‏إظهار الرسائل ذات التسميات السنة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السنة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 7 ديسمبر 2018

ملاحظات حول أصل داعش

سمير غانم: "لا المتين بينفع ولا المتينة، علأصل دوّر!"
ابن الوردي: "لا تقل أصلي وفصلي أبداً، إن أصل الفتى ما قد حصل"


السيرة الذاتية لأحد أهم قياديي داعش الراحلين تلقي أضواء جديدة على أصول تنظيم الدولة الإسلامية – هذا هو محور حلقتنا الأساسي لهذا الأسبوع.

الجولة الإخبارية

في تونس، التونسيون يحتجون بالآلاف على زيارة بن سلمان لبلدهم
في فرنسا، استمرار احتجاجات ذوي السترة الصفراء
في واشنطن، الرئيس ترامب ينتقد قرار جنرال موتورز تخفيض موظفيها بنسبة 15%
في لقاء إعلامي، كلينتون تشجع الدول الأوروبية على تقييد الهجرة
في مصر، شيخ الأزهر يختلف مع طروحات الرئيس السيسي فيما يتعلق بدور السنة النبوية
فاز ورب الكعبة! القائد الشيشاني رمضان قاديروف يزور قبر الرسول في مكة
في الهند، مقتل مبشر أمريكي خلال محاولته التبشير في جزيرة نائية

الملاحظات التحضيرية لهذه الحلقة:

داعش – هذه المنظمة الإرهابية العالمية التي ما تركت جريمة إلا وارتكبتها عبر السنين الماضية سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا أو مصر أو غيرها من الدول، غالباً ما يربط الباحثون نشأتها بالغزو الأمريكي، وبفشل الإدارتين الأمريكيتين السابقتين على التعامل معها بشكل فعّال. لكن، وبعيداً عن التسييس، تبدو قصة نشأة داعش أكثر ارتباطاً بطبيعة المجتمعات في المنطقة منها برد فعل على السياسات الأمريكية.

دراسة مهمة جداً للباحث والصحفي المتميز حسن حسن نشرت مؤخراً على موقع ذي أتلانتيك يتحدى كل ما كتب من قبل حول نشأة تنظيم الدولة الإسلامية أو داعش والذي ربط ظهور هذه المنظمة بالغزو الأمريكي مباشرة.

الدراسة استندت إلى كتاب تم تداوله مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي المدارة من قبل الإسلاميين. مؤلف الكتاب هو ابن أحد أهم قياديي داعش: عبد الرحمن القادولي، وهو عراقي من محافظة نينوى والمعروف باسمه الحركي أبو علي الأنباري، ويتعامل الكتاب المؤلف من 93 صفحة مع حياة أبو علي الأنباري ونشاطاته خلال فترة التسعينات إلى أن قتل في 2016. استند مؤلف الكتاب على يوميات تركها أبو علي الأنباري نفسه وعلى لقاءات عدة مع الجهاديين الذين عملوا معه. واستند حسن حسن في دراسته على هذا الكتاب وعلى لقاءاته الخاص مع الخبراء بل وبعض المتمردين السوريين الذين احتكوا بأبو علي وداعش خلال الحرب في سوريا.

قبل الدراسة، كانت هناك قراءة مجتزأة لقضية ظهور داعش، قراءة أهملت ما حصل في المجتمع العراقي قبل الغزو، خاصة في الفترة الواقعة ما بين تحرير الكويت والغزو نفسه. لجوء نظام صدام حسين للدين في تلك الفترة كان واضحاً، خاصة في إضافة شعار الله الأكبر إلى العلم الوطني. بل تم عقد مؤتمرات سنوية للتنظيمات الإسلامية المتشددة في بغداد، كامتداد لحملة تشجيع التدين التي تم أطلاقها في ذلك الحين.

وهذا ما يقودنا إلى النقطة التالية: 

في رأيي أن جذور قضية التشدد الإسلامي في العراق أقدم حتى من هذا. علينا أن نأخذ بعين الاعتبار حالة الضعضعة التي شهدها المجتمع العراقي نتيجة الحرب مع إيران. على السطح بقي المجتمع علمانياً، والتزم صدام حسين بتشدقه بالعروبة، لكن الواقع أن حروب لعبت فيها الطائفية دوراً كبيراً في التجييش الشعبي، وفي مجتمع كان للتركيبة الطائفية فيه أهميتها الوجودية حتى قبل ذلك من حيث اعتماد صدام ومن معه على تأييد طائفة معينة وعشائر معينة، لا يمكن للتشدد الديني ألا يلعب دوره في الموضوع. صحيح أن الانتماءات الطائفية لا تكون دائماً دينية الطابع، وغالباً ما تأخذ طابعاً عشائرياً وقبلياً، لكن، في العمق، الدين هو الأساس، والاختلافات الطائفية والتمايز الطائفي هي في جوهرها تعبير على اختلافات عقائدية. ومن الطبيعي أن يصبح هذا التعبير أكثر فجاجة وتقليدية وتشدد وطهرانية في أوقات الأزمات. بمعنى، أن المجتمع العراقي الذي ظهر بعد الحرب كان كتلة من الاحتقانات، إذ تقوقع كل مكون، سواء عرّف نفسه على أسس دينية أو طائفية أو عشائرية على نفسه، زادت نسبة التعصب والعزلة والتشكك عند كل مكون، وأصبح الوضع مهيأ لانفجار داخلي، وأعتقد أن سياسات صدام الصدامية مع دول جوار مثل الكويت بعد الحرب مع إيران كانت تعبيراً عن ذلك، ومحاولة لإيجاد طرق لتفريغ الشحنات.

الحرب مع إيران هي التي مهدت لانهيار المجتمع العراقي وظهور التشدد العرقي والمذهبي، ومن ثم جاءت حرب الكويت وفترة الحصار لتمهد بالتدريج لتأسيس للعمل المنظم على هذا الأساس، وبالتالي لظهور القاعدة، بل جسد أكثر تطرفاً منها: كيان يضع الصراع مع الشيعة والأنظمة العلمانية في صلب اهتماماته ويعمل عليها بالتزامن مع حربه مع الغرب والولايات المتحدة والعالم.

بالعودة إلى أبو علي الأنباري، خريج كلية الشريعة في جامعة بغداد في عام 1982، والذي قاتل في الحرب ضد إيران، فمن الواضح الآن أنه بدأ نشاطاته في منتصف التسعينات، كإمام يخطب ضد الشيعة والمتصوفة في تلعفر في شمال العراق، ومن ثم كمقاتل مع التنظيمات الجهادية الكوردية. وبعد هجمات 11 أيلول الإرهابية، وبحسب سيرة أبو علي الأنباري نفسه، تم تأسيس "نواة للإمارة" الداعشية في تلعفر.

"وجهات نظر الأنباري المتطرفة، التي انعكست في وقت لاحق على "تنظيم الدولة"، تشكلت قبل الغزو الأمريكي للعراق، وقبل أن يلتقي بالزرقاوي."...  "الاستعدادات للجهاد كانت تنضج، من حيث التمويل والرجال والأسلحة... كل هذا كان يحدث في ظل حكم البعث". (الرابط)

دعنا نتوقف هنا قليلاً لنقارن الوضعين في العراق وسوريا: العراق في التسعينات تحت الحصار، أصبح مثل سوريا في الثمانيات تحت الحصار. نعم كان هناك قمع للإخوان وللإسلاميين المعادين للسلطة، لكن، كان هناك تشجيع للفكر الجهادي الموجه ضد الغرب، وكانت تجري مؤتمرات سنوية للإسلاميين المتشددين برعاية وزارة الأوقاف، واستمرت هذه النزعة عند نظام الأسد حتى في فترة التسعينات وما بعد، المؤسسات الإسلامية الرسمية وشبه الرسمية، استخدمت للتواصل مع الحركات الجهادية العالمية. طبعاً، هذا الوضع أعطى الأجهزة الاستخباراتية السورية تصور دقيق عن عمل هذه المنظمات والقدرة على اختراقها، وهذا ما جعل الكثير من الأجهزة الاستخباراتية العالمية تنسق وتتعاون معها على الرغم من التضارب في السياسات. وبعد غزو العراق، استغل النظام السوري هذه الخبرة في بناء شبكات وخلايا إسلامية لمقاومة الوجود الأمريكي هناك. ولما بدا واضحاً للنظام أنه لا يوجد نية عند إدارة بوش لغزو سوريا، بل على العكس، أن دعمه للجهاديين هو الذي يمكنه أن يدفع الأمريكيين لتوجيه ضربات عسكرية لسوريا قد تزعزع استقرار النظام، بدأ حملة من الاعتقالات بحق الجهاديين، وهم الجهاديون الذين أطلق سراحهم في بداية الثورة، أصبحوا قادة للحركات الجهادية في سوريا، بما فيها النصرة أو فتح الشام وداعش.

وهكذا نرى كيف ساهم النظامين العلمانيين الطائفيين في كل من سوريا والعراق بتسهيل ظهور وانتشار الحركات الجهادية المتطرفة في كلا البلدين.

موقف عمار

البنية التحتية السياسية والفكرية والمجتمعية اللازمة لانتشار الفكر المتشدد وظهور منظمات إرهابية كالنصرة وداعش كانت موجودة قبل عقود من الغزو الأمريكي للعراق، ونشأت عن السياسات التي انتهجتها الأنظمة الحاكمة وفشل النخب المعارضة لها، سياسياً وفكرياً، في فرز بدائل واضحة ومقنعة. داعش، النصرة، حزب الله، نظام الأسد، نظام صدام، كلها سلع محلية المنشأ، إن لم تعجبنا، فلنسعى إذن لتغيير ما بأنفسنا.

السبت، 25 يونيو 2016

عن الرِّدة والغَلَبَة وحرية الاعتقاد




أنَّ الرِّدة كمصطلح فقهي إسلامي هي الخروج عن الإسلام بعد الدخول فيه سواء رجع إلى دينه الأصلي قبل الإسلام أو إلى دين آخر أو أصبح لا دينيًّا أو أصبح ملحدًا، ويجب أن نعلم أن حرية الاعتقاد شيء وحرية الارتداد شيء آخر؛ لأن المرتد عرف الحق ودخل فيه ثم أدار ظهره له وخرج إلى شيء آخر، وهذا في حد ذاته انحراف... وتابع: «المرتد قد يشكل خطراً على المجتمع الإسلامي، لأن تصميمه على الخروج من عباءة الدِّين الذي كان عليه غالباً ما تصاحبه مشاعر عدائية ضد هذا الدين، لكن قد تكون هناك أزمات فكرية تمر ببعض الأفراد جعلته لم يعد يؤمن بهذا الدين، سواء تحت إغراءات مادية أو إغراءات فكرية بدين آخر أو بمذهب آخر، واكتفى بأن يخرج من دينه ويتدين بطريقة أخرى، وهذا لا يشكل خطورة على المسلمين ولا على المجتمع الإسلامي، لكن فقه القديم كله فيه أن الردة بشكل عام خطر على الإسلام وخطر على المجتمع الإسلامي. واختتم شيخ الأزهر حديثه بأن البيئة والمنطلقات والثقافات التي أنتجت حرية الردة وحرية تغيير الدين وحرية العودة إلى الدين وحرية اللادين، تختلف تمامًا مع الأرضية والثقافة التي ينشأ فيها حكم إسلامي يتعامل مع الردة، ولذلك من الظلم أن نتحاكم إلى حقوق إنسان نشأت في بيئة تختلف مع الآخر اختلافًا جذريًّا.

من حق المرء أن يغير رأيه ومعتقده، خاصة فيما يتعلق بقضايا وجدانية مثل الدين. نعم قد يشكل هذا الأمر تحدياً للمجتمع وقيمه الراسخة كما حذر الدكتور الطيب، لكن هذا الأمر لا يعطي للمجتمع الحق في تقييد حرية وجدانية كهذه، بل على المجتمع أن يوجد طرقاً أخرى للتعامل هنا غير الحد من حرية الناس، أفراداً وجماعات. إذ لم تعد حقيقة نشأة مفهوم حقوق الإنسان في بيئة غير إسلامية بذات الأهمية التي يخالها الشيخ، فبعد مرور أكثر من قرن على طرحه، وغيره من المبادئ المرتبطة بالحداثة عموماً، برزت في "ديار الإسلام" شرائح بشرية واسعة تأثرت به وأصبح لدى مكوناتها قناعة قوية بضرورته في تشكيل مصيرها. من هذا المنطلق، أصبح مفهوم حقوق الإنسان قضية مصيرية داخلية ولم يعد من الممكن التعامل معه كشأن خارجي أو فرعي.

ولا ننسى هنا أيضاً أن الإسلام نفسه مر بمرحلة من هذا النوع في بداية ما يسمى بعهد الفتوحات، مرحلة مثّل هو فيها الفكرة غريبة المنشأ في المجتمعات السورية والمصرية والمغاربية، فكرة فرضت نفسها على الساحة مستفيدة من الفرص الكثيرة التي أتيحت أمامها جراء ارتباط أصحابها ومعتنقيها بالسلطة السياسية القائمة.

 لا، لم يُجبر الناس في هذه المجتمعات على اعتناق الإسلام، لكنه أصبح واقعاً سلطوياً فيها بقوة السلاح، ومن خلال سيطرة أصحابه على مؤسسات الدولة ونفوذها، وليس بقوة معتقداته وأفكاره وحسب. لقد جاء دور الفكر لاحقاً هنا، ولقد كان للشخصيات والنخب الجديدة التي اعتنقت الإسلام وحاولت التقريب بينه وبين الثقافة السائدة في الأوساط الإجتماعية والمختلفة، دوراً كبيراً في تسهيل تقبل شرائح واسعة له من خلال محاولاتها تأسيس مصدر جديد للتشريع في الإسلام، ألا وهو الحديث – ذلك الباب الواسع الذي سمح بإسباغ غطاء إسلامي على الكثير من الأعراف والتقاليد المحلية المقدسة عن طريق إيجاد، أو بالأحرى ابتكار، سوابق لها في حياة الرسول وصحبه.

ومع ذلك، وبسبب التعقيدات الناجمة عن الاقتتال الداخلي بين المسلمين، من الصعب تصور نمو الإسلام ليصبح دين الأغلبية قبل مرور قرنين من الزمن، لكن يبقى هذا الطرح مجرد افتراض شخصي في هذه المرحلة، ولا شك أن الأمر يتطلب الكثير من التمحيص قبل البت فيه.

وتكمن القضية الأساسية هنا في أهمية إدراك أن الإسلام كان لفترة طويلة من الزمن دين الأقلية الحاكمة في معظم الأراضي الواقعة تحت سيطرته، ومع ذلك، من الواضح أن المسلمين طوّروا نظرتهم وأفكارهم وتشريعاتهم المتعلقة بالسلطة من منطلق قوة وهيمنة، سمح لهم بتجاهل حجمهم الديموغرافي الأقلوي من جهة، وبتقسيم العالم  إلى دار حرب ودار صلح ودار سلام من ناحية أخرى.

في عالمنا المعاصر هذا، أصبحت الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية قائمة على مبدأ التوازنات، الداخلية منها والخارجية. لقد أصبح مبدأ الغلبة مرفوضاً بالكامل، ليس من منطلق فكري أخلاقي وحسب، بل من منطلق عملي.  ففي عصر الأسلحة النووية والحروب الشاملة وتداخل المصالح، بل والعوالم، الافتراضي منها والمادي، وما في ذلك من تمييع لمفهوم السيادة ومناطق النفوذ، يؤدي التعامل مع المتغيرات استناداً إلى مبدأ الغَلَبَة إلى استدامة الصراعات ونشر الفوضى في كل مكان. قد يناسب هذا الأمر الحركات الإرهابية، لكنه لا يمكن أن يمهّد لقيام الدول، ناهيك عن الحضارات.

ولأن المسلمين يتعاملون مع العالم اليوم من واقع قائم على الضعف والشرذمة يشكّل الإصرار على مبدأ الغَلَبَة تكريساً لهذا الواقع.

لكن الانتقال نحو رؤية مختلفة للأمور يتطلب تحقيق قفزة أو طفرة على مستوى الوعي، إذ لا يكفي التراكم المعرفي هنا ما لم يؤدي إلى إعادة تشكيل الحدس ذاته، والدليل تعامل معظم اليساريين والقوميين العلمانيين المسلمين وفقاً لمنطق الغلبة التقليدي إياه.

من ناحية أخرى، تشكل فكرة رفض الردة من قبل علماء المسلمين، على اختلاف توجهاتهم وطوائفهم، بل وتجريمها، تمثلاً داخلياً لمبدأ الغلبة. ولهذا بالذات، لا يكمن التساهل في تعاملنا معها أو اعتبارها قضية ثانوية، بل هي القضية الأساس ونقطة الانطلاق نحو إعادة تشكيل وعينا، الفردي منه والجمعي.

ولكي لا نظن أن موضوع الردة قضية تخص الطوائف السنية وحسب، ربما كان من المفيد الإطلاع على هذه الفتوى من فتاوى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني:
  

السؤال: ما هو تعريفكم للمرتد بالتفصيل؟
الجواب: المرتد وهو من خرج عن الاِسلام واختار الكفر على قسمين: فطري وملّي، والفطري من ولد على اسلام احد ابويه أو كليها ثم كفر، وفي اعتبار اسلامه بعد التمييز قبل الكفر وجهان اقربهما الاعتبار. وحكم الفطري انه يقتل في الحال، وتبين منه زوجته بمجرد ارتداده وينفسخ نكاحها بغير طلاق، وتعتد عدة الوفاة ـ على ما تقدم ـ ثم تتزوج ان شاءت، وتُقسّم امواله التي كانت له حين ارتداده بين ورثته بعد اداء ديونه كالميت ولا ينتظر موته، ولا تفيد توبته ورجوعه الى الاسلام في سقوط الاحكام المذكورة مطلقاً على المشهور، ولكنه لا يخلو عن شوب اشكال، نعم لا اشكال في عدم وجوب استتابته. وأما بالنسبة الى ما عدا الاحكام الثلاثة المذكورات فالاقوى قبول توبته باطناً وظاهراً، فيطهر بدنه وتصح عباداته ويجوز تزويجه من المسلمة، بل له تجديد العقد على زوجته السابقة حتى قبل خروجها من العدة على القول ببينونتها عنه بمجرد الارتداد، والظاهر انه يملك الاموال الجديدة باسبابه الاختيارية كالنجارة والحيازة والقهرية كالارث ولو قبل توبته. واما المرتد الملّي ـ وهو من يقابل الفطري ـ فحكمه انه يستتاب، فان تاب وإلاّ قتل، وانفسخ نكاح زوجته إذا كان الارتداد قبل الدخول أو كانت يائسة أو صغيرة ولم تكن عليها عدة، وأما إذا كان الارتداد بعد الدخول وكانت المرأة في سن من تحيض وجب عليها ان تعتد عدة الطلاق من حين الارتداد، فان رجع عن ارتداده الى الاسلام قبل انقضاء العدة بقي الزواج على حاله على الاقرب وإلاّ انكشف انها قد بانت عنه عند الارتداد. ولا تقسم أموال المرتد الملي إلاّ بعد موته بالقتل أو غيره، وإذا تاب ثم ارتد ففي وجوب قتله من دون استتابة في الثالثة أو الرابعة اشكال. هذا إذا كان المرتد رجلاً، واما لو كان امرأة فلا تقتل ولا تنتقل اموالها عنها الى الورثة إلاّ بالموت، وينفسخ نكاحها بمجرد الارتداد بدون اعتداد مع عدم الدخول أو كونها صغيرة أو يائسة وإلاّ توقف الانفساخ على انقضاء العدة وهي بمقدار عدة الطلاق كما مر في المسألة (٥٦٣). وتحبس المرتدة ويضيّق عليها وتضرب على الصلاة حتى تتوب فان تابت قبلت توبتها، ولا فرق في ذلك بين أن تكون مرتدة عن ملة أو عن فطرة.


الخميس، 12 يونيو 2014

ملاحظات حول التطورات الراهنة في العراق

آلاف من العائلات العراقية تغادر الموصل بعد استيلاء تحالف من المتمردين السنة عليها

وحدها إيران وحكومة المالكي الخاضعة لها يريدان لنا أن نصدق أن هناك جهة وحيدة مسؤولة عن الهجوم الحالي في شمال ووسط العراق، والذي أدى إلى سقوط مجموعة هامة من المدن والبلدات العراقية في أيدي المتمردين السنة، ألا وهي الدولة الإسلامية في العراق والشام. لكن الواقع أن الدولة لاتزيد عن كونها جزءاً، وإن كان هاماً، من تحالف سني أوسع يضم قوى أخرى، إسلامية، وقبائلية، وبعثية، همه الأول والأساسي في هذه المرحلة هو الدفاع عن مصالح السنة في العراق عن طريق إخضاع المناطق السنية لسيطرته المباشرة، وذلك بعد سنين طويلة من فشل الحكومة العراقية في التعامل مع الملف السني بتعقّل وحكمة. 

من ناحية أخرى، تبدو الرؤية التي يطرحها البعض حول كون إيران العقل المدبّر الحقيقي لهذا الهجوم، والداعم والمستفيد الأكبر منه، وذلك في إطار محاولتها المزعومة إقناع الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي بالسماح لها بالتدخل مباشرة في العراق ساذجة إلى حد كبير. لأن مثل هذا التدخّل سيكون مكلفاً جداً بالنسبة إيران، التي لاتحتاج إلى إذن أساساً، فهي متورّطة بما يكفي في المستنقعين العراقي والسوري ومنذ سنين، ولا حاجة حقيقية لها للتورّط أكثر من ذلك، خاصة بشكل سافر. وإذا ما قررت إيران التدخّل بشكل سافر بالفعل فيما يجري في العراق حالياً، محاولة رد الهجوم واستعادة ما سقط من المدن، فسيمثّل ذلك سوء التقدير كبير للعواقب المحتملة من جانبها.

إن أفضل ما يمكن أن تفعله إيران في هذه المرحلة هو القيام بمساعدة حكومة المالكي لتأمين والدفاع عن جيب شيعي في جنوب العراق، تماماً كما قامت بمساعدة نظام الأسد على إنشاء جيب موالٍ في الأجزاء الغربية من سوريا، والذي سيكون أكثر تنوّعاً ديموغرافياً من أن يتمّ تعريفه بدقة على أنه جيب علوي، لكن السيطرة الهيكيلية ستكون للعلويين بالفعل، وسيكون صنع القرارات المفصلية دائماً حكراً على عائلة الأسد وعلى حلفائها من الطائفة العلوية، وغيرها من الشرائح والطوائف، ومن خلفهم جميعاً، بل وفوقهم، إيران.

إن التطورات الجارية حالياً في العراق وسوريا هي في الواقع متعلّقة وبشكل واضح بعملية إعادة رسم للحدود وإعادة تصميم للمنطقة. وملا تنتهي مرحلة تأمين الحدود المبدئية لكل طيف، سينخرط كل معسكر في خلافاته الداخلية حول ما يتعلّق بالسيطرة على المناطق المختلفة الواقعة تحت سيطرته، وحول طبيعة النظام الحاكم في كل منها، وبالتحديد درجة أسلمته.

ومن المنطقي في هذه المرحلة أن يسعى الأكراد للاستفادة من هذه التطورات فيحاولوا تأمين وتوسيع الجيوب المختلفة الخاضعة لسيطرتهم في البلدين، وخاصة في العراق. ومن المرجح أن تتمتّع الجيوب ذات الأغلبية الكوردية في العراق بشكل خاص، وربما في محافظة القامشلي في الطرف الشمالي الشرقي من سوريا أيضاً، بقسط أكبر من الأمن والاستقرار بسبب وجود هياكل سياسية وأمنية، وميليشيات مثل البيشمركة، أكثر نضجاً من مثيلاتها في المناطق ذات الأغلبية العربية،  وخاضعة لإدارة أكثر حرفية وانضباطاً منها. وبسبب الطبيعة العلمانية للقوى الحاكمة في المناطق الكوردية، وبصرف النظر عن نفوذ حزب الاتحاد الديمقراطي في المناطق السورية والمثير دائماً للجدل، من المرجح أن تتلقّى المناطق الكوردية دعماً غربياً أكثر من غيرها مما سيساعدها في الحفاظ على استقرارها، وعلى إدارة عملية التنمية المحلية بشكل أنجع في المستقبل.

لقد كانت الفرصة المتاحة لتجنب وقوع كل هذه التطورات في منطقتنا دائماً محدودة، وتطلّبت وجود نخب سياسية أكثر نضجاً ومعرفة مما كان متاحاً. لكن، فات أوان الوقوف في وجه هذه الصيرورات اليوم. ولقد أصبحت المهمّة الرئيسية للناشطين في مجال حقوق الإنسان والدمقرطة اليوم تتلخّص في محاولة إدارة هذه المرحلة بشكل يسمح بتقليل الخسائر ويفسح المجال لتضميد الجروح ومعالجتها في المستقبل. وما بالوسع في مواجهة هذا كله إلا أن نأمل في أن يكون لدينا ما يكفي من النضج والفهم لنستوعب طبيعة المرحلة القادمة، وطبيعة تحدّياتها، ونهيئ أنفسنا لإدارتها بشكل ناجع.


الاثنين، 22 يوليو 2013

الصراع في سوريا: نظرة على الموالاة وما وراء المواقف المعلنة


يتكلّم الكثير من الموالين لنظام الأسد منذ انطلاقة الثورة السورية عن مؤامرة "الفوضى الخلاقة" التي يرون أنها المحرّك الأساسي لظاهرة الربيع العربي، الظاهرة التي تهدف، في رأيهم، إلى فرض تقسيمات جديدة على المنطقة كما حدث جراء معاهدة "سايكس-بيكو" في القرن الماضي. لكن، وبعد سنتين من القمع الممنهج وما نجم عنه من قتل وتدمير للبنى التحتية في البلاد وتهجير للسكان وتغيير للطابع الديمغرافي لنواحي ومدن بأسرها، بات واضحاً أن الأسد ومواليه يخدمون قضية الفوضى الخلاقة أكثر من أية قوة أخرى على الأرض، بما في ذلك القاعدة نفسها. إذ تساهم طريقة نظام الأسد وحلفائه بالتعامل مع المؤامرة المتوهمة في مساعدتها على تحقيق أهدافها المزعومة، فأي فوضى أكثر من تلك التي أفرزها قمعهم؟ ففي حال سلّمنا بوجود المؤامرة، من الواضح أن مهندسيها كانوا يتوقّعون تماماً، بل يعوّلون، على طريقة الأسد في التعامل مع الثورة والثوار، وعلى حالة المترسة الطائفية والإثنية التي نراها في البلاد اليوم، خاصة في صفوف الموالاة. تماماً كما كانوا يعوّلون على ضعف وتخبّط المعارضة.

لكن الحديث عن مؤامرات هنا إنما يشير إلى استمرار حالة انعدام الرؤية الموجود على الساحة السياسية والفكرية للمعارضة السورية، لأن ما يجري في سوريا والمنطقة اليوم جاء في الحقيقة نتيجة عوامل موضوعية داخلية واضحة، منها الانفجار السكاني، اللاعدالة في توزيع الموارد على المناطق والفئات المختلفة، البطالة، ضعف التنمية، عدم أهلية المؤسّسات الحاكمة على التعامل مع هذه التحديات بسبب اعتمادها سياسة الولاءات لا الكفاءات في التعيين، استخدام الأنظمة الحاكمة لسياسات تفتيتية لتكريس سيطرتها على شعوبها، تزايد حدة الصراع الإقليمي بين الدول الفاعلة في المنطقة، خاصة السعودية وإيران، إلى آخره من عوامل. لم يكن من الصعب على مجموعة من المحلّلين الموضوعيين أن يخلصوا بناءاً على ذلك كله إلى أن عصر الثورات والفوضى في المنطقة قادم لا محالة، وليس من المستغرب في هذه الحال أن يقوم المحلّلون الغربيون منهم على وجه التحديد بطرح فكرة "الفوضى الخلاقة" كوسيلة للتعامل مع هذه الثورات ومع الأزمات الناجمة عنها لتحقيق مصالح دولهم المعتادة والمتعلّقة بتأمين منابع الطاقة ومكافحة الإرهاب. لكن الدلائل المتراكمة على الأرض اليوم تشير إلى أن طريقة الحكومات الغربية الحالية في التعامل مع التطورات لا تنسجم، على المدى المتوسط والطويل على الأقل، مع تحقيق هذه المصالح، خاصة فيما يتعلّق بمكافحة الإرهاب، فوضع السيناريوهات شيء وتنفيذها شي آخر تماماً، خاصة في ظل التغير المستمر للقيادات السياسية وللظروف الاجتماعية والاقتصادية في الدول الغربية.

القصة ليست قصة مؤامرات إذاً. ففي الواقع، يدرك الكثير من مثقفي الموالاة تماماً حماقة الإدعاءات المتعلّقة بالمؤامرة الكونية التي ما انفكّت وسائل إعلام  النظام تتحدّث عنها، ومع ذلك لن يتوقف هؤلاء المثقفين عن ترديدها الببغائي لأن المشكلة معهم تتلخّص في أن رؤيتهم الإيديولوجية للأمور، هذه الرؤية التي كانت لخلفياتهم الطائفية والمناطقية والعشائرية والاجتماعية دور كبير إن لم نقل الدور الأكبر في صياغتها، علاوة على مصالح بعضهم المادية، جعلتهم غير مستعدين على الإطلاق لقبول فكرة التغيير السياسي في البلاد، إن في هذه المرحلة أو في المستقبل المنظور، لذا نراهم وقد اختاروا أن يكونوا مشاركين طوعيين في الترويج للنظام وأكاذيبه.

فبالنسبة لهؤلاء المثقفين المسألة مسألة وجود أولاً، وما يزال هذا الوجود في رأيهم مرتبط ببقاء نظام الأسد كما هو. وإذا كان لابد من التغيير، فهم يرون أن التغيير الممكن الوحيد الذي بوسعه ضمان سلامتهم ومصالحهم لايمكن أن يأتي إلا من القمة، وهم من خلال دفاعهم عن النظام ربما يأملون في المساهمة في إدارة هذا التغيير في المستقبل. لكن، وفي هذه المرحلة بالذات، لايهمهم على الإطلاق حجم الجرائم التي يرتكبها الأسد وزلمه، ولا فرق عندهم إذا ما كانوا يتلاعبون بهم أم لا، ولم تعد السيادة الوطنية بالضرورة تعنيهم، لأن أزمة الثقة التي تفصلهم عن الشرائح الشعبية الأوسع، بما فيها ممثلي هذه الشرائح في المعارضة، هي الأزمة الحقيقية بالنسبة لهم وهي لبّ المشكلة، وهي مشكلة طائفية في الصميم بالنسبة لأغلبيتهم. إن التغيير الديمقراطي المنشود لابد وأن يؤدي بسبب الطبيعة الديمغرافية للبلد إلى سيطرة سنية قوية على الساحة السياسية والاقتصادية وبالتالي إلى تهميش بل اضطهاد الأقليات. والسنيّ، من المنظور الطائفي لهؤلاء المثقفين، وبصرف النظر عن معتقداته السياسية، إن كان علمانياً أو إسلامياً، سيبقى محكوماً بانتمائه الطائفي وبالآراء والمفاهيم السائدة في محيطه الاجتماعي فيما يتعلّق بالأقليات، وبتاريخ الصراع ما بين المكونات السورية على الأقل منذ مجيء نظام البعث والأسد، إن لم نقل منذ الاستقلال أو منذ عصر الفتنة الكبرى وولادة النزعات الطائفية والمذهبية في الإسلام، وبالتالي لن يكون بوسع النخب السياسية السنية التي ستفرزها العملية الانتخابية الديمقراطية في سوريا في حال سقط النظام أن تصون حقوق المكونات الأخرى في الدولة والمجتمع، على الأقل في منظور مثقفي الموالاة هؤلاء.  

ولايغير وجود شرائح واسعة من السنّة في صفوف الموالاة في هذا التحليل من شيء، لأن علاقة هذه الشرائح مع أبناء طائفتهم كانت دائماً إشكالية، وهو الأمر الذي دفعهم إلى صفوف الموالاة أساساً، فهم إما من التجار الذين باتت تربطهم مع النظام مصالح اقتصادية قوية، وبالتالي لا مصلحة لهم في التغيير، أو من عشائر كانت مغمورة قبل مجيء نظام الأسد وما سطع نجمها إلا من خلال بيع ولائها له مقابل مكاسب مختلفة، أو من الطبقات الفقيرة التي ارتبطت مصالحها الحياتية بالعمل مع المؤسسات الأمنية أو العسكرية، أو من النخب الفكرية والتكنوقراطية التي تقف مع النظام مدفوعة بعقائدها الإيديولوجية الخاصة علاوة على مصالحها الشخصية.

وفي الحقيقة، يمثل بقاء النظام بأجهزته الأمنية وتغلغلها في مفاصل الدولة ومؤسّساتها المختلفة الضامن الحقيقي بالنسبة للموالاة بكل شرائحها. في حين يمثل فكّ ارتباط وتغلغل الأجهزة الأمنية والعسكرية في بنية الدولة مطلباً أساسياً للثوار. والمشكلة هنا أنه لا الثوار أو المعارضة بوسعهم تقديم أية ضمانات مقنعة للموالاة بأن عملية إسقاط النظام وفكّ إرتباط الأجهزة الأمنية بمؤسسات الدولة الأخرى لن تؤدي إلى تهميش واضطهاد الفئات الموالية، في وقت تنتشر فيه التيارات المتشددة في صفوفهم، ولا الموالاة بوسعها تقديم أية ضمانات بأن عملية الدمقرطة من القمة ممكنة وبأنهم على استعداد للتقيّد بها، في وقت نرى فيه أن صانعي القرار في النظام وجميع القوى المساندة لهم في الداخل والخارج ترفض التغيير أساساً.

ولا توجد في الواقع أرضية مشتركة لتحقيق ما يريده الطرفان، لذا، بات تفكيك وتقسيم الدولة هو الحل المنطقي الوحيد، وهذا بالفعل ما يحدث اليوم، في ظل تدخل لقوى إقليمية ودولية مختلفة باتت ترى احتمالات أكثر إيجابية في هذا السيناريو بالمقارنة مع السيناريوهات الأخرى التي يمكن أن تحرمها من الاحتفاظ بموطئ قدم هام لها في المنطقة من خلال سيطرة عناصر متطرّفة على الدولة أو انهيارها بشكل كارثي قد لاتتعافي بعده لعقود. إن بقاء مناطق في سوريا تحت سيطرة فئات مختلفة واضحة الولاءات وقادرة على تحقيق حد أدنى من الاستقرار والأمان ضمن حدودها يبقى أفضل في حسابات البعض من التغيير الشامل للنظام ومن انهيار الدولة.


كان يمكن من الناحية النظرية لطرح مبكر لفكرة الفدرالية من بين أفكار أخرى متعلّقة بحقوق الأقليات والمناطق، وإن كطرح انتقالي يسمح بإدارة حوار شعبي حول شكل الدولة ريثما يتم التوافق على صيغة مناسبة، كان يمكن لطرح مبكر من هذا النوع أن ينجح في منع حدوث حمام الدماء الذي نراه اليوم ووقوع كل هذا الدمار، لكن احتمالات نجاح هذا الطرح من الناحية العملية كانت دائماً ضئيلة، فعلاوة على أن المعارضة كانت أهزل وأقل وعياً من تبنّيه أساساً، كانت مخاوف الموالاة تجاه مسألة التغيير أعمق وأكبر من أن تسمح بأية محاكمة عقلية للأمور.

لقد أصبح واقع التقسيم وعقليته قائمين اليوم والحدود باتت ترسم بالدم وهذا لا يبشّر بالخير فيما يتعلّق بقدرة الكانتونات المختلفة على التعايش مع بعضها بسلام لفترة طويلة. لكن المشكلة الأكبر هنا والتي يبدو أن الكثير من المراقبين لعملية التقسيم والمشاركين بها لا يدركونها تماماً، هو أن عملية تفكيك الدولة قد لا تتوقف عند الحدود التي تريدها الموالاة، بل قد تطال دويلتهم المنشودة أيضاً، والتي ستكون مؤلّفة من ذات الخليط غير المتجانس إياه: سنة وشيعة وعلويين ومسيحيين وعرب وأكراد وتركمان وأرمن، أضف إليهم خليط جديد مؤلّف من اللبنانيين والعراقييين والإيرانيين، فئات لا يجمعها اليوم إلا عدائها للثورة والثوار، ومجموعة من المصالح الاقتصادية ستشهد تغييراً جذرياً في السنين القادمة. ماذا سيجمعهم غداً إذاً؟ هل سيقدر الأسد والقوى الداعمة له في الداخل والخارج على إفراز رؤية جامعة تضمن حقوق ومصالح الجميع وسلامتهم وتكفل عدم تسلّط فئة على أخرى، مع ظل انتعاش عقلية التشبيح والفساد إياها؟

في الواقع، وفي مرحلة ما، قد تسبق مرحلة التسوية السياسية مع المعارضة، سيطال الدمار دويلة الموالاة أيضاً، سواء نتيجة اقتتال مع "فلول" الثوار بأطيافهم المختلفة، أو ما بين الميليشيات الموالية المختلفة.

في هذه الأثناء، تبقى إدارة المناطق المحرّرة واستقرارها التحدي الحقيقي الذي يواجه الثوار ومؤيديهم. ويبقى من الأفضل إبقاء مساحة المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام في حدودها الدنيا، وذلك منعاً للمزيد من التهجير والعنف. إن مساعي الأسد ومؤيديه في الداخل والخارج الهادفة إلى توسيع رقعة الأراضي الواقعة تحت سيطرتهم ستنعكس سلباً مع الوقت على مخطّطاتهم التقسيمية ذاتها وعلى إمكانية إعادة الاستقرار إلى المنطقة، وستزيد في أمد الصراع وستسمح بانتشاره خارج بقعة الأراضي السورية. لكن توسّع رقعة الصراع واستمراريته ليس في مصلحة الموالاة، كما يخال لبعضهم، فهناك وقائع ديمغرافية في المنطقة لن يتمكّنوا من تغييرها مهما فعلوا، وكلّما توسّعت رقعة الصراع كلّما أصبحت الكلمة الفصل لهذه الوقائع.



الثلاثاء، 25 سبتمبر 2012

تعدد الهويات والانتماءات


نحن لسنا سوريون فقط، بل سوريون عرب، وسوريون أكراد، وسوريون مسلمون، وسوريون مسيحيون، وسوريون سنة، وسوريون شيعة، وسوريون علويون، إلخ، ولايوجد ما يعيب في ذلك، تعدد الهويات والانتماءات هو جزء أساسي من تكويننا الإنساني. المشكلة تكمن في أننا لسنا سوريون أولاً فيما يبدو، بل عند الأزمات ها نحن قد اكتشفنا أننا سوريون أخيراً. لانستطيع أن نتكلم باسم هوية جامعة ما تزال حتى اللحظة مشروعاً أكثر منها واقعاً. لكن الاعتراف بهوياتنا "الجزئية،" التي هي أقرب فيما يبدو إلى عقولنا وقلوبنا وضمائرنا في هذه المرحلة، لايعني أننا قد تخلينا عن المشروع الجامع. علينا أن نبدأ من حيث نجد أنفسنا اليوم لا من حيث نريد أن نكون لنحقّق ما نصبو إليه. نحن اليوم في حالة ضياع وشرذمة وبأمس الحاجة لصياغة عقد جديد يجمعنا، يتحصّل من خلاله كل مكوّن على حقوقه الكاملة والضمانات المناسبة. علينا أن نسعى إلى التكامل وليس إلى التذويب، وتكامل المكوّنات لايتمّ إلا من خلال احترام خصوصية كل منها.


الاثنين، 27 أغسطس 2012

يا سنّة سوريا اتحدوا!


عبّر أحد الناشطين العلويين الموالين للنظام (بسام القاضي) وعلى خلفية مجزرة داريا الأخيرة عن رغبته في أن تقوم الأغلبية الساحقة المؤيدة للنظام في البلاد بسحق وإبادة الأقلية الإرهابية، أو كما قال، دون أن يدرك المضامين الحقيقية لكلامه فيما يبدو. لكن، ومن حسن حظ الأقليات الديموغرافية في سوريا أن الأغلبية الساحقة الحقيقية للشعب السوري ما تزال ترفض تبنّي هذا المنطق في تعاملها مع الأقليات، على الرغم من الإرهاب الذي يمارس ضدها يومياً باسم حماية هذه الأقليات.

سُعار الناشط الموالي هذا هو النتيجة الطبيعية لربط وتوريط طائفة بعينها بمؤسّسات الاستبداد والفساد في سوريا. ولن بسام القاضي وغيره من أبناء الطائفة العلوية بالذات إلا أن ينظروا إلى الحِراك الثوري على أنه حِراك سنّي سيحكم البلاد في حال نجاحه بذات الأساليب الاستبدادية التي استخدمها الأسد، فكيف لا نتوقّع منهم مقاومة الثورة بكل الوسائل المتاحة لديهم اليوم؟

من اللحظة الأولى إذاً كانت المعركة بالنسبة للعلويين في سوريا، وماتزال، معركة وجودية الطابع. وأمام آلة النظام الإعلامية وتورّط الكثير من التجمّعات العلوية في تشكيل ميليشيات مؤيدة للأسد تبثّ كل أنواع الشائعات والسموم وترتكب كل أنواع الجرائم منذ بداية الثورة وحتى هذه اللحظة، لم يعد بوسع أحد تقديم أية رسائل تطمينية أو ضمانات مقنعة لقلب هذه المعادلة. وبالتالي، ستبقى المواجهات القائمة بالنسبة للطائفة العلوية طائفية ووجودية في جوهرها حتى النهاية، ولن يغير وجود بعض الشخصيات العلوية الأكثر وعياً في صفوف الثورة من الأمر شيئاً في هذه المرحلة.

كل هذا يعني أن العبء كل العبء فيما يتعلّق برسم مستقبل جديد لهذا الوطن يقع بامتياز على عاتق قيادات الطائفة السنية على اختلاف مشاربهم السياسية، مع التسليم بصعوبة التعامل مع السنّة في سوريا على أنهم كيان واحد متماسك، فهم ليسوا كذلك على الإطلاق، لكن مجرى الأمور بات يتطلّب منهم التفكير وفقاً لهذا المنحى الجديد. ولقد ظهرت أصوات عدة فيما سبق تطالب بذلك ولكن دون وضع رؤية واضحة لما يعني هذا الأمر. إذ كيف يمكن للسلفي والإخواني والقبائلي والقومي واليساري والليبرالي والديري والحلبي والشامي إلخ.، أن يتفقوا على برنامج عمل مشترك؟ هذا هو السؤال وهذه هي المعضلة. إن انتصار الثورة وإعادة تركيب البنية المفتتة للدولة السورية ومن ثم إعادة إعمار ما تهدم من مدن وبنى تحتية أمور تتطلب إيجاد أجوبة ناجعة وآليات عملية وفعّالة للتعامل مع هذه المعضلة بالذات.

هناك حزمة من القضايا المصيرية التي ينبغي التعامل معها هنا، منها: العلاقة ما بين المناطق المختلفة ومابين الريف والمدينة وقضايا التنمية المحلية وحصة المجتمعات المحلية من الموارد الطبيعية المستخرجة من أراضيها، وغيرها من القضايا التنموية والإدارية. أما من الناحية الفكرية، فمالم يتمكّن إسلاميي وعلمانيي السنّة على وجه التحديد من التوصّل إلى رؤية مشتركة واضحة لطبيعة الدولة والمجتمع، فلن يكون هناك أي أمل في إنقاذ الدولة السورية من الانهيار والفشل. لكن، في حال تمكّن سنّة سوريا، على اختلاف أطيافهم ومناطقهم، من الاتفاق على رؤية مشتركة فلا شكّ عندي أن هذه الرؤية ستحتوي على الكثير من العناصر التطمينية والضمانات المتعلّقة بحقوق الأقليات الدينية والقومية، وستشكّل بالتالي قاعدة هامة لاتفاقيات مستقبلية مع سائر أطياف المجتمع عندما تصبح على استعداد للدخول في نقاش جدي حول المستقبل.

لذا أقول: يا سنّة سوريا اتحدوا.


الثلاثاء، 7 أغسطس 2012

هوية سنّية جامعة


يدفع البعض في الآونة الأخيرة باتجاه تشكيل هوية سنّية جامعة، لكن هذا الأمر ليس مبعثاً على الاستغراب خاصة بعد مضيّ عقود طويلة من القمع باسم حماية الأقليات الدينية والطائفية، وماجرى ويجري من قمع وتفاعلات في سوريا والمهجر منذ اندلاع الثورة، لكن نجاح هذا المشروع لن يؤدي في المحصّلة إلا إلى تشكيل هوية بل هويات أقلوية جديدة، سنّية النكهة. وفي المستقبل القريب ستكون العلاقات بين هذه الأقليات السنية بالتحديد أكثر إشكالاً من العلاقات ما بين السنّة والأقليات الأخرى.