الاثنين، 27 أكتوبر 2014

لكلنا وحيه

منمنة لمحمد وهو يلقي خطبة الوداع مأخوذة من مخطوط للبيروني مودعة في المتحف الوطني في باريس.


أقتدي بمحمد بشيء واحد فقط: أنه اتبع معطيات عقله وحدسه وحواسه وضميره، فأنا أيضاً أتبع معطيات عقلي وحدسي وحواسي وضميري، وإن قادتني إلى طريق مختلف. وإذا سأل أحد "وماذا عن الوحي؟" أقول: "وهل كان ممكن لمحمد كبشر سوي أن يتعامل ويتفاعل مع الوحي من دون توظيف عقله وحدسه وحواسه وضميره؟" وربما أضيف: "لكلنا وحيه." أو "لاينبغي لأحد أن يحتكر الله حتى باسم الاجتباء والنبوة." 

 توضيح: ما لم نكن كلنا على تواصل مع الله، لا معنى لوجوده أو وجودنا. أي أنني في كلامي أعلاه لا أدعي صفة خاصة لنفسي تنم عن جنون ما أو نرجسية مريضة، ولا أسعى لتمجيد نفسي، أو حتى للتمجيد بشكل عام. ما أردت قوله هو أن الله بالنسبة لي صيرورة مستمرة، وهو جزء منا كما نحن جزء منه، وأن علاقتنا معه علاقة تفاعلية وليس علاقة تبعية. الله بالنسبة لي ليس صنماً يُعبد، بل صيرورة تنتج نفسها وتتجلّى من خلال أفعالنا وأقوالنا ككائنات واعية بذاتها، إلى حد ما، كائنات ما زال عليها أن ترتقي بوعيها كثيراً لكي تندمج هي نفسها في الذات الإلهية، كائنات تسعى باستمرار لتجاوز نقصانها، وقد تنجح في لحظات بعينها، لكن المحاولة الصادقة هي أفضل ما بوسعها أن تقدّم في أية لحظة، إذ يبقى الكمال بالنسبة لها صيرورة زمنية مستمرة ولن يتحول إلى منتج نهائي أبداً، لأن النهاية كما البداية تعبير عن النقصان. إن استمرارنا في المحاولة هو في جوهره عملية للتواصل مع الكمال أي مع الإلوهة الكامنة فينا.


الأحد، 26 أكتوبر 2014

مشكلتنا مع الإسلاميين


مشكلتنا مع معظم الإسلاميين أنهم لايكتفون بأن يعيشوا كما يريدون بل يريدون للآخرين أيضاً، بصرف النظر عن عقائدهم أو آرائهم الخاصة، أن يعيشوا على شروطهم، متذرّعين في ذلك بإدعائهم أنهم على هدى، والآخرين على ضلالة، وأحياناً بأنهم هم الأغلبية وكأنّ للأغلبية الحق المطلق في تشكيل المجتمع على شاكلتها بصرف النظر عن الاعتبارات الأخرى. مشكلتنا مع الإسلاميين إذاً، أنهم لم يدركوا بعد معنى "الحق" في مفهوم حقوق الإنسان الأساسية. لكن الديموقراطية الحقيقية لا تنبنى إلا على أساس فهم عميق لهذا المفهوم وتقبّل له.

وإلى أن يتوصّل الإسلاميون إلى فهم أعمق للحق، سيبقوا يتصيّدون هفوات وأخطاء ومشاكل المجتمعات الغربية لينتقصوا من مفهوم الحقوق والديموقراطية والحداثة، وكأنه من المفترض أن تؤسّس هذه المفاهيم ليوتوبيا، أو أن تتصرّف المجتمعات الغربية وكأنّ هذه المفاهيم قد جرّدتها من إنسانيتها فأصبحت خالية من التعصّب والأهواء والمصالح، وتحوّل الناس فيها إلى ملائكة. إنّ عدم قدرتنا على التصرّف بمثالية في كل زمان ومكان، وفي كل الأحوال، وعدم قدرتنا على الوصول إلى مرتبة الكمال، لا تبرّر تمسّكنا بمفاهيم بالية باسم القداسة، وعدم قدرتنا على تقبّل حق الآخر في أن يكون كما يريد لنفسه أن يكون، طالما خلت تصرفاته من التعدّي على حقوقنا. أما مشاعرنا فشأن آخر، فالقوانين تحمي الحقوق لا المشاعر.

وهنا نواجه مشكلة أخرى عند الإسلاميين، فغالباً ما يتم الاعتراض من قبلهم على بعض الانتقادات ومظاهر التعبير المتعلقة بمعتقداتهم من منطلق الحماية المعنوية "للمقدسات" ولمشاعر الناس، لكن الناس ليسوا أطفالاً وعليهم أن يتأقلموا مع العيش في عالم عليه أن يحترم حقوقهم لكن ما بوسعه احترام مشاعرهم لما في ذلك من تقييد فعلي لحقوق الآخرين. والواقع أن المؤمنين أنفسهم هم عادة أقل الناس احتراماً لمشاعر الآخرين لأنهم بإسباغهم للقداسية على مصطلحاتهم وكلامهم لا يبالون بأن الكثير من هذه المصطلحات (مثلاً، أهل الذمة، الكفار، المشركين، الضالين إلخ.) فيها الكثير من التحقير والاستخفاف بالآخر المختلف. لكن حرية التعبير تكفل حقهم باستخدام هذه المصطلحات بصرف النظر عن مشاعر الآخرين، وعلى المؤمنين أن يتقبلوا أن حرية التعبير تكفل للآخرين أيضاً حق استخدام مصطلحاتهم الخاصة للتعبير عن معتقداتهم وإن آذت هذه المصطلحات مشاعر المؤمنين.

وفي الواقع ينبغي على الإسلاميين في ظل الدولة الحديثة استبدال هوسهم بتأسيس دولة إسلامية بالمسعى الأكثر ملائمة للطبيعة المتنوّعة للمجتمعات الحديثة ألا وهو السعي لتأسيس شبكات وتجمّعات إسلامية متكاملة يمكن لها أن توجد في أية دولة، مؤسّسات تسمح للمسلمين باتباع شريعتهم وتطبيقها على كل من شاء، وباختيار زعامات دينية وسياسية لهذه المؤسسات يمكن لها تمثيل مصالحهم على الساحة السياسية الأوسع للدول. بهذه الطريقة يمكن للإسلاميين التوفيق بين مطامحهم المشروعة من ناحية، وقوانين الدولة الديموقراطة المدنية ومتطلبات حقوق الإنسان من ناحية أخرى.

ولاشكّ أن هذه التسوية ستتطلب تعطيل بعض الحدود مثل الجلد والصلب والرجم، لأنها ستبقى دائماً مرفوضة في عالمنا المعاصر هذا بصرف النظر عن المبرّرات، لكن، من المفترض أن تكون هذه الأمور ثانوية بالنسبة للقضية الإسلامية العامة، خاصة وأنها لا تحظى باهتمام كبير إن في القرآن أو في السنة. وما لم يستطع الإسلاميون القيام بتضحيات من هذا النوع فالنجاح الوحيد الذي سيحقّقونه في هذا العصر الحديث هو تأسيس تجمّعات وحركات إرهابية الطابع مثل القاعدة والنصرة وداعش وغيرها. الخيارات المطروحة إذاً واضحة، ولن يؤدي التسويف هنا إلا إلى إسقاط المصداقية والمشروعية عن الطروحات الإسلامية المعاصرة.


الخميس، 23 أكتوبر 2014

عن الدين والدولة

داعش ترجم امرأة في ريف حماة بتهمة الزنى، والأب يشارك في الرجم.

لو قارنا بين العصور الذهبية لكل الحضارات لما كان بوسعنا أن نجد أيّ دليل على تفضيل الله لقوم أو دين بعينه، أو على أن الدول والحضارات تقوم أو تنهار بناءاً على الممارسات الجنسية للأفراد أو استهلاكهم للكحول أو لباسهم المفضل. فلم الانشغال بهذه الأمور إذاً، إلا من منطلق الرغبة في فرض سيطرة مطلقة على الأفراد باسم المقدس؟

ويالها من سيطرة تلك التي تسمح لك بالتدخل في خصوصيات مأكل الناس ومشربها وعلاقاتها الحميمة إلى هذه الدرجة. ودعونا لا ننسى هنا أنه على الرغم من الادعاء بأن الله هو الذي بتّ في هذه الأمور، فالواقع، وإن سلّمنا بذلك، يبقى أن التفسير والتنفيذ لا يتسنَيان إلا للبشر. فمن الناحية العملية إذاً، السيطرة ليست لله، ولكن للبشر، بأخطائهم، ومصالحهم، ورغباتهم، ونزواتهم، وعقدهم. وعندما يدّعي هؤلاء البشر بأنه من حقهم إدارة الدولة والمجتمع ككل من منطلق إيمانهم بأن الدين والسياسة لاينفصلان، لا يمكن للدولة التي سيأسسون إلا أن تكون دولة مستبدة إلى أقصى الحدود. هنا لبّ المشكلة مع الإسلام السياسي، ومع أية دولة قائمة على أساس العقيدة الدينية والإيديولوجيات السياسية. فالحكم دائماً في يد البشر، وإن ادعوا الاستناد إلى كتب وتعاليم مقدسة. لكن نقد من ادعى الاستناد إلى تعاليم مقدسة أصعب بكثير من انتقاد أولئك الذين يعترفون صراحة بالمنبت البشري للقوانين.

وقد يقول البعض أنه حتى في الدول الديموقراطية الغربية تقوم الدولة بالتدخل في شؤون مأكل ومشرب وملبس المواطنين. هذا بالطبع صحيح. لكن الدول الغربية تتدخّل هنا في الحدود الدنيا ودون الاختباء وراء المقدس وإصدار أحكام أخلاقية على تصرفات الناس الخاصة. الدول هنا تمنع الناس مثلاً من ارتداء لباس البحر في وسط المدينة، أو من قيادة السيارة في حالة سكر، وتمنع الاغتصاب، والعلاقات الجنسية مابين البالغين والقاصرين، لكنها لا تتدخل فيما يتعلّق بالعلاقات الحميمة ما بين البالغين طالما كانت قائمة بموافقة الطرفين، وفي حال الخيانات الزوجية، يمكن للطرف المتضرر، في حال أثبت وقوع الخيانة، أن يتحصّل على الطلاق بشروط أفضل. ولاتتدخل الدولة فيما يتعلق بشرب الحكول إلا فيما يتعلق بالمكان والساعة، وحتى في هذه الحالة يبقى الهدف هو الحفاظ على النظام، ولاتتعلّق القرارات بوجود حكم أخلاقي مسبق فيما يتعلق بموضوع استهلاك الكحول وأخلاق المستهلكين.

الفرق شاسع في الواقع مابين المنطلقات النظرية في الدولة المدنية وتلك السائدة في الدول الإيديولوجية. والفرق العملي أيضاً شاسع. الدولة المدنية الديموقراطية معنية أساساً بتوفير الخدمات لجميع المواطنين، والدفاع عن حقوقهم الأساسية، والحفاظ على التوازنات القائمة مابين الأفراد والجماعات ومابين الفضاء العام والخاص. ولا تهتم الدولة المدنية بقضية الأخلاق بقدر ما تهتم بقضية القانون والحقوق. فالقيم الأخلاقية لا تبثّ أو تحفظ من خلال القوانين، بل من خلال "الحكمة والموعظة الحسنة،" لأن عامل الخيار مهم فيها. القانون يمنع التزوير وشهادة الزور، لكن الكذب في الحياة العامة قضية أخلاقية لا يتدخل فيها القانون أو الدولة، فالمجتمع هنا هو الذي يحدّد كيفية التعامل مع الكذاب. وسواء كنا في الغرب أو الشرق، الناس هم الناس، وهم في العادة يحتقرون الكذب خاصة فيما يتعلق بعملية التواصل اليومية أو أخلاقيات التعامل. الصدق والأمانة في التعامل هو مطلب لكل الناس، مسلمهم وبوذيهم، مؤمنهم وملحدهم. والدولة المدنية الديموقراطية بامتناعها عن التدخل في قضايا الأخلاق والدين تعطي مجالاً أكبر للخيار الفردي في الموضوع.

وتدلّنا التجربة العملية هنا على أن الأخلاق لا تنهار عندما تمتنع الدولة عن التدخل المباشر فيها، وكذلك الدولة لا تنهار بسبب بعض الممارسات الفردية الخاصة، فهاهي المجتمعات الديموقراطية في الغرب أمامنا حيث تحترم غالبية الناس قوانين السير والتدوير (recycling) ونظافة الشارع، إلخ، على الرغم من أن الأغلبية تحتسي الكحول بشكل منتظم، ولا تربط ما بين ممارسة الجنس والزواج.

وإن كان البعض ينتقد المجتمعات الغربية بسبب غياب ما يسمى بالتكافل الاجتماعي، إلا أن هذه الظاهرة تبدو أكثر ارتباطاً بالأنماط الحياتية السائدة في المدن الكبيرة منها بموضوع الخلاف الثقافي مابين الغرب والشرق.

أخيراً، علينا أن نتذكر دائماً أن الذين يريدون أن يحكموا باسم الله ويتدخلوا في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا هم بشر مثلنا، تحركهم الأهواء والمصالح كما تحركنا، وبوسعهم التلاعب بالنصوص وفقاً لأهوائهم ومصالحهم. لا مجال للثقة هنا، المحاسبة تتطلب التشكيك. والتشكيك في إطار الدولة المدنية لا يخضعنا لاتهامات بالتكفير والردة، ولا لأحكام شريعة بات معظمنا يرفضها حتى المؤمنون منا بالله ورسوله.


السبت، 18 أكتوبر 2014

اليتامى


يتامى نحن، يتامى ولقطاء، ولدنا على قارعة الكون، ترعرعرنا في الخواء، اخترعنا الآلهة لحاجتنا إلى الأمهات والآباء، ثم صيرناها نقمة علينا لأننا، ككل اليتامى، نظن أنا لا نستحق الرحمة والمحبة، لا نستحق الود والعطف، لا نستحق القبول والأمان. بل ربما ارتأينا في لحظة غضب وخيبة أن الظلم والألم والحروب هم القدر الأليق بنا. نعم، حروبنا لم تكن يوماً ضد الآخر فينا، بل ضد أنفسنا نحن أولاً، ضد اليتم الدفين فينا، ضد الكون الذي أنجبنا عن غيرما قصد، ولم يرعانا. نعم، الكثير منا، فيما يبدو، يعيشون وهم كارهون لأنفسهم في العمق، ناقمون عليها، وعلى الكون، فكيف لهم أن يعيشوا بسلام؟ كيف لهم أن يجلبوا السعادة؟ كيف لهم أن يعرفوا الحب؟

إدرسوا التاريخ!


إدرسوا تاريخ وثقافات غيركم وستدركون أن البشر هم هم، في كل زمان ومكان: كائنات ناقصة قادرة على اقتراف الخير كما الشر، عبدوا الله أم عبدوا هبل. إدرسوا تاريخ وثقافات غيركم وستدركون أن البشر، على نقصانهم، هم كل المعنى. إدرسوا التاريخ بعمق وستختفي كل مبررات الصراع، ما خلا الجشع. فالجشع وحده هو محرّك الحروب، أما الجهل، والتعصب، والخوف، فوقود. إدرسوا ثم اسألوا أنفسكم: إلى متى سنبقى وقوداً لجشع البعض فينا؟ متى سنصبح نوراً لأنفسنا لا وقوداً لحروب بعضنا على بعضنا؟


الخميس، 16 أكتوبر 2014

الإصلاح الديني والإسلام

لوحة للفنان الإيطالي جيوتو (توفي في 1337) يصور فيها التحدي الذي أطلقه القديس فرنسيس الأسيسي في وجه العلماء المسلمين أبان الحملة الصليبية في مصر عام 1219، بعد أن قام عمداً بتسليم نفسه لجيوش السلطان آنذاك. التحدي تلخّص في أن يقوم الراهب فرنسيس وبعض علماء الإسلام بإلقاء أنفسهم في النار ليروا من ستأكله النار ومن سينقذه الله منها، وبالتالي من هو صاحب العقيدة والدين الصحيح. لقد رفض العلماء المسلمين التحدي وقتها، لكن، ربما آن أوان قبوله اليوم.

الإصلاح الديني بشكل عام يبدأ بمراجعة ما هو مقدس للبتّ فيما إذا كان بالفعل يستحقّ أن يعتبر مقدساً، مع مراعاة أننا في عصر الحداثة هذا لا نتكلم عن الإصلاح بمفهومه العام والمجرّد، بل عن ذلك الإصلاح الذي بوسعه إنقاذ الدين من التحوّل الكلّي إلى مشجب للتعصّب والتخلّف والإنغلاق، وهو أمر لايتم إلّا من خلال بناء علاقة تفاعلية ما بين المكوّنين الإلهي والإنساني، ونبذ المواقف المتشنّجة فيما يتعلّق بالإختلاف الفكري مهما كانت حدّته، وتجريم فقط تلك الأفعال التي تتعدّى إطار الحياة الخاصة وتتسبب بأذى للآخرين. وفي هذا الصدد، لايمكن أن يبقى الإسلام استثناءاً لقاعدة التغيير والتطور، كما يريد له الكثيرون من أتباعه ظنّاً منهم أن في ذلك حفاظ عليه، لأن الحقيقة أن استمرار هذه الحالة الاستثنائية تشكّل مقتلاً للإسلام، لا دعماً.

الجمعة، 3 أكتوبر 2014

مشكلتنا الحقيقية مع داعش

مجزرة لداعش في العراق

الاعتراض على فكر داعش أو غيرها من الجماعات الإسلامية من منطلق اتهامها بأن أتباعها لا يعرفون التفسير الصحيح للدين أمر في غاية الإشكالية ويمثّل استمراراً للمشكلة ذاتها التي يعبّر عنها وجود هذه الجماعات أساساً: ألا وهي قضية احتكار الدين لصالح فئة ما من خلال الإصرار على وجود تفسير أو مجموعة من التفاسير وحدها هي الصحيحة وكل ما غيرها خطأ. ألا يعد هذا استمراراً لعقلية التكفير ذاتها التي تتبناها هذه الجماعات؟ وألم تساهم هذه العقلية في تسعير الصراع ما بين الطوائف الإسلامية المختلفة عبر القرون الماضية؟

إن مشكلتنا مع داعش وغيرها من الجماعات المتطرفة هي مشكلة وعي بالدرجة الأولى، فهناك اليوم مجموعة كبيرة من الممارسات التي لم تعد مقبولة من قبل الشرائح الأوسع للناس، وذلك بصرف النظر عن وجود سوابق ومبررات لها في التاريخ والنص المقدس. وإن كان عامة الناس يدركون هذا بالفطرة، كما يدل على ذلك نفورهم بشكل عام من تطبيق الشريعة بحرفيتها، على الرغم من حرصهم على التمسّك بالمقدس بكليته في الظاهر، لا يمكن إلا للقلة منهم فقط في هذه المرحلة الشائكة أن تعترف بحكمة إخضاع المقدس للمراجعة العقلانية بشكل مطلق، وقلة من هذه القلة هي تلك التي قد تختار رفض هذا المقدس بشكل صريح ومباشر، أو تحجيم شأنه في حياتهم اليومية من خلال الإصرارعلى التعامل معه كقضية خاصة بالفرد وخياراته.

إن الانتقال نحو هذه السوية من الوعي، الفردي والجمعي، ناهيك عن ضرورة تأطيره من خلال القوانين والأعراف، لايمكن أن يحدث إلا من خلال نشاطات وممارسات وكتابات نخب فكرية قادرة على الانخراط والتماهي مع عامة الناس والتأثير فيهم من خلال التفاعل اليومي معهم ومع همومهم، ويمثل استمرار غياب مثل هذه النخب عن الساحة أكبر عائق يواجهنا في الطريق نحو تحديث مجتمعاتنا.


الخميس، 11 سبتمبر 2014

الدولة المدنية والطروحات الإسلامية


البعض يكذب، وبكل صدق، إلى درجة أنه يصدّق أكاذيبه، ثم يستغرب، وبصدق مطلق، عدم قدرة البعض على تصديق هذه الأكاذيب.

مثال: صديق مؤيد قال لي في بداية الثورة: "هاهو سيادة الرئيس قد أعطاكم ما تريدون (في إشارة إلى الدستور الجديد)، لماذا لا توقفوا الثورة إذاً قبل أن يأتي الإسلاميون الإرهابيون ويسيطروا على كل شيء؟" هذا الصديق يعرف تماماً أننا نعيش في بلد تم فيه تعديل الدستور في أقل من عشرين دقيقة، ويعرف تماماً كيف يستخدم النظام "الإرهابيين،" فاللعبة مفضوحة إلى درجة أن فنانينا سخروا منها في المسلسلات ("أيام الولدنة" وغيره). ومع ذلك، ها هو يريديني أن أصدق بأن الدستور الجديد الذي تم وضعه في غرف مغلقة من قبل مجموعة قليلة من الناس، الذين لاحيلة لهم على الإطلاق فيما يتعلق بالتعامل مع المؤسسات الأمنوعسكرية الحاكمة، سيغير كل شيء. هذا إذا ما تجاهلنا المشكلة الكبيرة الكامنة في كلمة "قد أعطاكم،" وتجاهلنا من أين يأتي الإرهاب.

مثال آخر: الكثير من أتباع التيارات الإسلامية تبنوا في مرحلة ما طرح الدولة المدنية، لكنهم مع ذلك أصروا وفي كل الحوارات التي أجريتها معهم على: ضرورة الحفاظ على تسمية "الجمهورية العربية السورية،" بصرف النظر عن المطالب الكوردية وبأن الدولة المدنية تعريفاً ليست دولة قومية، وأصروا على اعتبار الإسلام الدين الرسمي للدولة، والشريعة المصدر الأساسي للتشريع، مع أن الدولة المدنية لا دين لها، ورفضوا مفهوم الزواج المدني، وأصروا على تعليم الدين للجميع في المدارس بمن فيهم أولاد العلمانيين... و...و...و... عند التفاصيل يتضح أن مفهوم معظم أتباع التيارت الإسلامية للدولة المدنية ليس مدنياً على الإطلاق، على الرغم من قناعتهم الواضحة بأنهم من مؤيدي قيام الدولة المدنية! فإذا كانت هذه هي الحال مع هؤلاء، فكيف بنا مع من يطرح منهم وبشكل واضح وصريح رفضه للدولة المدنية ودعوته لقيام الدولة الإسلامية؟

علي أن أعترف هنا أنه في بعض الحالات تقابلت مع شخصيات من التيار الإسلامي قالوا لي فيما يتعلّق ببعض المطالب أعلاه بأنهم "قد نعطيكم إياها!!" لكن الحقوق الأساسية للإنسان تنبع منه ذاته، من إنسانيته ذاتها، وليست خاضعة للمساومة، إذ لايساوم على حريته وحقوقه إلا عبد.

ما مشكلة الإسلامي مع الحياة في دولة له فيها حق بناء المساجد والعبادة فيها بحرية، وحق الزواج والطلاق والتوريث حسب الشريعة الإسلامية والمذهب الذي يتبعه، وفي أن يعلّم أولاده الدين كما يفهمه هو، أي وفقاً لمذهبه الخاص؟ أين الاضطهاد الذي يتعرّض له الإسلامي هنا؟

أما بالنسبة للشخص الذي يؤمن بالفعل بطرح الدولة المدنية والذي قد تقدر له الظروف أن يعيش في دولة إسلامية فالاضطهاد الذي سيتعرض له هناك واضح وصريح: إذ ستفرض عليه الدولة صلوات وعبادات قد لايؤمن بها من منطلق أنه مسلم بالولادة، وأن يعيش، فيما يتعلق بالزواج والطلاق والميراث والحياة الاجتماعية ككل، وفقاً لطرق وتقاليد وأعراف وقوانين قد لا يؤمن ببعضها على الأقل، أن لم نقل بكلّها، وسيضطر إلى مراقبة أولاده وهو يتلقون تعاليم حول الحياة والوجود تناقض بعض معتقداته الأساسية، إن لم نقلّ جلّها، لأنه وإن كان مسلماً بالولادة توصل في حياته إلى قناعات مغايرة أو تفسيرات مختلفة للإسلام ذاته.

المشكلة إذاً أن الصديق المؤيد يريد لنا، من خلال تصديقنا لكذبة الدستور الجديد، أن نوافق على استمرار النظام لكي نحمي أنفسنا من الإسلاميين، والأصدقاء الإسلاميون يريدون لنا، من خلال تصديقنا بأنهم بالفعل ملتزمين بالقيم المدنية وأنهم "قد يعطوننا بعض الحقوق،" أن نوافق على قيام الدولة الإسلامية لكي نحمي أنفسنا من النظام. لكن السؤال الذي يواجهنا في الحقيقة هو: من سيحمينا من الطرفين؟



لايكفي بالنسبة لي أن يكون المرء صديقاً من فترة ما قبل الثورة ليبقى صديقاً اليوم إن كان ما يزال مؤيداً. ولايكفي المرء أن يكون ثائراً ليكون صديقاً حقيقياً وشريكاً إذا كان مشروعه الخاص يقتضي قيام دولة لا تحترم حقوقي الأساسية.

كيف لي أن أبدي أي تعاطف صادق مع أشخاص لم أر منهم منذ بداية الثورة حتى اللحظة إلا احتقاراً لحقوقي ومخاوفي، أو محاولة تلاعب على المشاعر وضحك على العقول؟ أشخاص لم يضيرهم على الإطلاق بأن "أمثالي" لم يضمروا لهم أي شر، وأننا أردنا لهم ما أردنا لأنفسنا: أن يعيشوا بكرامة، وعملنا معهم جاهدين لنتفق على رؤى مشتركة حقيقية، لكنهم لم يوافقوا إلا على القشور، ومضوا، كالنظام، في مشروع فئوي أرادوا أن يفرضوه على كل الناس، وبقوة السلاح. ثاروا، أي نعم، وقاتلوا ويقاتلون بشجاعة، لكن من أجل حريتهم هم فقط، ومن أجل أن يتوصلوا هم إلى السلطة، ليحكموا بما حكم الله، على حسب قولهم، لكن الواقع يقول بأنهم سيحكمون حسب أهوائهم، وإلا كيف تشتتوا إلى فرق وجماعات كداعش، وجبهة النصرة، وأحرار الشام، وصقور الشام، والجبهة الإسلامية، وجيش الإسلام، و....و..و...؟  هذا غير الاختلافات ما بين إسلاميي الحركات السياسية من سلفيين وإخوان وتحريريين، إلخ؟ ومن الواضح هنا أيضاً أن بعضنا لا يريد أن يحتكم إلى شرع الله أساساَ فيما يتعلّق بحياتنا الشخصية، وهو أمر لم ننكره أبداً، وهو من خقنا مهما أساء إلى مشاعر البعض.

إن طرح الدولة المدنية شكّل ليعطي الجميع جزءاً كبيراً مما يريدون: قد لايتحصّل الإسلاميون فيه على دولة إسلامية: لكن سيكون بوسعهم أن يبنوا بيوتاً إسلامية، شبكات إسلامية، جمعيات إسلامية، مصارف إسلامية، مدارس إسلامية، جامعات إسلامية وغيرها من المؤسسات بما فيها أحزاب إسلامية أيضاً. وقد لا يتحصّل العلمانيون على دولة علمانية، لكن سيكون بوسعهم أن يعيشوا حسب معتقداتهم دون خوف من اضطهاد وأن يديروا مؤسساتهم العلمانية المرادفة. الدولة المدنية حل ناجع ومجرّب في دول كثيرة لايرفضه إلا من يريد سلطة مطلقة لا تتم محاسبته فيها من أحد.
نحن لا نطالب الإسلاميين أن يكونوا كما نريد، لكننا لا نريد أن نكون كما هم، أين الإيديولوجية أو رفض الآخر في هذا المطلب؟

الثورة أساساً لا تجمع، بل تفرّق وتغربل، أما ما يمكن له أن يجمع، دون اللجوء إلى القمع والعنف والاضطهاد، فهو الرؤية، وفيما يتعلّق بالوضع السوري بالذات: رؤية مشتركة لسوريا ما بعد الثورة. ولا يمكن لرؤية كهذه أن تبنى على أسس عقائدية، سواء كانت هذه العقيدة دينية الطابع (دولة إسلامية) أو علمانيته (دولة قومية عربية و/أو اشتراكية)، لأن العقائد تفرّق. ومالم نتمكن من الاتفاق على هذه الرؤية الجامعة، فلاشكّ عندي من أن الحرب ستستمر حتى التقسيم، ولسنين ما بعده، حتى لو طال هذا التقسيم المنطقة بأسرها. وهذا الكلام لا يأتي بمثابة التهديد، بل التوصيف لواقع نراه يتجلّي وبسرعة أمام أعيننا جميعاً.

الأربعاء، 10 سبتمبر 2014

المتشدّدون والمعتدلون

السؤال المطروح هنا هو: هل بوسع التيارات الإسلامية تقديم تفسير عملي وعادل وفعال لهذا الشعار؟ فالشعارات بحد ذاتها لا تكفي. أما التيارات العلمانية فلقد جائت بطرح الدولة المدنية، لكنا حتى اللحظة لم ندخل في التفاصيل العملية للأمر، خاصة فيما يتعلّق بالتواصل مع الشرائح الشعبية الأوسع.


في وقت يتكاثر فيه الكلام عن المتشدّدين والمعتدلين أرى أنه من الضروري أن نحاول الاتفاق على تعريف واضح للمصطلحين علّنا بذلك نتمكّن من تحديد بعض أوجه التحديات التي تواجنا في هذه المرحلة. وفيما يلي، مقاربة خاصة في هذا الصدد:

المتشدّدون: أولئك الذين يدّعون معرفة التفسير الوحيد الصحيح للمعتقد، ويعظون الناس باستمرار حول كل كبيرة وصغيرة في حياتهم، ويصرّون على احتكار الحقيقة، وإنهاء الحوار الدائر منذ الأزل حول طبيعة مصائرنا الفردية والجماعية، عوضاً عن أن يرضوا بدورهم كمجرّد مشاركين أو كمساهمين فاعلين فيه عن طريق تحفيزيهم للآخرين على أخذ بعض الأمور بالاعتبار. وغالباً ما ينتهي المطاف بالمتشدّدين إلى تبنّي أساليب النصّابين والمشعوذين، فيركبهم الخطأ من رؤوسهم إلى  خمص أقدامهم حتى في حال صحّت بعض توقعاتهم وتحليلاتهم، فالعبرة في الأسلوب والمنهج، فمن يرفض إخضاع أفكاره لنفس التدقيق الذي يعرّض أفكار اللآخرين له، يجرّد نفسه وأفكاره من أية شرعية يسبغها التواصل المفتوح مع الآخرين، من حيث رفضه لشرط الانفتاح. فالتشدّد في الجوهر نظام مغلق، والمتشدّد في عمق أعماقه لا يزيد عن كونه شحّاذ مشارط.

المعتدلون: أولئك الذين يعترفون بتنوّع التفسيرات الموجودة والممكنة للمعتقد، والذين هم على استعداد دائم لاستيعاب حتى الرفض الصريح له من دون قيد أو شرط. ولا يهتم المعتدلون بالاتفاق على تعريف واضح للإيمان والمعتقد بقدر اهتمامهم بالاتفاق على الطرق الأنسب لضمان حرية المعتقد والتعبير للجميع، كلّ، فرداً كان أو جماعة، وفق تفسيره ورؤيته الخاصة. فعملية النقاش والحوار التي تهمّ المعتدلين أكثر من غيرها تتناول على وجه الخصوص قضية الحدود العادلة التي ينبغي أن تقوم ما بين الأفراد والجماعات، وما بين الفضاء الخاص والعام. كما يسعى المعتدلون أيضاً إلى الاتفاق فيما بينهم على الكيفية الأنسب للتعامل مع المتشدّدين، أي أولئك الذين يصرّون على فرض آرائهم على الآخرين، بقوة السلاح، وبقوة مؤسسات الدولة والمجتمع، على حساب إبطال كل الحدود ما بين الأفراد والجماعات، وما بين الخاص والعام، إلا تلك التي يرونها هم وحدهم مناسبة.


الثلاثاء، 1 يوليو 2014

نحو الأفضل

لاجئون سوريون وأفارقة في طريقهم إلى إيطاليا في رحلة غير نظامية

لولا البعد الإنساني للموضوع، أي لولا كل هذا القتل، وهذا الموت، وهذا الدمار، وهذا التشرد، لكان من الأسهل عليّ أن أؤكد أن كل ما يجري على الأرض اليوم يبشّر بمستقبل أفضل، بل ويمهّد له. لكن هذه حقيقة مايجري بالفعل، تقبلناها بسهولة أو صعوبة أم لا. هذه التضحيات التي نبذلها لن تذهب سداً، لا، فهاهي عصبياتنا التي طال احتقانها في أجوافنا تفرغ شحناتها السامة في الأجواء، وستتلاشى هذه السحب الزُّعاف وتتبعثر مع الأيام، تاركة ورائها الثمار الحقيقية لهذه المحنة: وعي أفضل لما نمثل وما نريد. أو، على الأقل، سيصبح احتمال تشكّل وعي من هذا النوع أكبر مما كان سابقاً، هذا إن بذلنا بعض الجهد لفرزه. فليُعْلِمَ الجاهلُ المثقفَ بالأمر.

مايزال السؤال مطروحاً


مايزال السؤال مطروحاً: كيف سنتعامل كنخب ثقافية وسياسية مع التطورات المأساوية الجارية حالياً في سوريا والمنطقة؟ هل سنقوم بمراجعة الأفكار والعقائد والسياسيات التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه ونبدأ بطرح أفكار جديدة واختبار آليات مناسبة لتفعيلها؟ أم هل سنكتفي بصياغة ندبيات جديدة أسوة بالكيفية التي تعاملنا بها في السابق مع القضية الفلسطينية؟ مايزال السؤال مطروحاً.


الاثنين، 30 يونيو 2014

عن الدولة الإسلامية

مقاتلو داعش في الرقة يحتفلون بإعلان الخلافة

لا، لم يأتِ إعلان داعش عن قيام الدولة الإسلامية وعن "تعيين" خليفة جديد للمسلمين جميعاً كتطور فريد من نوعه في أزمنتنا الحديثة، لكنه مع ذلك ليس بالتطور العادي، إذ من المتوقع أن يستجيب عدد لابأس به من الحركات الجهادية حول العالم لدعوة داعش لها لإعلان البيعة للخليفة البغدادي، بل لاشك عندي في أن قادتها سيسارعون إلى تقديم فروض السمع والطاعة لـ "أمير مؤمنين" عصرنا هذا، فـ "الانتصارات" التي حققتها الدولة مؤخراً في العراق وسوريا، أو بالأحرى، تلك التي نُسبت إليها، أعطتها زخماً لايُستهان به، وثروة نقدية طائلة سيتم توظيفها ولابد في شراء الولاءات، كما جرت العادة. كل هذا، والأحداث تجري تباعاً في منطقة ذات رمزية تاريخية كبيرة في ذاكرة المسلمين، لا في بقعة نائية من العالم.

لن يقف العالم، بما فيه الولايات المتحدة، موقف المتفرج طويلاً بعد اليوم، هذا إذا ما صدقنا أن التفرج كان هو سيد الموقف أساساً، لكن الحرب ستبقى تُقاد وتُسعّر بالوكالة، جالبة معها المزيد من الدمار، والخراب، والتفكّك... والاحتمالات، تلك الاحتمالات التي ستصبح فرصاً ثمينة للتكسّب بالنسبة للبعض، ومقابر بالنسبة لآخرين. وسنبقى وقوداً في عالم يخبو نوره باستمرار. سنبقى وقوداً طالما بقيت أجوبتنا كلها كامنة في ماضٍ لن تحييه تضحياتنا مهما تكاثرت، وفي تعامٍ مستمر عن طبيعة الواقع الذي نواجهه، واقع لاتعالجه الأماني ولا الترفّع عن الانخراط في المعمعة، ولاتعالجه إيديولوجيات وعقائد عقيمة، وتلك الأجوبة المقولبة الجاهزة إياها التي ما فتئنا نقتات عليها مذ ولدنا، واقع لاينفع معه إلا التجريب المستمر لكل ما هو جديد، مهما كان غريباً ومؤلماً وخارجاً عن مألوفنا.


الأربعاء، 18 يونيو 2014

هل سيأتي ذلك اليوم؟

الدفن الجماعي لضحايا مجزرة الحولة في سوريا، 29 أيار، 2012

هل سيأتي ذلك اليوم الذي سنكون فيه على استعداد لنعمل بالحق ونكفّ عن التشدق به فقط، ولنجعل من قدرتنا على هذا الأمر معياراً مصداقيتنا وتقدمنا؟ 

بعيداً عن كل الاعتبارات السياسية، أجد نفسي ببساطة غير قادر على القبول بأنه، وبعد مرور عشرة آلاف عام على ظهور المدن الأولى، وخمسة آلاف عام على اختراع الأبجدية الأولى ووضع أول مدونة قانونية، وأكثر من ستين عاماً على اعتماد الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، وما يقارب العشر أعوام على صياغة قانون "مسؤولية الحماية،" مازال قادة العالم يفتقرون إلى الإرادة السياسية اللازمة للوقوف في وجه القتل الجماعي، ليقولوا "لا،" وليتصرفوا بسرعة للحيلولة دونه عند رؤيتهم للمؤشرات المناسبة، أو ليسعوا إلى إيقافه عند وقوعه وللعمل على تقديم الجناة إلى العدالة.

فالتقدم لا يقاس بقدرتنا على إنتاج "الآيفون" و "الآيباد،" لكن بقدرتنا على الامتناع عن التصرف كحيوانات والتعامل مع بعضنا البعض على هذا الأساس. صحيح أننا نتمتع اليوم بصحة أفضل وأننا قادرون على العيش لفترات أطول، لكننا ما زلنا قادرين أيضاً على قمع وقتل بعضنا البعض على نطاق واسع وبطريقة منهجية، في وقت يراقب فيه معظمنا ما يحدث بلامبالاة، بل أنهم قد يقدمون الأعذار والمبررات له، ويقوم البعض بإيجاد طرق ووسائل للانتفاع مما يحدث.

بالنسبة لي، هناك شيء ما في أعماقي يرفض التعامل مع هذا الواقع كأمر عادي، أو كانعكاس طبيعي لإنسانيتنا. فما الفائدة من بقاء البشرية حتى اللحظة وتعلمها لحقائق كثيرة حول طبيعة وجودها ومحيطها، إذا كانت ماتزال عاجزة عن فرض قطيعة مع طبيعتها الحيوانية وعلى رفض القتل الجماعي والتعامل معه كتعبير طبيعي لحقيقتنا؟ ما هو الهدف من مراكمة المعرفة إذا ما استمرت تفشل في إنتاج قفزة نوعية في وعينا بالأشياء، وفي فرض تحسينات على طبيعتنا الأساسية؟ متى سنصل إلى نقطة التحول في هذا الصدد؟ ألم يحن الوقت بعد لنبدأ بطرح هذه الأسئلة على أنفسنا؟ ألم يحن الوقت بعد لنبدأ بالبحث عن الأجوبة، بشكل جدي ومنهجي؟

فعندما نكون على استعداد لوصف تصرفات وأحداث بعينها بأنها خاطئة، وغير مقبولة، ومشينة، وتستحق الشجب والإدانة، بل وأن تعتبر خرقاً للقوانين الأساسية، ونبقى، مع ذلك كله، غير مستعدين للالتزام بمكافحتها بمثابرة وإخلاص، أي شيء يشي به هذا الموقف عنا كبشر؟


الثلاثاء، 17 يونيو 2014

الطريق إلى الفوضى!

أوباما والمالكي

في وقت يقوم فيه البلهاء ذاتهم الذين نصحوا أوباما بـ "ضبط النفس" فيما يتعلق بالتدخل في سوريا بتحريضه على توجيه ضربات عسكرية في العراق للدفاع عن حكومة المالكي الطائفية بالتعاون مع إيران، والإنخراط في تحرك ضد قوات التمرد السني، التي لا تشكل فيه داعش إلا جزءاً من تحالف واسع، بخلاف ما يُشاع عبر وكالات الإعلام، من المهم في هذه المرحلة لبعض ما تبقى من أصوات عقلانية على الساحة أن تضغط من أجل صياغة سياسة واضحة الهدف فيما يتعلق بالتطورات الراهنة في المنطقة، بخاصة في سوريا والعراق.

ففي السابق، أدى التقاعس الناجم عن الخوف من العواقب المحتملة إلى تحويل هذه العواقب إلى  نبوءات ذاتية التحقيق (سوريا)، وأدت ردود الأفعال غير المدروسة والضربات التي وجهتها طائرات بدون طيار في غياب عملية سياسية للتعامل مع النتائج إلى تطورات كارثية على الأرض (اليمن، باكستان)، من حيث تعزيز التطرف وتسريع عمليات التفتيت المحلية. لم يعد من الحكمة بمكان للولايات المتحدة أن تثابر على هذا النمط الكارثي للتعامل مع المجريات، إذ لم يعد شعوب المنطقة تحمل المزيد من الآلام الناجمة عن ذلك.

إن تدخل الولايات المتحدة في العراق في هذه المرحلة، ما لم يترافق بإطلاق عملية سياسية إقليمية تهدف إلى معالجة الأوضاع في العراق وسوريا، سيضعها وبشكل مباشر في صف المعسكر الشيعي في المنطقة في معركته المستجدة ضد نظيره السني، وستكون الولايات المتحدة بذلك قد اختارت التدخل في صراع طائفي عنيف لم يبلغ ذروته بعد. ولا يهم في هذه المرحلة إذا كان الجانب المستهدف أولاً هو داعش أو غيرها من المجموعات التابعة لتنظيم القاعدة، فالتدخل العسكري ضد داعش في غياب عملية سياسية تهدف إلى التعامل بشكل فعال مع المظلومية السنية ومخاوفهم الوجودية الحقيقية والبينة أمر سيكون له انعكاسات سلبية كبيرة في المجتمعات السنية في المنطقة، بما فيها الأوساط العلمانية.

ودعونا لا ننسى هنا أن بروز داعش على الساحة ما كان ليحدث بهذه السرعة والقوة لولا دعم نظام الأسد وإيران. نعم، لقد نوهت في السابق أن داعش ليست عميلة للأنظمة الاستخباراتية السورية والإيرانية، كما يدعي البعض، وأنها منظمة مستقلة لها رؤيتها وأهدافها الخاصة، لكني نوهت أيضاً، أنه ومنطلق هذه الرؤية والمصالح، هناك عملية تنسيق واضحة بين داعش والنظامين في سوريا وإيران، وإن التركيز الإعلامي على داعش وتضخيم دورها على الساحة أمر يخدم مصلحة النظامين فيما يتعلق بالتحصل على تعاطف الغرب، ومصلحة داعش كذلك التي تريد أن تفرغ الساحة الثورية لها.

ولقد أكدت مؤخراً أيضاً أن الرئيس أوباما في رأيي على استعداد لرؤية المنطقة بأكملها تذهب إلى الجحيم، بدلاً من التدخل بأي شكل من الأشكال فيما يحدث فيها مرة أخرى، لكن، ونظراً لتزايد الضغوط عليه للتدخل في العراق، وفي مسعى محتمل لإقناع إيران بتقديم بعض التنازلات بخصوص برنامجها النووي، ربما يكون الرئيس أوباما على وشك القيام بتصرف غبي جديد. فتدخل أوباما في العراق بعد تقاعسه في سوريا سيخدم من جديد إيران وحلفائها، أي المعسكر الشيعي في المنطقة. وهكذا، سيكون أوباما، مستخدماً أقل ما يمكن من موارد مادية وبشرية، قد أقحم أمريكا في قلب الأحداث والتطورات المتسارعة في المنطقة، داعماً معسكراً بعينه ضد آخر، متخلياً عن حلفاء قدامى ومحتملين، ومتجاهلاً ما يجري من إبادة جماعية في سوريا، إن لم يكن مساهماً غير مباشر فيها، ومع كل ذلك، يُراد لنا الاعتقاد بأن هذا الموقف يعبر عن سياسات حكيمة ورشيدة.

هناك شيء ما أخرق في هذا كله، شيء يساهم في تمزيق نسيج المنطقة، وتحويلنا إلى وقود، ونحن، على ما يبدو، قد قبلنا هذا الدور.


الاثنين، 16 يونيو 2014

خواطر حول المحنة السورية ومستقبل المنطقة

مشهد من الدمار في حمص


لقد أفرزت الثورة السورية الكبرى في صفوف الثوار وبيئتهم الحاضنة عالماً شديد التنوع من الآراء والرؤى والقوى المتضاربة، وإشكالات لاتعد ولاتحصى حول مفاهيم أساسية مثل الهوية، والانتماء، والحداثة، والأصالة، والتنمية، بل والحرية والعدالة والكرامة، لأنها جاءت كمؤشر على رغبة حقيقية في الحياة والتقدّم.

أما النظام، فهو حتى اللحظة لم يتمكّن من، بل لم يحاول أساساً، تقديم إلا فكرة واحدة فقط، مع بعض التنويعات عليها في الأوساط المختلفة المؤيدة له، خلاصتها أن ما كانت عليه الأمور قبل الثورة يبقى أفضل من كل البدائل التي طرحتها الثورة، وأن محاولة الحفاظ على ما تبقّى من مظاهر ذلك الماضي القريب يبقى أفضل من التغيير، مهما كان الثمن.

هذا الطرح بطبيعته يتطلّب أن تظهر كل البدائل المطروحة على أنها أسوأ بالفعل مما كان قائماً. ولقد سعى النظام إلى تحقيق هذا من خلال استخدام العنف المفرط منذ بدء الثورة، مصحوباً بالتعبئة الشعبية القائمة على الكذب الصريح والتلاعب بالحقائق والمخاوف، ومن ثم السعي إلى فرض العنف على الطرف الآخر، وتحقيق الاختراقات وتقوية القوى المتطرفة في صفوفه، بل والتعامل معها عند الضرورة لإضعاف القوى الوسطية التي يمكن لها أن تجذب بعض مؤيديه.

النظام بمعنى آخر تاجر بالموت بكل أوجهه، سراً وعلناً، وفرضه كخيار وحيد على الجميع: مؤيدين وثوار.

وحتى اللحظة، لا تزيد النقاشات والحوارات الشعبية الجارية في صفوف مؤيدي النظام عن كونها ندباً وشجباً. أما تلك الجارية في صفوف "النخبة،" وخاصة الصف الثاني للتكنوقراط الذي انخرط في صفوف النظام في مرحلة ما قبل الثورة، ويقيم معظم نجومه اليوم خارج سوريا، إما لأن الأوضاع الأمنية المتدهوّرة اضطرتهم إلى الهجرة في مرحلة ما بعد انطلاقة الثورة، أو لأنهم كانوا أساساً من المغتربين العائدين، أما هذه الحوارات، فلا تنمّ إلا عن حنين إلى الماضي القريب، وإلى رؤية للتغيير أقنع هؤلاء أنفسهم بها وساعدوا على طرحها وترويجها، قوامها: أن تطوير وتحديث المجتمع السوري والدولة السورية تحت رعاية القائد الخالد الجديد، بشار الأسد، أمر ليس ممكناً وحسب بل كان قائماً بالفعل، وإن كانت وتيرته بطيئة بعض الشيء. ولقد وجدت هذه الرؤية دلائلها وتجلّياتها الإيجابية في العدد الكبير من المطاعم والفنادق والمراكز التجارية التي تم فتحها في المدن السورية الأساسية في غرب سوريا، خاصة بعد عام 2005.

لكن عملية "التطوير والتحديث" هذه تصاحبت أيضاً ببعض الأوجه السلبية التي غالباً ما يحاول أصحابنا تجاهلها، وتجاهل دورها في إشعال فتيل الثورة حتى اللحظة، تماماً كدأب رؤوس النظام أنفسهم. إذ أدت سياسات اللبرلة والخصخصة ورفع الدعم غير المدروسة والجارية في إطار غياب شبه كامل للاصلاحات السياسية والقانونية والتشريعية التي كان يمكن لها أن تلعب دوراً هاماً في السماح للاحتقانات الشعبية الناجمة عن هذه السياسات بالتعبير عن نفسها من خلال العمليات الانتخابية وما يصاحبها من حوارات شعبية ومظاهر احتفائية واحتجاجية، بل ومن خلال العمليات القضائية أحياناً في محاول للحد من الفساد والمحسوبيات.

لكن تبنّي سياسات اللبرلة في غياب لعمليات المحاسبة وتداول حقيقي للسلطة، حتى على أدنى المستويات التمثيلية، أدى إلى تسريع مفرط في وتيرة التفتيت الطبقي في الكثير من المدن، بل وعبر أنحاء سوريا، عبر المساهمة في ارتفاع نسب الفقر والبطالة، وفي زيادة الهوة التنموية والمعرفية ما بين الريف والمدينة، وفي زيادة نسبة هجرة، بل، في بعض الأحيان، تهجير، أبناء الطبقى الوسطى في الكثير من المدن إلى أطرافها المهملة غالباً، مفسحين المكان لظهور طبقة جديدة من المنتفعين، ولشرائح كبيرة من أصحاب المظلوميات والشكاوى. وزاد من الطين بلة في هذا الصدد، سنوات الجفاف التي شهدتها مناطق شمال الشرق في تلك المرحلة، وما تزال، مما أدى إلى تهجير ما يقارب من مليون مواطن باتجاه مدن الغرب، في غياب شبه مطلق وتام لإجراءات حكومية فعّالة تسعى للتخفيف من معاناة هؤلاء الناس ومن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تسببوا بها للمدن التي آوتهم.

وبسبب سياسة المحسوبيات السائدة، وطريقة النظام في التلاعب بالانتماءات الطائفية، ارتفعت في الوقت ذاته نسبة تواجد أبناء الأقليات في وظائف القطاع العام بشكل كبير، لايتناسب على الإطلاق مع حجمها الديموغرافي، ولايمكن تبريرها بناءاً على القدرات والمهارات. بل زادت حصة الأقليات الطائفية من وظائف القطاع الخاص بشكل ملحوظ أيضاً، بصرف النظر عن خلفية رب العمل الإثنية، نظراً لأن الكثير من أرباب العمل هؤلاء كانوا من الشخصيات لصيقة الارتباط بالنظام وبالعائلة الحاكمة، بشكل أو آخر.

إذاً، لقد اندلعت الثورة السورية في عام 2011، نتيجة عملية التطوير والتحديث الناقصة إياها التي قادها القائد الخالد الجديد بشار الأسد. بل بوسعنا القول أنها ابنته اللاشرعية الناتجة عن اغتصابه وتجاهله لحقوق شرائح اجتماعية واسعة ومن ثم محاولة معالجة الأمر بالتجاهل والتعتيم والقمع.

إن الرغبة بالعودة إلى ما كانت عليه الأوضاع في الماضي القريب لاينمّ عن تعامّ وتجاهل مطلق لمساوئ تلك الفترة الواضحة وللأسباب الكامنة ورائها، وهو الأهم، بل يدلّ أيضاً على وجود عقلية عند مؤيدي الأسد لا تقلّ سلفيتها عن سلفية بعض خصومهم، ولعل في قدرة الكثير منهم على قبول أكاذيب الأسد وتبريرهم للعنف المنهجي المفرط الذي فجّره ضد المحتجّين والثوّار السلميين منذ الأيام والأسابيع الأولى، أفضل دلالة على لاحداثية نفسياتهم وعقلياتهم، بل على كونهم في الواقع، وعلى اختلاف مذاهبهم وأطيافهم، وعلى الرغم من دراسة بعضهم في الغرب أو ولادتهم وتمضيتهم لفترات طويلة من حياتهم هناك، لايختلفون بشكل جوهري عن أتباع داعش والنصرة وغيرها من هذه المجموعات، وإن اختلفت المظاهر. فالحداثة ليست مظاهر وحسب. 

وفي واقع الأمر، لو كان خيار التطوير والتحديث برعاية بشار الأسد طرحاً مقبولاً للجميع لما اندلعت الثورة أساساً، حتى في حال قبلنا بنظرية المؤامرة القائلة بأن كل ثورات الربيع العربي ما هي إلا نتائج لمؤامرة غربية لإعادة تشكيل المنطقة.

ولنفترض لوهلة أن نظرية المؤامرة هذه، بصرف النظر عن تجلّياتها المتناقضة، صحيحة في جوهرها، وأن اندلاع ثورات الربيع العربي جاء نتيجة لتحريض خارجي، فهل يعفي هذا التصور الأنظمة الحاكمة والنخب المثقفة من المسؤولية العملية والأخلاقية والإنسانية، بل والقانونية، عما وقع ويقع من عنف؟

ألم تكن الأنظمة في منطقتنا استبدادية الطابع أساساً؟ أو ليس الاستبداد عيباً؟ أم أنه مرفوض فقط إذا ما مورس من قبل أشخاص ينتمون لعقيدة أو مذهب أو دين دون غيره؟ ألم تكن الطائفية مشكلة أساسية في مجتماعاتنا ناجمة تفاعلات تاريخية أصيلة؟ أو لم تشهد مجتمعاتنا مشكلة حقيقية تتعلّق بحقوق الأقليات القومية؟ ألم تكن التنمية الحقيقية مغيّبة؟ ألم يكن الفساد والمحسوبيات أسياد الموقف؟ ألم تكن جلّ التعيينات الحكومية في دول المنطقة تحدث على أساس الولاء السياسي والفئوي؟ وألم يؤثر ذلك على عمليات التحديث والتطوير والإصلاح في كل مؤسسات الدولة بسبب وجود أشخاص غير مناسبين ومؤهّلين في أماكن صنع القرار؟ ألم يكن الفقر والبطالة والجهل منتشرين في كل مكان، في غياب حقيقي وواضح لأية برامج قادرة على معالجة الموقف؟ ألم يكن قطاع التعليم في حالة تدهور مأساوية؟ ألم تكن المرأة مضطهدة؟ ألم يكن التطرف مستشرياً بسبب هذا كله؟ وألم تثبت الأنظمة الحاكمة عبر تغييبها الممنهج للحقوق وتسويفها المستمر فيما يتعلّق بإطلاق العمليات الإصلاحية القادرة على معالجة هذه التحديات بأنها جزء أساسي من المشكلة التي تواجهنا عوضاً عن كونها جزء من الحل؟

هل كان يمكن لأية قوى خارجية أن تتآمر وتفجّر الثورات لو كان عندنا طبقات ونخب حاكمة قادرة وراغبة على معالجة هذه التحديات؟ هل كان يمكن للثورة في سوريا أن تشتعل لو لم يوجد هناك قمع وظلم وفقر وبطالة وإهمال وفساد؟ ألم يُمنح بشار الأسد بالذات ما يكفي من الوقت لمعالجة هذه التحديات في سوريا؟ ألم تخدم الطريقة التي تصرّف بها منذ بداية الثورة المؤامرة المزعومة، أكثر من أي شيء قام به الثوار أنفسهم؟ 

منذ أكثر من عقدين من الزمن وهناك منّا من يطالب ويدعو إلى إجراء عمليات إصلاح سياسية شاملة في المنطقة للتكيف مع متطلبات العالم الجديد، عالم ما بعد الحرب البادرة، عالم مقدّر له أن يتحوّل بشكل أو آخر، إلى عالم متعدّد الأقطاب. إن مطالبة بعضنا بتبنّي مقاربات ديموقراطية ولامركزية في الحكم لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة إدراك عميق لتمتع الدول الديموقراطية اللامركزية بمرونة كبيرة تسمح للتنافس والصراع فيها أن يتبلور من خلال الأطر السياسية والقانونية والاقتصادية، فلا يأخذ طابعاً عسكرياً. ففي حال أرادت قوى خارجية ما التأثير على الصيرورات فيها، كان بوسعها اللجوء بكل بساطة إلى التعامل مع القوى السياسة المختلفة، عوضاً عن إشعال الثورات والدسائس، إن لم يكن لأسباب إنسانية فلأسباب مادية بحتة.  

وفي الواقع، لا يمكن لدول مثل دولنا، بسوياتها المعرفية والتنموية المتدنية في الوقت الحالي، أن تقف على قدميها في هذه المرحلة التاريخية دون مصانعة القوى الأكبر في المنطقة والعالم. ولايوجد ما يعيب في هذا. العيب كل العيب يكمن في تجاهلنا المستمر لأهمية تبنّي مقاربات موضوعية وطويلة الأمد لعملية التنمية، ولتجاهلنا لضرورة القيام بإصلاحات سياسية شاملة تسمح بتداول السلطة ومحاسبة الفاسدين، وبإقامة حوارات وطنية ضرورية بين الشرائح المختلفة المشكّلة للدول.

إن المساومة لا الممانعة، فيما يتعلّق بعلاقاتنا البينية وبالعلاقات القائمة مع "الخارج،" هي الطريقة المثلى للتعامل مع تحديات التغيير السياسي والبنيوي ومتطلبات التنمية في منطقتنا، وُجدت المؤمرات أم لم توجد. فما السياسات الدولية أساساً إلا عملية تآمر مستمرة وممنهجة. فكفانا ندباً ونعقاً في هذا الصدد. السيادة كانت وستبقى مصطلحاً هلامياً خاضع لأنواع مختلفة من التجاذبات، الداخلية والخارجية، السياسية والاقتصادية، ولا يمكن الحفاظ عليها ما لم تُحصّن الأوطان بالتنمية وبالحريات.

إن مطالبة حكامنا لنا بالاصطفاف ورائهم خلال الأزمات بصرف النظر عن مسؤوليتهم الواضحة فيما يتعلّق بافتعالها وتفعيلها، لأمر فيه من الاستخفاف والاستهتار بحقوقنا وعقولنا وأرواحنا ما يكفي لإشعال ألف ثورة. لكن، تثبت المحنة السورية مع ذلك وجود شرائح واسعة في أوساطنا على استعداد دائم للانصياع لرغبات الحكام، وللانجراف ورائهم أينما قادوا. وهذا من أكبر الدلائل على خطورة وحقيقة أزمة الهوية التي نمرّ بها في البلد، والمنطقة ككل. ولايمكن لنا تجاوز هذه الأزمة، لا في سوريا ولا في المنطقة، ما لم تتشكّل قناعة واضحة وعميقة عند القوى الفاعلة في صفوف كل شريحة مجتمعية بأن حلّ مشاكلنا، والوقوف في وجه المؤامرات إن وُجدت، لايكمن بالاصطفاف وراء الحكام بل وراء الحقوق. وإن تأخيرنا المستمر للتعامل مع هذه المسألة، وتسويفنا في هذا الصدد، سيغيّبنا عن التاريخ كله قريباً، إلا كوقود.

إذ على ما يبدو أننا في طريقنا لنضيف أجسادنا وأرواحنا أيضاً إلى تجارتنا المزدهرة بالنفط والغاز لتزويد محرّك الصيرورات التاريخية العالمية بالطاقة اللازمة.

عمار عبد الحميد، كاتب وناشط سوري مقيم في الولايات المتحدة.


الأحد، 15 يونيو 2014

الانتهاكات الممنهجة: خطنا الأحمر الحقيقي


الحقيقة المرّة التي لاينبغي لها أن تغيب لحظة عن عقول وقلوب الناشطين في مجال الدمقرطة وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، تتلخّص بما يلي:

أننا لا نزال نعيش اليوم في عالم لايتردّد فيه صناع القرار كثيراً فيما يتعلّق باستخدام القتل الجماعي كأداة مقبولة لتحقيق مصالحهم، إما عن طريق الانخراط المباشر، أو التلكوء والتجاهل. عالم لا يزال فيه من الممكن التغاضي عن وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان إذا ما كان الجناة قادرين على "خلق المشاكل" خارج حدود مناطقهم المعترف بها.

لكن هذا الموقف، ونم الناحية العملية، يجيز استمرار اللجوء إلى القوة الغاشمة والعنف من قبل جميع الأطراف الفاعلة من دون استثناء، لتحقيق أهدافها، وبالتالي فهو يمثل هزيمة فعلية للكثير من الاتفاقات والمعايير الدولية، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تشكل دعائم النظام العالمي الحالي. وهذا أمر لم يتلق الكثير من الاهتمام والتفكير بعد، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، خاصة فيما يتعلّق بانعكاساته على الأمن العالمي وقدرته على تقويض كل الجهود الرامية إلى إنشاء نظام دولي عادل للجميع.

وفي الوقت نفسه، هناك الكثير من الشخصيات والجهات في صفوف الناشطين ممن يصبون اهتمامهم فقط على تلك الانتهاكات والجرائم المرتكبة من قبل أعدائهم الإيديولوجيين مثل أمريكا و/أو إسرائيل، فيما نراهم على استعداد دائم لتقديم آلاف الأعذار لتبرير ذات الانتهاكات عندما تُرتكب من قبل معسكرهم الإيديولوجي الخاص، أو أحد الأطراف المتعاطفين معها لأسباب إيديولوجية. بل إن بعضهم على استعداد للذهاب إلى الخنادق والمتاريس للمشاركة الفعلية في ارتكاب الانتهاكات. ليست الجريمة هي القضية بالنسبة لهؤلاء إذاً، بل هوية الجاني. بؤس هذا النهج وهذه العقلية في التعامل مع قضية هي الأنبل في حياتنا: قضية النضال من أجل كرامة الإنسان وحريته، بل تمثل هذ العقلية جزءاً أساسياً من المشكلة التي تواجهنا.

لكن، وإذا ما كان بوسعنا في هذه المرحلة الاتفاق على إدانة جرائم وانتهاكات أساسية معينة، بغض النظر عن هوية مرتكبيها، ومظلوميتهم المزعومة، ربما يكون بوسعنا عندها، على اختلاف انتماءاتنا التنظيمية والعقائدية، الاتفاق على استراتيجيات وجداول عمل مشتركة.

لا للمزيد من عمليات القتل الجماعي. لا لأي انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان.

هذا هو الهدف الأساسي المشترك الذي ينبغي لنا أن نسعى إلى تحقيقه من خلال الضغط على القوى العالمية للاتفاق على إنشاء مؤسسات وتبني آليات فاعلة بعينها لاستخدامها لمنع وقوع هذه الانتهاكات ولجلب المنتهكين إلى العدالة، وتعويض الضحايا.

علاوة على ذلك، لا ينبغي اعتبار التركيز على تفعيل دور الدول الديموقراطية لتقود الحراك العام لوقف هذه الانتهاكات، وإن من طرف واحد أحياناً، على أنه يمثل استراتيجية غير شرعية أو حكيمة في هذا الصدد، خاصة في وقت يمكن فيه شلّ دور الأمم المتحدة وبسهولة عن طريق استخدام حق النقض من قبل قوى متورطة حتى الصميم في ممارسة انتهاكات جسيمة، بما في ذلك القتل الجماعي، سواء بشكل مباشر أو عن طريق توفير الدعم لحلفائها المنخرطين في حملات من هذا النوع.

وربما آن الآوان بالفعل لكي يقدم الحقوقيون في صفوفنا تصورات جديدة لإعادة هيكلة الأمم المتحدة ذاتها، وآليات صنع القرار فيها، وللعمل على إدارة حوار عالمي مفتوح في هذا الصدد.