بل في دول الجوار أيضاً، وفي دعم الإرهاب العالمي، وفي الاستعانة بشركات علاقات عامة وجماعات ضغط لتمثيل مصالحهما في الغرب ولتحسين صورتهما فيه (وإن كانت إيران قد لاقت نجاحاً أكثر في هذا الصدد عبر العقدين الماضيين نظراً لنجاحها في تجنيد عملاء لها في صفوف المغتربين). علاوة على هذا يتميز كلا الطرفان بعقلية عنصرية صارخة فيما يتعلق بالآخرين (فوحدهم الأغبياء يخلطون هنا ما بين نزعة حسن الضيافة والتعامل اللبق مع الأجانب السائدة في هذين المجتمعين، وبين إيمان مزعوم حقيقي بالمساواة ما بين البشر، الأمر الذي لا ينسجم مع الممارسات الفعلية المنتشرة على الصعيدين النخبوي والشعبي لدى الطرفين).

من هذا المنطلق، كيف يمكن لأي عاقل أن يتوسم القدرة عند أي من هذين الطرفين وفي هذه المرحلة الحرجة بالذات على إعادة الاستقرار للمنطقة؟ فما لم يتبنى الطرفان إصلاحات حقيقية، سياسية واجتماعية، عميقة، لا يمكن لأيّ منهما أن يلعب دوراً جاداً في العمل على هذا المنحى. ولقد علمتنا التجربة التاريخية أن تغييراً من هذا النوع يتطلّب تلاقٍ وتكاملِ في الضغوط الداخلية الشعبية والخارجية الرسمية لينجح. فنظراً لتشنجها العقائدي، ولفسادها، لا يمكن للنخب الحاكمة في هاتين الدولتين أن تقوم بتبني الإصلاحات المناسبة من تلقاء نفسها وفي غياب الضغوط والمطالبات.

لكن، وحتى اللحظة، وعوضاً عن الضغط في هذا الاتجاه، يبدو واضحاً أن أتباع المنهج الواقعي في أمريكا (والغرب عموماً) يرون في الانحياز لطرف معين، وبالتحديد إيران، على حساب الآخر، الخيار الأنسب لبلدانهم، لأنه يشكل الخيار الأسهل من حيث قبوله بالأمر الواقع عوضاً عن محاولة تغييره. ويتجلى هذا الواقع في تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة على حساب انحسار نظيره السعودي، وذلك لأسباب موضوعية متعلقة بطبيعة التركيبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في كلتا الدولتين، وطبيعة التفاعلات الداخلية فيها، علاوة على طبيعة تفاعلاتها مع العالم من حولها وتطوره عبر العقود الماضية.

ولا يلقي الواقعيون هنا أي بال للثمن الذي تدفعه شعوب المنطقة، خاصة السوريون والعراقيون واللبنانيون واليمنيون، نتيجة هذا الانقلاب الإقليمي، وهذه السياسة الواقعية، "الحيادية" نظرياً، والمنحازة لإيران (وروسيا، وكل ذي سلطان) عملياً.

ويبدو أن الواقعيين، ومن خلال احتفائهم بطرف بعينه بذريعة أنه يمثل الخيار "الأفضل حضارياً،" كما يرون، وتشويه صورة الآخر، "المتخلّف حضارياً" في نظرهم، والذي يتوقعون سقوطه في أي يوم، يبدو أنهم مشغولون في تحضير أنفسهم للتعامل مع هذا السقوط بطريقة تسمح لهم بالتنصل تدريجياً من أية وعود سبقوا أن قدموها، أو أية عقود واتفاقيات سبق ووقعوها. ويتجاهل الواقعيون في مسعاهم هذا التداعيات الخطيرة لهذا الانقلاب في المنطقة، بل والعالم أجمع، ويتركون التعامل مع تبعات هذا الأمر للشعوب المعنية، دون أن يشرحوا لنا كيف يمكن للقوى الصاعدة والساعية لملئ الفراغ الذي يخلفه التراجع الأمريكي، قوى مثل إيران وروسيا والصين وغيرها، والتي تحتقر الديموقراطية في الصميم، ولا تتوانى عن ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أو عن دعم عمليات القتل الجماعي والإرهاب، أن تمهّد الطريق لعالم آمن؟ 

مشهد من مؤتمر فيينا (1814-15)
لكن الواقعيين لا يرون في بناء عالم آمن مهمة أساسية أو مناسبة للولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة القادمة، إذ يؤمن معظمهم بحتمية الطبيعة العنفية لهذه المرحلة ويفضلون أن ينأوا ببلادهم عنها، حاصرين مسؤولياتها السياسية المستقبلية في الدفاع عن أمن ومصالح أراضيها ومجتمعاتها، وذلك وفقاً للمنطق السياسي الذي حكم العلاقات الدولية منذ هزيمة نابليون في معركة "ووترلو" وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية. وبهذه الطريقة يفسح الواقعيون المجال لظهور لاعبين جدد على الساحة الدولية، ويعطونهم فرصة لتحديد مناطق نفوذهم الخاصة. إذ لا يرى الواقعيون في هذه الظاهرة تهديداً لأمريكا أو لمصالحها لاقتناعهم التام بأن تفوق أمريكا العسكري والاقتصادي كفيل بمساعدتها على التأقلم مع كل هذه المتغيرات، وعلى حماية مصالحها بل وتوسيع رقعة نفوذها في العالم من خلال الدبلوماسية الذكية وبناء تحالفات جديدة.

وهنا مربط الفرس، فالهدف الأكبر للواقعيين يكمن في إفساح المجال أمام أمريكا لإعادة النظر في كل علاقاتها وتحالفاتها الحالية، بما في ذلك علاقاتها مع الدول الغربية الأخرى، سعياً لبناء تحالفات جديدة أكثر جدوى وأقل عبئاً. إذ يؤمن الكثير من الواقعيين باحتمال انهيار الاتحاد الأوروبي وحلف ناتو ذاته، مما يفسح المجال أمام الولايات المتحدة لبناء تحالفات جديدة قد لا تشمل بعض حلفائها التقليديين لاعتبارات اقتصادية وسياسية وعسكرية متنوعة.

لكن المشكلة في مل هذه الحسابات، والتي لا تأخذ القضايا الإنسانية بعين الاعتبار، كما سبق ونوهنا، أنها تتجاهل طبيعة عالمنا المعاصر بترابطه الشديد والذي أصبح بوسعنا فيه أن نتكلم بجدية عن وجود "بيئة" أو "مناخ" بشري عالمي لا يختلف كثيراً عن البيئة الطبيعية، إذ يمكن لـ "تلوث" بقعة أو إقليم فيه، عن طريق اندلاع الصراعات أو وقوع الكوارث، أن يؤثر على باقي المناطق والأقاليم، تماماً كما يؤثر انتاج بعض الدول لغازات بعينها أن تفعل ظاهرة الاحتباس الحراري مؤثرة على حال الكرة الأرضية بأسرها.  

فالواقع أنه في عالمنا هذا، الذي تتزايد فيه الروابط ما بين الأنظمة الاستبدادية وبين الحركات الإرهابية ومؤسسات الجريمة المنظمة، بل وبعض الشركات والمؤسسات والمصارف العالمية، لا وجود لأزمات محلية بالمعنى التقليدي للمفهوم، إذ أصبح بوسع أية أزمة، مهما بدت صغيرة أو قابلة للاحتواء في بداياتها، أن تتطور بسرعة لتصبح أزمة ذات أبعاد دولية خطيرة، ما لم يتم التعامل معها في الوقت المناسب. ولنا في الأزمة السورية خير مثال على ذلك، فهي، ومن خلال إفرازها لأزمة اللاجئين، ساهمت في ضعضعة كيان الاتحاد الأوروبي، وفي توسيع شروخه، علاوة على تسهيلها لعودة التيارات اليمينية المتطرفة بقوة على الساحة السياسية، ليس في أوروبا وحدها وحسب بل في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول أيضاً.

إضافة إلى ذلك، وبخلاف ما يأمل ويدعي أصحاب الواقعية السياسية، فإن السياسات التي طرحوها وأملت عليهم تحركاتهم عبر السنين الماضية، والتي يمكن لها أن تستمر في التأثير على السياسات المستقبلية في أمريكا، فيما لو جرت الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة على النحو الذي يريدون، لم تعوض على الإطلاق عن الأخطاء التي اقترفها المحافظون الجدد في مطلع قرننا الحالي، بل، على العكس من ذلك، فقد قامت بتضخيم وقعها والزيادة عليها، وهو الأمر الذي تثبته حقيقة مواجهتنا اليوم للمزيد من العنف والفوضى في الشرق الأوسط وحول العالم بالمقارنة مع ما كانت عليه الأوضاع قبل ثمانية أعوام.

لكن الواقعيين يحجمون عن استخدام معيار موضوعي كهذا لقياس مدى التقدم المحرز، فهم يعتقدون أن المستقبل هو الذي سيثبت مدى صوابية سياساتهم وطروحاتهم، وما على ملايين السوريين والعراقيين واليمنيين وغيرهم في هذه الأثناء إلا الصبر والسلوان في وجه البؤس والمآسي الناجمة عن دبلوماسية الواقعيين المظفرة هذه. لكن المستقبل قد يجلب معه، وبأقرب مما نتصور، إثباتات وشواهد كثيرة تدل على أن ثمن التدخل المدروس في المناطق الساخنة، بالتعاون مع حلفاء أمريكا التقليديين في أوروبا، وشركاء محليين، أقل بكثير من كلفة الارتكاس إلى السياسات النفعية البحتة غيرالملائمة لعصرنا هذا. وقد لا يقتنع الواقعيون أنفسهم بهذه الشواهد، فالإيديولوجيا تعمي الأبصار، لكنهم في خاتم  المطاف لا يزيدون عن كونهم تيار سياسي صادف أن تناغمت رؤيته للأمور مع المزاج الشعبي في هذه المرحلة لأسباب عدة، ويمكن لهذا المزاج أن يتغير من خلال التطورات القادمة، ومن خلال طرح رؤى جديدة توضح للشرائح الأوسع من الناخبين أهمية التدخل الإنساني وارتباطه الوثيق في هذه المرحلة بالجهود الرامية لتعزيز الأمن العالمي من تداعيات العولمة الجارية للإستبداد والفساد والجريمة والإرهاب.  

ولأن الموضوع لا يتعلق بمستقبل الولايات المتحدة ومصالحها وحسب، فمن الضرورة بمكان أن تشارك الجماعات والمؤسسات الممثلة لدول مثل سوريا واليمن والعراق ومصر وغيرها في إعادة تشكيل الرأي العام في أمريكا عن طريق المساهمة في طرح رؤى بديلة عما يسمى بالمقاربة الواقعية.

الجمعة، 4 ديسمبر 2015

أسوأ الردود

تاشفين مالك وسيد فاروق، المسؤولان عن الهجوم الإرهابي في سان برناردينو، كاليفورنيا
بلدي أمريكا تتعرض للهجوم، وسبقتها من قبل بلدي سوريا وبلدي فرنسا، وقبلهما كان دور بلدي العراق وبلدي لبنان ... بلدي العالم، كياني الخاص، يتعرض للهجوم. والمهاجم تحالف القوى المتطرفة القائمة على الجهل والإيديولوجيات السقيمة، وشهوة السلطة، والحسد، والجشع. في مواجهة هذا الهجوم، تمثل ردود الأفعال الحمقاء، والتبسيط، والتحيز، والكراهية، أسوأ رد ممكن، بل هي في الواقع جزء من المشكلة. أما الآلية الحقيقة للمواجهة فتكمن في التيقّظ الدائم، والعمل على بناء المزيد من الجسور بين البلدان والطوائف الدينية المختلفة في العالم، والتركيز الجدي على جهود صنع السلام، ودعم عمليات التنمية المعرفية والبشرية، والتعليم. لأن الاستبداد والجهل والإيديولجيات السياسية والفساد هي العدو الحقيقي لنا، ولا يمكن ولا ينبغي لمعركتنا ضدهم أن تتوقف لحظة.


الجمعة، 20 نوفمبر 2015

المعركة الحقيقية في سوريا


المعركة الحقيقية في سوريا ليست مع داعش، وما حدث في باريس هو في المقام الأول قضية فرنسية وليست سورية، وينبغي التعامل معها هناك وليس في سوريا. للمشكلة في سوريا اسم واحد فقط: نظام الأسد، فإذا ما تم تنحية الأسد عن المشهد السياسي، سيتكفل الثوار بسحق داعش، ولن تحتاج أية دولة لوضع "أحذيتها الثمينة" على أرضنا. نحن لسنا بحاجة لضربات جوية لتدمر ما تبقى من بلدنا، كما أننا لا نريد أن نعيش في ظل وصاية روسية-إيرانية. إن كلمة لافروف مؤخراً حول كون الإرهابي هو ذاك الذي يتصرف كإرهابي تنطبق على الأسد أكثر من غيره من اللاعبين على الساحة السورية بكثير، فالنظام بحسب المعطيات الموضوعية الموثقة هو المسؤول عن مقتل 98% من حالات القتل الموثقة، بينما لا تتجاوز مسؤولية داعش الـ 0.8%، ومسؤولية الثوار الـ 1.3%. هذا يعني أن روسيا وإيران متورطتان أكثر من أية دولة أخرى في تمويل ودعم الإرهاب، وربما يتوجب على اللائحة التي قدمها بوتين إلى قمة العشرين أن تشملهما أيضاً. على كل طرف من أطراف الصراع في سوريا أن يعيد النظر بطريقة تعريفه للمشكلة التي تواجهنا جميعاً والتي لايشكّل داعش إلا عارضاً لها.   

السبت، 5 سبتمبر 2015

عن العصبوية والتعصب


 (1)

إن محاولة ربط ظواهر إيجابية أو سلبية بعينها حصرياً بمكوّن بعينه من خلال التعميم هو جوهر التعصّب، وتكريس لعقلية الكراهية والتكفير وإدانة الآخر.

(2)

قد يأخذ التشدّد والتطرّف عند بعض الجماعات مظهراً عصبوياً أكثر منه دينياً، جامعاً المتدينين منهم والأقل تديناً وصولاً إلى الملحدين، ومكرّساً عقلية التشكيك في الآخر ورفضه، إن لم يكن على المستوى الاجتماعي المباشر فعلى المستوى النفسي العميق. وسيجد المتدينون والملحدون طرقاً مختلفة بالطبع للتعبير عن مشاعرهم وآرائهم في هذا الصدد من بدءاً بالتكفير الصريح وانتهاءاَ بإدانة بعض الممارسات الاجتماعية والثقافية وربطها بمكوّن بعينه، أو مناطق بعينها مرتبطة اجتماعياً أو تاريخياً بهذا المكوّن، فيتم بذلك توظيف اللغة العقائدية وشيئاً من اللغة "الموضوعية" لتبرير التعصّب والرفض. ومن هذا المنطلق، لاتختلف العصبوية خطورة عن التشدّد الديني، فكلاهما قادر على تبرير الممارسات الإجرامية والإرهابية بحق الطرف الآخر عند الضرورة.

(3)

التكفير ليس اختراعاً سنياً أو وهّابياً بل كان ديدناً لكل الطوائف الإسلامية منذ زمن الفتنة وحتى اليوم، في محاولة كل فئة التأكيد على أنها الفئة الناجية ولتبرير خصومتها وقتالها للفئات الأخرى. ومما لاشك فيه أن ربط ظاهرة التكفير والتشدّد بالسنة حصراً، كما هو شائع في الأوساط الإكاديمية والإعلامية المحلية والعالمية، بات يغذّي المظلومية السنية ويفاقم ظاهرة التعصّب والتشدّد في صفوفهم، لأن انتشار هذه الظاهرة تحوّل إلى أداة فاعلة في أيدي شيوخ التطرّف وعلمائه يستخدموها للتدليل على وجود مؤامرة عالمية تستهدف الإسلام السني تحديداً. هذا في وقت لا يقل فيه موقف الطوائف والأديان الأخرى تطرّفاً إن من الناحية الدينية و/أو العصبوية.

ولا يكفي هنا أن يدين كل طرف من المعادلة المتشابكة والمعقدة التعصّب الموجّه ضده، فهذا سهل، لكن التحدّي الحقيقي، والذي يجب على الجميع مواجهته لنتحصّل على فرصة حقيقية لتحقيق السلام والحرية والعدالة، يكمن في إدانة كل طرف للتعصّب الممارس باسمه، وتحليل أسبابه، وفهم سياقه، لكي نتمكّن جميعاً من مقاومة هذه الظاهرة والتغلّب عليها من خلال تبنّينا لمناهج ومقاربات فكرية ونفسية واجتماعية وسياسية واضحة وفعّالة.

(4)

في هذه المرحلة من تاريخنا، ونظراً لما يجري على أرض الواقع في سوريا، لاشك في أننا أصبحنا كلنا ضحايا وكلنا آثمون في آن. ولا معنى للنسب والحصص هنا، لأن المشكلة مشكلة ذهنية ونفسية بعينها، وما لم نقم بالإنقلاب عليها وتغييرها، سنبقى غارقين في مستنقع الكراهية والإجرام إياه حتى تتساوى نسبنا منه.

(5)

لا يحقّ لأي فئة من الشعب، سواء كانت أغلبية أم أقلية، أن تختار شكلاً للدولة ومنطقاً لحكمها لا يتناسب إلا مع رؤيتها الخاصة للأمور، بصرف النظر عن رؤى الآخرين، ويقوم في جوهره على اضطهاد الفئات الأخرى المختلفة من خلال تحييد حقوقهم وآرائهم من خلال القمع المباشر أو الدعوة إلى استفتاء شعبي. فلا، الديموقراطية ليست مجرد انتخابات واستفتاءات شعبية، مهما كانت حرة. فقبل أن نستفتي وننتخب، علينا أولاً أن نتفق على طرق وآليات وترتيبات لحماية الحقوق الأساسية للأفراد والمكوّنات المختلفة في المجتمع، وبعد ذلك، وبناءاً على هذا الاتفاق، وضمن حدود الحقوق والترتيبات المنصوص عليها فيه، تبدأ العمليات الانتخابية والاستفتائية الحرة. هذا معنى أن تكون الدولة ديموقراطية ومدنية. علينا أن نتفق على قواعد اللعبة أولاً قبل الانتقال إلى مرحلة الانتخابات والاستفتاءات. أما من يروّج لفكرة إجراء استفتاءات شعبية قبل الاتفاق على أرضية جامعة، من منطلق أن الديموقراطية تعني حصراً رأي الأغلبية، وفي مجتمع يشهد انقسامات سياسية وطائفية وقومية ومناطقية واضحة، علاوة على حرب أهلية، ففي هذا تكريس للمواجهة القائمة، وتحضير للمواجهة القادمة التي يأمل البعض من خلالها أن ينجحوا في فرض نظام عقائدي استبدادي جديد.