‏إظهار الرسائل ذات التسميات أوروبة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أوروبة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 2 أكتوبر 2017

عن الإمبريالية والديموقراطية (1)


الحرة / من زاوية أخرى -- على الرغم من أن مصطلح الإمبريالية غالباً ما يستخدم هذه الأيام عند الكلام عن الحروب التوسعية التي شنتها الأمم الغربية خصوصاً على حساب الدول والممالك الأخرى، فإن الظاهرة بحد ذاتها، أي ظاهرة الحروب التوسعية الرامية إلى احتلال أراضي الغير وضمها إلى دولة أو مملكة بعينها بصرف النظر عن رغبة سكانها الأصليين، ظاهرة قديمة قدم التاريخ وطالت كل المجتمعات والدول، وماتزال. إذ يبدو أن النزعة الإمبريالية/الاستيطانية توجد متجذرة في التركيب البنيوي أو الجيني ذاته للدول والجماعات. فإن كانت الشعوب قد أدركت ومنذ آلاف السنين أن احتلال أراضي الغير واستيطانها يعد عملاً مستنكراً وفعلاً شنيعاً، لم يكن من الممكن لهذا الإدراك بحد ذاته أن يلغي الدوافع والمصالح الكامنة وراء المطامح الإمبريالية، العقلاني منها، أي ذلك المرتبط بتحقيق مصالح مادية واقتصادية واستراتيجية معينة، والذاتي، أي ذلك المتعلق بشخصية الحاكم أو النخب الحاكمة، واقتصر دوره على "إجبار" القوى الإمبريالية على تبرير حملاتها الاستعمارية بوسائل مختلفة بما في ذلك: إنكار إنسانية الغير ككل، كما كان دأب قبائل ما قبل التاريخ بحسب بعض الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، أو اعتبارهم أدنى شأناً لاختلاف ما في الدين أو العرق أو اللغة أو الثقافة، أو إسباغ دوافع نبيلة على الحروب التوسعية مثل الادعاء أننا "جئنا لنخرج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام،" كما فعل المسلمون الأوائل، أو الاعتقاد بأن القدر ألقى على عاتقنا عبء القيام بـ "مهمة نشر الحضارة Mission Civilisatrice" أو "عبء الرجل الأبيض White Man’s Burden،" كما أدعى المستعمرون الأوروبيون في القرون السابقة.

وقد يسرع البعض هنا ليضيف المساعي الحينية (أي المتفرقة) للولايات المتحدة الأميركية لنشر الديموقراطية إلى اللائحة السابقة، لكن ينبغي توخي الحذر هنا، فهناك فرق كبير ما بين الترويج لفكر سياسي معين، وبين السعي لضم واحتلال أراضي الآخرين. فمن الواضح لمن يتابع التاريخ الأميركي المعاصر والمشهد السياسي الأميركي أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة، على الأقل بعد الحرب العالمية الثانية، لم تهدف أبداً إلى التوسع والاستيطان أو بناء المستعمرات بل إلى تحقيق مكاسب معينة مرتبطة بالمواجهة مع الاتحاد السوفييتي أبان الحرب الباردة وبالحرب على الإرهاب العالمي مؤخراً. ولا يشرعن تأكيدنا هذا التدخل الأميركي في أي من الدول، ولا يبرره، فليست هذه القضية المطروحة هنا، كما أنه لا ينفي وجود نزعة إمبريالية مستحدثة ومستبطنة مختلفة عما عهدناه سابقاً، نزعة نابعة من مطامح ومصالح وحسابات القوى المتدخِّلة والتي قد لا تنسجم بالضرورة مع مصالح شعوب الدول المستقبلة لهذا التدخل.

وهنا بيت القصيد.

لقد قامت الإمبرطوريات الغربية عبر العقود الماضية بتفكيك نفسها وبوضع قيود جديدة على تصرفاتها في مجال السياسة الخارجية جعلت من الارتكاس إلى النزعة الإمبريالية التقليدية أمراً في غاية الصعوبة، إذ لم يعد تقديم المسوغات والمبررات أمراً كافياً لتبرير التدخل في شؤون الدول الأخرى، بل أصبح من الضروري وضع ضوابط معينة له ولأدواته، بما في ذلك: بناء التحالفات الإقليمية والدولية لشرعنة التدخل، وتحديد الأهداف المزمع تحقيقها، ووضع جدول زمني ما لذلك، إلى آخر ما هنالك من قيود وشروط. وإن كانت هذه الخطوات تبقى قاصرة في ما يتعلق بمقاومة النزعات الإمبريالية عند الدول، لا ينفي هذا القصور أنها ساهمت، على عواهنها، في تغيير قواعد اللعبة على نحو جذري.

هناك ثلاثة أسباب أساسية وراء هذا القرار الغربي بالتخلي عن النزعة الإمبريالية: أولاً، رغبة القوى العظمى في تحقيق توازنات جديدة تجنبها مغبة الاقتتال البيني، ثانياً، رغبة الشعوب التي كانت خاضعة للاحتلال الغربي في تقرير مصيرها وسعيها لتحرير أنفسها، ثالثاً، الحوار الداخلي الطويل والصعب الذي شهدته المجتمعات الغربية حول حقوق الإنسان والشعوب، وبالتالي حول مدى شرعية النزعات الإمبريالية وجدواها الاقتصادية والسياسية.

لم تتبن كل الإمبراطوريات التقليدية هذه المقاربة الغربية، فالاتحاد الروسي مثلاً، وعلى الرغم من انهيار الاتحاد السوفييتي، ما يزال يشكل في بنيته وجوهره إمبراطورية إمبريالية تقليدية قائمة على احتلال أراضي الغير واستيطانها واستغلال ثرواتها الطبيعية لصالح سكان المركز، وعلى قمع حقوق السكان الأصليين بمختلف الوسائل، سواء في القفقاس أو الفولغا أو الأورال أو سيبيريا.

وتسري هذه الملاحظة أيضاً على جمهورية الصين المصرة بدورها ومن خلال تواجدها في شينشيانغ والتبت على تجاهل حقوق السكان الأصليين وإرادتهم، بل تسعى جاهدة إلى تحويلهم إلى أقلية مهمشة من خلال سياسات التهجير والتوطين.

والغريب هنا أننا نادراً ما نسمع أي انتقاد لهذا الوضع من قبل الدول والقوى التي تدعي أنها مناهضة للإمبريالية في العالم، في حين لا تتوقف وسائل إعلامها وتعليمها عن انتقاد التجربة الاستعمارية الغربية على الرغم من أنها انتهت منذ عقود.


الخميس، 10 مارس 2016

ملاحظات حول الشرق الأوسط والمستقبل (2)

الرئيس الأمريكي جورج بوش يخاطب المشاركين في افتتاح مؤتمر مدريد للسلام في 30 تشرين الأول، 1991
| الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث | الجزء الرابع | الجزء الخامس |

لم تعد الولايات المتحدة الجهة الوحيدة في هذا العالم المهيئة دائماً للتعامل الفعّال مع التطورات الواقعة على الساحة الدولية والإقليمية بناءاً على سيناريوهات وخطط جهزتها منذ سنين وعقود. فمنذ بدأت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بعد انتهاء الحرب الباردة بإطلاع الأطراف الدولية والإقليمية على السيناريوهات المستقبلية المختلفة التي سبق ووضعتها، وكثفت من اعتمادها على مشاركة خبراء ومسؤولين من كافة أنحاء العالم فيما يتعلق بتحديثها، إن عن طريق المؤتمرات وورشات العمل، السري منها والعلني، أو عن طريق المناورات المشتركة وتأسيس أقنية خاصة لتبادل المعلومات والبيانات الأمنية، بدأت قوى أخرى، مثل إيران وتركيا وروسيا والصين والهند وغيرها، بصياغة سياساتها واستراتيجياتها الخاصة للتعامل مع التطورات والاحتمالات المختلفة التي تتنبؤ بها هذه السيناريوهات، تماماً كما تفعل أمريكا، وإن اختلفت الأهداف والمصالح والرؤى الناظمة لهذه العمليات.

في البداية، نظرت الأطراف الأقليمية إلى هذه السيناريوهات على أنها مخططات تهدف إلى زعزعة الاستقرار فيها، فقامت بالتالي بوضع خطط للتعامل معها من منطلق أمني بحت. فعلى الرغم من تنبؤ هذه السيناريوهات بوقوع القلاقل في المنطقة نتيجة لحزمة من العوامل الموضوعية منها: الانفجار السكاني، وافتقار الأنظمة إلى خطط تنموية مناسبة، وضعف الأنظمة التعليمية، وندرة المراكز البحثية، وانتشار البطالة بين الشباب، وتحجر الأنظمة السياسية ومقاومتها للأفكار الإصلاحية، وتفشي الفساد، وانتشار النزعات الأصولية، إلى آخره من عوامل.


ولقد سعى البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة في مطلع هذا القرن إلى إصدار عدة تقارير من وضع باحثين عرب نوه فيها إلى هذا العوامل بالتفصيل وحث الحكومات العربية إلى تبني إصلاحات جذرية لمواجهة هذه التحديات قبل فوات الأوان، وتم تجاهل هذه التوصيات أيضاً من قبل معظم الأنظمة.

إذ تعاملت دول المنطقة مع السيناريوهات الأمريكية والأممية على أنها مخططات تآمرية تهدف إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة وقلب الأنظمة وإعادة رسم الحدود. مسلحة بهذه القناعة، قامت الأجهزة الاستخباراتية المختلفة، في أوقات مختلفة، بوضع عدد من المخططات الأمنية هدفها الأساسي قمع أي حراك شعبي، سلمي كان أم مسلح، يطالب بالإصلاح. وما يزال هذا المنطق يوجه سياسات معظم الأنظمة الإقليمية اليوم، خاصة الدول العربية.

ولقد شكل إطلاق ودعم عملية السلام العربي الإسرائيلي واتفاقية الشراكة الأوروبية المتوسطية من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بعد حرب الخليج الأول محاولة لتقديم مغريات وحوافز للأنظمة العربية لتقوم بالإصلاحات المناسبة التي يمكن أن تساعدها على تجنب الاضطرابات الداخلية المتوقعة، وتكسبها المزيد من الشرعية في العالم الغربي مما سيؤدي إلى المزيد من الانفتاح الاقتصادي عليها. من هذا المنطلق، جاء رفض وتعنت الأنظمة في هذا الصدد كمؤشر على حتمية وقوع الانفجارات وقرب موعدها.

ولقد وضع تمسك الأنظمة الحاكمة في المنطقة بأساليبها القديمة في الحكم الغرب، بقيادة أمريكا أمام خيارين: التدخل المباشر لفرض عملية التغيير، وهو الخيار الذي تبنته إدارة جورج و. بوش، أو التخلي عن أية محاولة للتدخل في المنطقة إلا في الحدود الدنيا مثل مكافحة الإرهاب والحفاظ على أمن السوق النفطي العالمي، وهو الخيار الذي انكفئت إليه إدارة أوباما بعد متابعتها لفشل التدخل الأمريكي في كل من أفغانستان والعراق.

إذاً، وكخلاصة أولى، لم تأت الانفجارات التي شهدتها المنطقة في السنين الخمس الأخيرة نتيجة افتعال طرف خارجي لها، بل كانت الدول الغربية، المتهمة دائماً عند وقوع هذه الحوادث، لأسباب أصبحت إيديولوجية في هذه المرحلة أكثر منها تاريخية وموضوعية،  تفضل تجنبها كلية واستبدالها بمجموعة من العمليات السياسية الداخلية والإقليمية المنظمة، ولقد فعلت ما بوسعها وعبر ما يقارب العقدين من الزمن لتحقيق هذا.

من ناحية أخرى، لم يشكل وقوع هذه الانفجارات مفاجأة تامة لأي طرف خارجي أو داخلي، بل تمثلت المفاجأة الفعلية الوحيدة هنا في مجيء الشرارة الأولى من تونس، ذلك البلد الصغير والآمن الذي لم تشر إليه معظم السيناريوهات بشكل مباشر، واكتفت بالتعامل معه كجزء صغير من معادلة التغيير في منطقة شمال إفريقيا. أما مسألة التوقيت، فكانت دائماً في علم الغيب، ولم يكن بوسع واضعي السيناريوهات التكهن بها بأكثر من تأكيدهم على أن البداية ستكون في السنين الأخيرة من القرن المنصرم أو الربع الأول من القرن الحالي. ولقد كان.

| الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث | الجزء الرابع | الجزء الخامس |


الجمعة، 29 يناير 2016

المعارضة إلى جنيف: قرار صحيح والعبرة في التنفيذ

صورة للمحادثات الحالية في جنيف التقطها أحد الناشطين
أولاً، أنوه إلى أني قد أكون مخطئاً في تحليلي السابق بأن السعودية هي من يضغط باتجاه المقاطعة، لكن ذلك لا يغير من كون القرار ذاته خاطئاً للأسباب التي ذكرت. لذا، لا بد من الترحيب والإشادة بموافقة المعارضة على حضور محادثات جنيف بوفد مصغّر، وعلى إصرارها على طرح الملفات الإنسانية قبل كل شيء. فعلى الرغم من كون مبررات قرار المقاطعة قوية من الناحية الأخلاقية والإنسانية، يبقى القرار مجانباً للصواب من الناحية العملية.

لأن في الإصرار على المطالبة بمقاطعة عملية جنيف دعوة عملية إلى ترك الساحة السياسية لصالح شخصيات يدعي الكثيرون منا أنها لا تمثل إلا نرجسياتها المريضة لتقوم هي بتمثيل الشعب السوري المعارض في جنيف، فيما ينكفئ معظمنا إلى سياسة رفع الشعارات والتشكّي ضد ظلم العالم لنا وإجحافه بحقنا، دائماً وأبداً، ورفع الأصوات بالدعاء على الظالم، وتسليم أمرنا لله، أو للبروليتارية، مما يعني من الناحية العملية أن الشيطان هو من سيتلقفه كالعادة. إذ لا قيمة لتوكّل من لا يعقل.  

لكن، وفيما يبدو، فأن الكثير منا لم يتعلموا شيئاً بعد من التجربة الفلسطينية، وقد لا يتعلمون أبداً، لأن مواقفهم الإيديولوجية تحول دون ذلك. يريدون أن يتحصلوا على كل شيء قبل بدء التفاوض باسم الحفاظ على كرامتنا، لكن، لهذا بالذات لا كرامة لنا. إذ لا تكفي أن تكون مطالبنا عادلة ومنطقية، فما لم تكن أساليبنا عقلانية ومدروسة وعملية، لن نتحصل على شيء منها.

التفاوض ليس تخاذلاً، والنضال من أجل الحرية لا يؤتي أكله دفعة واحدة، بل قضمة بعد أخرى، والفتات الذي نترفع عنه اليوم، ونتركه للآخرين، هو بالذات ما قد يتحول إلى وجبة دسمة لاحقاً، فيما لو عرفنا كيف نستثمره. كل تنازل نحصل عليه اليوم مكسب ومغنم، فمع كل تنازل، مهما كان صغيراً، ينزل النظام من علياء إجرامه ونحو حتفه درجة.

نعم، النظام هو المعرقل الحقيقي أمام الحلول والمباحثات الجدية، لكن، لا يكفي أن نعرف نحن ذلك، ولا يكفي أن يدرك بعض مؤيدي قضيتنا ذلك، لا بد أن تكون حقيقة هذا الأمر ساطعة لدى الجميع فلا يجرؤ أحد على إنكارها ولا نفسح المجال أمام أحد ليلقي باللوم علينا، كما يحدث اليوم، كما يفعل ديمستورا ذاته الذي يأتي كلامه وتصرفاته من فراغنا نحن، وليس من عمالة مزعومة أو تحيز. نعم، نحن نقتل، ونحن نلام، لأننا لم نتمرس بعد إلا بفن الشكوى، وما انفكينا نداري تخبطنا وحيرتنا تحت ستار الحفاظ على الكرامة، لكن لا كرامة لأحمق.

نعم إن ديمستورا يدرك تماماً أنه يضغط على الطرف الأضعف في المعادلة، لأنه يدرك تماماً حقيقية الموقف الدولي: 1) تركيز "حلفائنا" الدوليين على قضية داعش أولاً، ثم اللاجئين ثانياً، 2) تخاذل وضعف وتخبط حلفائنا الإقليميين، وأخيراً 3) موقف روسيا وإيران القوي الداعم للنظام.

لن يغير من هذه الحقائق إلا تحرك قوي لحلفائنا الإقليميين، وهو أمر لايبدو أنه مطروح من الناحية العملية، ولقد طال انتظارنا له. هذا علاوة على أن هذا التحرك قد لا يؤدي إلا إلى تسعير الحرب وتوسيع رقعة الدمار والتهجير، والتعميق من الكارثة الإنسانية التي تواجهنا.

لا علاقة لحسابات ديمستورا إذاً بعمالة ما، أو حمق، أو لا مبالاة، بل تنبع من فهم عميق للحسابات والتوازنات الدولية والإقليمية، ولطبيعة مهمته بالذات: وقف النزيف والدمار في سوريا لإتاحة المجال أمام المجتمع الدولي لمواجهة داعش، وللحد من الهجرة إلى أوروبا عن طريق تطبيغ خطة تم التوافق عليها فيما سبق: تشكيل حكومة انتقالية واسعة الصلاحيات، وضع دستور جديد، والتمهيد لانتخابات رئاسية في المستقبل القريب نسبياً.

نعم، هناك خروقات من قبل النظام، نعم هناك تعنت، نعم هناك انتهاكات مستمرة من قبل النظام، وحصار، وتجويع، ونعم، حزب الله وروسيا وإيران، كلهم متورطون، لكن الواقع أم هذه الانتهاكات لن تتوقف، أو لكن أكثر واقعية، يخف وقعها، حتى يتم التوقيع على اتفاق ما ضمن الخطوط العريضة المذكورة، وهي، كما نوهت سابقاً، تعطينا الكثير، وتشكل منعطفاً هاماً نحو تحقيق ما نريد، وبداية النهاية للحرب وللنظام.

إذاً، علينا أن نشكو ونفاوض في آن، نماطل لكن لا نعرقل، نراوغ لكن لا نقاطع، نهدد وإن كنا ضعفاء، لكن ليس إلى الدرجة التي تسمح للطرف الآخر بمطالبتنا بتنفيذ تهديدنا فنكشف عن ضعفنا.

الكل يعرف من يقوم بالقصف والتجويع في سوريا، لكن القضية السورية لا تشكل إلا جزءاً بسيطاً من حسابات سياسية واستراتيجية دولية وإقليمية معقدة لا علاقة للقيم الإنسانية والأخلاقية بها. وبالتالي، قد لا تتلكأ القوى الدولية والإقليمية كثيراً أمام هذا الأمر، بل بمعاينته من منظور مصالحها الأخرى، وعلى ديمستورا العمل ضمن التوازنات والحسابات القائمة في هذه اللحظة.

فمن المنطلق الإخلاقي والإنساني البحت، هناك ما يكفي من الأدلة لإدانة الجميع، أينما كانوا في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، في الدول النامية أو المتطورة، وأي كانت خلفياتهم القومية أو الدينية أو المذهبية أو السياسية أو الفلسفية. لقد أثبت التاريخ أن كل الدول وكل الحضارات تبقى وفي كل زمان ومكان على أهبة الاستعداد لخيانة مبادئها، أو تجييرها واستغلالها، لخدمة مصالحها، كما تراها الفئات المتحكمة في صنع القرارات فيها. والفرق الوحيد، والهام، ما بين الدول الاستبدادية والديموقراطية في هذا الصدد يكمن في مدى تقاطع مصالح النخب صانعة القرار مع مصالح الشعوب.



الخميس، 21 يناير 2016

المهاجرون واللاجئون: من أزمة إلى فرصة





عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع عدد كبير من الناس، عشرات أو مئات الألوف آلاف، إن لم نقل ملايين، سنجد أنفسنا بالضرورة نتعامل مع أنماط سلوكية وقدرات بشرية من كل الأصناف والمستويات التي وصفها علماء النفس والباحثون في علم الاجتماع عبر التاريخ. لذلك، ليس من الصعب على الإطلاق على أولئك الراغبين في التعامل مع قضية اللاجئين من منطلق سلبي رافض أن يجدوا إثباتات على وجهة نظرهم في جموع اللاجئين والمهاجرين الوافدين إلى مجتمعاتهم، فمن أراد البحث عن المتطرفين والطفيليين سيجدهم، ومن أراد البحث عن الأوباش الكارهين للنساء سيجدهم. لكن مهمة الباحثين عن الأشخاص الذين يرغبون في الاندماج وفي إيجاد عمل مناسب يسمح لهم بتحقيق حياة كريمة ضمن إطار القوانين والأعراف السائدة تبقى أسهل، لأن هؤلاء هم الأغلبية في كل المجتمعات. و لا شك في أن توافد أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين سيجلب معه العديد من المشاكل معهم، لكن التعامل مع التحدي من منطلق القبول لا الرفض يبقى الخيار أفضل لتحقيق الإندماج على المدى المتوسط والبعيد.

ويكمن مفتاح الادماج الناجح في هذا الصدد في القدرة على إجراء تقييم دقيق لخلفيات اللاجئين والمهاجرين المهنية والتعليمية بغية تصميم برامج خاصة لمساعدتهم على أن يصبحوا أعضاء منتجين في مجتمعاتهم الجديدة بأسرع وقت ممكن. أما مطالبة اللاجئين والمهاجرين بتقديم مساهمات مالية لتغطية بعض النفقات المتعلقة بتوطينهم كما فعلت السلطات في الدانمرك وسويسرا، فيأتي بمثابة إجراء عقابي من حيث وقعه على نفسية المعنيين، ويشكّل في جوهره نوعاً من الرفض المستتر. لكن زيادة الاستثمار الحكومي الأولي في مساعدة اللاجئين والمهاجرين، بما في ذلك إطلاق برامج للتوظيف، وأخرى للقروض الصغيرة للأشخاص المؤهلين ليقوموا بتأسيس أعمالهم التجارية الخاصة أو ليواصلوا تعليمهم ليتمكنوا في خاتم المطاف من التحول إلى عناصر منتجة وفاعلة في المجتمع، فهذه الطريقة ستستمح على المدى المتوسط للاجئين والمهاجرين بتغطية تكاليف توطينهم من خلال الضرائب التي سيدفعوها تماماً مثلهم مثل أي شخص آخر في المجتمعات المضيفة.

القبول والعطاء إذاً، لا الرفض والعجرفة، ومن قبل الطرفين، هذا ما سيسمح بتحويل أزمة اللاجئين والمهاجرين مع الوقت إلى فرصة لإثراء المجتمعات المضفية اقتصادياً وثقافياً.


الثلاثاء، 7 يوليو 2015

التغيير في اليونان: النصر الزائف

صورة من الاحتفالات في ساحة أومونيا في أثينا قبيل فوز حزب سيريزا اليساري بالانتخابات اليونانية في كانون الثاني 2015.
 لقد صوّت اليونانيون مرتين ضد سياسات التقشف، مرة حين انتخبوا حزب سيريزا ومرة حين صوتوا بـ "لا" في الاستفتاء الأخير. لكن سيريزا لم يتمكّن من إلغاء سياسات التقشف، فازداد بالتالي الوضع الاقتصادي والمالي للبلاد سوءاً في الأشهر التالية لانتخابه. والآن، وما لم تكن ألمانيا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي على استعداد لتقديم تنازلات صعبة، أي ما لم يكن موقفها التفاوضي السابق للاستفتاء مجرد محاولة للخداع، سيجد اليونانيون أنفسهم أمام سياسات تقشّف أسوأ من سابقاتها، وقد يؤدي هذا الوضع إلى تفكّك كارثي وانهيار للدولة.

فلا روسيا ولا الصين قادرتان على تقديم أي دعم كافٍ لسد الفراغ الذي سيتركه خيار الانعزال هذا. ولقد طرح محلل إسرائيلي أن تعود اليونان إلى حضن الليفانت وتشكل مع تركيا وإسرائيل  وسوريا ولبنان ومصر وقبرص اتحاد ما، لكن، يبقى هذا الطرح مجرد فكرة في هذه المرحلة، لا يمكن لها أن تأثر في مجريات الأمور على المدى القصير. مشكلة اليونان ليس نتيجة ما قام به الأوروبيون فقط، بل ما قامت به النخب الفكرية والسياسية في اليونان من اليمين واليسار عبر العقدين الماضيين: مشكلة فساد وكذب على الشعب وسوء إدارة وتعلّق بالأوهام. والغريب في الأمر أن أثينا استضافة على مدى عقد ونيف الكثير من النشاطات واللقاءات الهامة المتعلقة باستقراء مستقبل المنطقة ككل والتي تم فيها مناقشة سيناريوهات التفيكيك المحتملة في المنطقة.

ولنذكر هنا أن كل شيء جرى في وضح النهار: فالمساعدة التي قدمتها شركة جولدمان زاكس للحكومات اليونانية السابقة على تزوير دخولها وميزانيتها مما سمح لها باقتراض مبالغ كبيرة من صندوق النقد العالمي عن طريق عدد من البنوك الأوروبية كما جرت العادة، لم يكن بذلك السر الدفين. ولم تكن التنمية هي السبب الأساسي الذي دفع الحكومات السابقة على الاقتراض، بل كانت رغبة اليونانيين بالتمسّك بدعم الدولة لهم، دون التسائل عن قدراتها المالية الحقيقية في هذا الصدد. إن كان ما يجري في اليونان مؤامرة فالكل شريك بها، بمن فيهم اليومانيو أنفسهم.

من ناحية أخرى، من الواضح أن لا الصين ولا روسيا بوسعهما تقديم بديل آخر لليونانيين، ما خلا استغلال الوضع لتوجيه بعض الرسائل السياسية للغرب، وقد ترغب روسيا بالذات باستخدام المرافئ اليونانية لتعزيز وجودها في البحر المتوسط. لكن لن يعود هذا الأمر بفائدة كبيرةعلى اليونان، بل سيضع أمنها على المحكّ. ومهما بلغت قيمة المساعدات الاقتصادية المحتملة أو المتوهّمة التي يمكن أن تقدمها هاتان الدولتان فلن تكفي لوضع حدّ لسياسات التقشّف.

فما معنى الجو الاحتفالي في اليونان وبعض الأوساط اليسارية في هذه المرحلة إذاً؟ هل يدرك اليونانيون أن النصر الذي حقّقوه هو نصر زائف Pyrrhic victory؟ أم تراهم يتعاملون مع موضوع الاستفتاء كوسيلة للضغط على الاتحاد الأوروبي الذي أقنعهم ساساتهم وخبرائهم بأنهم مجبرون على تقديم التنازلات المطلوبة والتي ستستمح لهم بالحفاظ على المعونات الحكومية التي ألفوها؟ وهل هم مستعدون لما سيأتي في حال خسروا رهانهم هذا؟

التعثّر، أي الامتناع عن تسديد القروض لأسباب قاهرة، هي إحدى مخاطر عمليات الإقراض، فعملية الإقراض، كما نوّهت مجلة "بيزنيس إنسايدر،" بطبيعتها مغامرة خطيرة من حيث كونها رهان، لا يمكن ضمانه 100%، على قدرة المقترض على التسديد خلال الفترة المتفق عليها وبالطريقة المتفق عليها مع الفائدة المتفق عليها، فالفائدة هي مصدر الربح وهي الدافع الأساسي وراء القبول بهذا الرهان. لذا لا يمكن اعتبار موقف سيريزا هنا خارج عن تقاليد النظام الرأسمالي.

لكن لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتوقّف كثيراً عند هذه الاعتبارات. لأن وجود دول أوروبية أخرى تعاني هي أيضاً من مشكلة الديون مثل إسبانيا والبرتغال وإيرلندا وإيطاليا سيجعلها تفكير عميقاً فيما إذا كان بوسعها خلق سابقة يمكن لهذه الدول الاعتماد عليها في علاقتهم مع الاتحاد الأوروبي في المستقبل القريب. لقد بات مستقبل منطقة اليورو وربما الاتحاد الأوروبي ذاته على المحك الآن. ومن هذا المنطلق، يمكن لدول الاتحاد أن تختار معاقبة اليونان وتعويض البنوك المتضرّرة بغية توجيه رسالة واضحة للدول الأخر في هذا الصدد بأن إعلان التعثّر أو الخروج من منطقة اليورو قرار له توابع خطيرة وضارة بالبلد ذاته قبل الاتحاد.

صورة لقادة البريكس خلال قمة البريكس السادسة والتي عقدت في البرازيل في تموز 2014 وأعلن خلالها عن تأسيس مصرف البريكس.
وعلينا أن نذكّر اليسار العالمي للمرة الألف أن لابديل في المرحلة الحالية عن النظام العالمي القائم، وأنه ما بوسع، لا روسيا ولا الصين ولا إيران ولا غيرها من الدول، أن تأسس هذا البديل في هذه المرحلة لأن كل هذه الدول باتت تلعب اللعبة نفسها، ووفقاً لذات القواعد، وإن قدّمت في بعض الأحيان ما يمكن اعتباره شروطاً أفضل، كما تحاول الصين أن تفعل من خلال تأسيس مصرف التنمية العالمي الجديد الذي أسّسته بالتعاون مع دول البريكس الأخرى (أي روسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا). لكن هذه الخطوة، إن أثبتت نجاحها، لن تغير قواعد اللعبة كثيراً، لأنها لا تمثّل إلا نوعاً من المضاربة على بعض مؤسّسات النقد العالمية الغربية المنشأ أو الواقعة تحت تأثيره.

لن تؤدي أية من هذه التطوّرات إلى انتصارات للفلاحين والعمال والفقراء، بل ستعود عليهم بالويلات، وسيدفعون ثمنها أولاً وغالياً. وإذا لم يكن بوسع اليساريون أن يستوعبوا هذه الحقيقة بمضامينه الخطيرة، كما تدلنا على ذلك احتفالاتهم الحالية، فذلك لأنهم ماهوا في منظورهم الإيديولوجي ما بين الشر والغرب. إذ لم يعد بوسع الشرّ أن يأتي من الشرق في منظورهم على ما يبدو، لأن شعوب الشرق أضعف وأكثر تخلّفاً من أن تقدر على ذلك. فالشرق ضحية، الشرق خصيّ. نعم، لقد أصبح اليساريون المفكرين الأكثر استشراقاً في العالم. واليونان المعاصر، على الرغم من كل ما قدمه اليونان القديم للحضارة الغربية، بات يعد في منظور الكثيرين جزءاً من الشرق لا الغرب.

بل لقد قام الباحث الإسرائيلي آموتز أسائيل مؤخراً استناداً إلى التطورات الحالية في اليونان بتشجيع اليونان على مغادرة الاتحاد الأوروبي والعمل على إحياء رؤية أسكندر المقدوني القديمة من خلال تأسيس اتحاد ليفانتي بالتعاون مع تركيا وقبرص ومصر وإسرائيل والفلسطينيين، مع ترك المجال أمام سوريا ولبنان للانضمام لاحقاً عندما تسمح أوضاعهما الداخلية بذلك.

ولا يوجد أية مشكلة في هذا المقترح، بل، ومن منطلق شخصي، أرى أن مشروعا من هذا النوع يتماشى مع الرؤية التي طرحتها "مؤسسة ثروة" في بيانها الصادر في دمشق في عام 2003 الذي حفّز الحكومات والمنظمات المدنية الإقليمية على العمل لإطلاق كمنويلث مناطقي يمكن له أن يشجع العملية التنموية في المنطقة ويسمح لها بالتعامل مع بعض القضايا المناطقية والقومية والفئوية الحسّاسة بمرونة أكثر، لأن أية تنازلات سيادية وأي تعديل في الحدود إذا ما ترافق مع عملية تجميع من خلال الانضمام إلى كمنويلث مناطقي مشترك لن يخلّف الكثير من الآثار السلبية على الدول المعنية وشعوبها، بل على العكس، سيساهم هذا التطور في بناء جسور للثقة ما بين المكونات المختلفة للمنطقة سامحاً لشعوبها بتركيز جهودها على القضايا التنموية.

ويبقى هذا الطرح في هذه المرحلة حلماً، ولن يكون له تأثير إيجابي ملحوظ فيما يجري في اليونان وسوريا، وغيرها من دول المنطقة، من تطورات مأساوية.



الثلاثاء، 1 يوليو 2014

نحو الأفضل

لاجئون سوريون وأفارقة في طريقهم إلى إيطاليا في رحلة غير نظامية

لولا البعد الإنساني للموضوع، أي لولا كل هذا القتل، وهذا الموت، وهذا الدمار، وهذا التشرد، لكان من الأسهل عليّ أن أؤكد أن كل ما يجري على الأرض اليوم يبشّر بمستقبل أفضل، بل ويمهّد له. لكن هذه حقيقة مايجري بالفعل، تقبلناها بسهولة أو صعوبة أم لا. هذه التضحيات التي نبذلها لن تذهب سداً، لا، فهاهي عصبياتنا التي طال احتقانها في أجوافنا تفرغ شحناتها السامة في الأجواء، وستتلاشى هذه السحب الزُّعاف وتتبعثر مع الأيام، تاركة ورائها الثمار الحقيقية لهذه المحنة: وعي أفضل لما نمثل وما نريد. أو، على الأقل، سيصبح احتمال تشكّل وعي من هذا النوع أكبر مما كان سابقاً، هذا إن بذلنا بعض الجهد لفرزه. فليُعْلِمَ الجاهلُ المثقفَ بالأمر.