‏إظهار الرسائل ذات التسميات جنيف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جنيف. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 14 مارس 2016

مضامين القرار الروسي بخصوص الانسحاب من سوريا: قراءة مبدئية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو

القرار الروسي بالنسبة لي لم يكن متوقعاً على الإطلاق، لكنه أيضاً، ومن حيث محتواه، ليس مفاجئاً إلى هذا الحد، ولا يغير، في هذه المرحلة، الحقائق التي أصبحت قائمة على الأرض نتيجة التدخل. فهو، من ناحية، لا يشكل تراجعاً عن الهدف الأساسي الروسي من وراء التدخل، والذي جاء لتأمين القاعدة الروسية في المتوسط وتوسيعها، من خلال مساعدة نظام الأسد على تأمين المناطق الساحلية وبعض المناطق الوسطى، خاصة حمص، والجنوبية، خاصة دمشق، والشمالية، بما في ذلك حلب والرقة.

ولعل توقيت الانسحاب قبل تحقيق المراد في حلب والرقة يأتي كورقة ضغط على نظام الأسد في هذه المرحلة لكي يتفهم الأسد بالذات أن الروس لم يتدخلوا إكراماً له وأنه لا يمكن التعويل عليهم لإعادة بسط سيطرته على كل البلاد، وأن بوسع الأسد أن يستفيد من التدخل الروسي لإنقاذ رأسه ولكن ليس لإنقاذ منصبه، على الأقل، ليس على المدى الطويل.

ولقد سبق ونوهت إلى أن الروس ليسوا متمسكين بالأسد ذاته كقرار نهائي ولكن كورقة تفاوضية مرحلية، بعدها يفقد الأسد قيمته. وها قد وصلنا فيما يبدو إلى هذه المرحلة، ولابما بأسرع مما كنت أتوقع، وقد يعكس هذا الأمر تعنت الأسد وغبائه من جهة، وما يجري من تنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا من جهة أخرى.

وقد يكون بوسع الأسد التعويل على الدعم الإيراني من جديد في المرحلة التالية، ولكن ضمن حدود. ففي الواقع لم يبقى أمام الأسد من مخرج من أزمته إلا العملية التفاوضية، وذلك لإنقاذ رأسه، وربما تحصين نفسه وعائلته وبعض أزلامه من أية محاسبة مستقبلية. لكن، عليه أن يتصالح مع ضرورة تخليه بشكل أو آخر عن منصبه خلال الشهر الـ 18 القادمة، وإلا فأن رأسه وبعض رؤوس من حلو قد يكون هو الثمن.

ونعم، هناك بعد مادي للقرار الروسي. فروسيا قد خفضت ميزانيتها العسكرية هذا العام بأكثر من 5%، وذلك للمرة الأولى منذ تقلد بوتين سدة الحكم فيها.

لكن، علينا ألا ننسى في غضون هذه التحليلات المبدئية أن روسيا ستتابع عملياتها الجوية في الشمال على الأقل بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي هذه الأثناء، لاشك أن هذا التطور يشكل مغنماً للمعارضة السورية التي أصبح بوسعها أن تفاوض بثقة أكبر في جنيف، ولكن بذكاء وحنكة وبإدراك للحدود المرسومة. نعم لقد أرسل الروس رسالة واضحة إلى الجميع وعلى رأسهم الأسد، حول عدم تمسكهم به لذاته، لكنهم يبقوا فيما يبدو متمسكين بالكيفية التي سيتم من خلالها إزالته، وهي: انتخبات يرشح فيها الأسد نفسه إلى جانب منافسيه. عوضاً عن الإصرار على رفض هذا الأمر بالتحديد، ربما كان على المعارضة أن تصر على ضرورة استقالة الأسد من منصبه قبل موعد انعقاد الانتخبات بعدة أشهر لكي لا يستغل منصبه في الدعاية لنفسه، وضرورة محافظة مؤسسات الدولة على حياديتها خلال الفترة الانتخابية، خاصة وسائل الإعلام الحكومية، وضمان ذلك من خلال إدراتها من قبل لجان انتقالية خاصة تجمع ما بين ممثلين للمولاة والمعارضة والكجتمع الدولي، وغيرها من الخطوات.  

باختصار، لقد باتت محادثات جنيف تشكل فرصة حقيقية اليوم للتوصل إلى حل لأزمتنا  السورية لا ينبغي إضاعتها.

من ناحة أخرى، فإن تجنب إدارة أوباما لتقديم إية وعود علنية فيما يتعلق برغبتها في إيجاد حل سياسي في سوريا قبل انتهاء فترة حمكها، لا يعني أنها غير جادة في مساعيها الدبلوماسية في هذا الصدد. إذ لم يعد يغفل على أحد أن المجتمع الدولي، والكثير من القوى السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، من اليمين واليسار، تنحي باللوم على أوباما شخصياً فيما يتعلق بالكارثة السورية. ومهما بلغ الصلف به، فلا شك أن أوباما يدرك ذلك جيداً، ومن هنا رغبته في التوصل إلى حل قبل رحيله.


الثلاثاء، 9 فبراير 2016

"لا تفاوضوا، لا تشرعنوا" – غُلُوٌّ ولَغَطٌ ولَغُوُ كَلَام

جانب من مظاهرة في لندن معارضة للتدخل البريطاني ضد الأسد جرت في 31 آب/أغسطس 2013
يخطئ من يقول ويعتقد أن المحادثات اليوم تشرعن ما يجري من إجرام بحق السوريين، فالعالم سيبقى منقسماً حول هذا الأمر، وسيبقى حلفاء النظام يشرعنون له ما يفعل، وسيبقى خصومه يلعنونه، وأن لم تتجاوز أفعالهم اللعن في معظم الأحوال. الشرعنة لم تعد هي المشكلة اليوم، ولم تكن. بل تكمن المشكلة في الانهيار المستمر للبلد، وللتدهور المستمر في الأحوال المعيشية للسوريين في الداخل، بل وللكثير من اللاجئين أيضاً، وهي أمور تتطلب الانخراط في أنواع  مختلفة من الحوارات واللقاءات والمشاورات والمفاوضات، ومع كل الأطراف المسؤولة عن هذا الوضع الذي توصلنا إليه.  

فأي فائدة ترجى من ساسة يجدون حرجاً في الكلام والتفاوض، بل يفتقرون إلى أساليبه الأساسية، ويتنصلون من مسؤوليتهم حياله. الكلام سلاح الساسة، وعليهم أن يحسنوا استخدامه، وما الأمر بمستحيل، فالممارسة مفتاح الإتقان لمن فتح عقله.

فاوضوا وإن من باب رفع العتب، فاوضوا وإن لمجرد إحراج الطرف الآخر، فاوضوا لكي لا تتركوا الساحة فارغة فيحتلها المنافقون والوصوليون، فاوضوا لكي تُعرفوا ويألفكم العدو قبل الصديق، فهذه الألفة قد تفتح أبواباً وتخلق احتمالات ما كان يمكن لها أن تخطر على بال أحد، فاوضوا لتفضحوا ما يجري من جرائم أمام شعوب العالم، فتحرجوا ممثليها على الساحة الدولية، فاوضوا لكي تطلعوا الناس على حقيقية ما يجري كل لحظة في سوريا، ولتفضحوا الأكاذيب التي يروج لها الآخرون، فالناس، خلاف ما تعتقدون، لا يدرون شيئاً، وغالباً ما ينسون، أو ينساقون وراء تصريحات ساستهم التي تهدف لتجنب التدخل من أساسه.  فلا رغبة عند الشعوب الغربية عموماً في التدخل في شؤون الآخرين، وما لم يبرر لها حكامها هذا التدخل، سواء عن طريق سرد الحقائق كما هي أو عن طريق تشويهها بل تزويرها في بعض الأحيان، لن تدعم هذه الشعوب التدخل، بل سترى فيه اعتداءاً سافراً على الآخرين، وستدينه كما يدينه من عانوا منه.

إن الشعوب الغربية اليوم والشعب الأمريكي بالذات، وعلى اختلاف مشاربهم السياسية، تعارض وبشدة التدخل في سوريا، ولا ننسى هنا أن البريطانيين صوتوا ضد هذا التدخل في عام 2013 على الرغم من استخدام الأسد للسلاح الكيماوي، ولقد كان لهذا الموقف أثره الكبير على قرار أوباما في هذا الصدد أيضاً.  ونعم، يمكننا أن ننحي بالكثير من اللوم هنا على أداء المعارضة السياسية الهزيل منذ بداية الثورة حتى اللحظة.

إن تغييب شخصيات بعينها بسبب ميولها الأقرب إلى الليبرالية والبراجماتية، أو محاولة استقطابها من باب رفع العتب ومع الاصرار على تقليم أجنحتها واستخدامها كمجرد ديكور، كما حدث مع البعض، كان أكبر خطأ ارتكبته المعارضة، لأن هذه الشخصيات بحكم علاقاتها الدبلوماسية الواسعة، وفهمها الأعمق لطبيعة وكيفية عمل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية الغربية والدولية، ومعرفة بعضها بخبايا النظام وآلية عمله، بسبب ارتباطها به سابقاً، وإتقانها لعدد من اللغات الأجنبية، يجعلها أكثر قدرة من غيرها على إدارة هذه المرحلة. لكن الاعتبارات الإيديولوجية للمعارضة، التي يطغى عليها المكونين الإسلامي واليساري، علاوة على الحساسيات الشخصية والنرجسية، كانت وماتزال أقوى من أي اعتبار وطني.

ولا أتكلم هنا عن نفسي بالضرورة، فأنا أدرك تماماً أني شخصية إشكالية، لكني لا أجد سبباً مقنعاً لتحييد دور شخصيات مثل جهاد المقدسي، أو سمير التقي، أو عبد الله الدردري، أو بسمة قضماني، أو شادي الخش، أو سمير سعيفان، أو أيمن عبد النور، أو سامي الخيمي، أو ريم علاف، أو ريم التركماني، أو رضوان زيادة، أو نجيب غضبان، أو مصطفى إسماعيل، إلخ. قد أكون قد انتقدت أداء بعض هذه الشخصيات في السابق، لكن النقد ليس رفضاً أو دعوة إلى التهميش والإقصاء.

هذه هي الشخصيات التي كان يجب أن تتصدر العمل المعارض في السابق والتي ينبغي أن تتصدره الآن، وفي حال حدوث ذلك، سيكون بوسع هذه الشخصيات استقطاب الكثير من الشخصيات التكنوقراطية الأخرى المتاجدة في الوطن وفي المهجر/المنفى.

علاوة على ذلك، هناك دور استشاري هام أيضاً لبعض الشخصيات الفكرية، مثل صادق جلال العظم، وياسين الحاج صالح، وسلام كواكبي، وأدونيس، وبرهان غليون، وشخصيات دينية مثل الشيخ معاذ الخطيب، و الشيخ مراد الخزنوي، والشيخ سارية الرفاعي، والأب فيكتور حنا، وغيرهم.

نعم، هناك الكثير من الأسماء الغائبة هنا، شخصيات لها تاريخها الكبير في العمل المعارض، لكن المناصب السياسية لا تمثل تكريماً أو اعترافاً بأفضلية معنوية أو أخلاقية ما، فالتكريم يأتي لاحقاً، بعد تحقيق الاستقرار، وسيأتي من خلال خطوات رمزية معينة مثل إسباغ الأوسمة الوطنية أو إعادة تسمية بعض الصروح والمنشآت الوطنية، لكنه لن يأتي، ولا ينبغي له أن يأتي، من خلال العمل السياسي بشكل عام، والعمل السياسي في المرحلة التفاوضية بشكل خاص. فنحن، في هذه المرحلة، بأمس الحاجة إلى اختيار شخصيات تكنوقراطية قادرة على التفاوض وعلى التفاعل الفعال مع المجتمع الدولي بمؤسساته المختلفة، ومع وسائل الإعلام العربية والأجنبية.

من الناحية الأخرى، ليس من الضروري أن تمثل الحكومة الانتقالية المزمع تشكيلها كافة مكونات الشعبي السوري بشكل عادل، لأن التمثيل الفئوي في هذه المرحلة ليس هو الأساس، وصلاحيات الحكومة الانتقالية تبقى محدودة في إطار الإشراف على إدارة العملية الانتقالية بالتعاون مع المجتمع الدولي ووفق خطة تم الاتفاق عليها من بين الأطراف المتنازعة، خطة تهدف إلى تمهيد الطريق لانتخابات تشريعية رئاسية هي التي يفترض أن يتم من خلالها حل القضايا المتعلقة بالتمثيل الفئوي والمناطقي للبلد.

إذاً، وخلاصة القول، لكل مرحلة نمر بها تحدياتها الخاصة، والشخصيات التي نوهت إليها هي أعلاه، في رأيي، هي الشخصيات الأنسب لقيادة هذه المرحلة الحرجة، وكل ما يحول بينها وبين ذلك هي نرجسيات البعض وعقدهم الإيديولوجية، لأني أعتقد أن الحسابات الخاصة للدول الداعمة للمعارضة لا تتعارض مع اختيار هذه الشخصيات، خاصة في هذه المرحلة.

الأحد، 7 فبراير 2016

عن الحسابات السياسية للمعارضة السورية في المرحلة القادمة

1.

الهدف الأساسي من المشاركة في محادثات جنيف كان تجنب أن يقع اللوم على المعارضة، لكن انسحاب المعارضة من المحادثات، الأمر الذي أدى إلى تجميدها، سمح لوزير الخارجية الأمريكي بإلقاء اللوم على المعارضة، وهو تطور مؤسف. لماذا؟ لأن إدارة أوباما تسعى، وبكل الوسائل، في هذه المرحلة، إلى تبرير سياساتها التراجعية فيما يتعلق بالملف السوري، على الرغم من كل المآسي التي أدى إليها هذا التراجع. لوم المعارضة يحقق لها هذا الأمر أكثر مما يحققه لوم روسيا أو إيران. من هذا المنطلق كان علينا أن نذهب إلى جنيف ونبذل ما بوسعنا لكي نبدو بمظهر المتجاوب على الرغم من كل تعنت الطرف الآخر، تآمر روسيا وإيران مع الأسد، وتخاذل الأطراف الدولية التي تدعي دعم الثورة. ولقد كان موقفنا قوياً في هذا الصدد، وكان كل المطلوب منا هو الإصرار على مواصلة اللقاءات مع ديمستورا حتى في حال اضطرارنا إلى تكرير ذات الكلام في كل لقاء.

لأن هدفنا كمعارضة في هذه المرحلة، ونظراً لأهمية ومحورية الدور الأمريكي، عجبنا هذا الأمر أم لا، يكمن في تمهيد نمهد الطريق للضغط على الإدارة القادمة من أجل أن ندفعها باتجاه تبني موقف مختلف حيال الصراع في سوريا، وهذا الأمر يتطلب منا اليوم تجريد إدارة أوباما من أي مسوغ أو عذر لتبرير سياستها. لن يؤدي نجاح المعارضة في هذا الصدد إلى أي تغيير في موقف الإدارة، لكنه قد يؤدي إلى كسبنا لتعاطف المزيد من مؤيدي سياسة النأي بالنفس على المستوى الشعبي، وهو الأمر الذي سيساعدنا مستقبلاً في الضغط على الإدارة الجديدة، سواء كانت ديموقراطية أو جمهورية. نعم، هذا حساب بعيد الأمد نسيباً، وهو بالضبط نوع الحسابات التي ينبغي علينا أن ننخرط بها، والتي كان علينا أن ننخرط بها منذ البداية. فما استمرت حساباتنا السياسية بالتمحور حول الرغبة في التحصل على مكاسب عاجلة، مهما بدت لنا هذه المكاسب مستحقة وعادلة، سنبقى غارقين في إطار ردود الأفعال، ولن نتمكن من التأثير على أي قرار دولي فيما يتعلق بقضايانا، وستبقى العدالة بالنسبة لنا أمراً مؤجلاً إلى ما لا نهاية.

2.

على المعارضة في هذه المرحلة أيضاً أن تسعى للتواصل المباشر مع الطرفين الروسي والإيراني وكل الأطراف الدولية الداعمة للأسد، لأن الكثير من الحسابات السياسية لهذه الأطراف قد تتغير مع الاحتكاك المستمر. ولا ينبغي على ما تقوم به هذه القوى من مجازر في هذه المرحلة أن يضعف من رغبتنا في التواصل معها، بل عليه أن يغذي هذه الرغبة، خاصة في حال روسيا وإيران، بالذات لأن وجودهما في سوريا بات يمثل احتلالاً. ألم نتحاور مع المحتل الفرنسي في السابق؟ وهل كان يمكن لنا دون اقتران المقاومة بالحوار أن نتوصل إلى الاستقلال؟ علينا أن نحسن كيف نتعامل مع الواقع الذي تم فرضه علينا، لكي نتوصل إلى أساليب جديدة لتغييره.

فالكرامة في هذه المرحلة تكمن في استمرار النضال، لكن للنضال أوجه وأطوار مختلفة، وما لم ندرك ذلك، سنخسر الحرب كلها، وليس مجرد معركة.

3.

أما فيما يتعلق بمسألة التدخل السعودي-التركي، فنحن نسمع هذا الكلام منذ أشهر، ولا ندري مدى جديته، لكن، وعلى افتراض جديته، فمن المستبعد أن يكون الهدف منه هو الدخول في حالة صدام مباشرة مع الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً وروسياً، وقد لا يؤثر على الأوضاع إلا في منطقتي دير الزور الرقة وبعض مناطق الحسكة وشمال اللاذقية وحلب. وقد يؤدي إلى رفع الحصار على حلب في حال وقوعه في الأسابيع القادمة. وربما أدى إلى دعم الثوار في إدلب وبعض المناطق الوسطى أيضاً. أما في دمشق وجنوب سوريا، فقد لا يؤدي إلا إلى تجميد الأوضاع. ويبقى الهدف هنا هو التمهيد لمباحثات أكثر جدية بين الأطراف في جينيف أو فيينا. هذا هو السيناريو المثالي للتدخل، إذا حدث، وهو يقوم على افتراض أن إيران وروسيا سيفضلا تجنب التصعيد، وسيرضيا إلى حد ما بالواقع الجديد الذي سيفرضه هذا التدخل. وقد لا يكون هذا الافتراض في محله على الإطلاق.

وفي حال اختار الطرفان التصعيد، فالمنطقة قد تتجه تدريجياً نحو صراع طائفي شامل، قد يكون التعويل فيه على تدخل أمريكي أو حتى أوروبي إلى جانب المحور السني أمراً غير مضمون. في حال أصر الغرب على النأي بالنفس، فأن توازنات القوى ترجح انتصار المحور الروسي-الإيراني، بصرف النظر عن الحسابات الديموغرافية، فهناك أكثر من طريقة لتطويع  الأغلبيات الهلامية، كما هو الحال مع الأغلبية السنية العربية، التي لا يمكن لها في الواقع أن تتحول إلى حقيقة سياسية تحت هذا العنوان.

من هذا المنطلق، ولأن حسابات القوى الأخرى أكبر من سوريا، في حين لا يخدم استمرار الصراع على أرضنا مصلحة السوريين على اختلاف خلفياتهم، على المعارضة السورية أن تدرك أن دورها في المرحلة القادمة يهدف إلى إيجاد توازن ما لمصالح كل الأطراف المتناحرة على أرضها، وأن تكون صانع سلام أكثر من كونها طرفاً في النزاع. لا أحد يلعب هذا الدور حالياً، ولن يلعبه أحد أفضل من طرف سوري يتكلم مع الجميع ولا يرهن حساباته السياسية بمصالح أي طرف ما خلا الشعب السوري بكل مكوناته، طرف ثار أساساً لتحقيق مصلحة الوطن ضد طغمة لا تسعى إلا لتحقيق مصالحها الخاصة وإن على حساب الوطن.

إن تبني النظام وأتباعه لشعار "الأسد أو نحرق البلد" قد يصلح لهم، ويتناسب مع عقليتهم ومخاوفهم، لكنه لا يسوغ للثوار تبني عقلية مماثلة، عقلية شعارها العملي، وإن بقي غير منطوق، "الثورة أو نحرق البلد." لم تكن الثورة أبداً هدفاً بذاته بالنسبة لمن قاموا بها، ولا ينبغي لها أن تكون، إنما هي أداة من أدوات النضال المختلفة من أجل تحقيق التغيير الديموقراطي المنشود، والتوصل إلى مجتمع الحقوق المتساوية. والعمل السياسي وجه آخر من هذا النضال. ولن تأتي تسوياته وتنازلاته، كما يتوقع البعض، على حساب الهدف الأساسي، لكن الفرج والعدالة لا يأتيان دفعة واحدة دائماً، بل لا يتحققان في معظم الأحيان إلا بالتدريج.

لقد أصبحت عودة الاستقرار إلى سوريا في هذه المرحلة ضرورة كبيرة، وقد يتطلب الأمر قبولنا بتنازلات ما كنا نتوقعها منذ عام أو أكثر، لكن الواقع أن موازين القوى حالياً ليست في صالحنا. وفي حال وقع التدخل السعودي-التركي، فهذا لا يعني تجميد العمل السياسي، بل على العكس، على المعارضة وقتها أن تستغل وقوعه، وهو الأمر الذي سيصب في مصلحتها في المرحلة الأولى، لتكثيف العمل السياسي بغية تجنب تصعيد روسي-إيراني. وقد تكون التنازلات المطلوبة في هذه الحال أقل إيلاماً، لكن، علينا أن لا نغامر في المراهنة على حل عسكري بالكامل، كما يفعل الروس والإيرانيون اليوم. لأن ثمن الخسارة سيدفعه الشعب السوري أولاً.

باختصار، علينا أن لا نمتنع عن العودة إلى المحادثات في آخر شباط، إن تم عقدها، لكن علينا أن ندرك أن صنع السلام هو الهدف الحقيقي لنا في هذه المرحلة. لأن عودة السلام ستسمح لنا في مرحلة قريبة بمتابعة النضال من أجل بناء مجتمع ديموقراطي، مهما كانت الظروف الصعبة. وفي هذه الأثناء، على المعارضة أن تواصل تفاعلها مع القوى السياسية المختلفة، ولا تكتفي بالانتظار.

السبت، 30 يناير 2016

مناورة لا مقاطعة، وإن أخفقنا

جانب من مؤتمر صحفي لوسائل الإعلام في مكتب الأمم المتحدة في جينيف: 29 كانون الثاني، 2016 - 
السياسة مناورة وليست مقاطعة. وقرار الهيئة المشاركة في محادثات جنيف يعفيها من تحمل تعنت وعجرفة وعجز الآخرين حيال ما يجري في سوريا، علاوة على إجرام النظام وحلفائه، وهذا أضعف الإيمان. أن نذهب إلى آخر الدنيا مطالبين بحقنا ونخفق، أفضل من أن نجلس في أماكننا، ونخفق، ونلام.

إن التقرير الأممي المسرّب للتو والذي يعترف " أن الأمم المتحدة لن تكون قادرة على رصد أو تنفيذ أي اتفاق للسلام قد يخرج عن محادثات السلام الجارية في جنيف" لا يحمل جديداً، لكنه على الأقل يعطي المعارضة ورقة هامة لاستخدامها في المحادثات: ورقة الضمانات. كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يضمن الحد الأدنى من الامتثال لمقرارته من قل النظام وحلفائه بحيث تتمكن المعارضة من المضي قدماً في المباحثات من منطكلق الإيمان بجديتها وجدواها. هذا هو السؤال الذي على المعارضة أن تدفع باتجاه التحصل على إجابة مقنعة عليه، وهو مفتاح المطالبة برفع الحصار ووضع حد لسياسات التجويع والتهجير والتطهير والقصف.


الجمعة، 29 يناير 2016

المعارضة إلى جنيف: قرار صحيح والعبرة في التنفيذ

صورة للمحادثات الحالية في جنيف التقطها أحد الناشطين
أولاً، أنوه إلى أني قد أكون مخطئاً في تحليلي السابق بأن السعودية هي من يضغط باتجاه المقاطعة، لكن ذلك لا يغير من كون القرار ذاته خاطئاً للأسباب التي ذكرت. لذا، لا بد من الترحيب والإشادة بموافقة المعارضة على حضور محادثات جنيف بوفد مصغّر، وعلى إصرارها على طرح الملفات الإنسانية قبل كل شيء. فعلى الرغم من كون مبررات قرار المقاطعة قوية من الناحية الأخلاقية والإنسانية، يبقى القرار مجانباً للصواب من الناحية العملية.

لأن في الإصرار على المطالبة بمقاطعة عملية جنيف دعوة عملية إلى ترك الساحة السياسية لصالح شخصيات يدعي الكثيرون منا أنها لا تمثل إلا نرجسياتها المريضة لتقوم هي بتمثيل الشعب السوري المعارض في جنيف، فيما ينكفئ معظمنا إلى سياسة رفع الشعارات والتشكّي ضد ظلم العالم لنا وإجحافه بحقنا، دائماً وأبداً، ورفع الأصوات بالدعاء على الظالم، وتسليم أمرنا لله، أو للبروليتارية، مما يعني من الناحية العملية أن الشيطان هو من سيتلقفه كالعادة. إذ لا قيمة لتوكّل من لا يعقل.  

لكن، وفيما يبدو، فأن الكثير منا لم يتعلموا شيئاً بعد من التجربة الفلسطينية، وقد لا يتعلمون أبداً، لأن مواقفهم الإيديولوجية تحول دون ذلك. يريدون أن يتحصلوا على كل شيء قبل بدء التفاوض باسم الحفاظ على كرامتنا، لكن، لهذا بالذات لا كرامة لنا. إذ لا تكفي أن تكون مطالبنا عادلة ومنطقية، فما لم تكن أساليبنا عقلانية ومدروسة وعملية، لن نتحصل على شيء منها.

التفاوض ليس تخاذلاً، والنضال من أجل الحرية لا يؤتي أكله دفعة واحدة، بل قضمة بعد أخرى، والفتات الذي نترفع عنه اليوم، ونتركه للآخرين، هو بالذات ما قد يتحول إلى وجبة دسمة لاحقاً، فيما لو عرفنا كيف نستثمره. كل تنازل نحصل عليه اليوم مكسب ومغنم، فمع كل تنازل، مهما كان صغيراً، ينزل النظام من علياء إجرامه ونحو حتفه درجة.

نعم، النظام هو المعرقل الحقيقي أمام الحلول والمباحثات الجدية، لكن، لا يكفي أن نعرف نحن ذلك، ولا يكفي أن يدرك بعض مؤيدي قضيتنا ذلك، لا بد أن تكون حقيقة هذا الأمر ساطعة لدى الجميع فلا يجرؤ أحد على إنكارها ولا نفسح المجال أمام أحد ليلقي باللوم علينا، كما يحدث اليوم، كما يفعل ديمستورا ذاته الذي يأتي كلامه وتصرفاته من فراغنا نحن، وليس من عمالة مزعومة أو تحيز. نعم، نحن نقتل، ونحن نلام، لأننا لم نتمرس بعد إلا بفن الشكوى، وما انفكينا نداري تخبطنا وحيرتنا تحت ستار الحفاظ على الكرامة، لكن لا كرامة لأحمق.

نعم إن ديمستورا يدرك تماماً أنه يضغط على الطرف الأضعف في المعادلة، لأنه يدرك تماماً حقيقية الموقف الدولي: 1) تركيز "حلفائنا" الدوليين على قضية داعش أولاً، ثم اللاجئين ثانياً، 2) تخاذل وضعف وتخبط حلفائنا الإقليميين، وأخيراً 3) موقف روسيا وإيران القوي الداعم للنظام.

لن يغير من هذه الحقائق إلا تحرك قوي لحلفائنا الإقليميين، وهو أمر لايبدو أنه مطروح من الناحية العملية، ولقد طال انتظارنا له. هذا علاوة على أن هذا التحرك قد لا يؤدي إلا إلى تسعير الحرب وتوسيع رقعة الدمار والتهجير، والتعميق من الكارثة الإنسانية التي تواجهنا.

لا علاقة لحسابات ديمستورا إذاً بعمالة ما، أو حمق، أو لا مبالاة، بل تنبع من فهم عميق للحسابات والتوازنات الدولية والإقليمية، ولطبيعة مهمته بالذات: وقف النزيف والدمار في سوريا لإتاحة المجال أمام المجتمع الدولي لمواجهة داعش، وللحد من الهجرة إلى أوروبا عن طريق تطبيغ خطة تم التوافق عليها فيما سبق: تشكيل حكومة انتقالية واسعة الصلاحيات، وضع دستور جديد، والتمهيد لانتخابات رئاسية في المستقبل القريب نسبياً.

نعم، هناك خروقات من قبل النظام، نعم هناك تعنت، نعم هناك انتهاكات مستمرة من قبل النظام، وحصار، وتجويع، ونعم، حزب الله وروسيا وإيران، كلهم متورطون، لكن الواقع أم هذه الانتهاكات لن تتوقف، أو لكن أكثر واقعية، يخف وقعها، حتى يتم التوقيع على اتفاق ما ضمن الخطوط العريضة المذكورة، وهي، كما نوهت سابقاً، تعطينا الكثير، وتشكل منعطفاً هاماً نحو تحقيق ما نريد، وبداية النهاية للحرب وللنظام.

إذاً، علينا أن نشكو ونفاوض في آن، نماطل لكن لا نعرقل، نراوغ لكن لا نقاطع، نهدد وإن كنا ضعفاء، لكن ليس إلى الدرجة التي تسمح للطرف الآخر بمطالبتنا بتنفيذ تهديدنا فنكشف عن ضعفنا.

الكل يعرف من يقوم بالقصف والتجويع في سوريا، لكن القضية السورية لا تشكل إلا جزءاً بسيطاً من حسابات سياسية واستراتيجية دولية وإقليمية معقدة لا علاقة للقيم الإنسانية والأخلاقية بها. وبالتالي، قد لا تتلكأ القوى الدولية والإقليمية كثيراً أمام هذا الأمر، بل بمعاينته من منظور مصالحها الأخرى، وعلى ديمستورا العمل ضمن التوازنات والحسابات القائمة في هذه اللحظة.

فمن المنطلق الإخلاقي والإنساني البحت، هناك ما يكفي من الأدلة لإدانة الجميع، أينما كانوا في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، في الدول النامية أو المتطورة، وأي كانت خلفياتهم القومية أو الدينية أو المذهبية أو السياسية أو الفلسفية. لقد أثبت التاريخ أن كل الدول وكل الحضارات تبقى وفي كل زمان ومكان على أهبة الاستعداد لخيانة مبادئها، أو تجييرها واستغلالها، لخدمة مصالحها، كما تراها الفئات المتحكمة في صنع القرارات فيها. والفرق الوحيد، والهام، ما بين الدول الاستبدادية والديموقراطية في هذا الصدد يكمن في مدى تقاطع مصالح النخب صانعة القرار مع مصالح الشعوب.



الخميس، 28 يناير 2016

ملاحظات حول قرار المعارضة مقاطعة محادثات جنيف

رياض حجاب : لن نفاوض في جنيف
1.

مرة أخرى أبدأ بالإلحاح على ضرورة مشاركة الهيئة العليا للمفاوضات في محادثات جنيف، وإن من خلال وفد متابعة رمزي. فنظراً للطبيعة العلنية للضغوط الدولية الممارسة عليها في هذه المرحلة، يبدو من الواضح أن قرار المقاطعة سيضع الهيئة، لا النظام ولا روسيا ولا إيران، في موقع اللوم والاتهام بعرقلة التسوية في سوريا، وهو الأمر الذي سيتم استغلاله من قبل النظام في مسعاه لاستعادة شرعيته التي لم يفقدها تماماً بالأساس، مع الأسف.

هذا من ناحية.

من ناحية أخرى، فأن المباحثات تأتي بمثابة منبر إعلامي هام ينبغي علينا استغلاله لتسليط الأضواء على قضية المناطق المحاصرة، وسياسة التجويع، وملف اللاجئين والمهجّرين، علاوة على الانتهاكات المستمرة من قبل النظام وروسيا لقرارات مجلس الأمن، من حيث استهداف المدنيين والامتناع عن محاربة داعش، وهي الذريعة التي ما انفكا يستخدمونها لتبرير عنفهما. قد تكون كل هذه الأمور معروفة، لكن التذكير والتكرار والاصرار على طرحها في كل محفل بشكل واضح وصريح وفاضح حتى تتحول إلى هاجس عند الجميع أمر لا يمكن أن نغفل عنه لحظة.

طبعاً، هناك احتمال أن تقرر الهيئة المشاركة في المباحثات في آخر لحظة، بشكل أو آخر، وبالتالي يشكل امتناعها عن المشاركة حتى آخر لحظة تكتيكاً تفاوضياً، سواء كان هذا هو القصد والنية أم لا.

بالعودة إلى القرار ذاته، يبدو واضحاً هنا أن التحليل السابق مبني على افتراض أن الهيئة العليا هي سيدة قرارها، لكن معرفتنا بطبيعة المعارضة السورية بشكل عام، وظروف تشكيل الهيئة بشكل خاص، تثير مجموعة من علامات الاستفهام حول صحة هذا الافتراض. وربما كان من الأفضل هنا أن نذكر أنفسنا أن القرار في الهيئة هو قرار سعودي بالدرجة الأولى، وهذا أمر يفرض علينا تحليل طبيعة قرار المقاطعة من منطلق التوازنات الإقليمية وإشكالاتها، وليس من منطلق سوري بحت. أي أن القرار يعكس بطبيعته سخط سعودي حول التطورات في سوريا والمنطقة وقد لا يأخذ مصلحة الشعب السوري بمكوناته المختلفة بعين الاعتبار.

ولا يأتي التذكير بدور السعودية في الأمر من منطلق عدواني حيالها، لكن التنبه إلى طبيعة القرارات والمؤسسات والعمليات يبقى أمراً ضرورياً لكي لا نضيع البوصلة. فقرار المقاطعة لم يأت استجابة لمطالب الكثير من الناشطين بـ "حفظ كرامة الشعب السوري،" بل انعكاساً لرؤية قوة إقليمية بعينها لمصالحها. وقد لا يكون بوسع الهيئة أن تخالف الرغبات السعودية في هذه المرحلة، لكن علينا أن نتعلم كيف نفرق ما بين رغباتنا ومصالحنا ورغبات ومصالح القوى الداعمة لبعض مؤسساتنا المعارضة. لأنه يتوجب علينا في مرحلة ما أن نعرف كيف نقف مع مصالحنا نحن، حتى عندما لا تتوافق مع مصالح بعض "شركائنا" و"أصدقائنا."

2.

دمشق
دعونا لوهلة نفترض الأسوأ. نعم، دعونا نفترض أن المجتمع الدولي فرض علينا بشكل أو آخر قبول حله الحالي: حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات للأسد فيها حصة الأسد، مع بقائه كرئيس والسماح له بترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها بعد التوافق على دستور وقانون انتخابي جديدين، خلال مدة أقصاها سنة ونصف من تاريخ تشكيل الحكومة الانتقالية.

ماذا يعني التوصل إلى اتفاق من هذا النوع على أرض الواقع: ستبقى لداعش والنصرة وأحرار الشام وغيرها من الجماعات الإسلامية المسلحة مناطقها على الأرض، وستنضم إليهم جماعات أخرى من منطلق الاعتراض على الاتفاق، وسيبقى الأكراد مسيطرين على مناطقهم، مع حفاظ النظام على وجود رمزي له هناك، وسيستمر الوجود الأمريكي في الحسكة بل سيكبر، ويسري الأمر نفسه على الوجود الروسي والإيراني. أي أن المعارك والقصف سيستمران في أماكن كثيرة.

لكن، وهنا الفرق، سيؤدي الاتفاق إلى رفع الحصار عن الكثير من المناطق، ويمكن للكثير منها أن تدار محلياً من قبل شخصيات تابعة للمعارضة بعد ذلك. كما ستحظى أطياف المعارضة، ليس تلك المهادنة للنظام فقط، بل تلك المسؤولة عن تشكيل الائتلاف والهيئة العليا، بوجود في دمشق ذاتها وفي بعض المناطق الأخرى تحت حماية دولية (وهذا شرط لا يمكن للمعارضة التنازل عنه). وجود المعارضة سيؤدي إلى بروز إعلام سوري معارض ومنظمات مجتمع مدني حقيقية وليست خاضعة لسيطرة النظام، علاوة على الأحزاب السياسية المعارضة، وسيكون للتمويل الخليجي والدولي دوره هنا، وسيكون للمنظمات الدولية وجودها على الساحة أيضاً، مما سيسمح بوجود رقابة حيادية للتطورات الداخلية المختلفة. وستستمح كل هذه الأمور بعودة الكثير من الناشطين من الخارج للعمل مرة أخرى على أرض الوطن برعاية دولية. طبعاً، ومما لاشك فيه، أن مسرحية الاغتيالات والخطف لن تغيب عن الساحة طويلاً، بصرف النظر عن الحماية الدولية، لكنها من المخاطر التي لا يمكن تفاديها كلية.

إن هذه المكاسب ستكون جزءاً لا يتجزأ من أي اتفاق، وهي مكاسب هامة وستتيح لنا فرصة للتواصل مع المجتمعات المحلية خارج نطاق سيطرة النظام والحركات المتطرفة، وستسمح لنا بتطوير نضالنا من أجل مجتمع حر مدني وديموقراطي، وهو نضال لا يمكن له أن يدار من الخارج، أو يتحقق من خلال العمل العسكري وحده.

إذاً، حتى في حال تحققت هذه الفرضية الأسوأ من وجهة نظرنا كمعارضة وكناشطين في مجال الديموقراطية، سيبقى لها ما يكفي من تأثير إيجابي على الأوضاع الداخلية، بحيث يكون النظام هو الخاسر الأكبر. الأسد يخاف هذا السيناريو أكثر من خوفه لنا، لأن هذا السيناريو سيشرعن وجودنا في الداخل وسيتيح لنا مجالاً كبيراً للعمل، كما سيفرض ضوابط وقيود على حركة النظام حتى من قبل داعميه، أي إيران وروسيا.

لذا، فللأسد المصلحة الكبرى في عدم التوصل إلى أي اتفاق، ومن هذا المنطلق، قد يخدم "قرار المعارضة" مقاطعة محادثات جنيف رؤية سعودية ما، أو قد يأتي تعبيراً عن تخبط صناع القرار هناك، وهو الاحتمال الأكبر، لكنه وبالتأكيد، لا يخدم المعارضة السورية. إذ ليس من مصلحة المعارضة لا سياسياً ولا إعلامياً أن تظهر بمظهر المعرقل، في حين نعرف كلنا أن الأسد ورجالاته هم من يريد العرقلة ويسعون إليها.

إن أي حل سياسي يسمح بعودة العمل المعارض إلى الساحة السورية بموافقة وحماية دولية يشكل مغنماً ما بوسع معارضة تحترم كرامة شعبها، كما تدعي معارضتنا، التخلي عنه، رحل الأسد مباشرة أم بقي لفترة ما، لأن خطوة من هذا النوع تكاد تكون المسمار ما قبل الأخير في نعش حكم الأسد لسوريا. النظام يعرف هذا تماماً، ومن هذا المنطلق نراه دائماً يسعى إلى العرقلة، وآن الآوان لنا نحن أيضاً أن نعرف هذا الأمر، ونفهم مضامينه، ونتخذ قراراتنا على هذا الأساس. لذا علينا أن لا نعرقل الحل السياسي، والأهم من هذا، علينا أن لا نسمح لأي كان بأن يصورنا وكأنا نحن الجهة المعرقلة.

وإن لم يكن بوسع المتعاطفون مع قضيتنا في السعودية أن يفهموا هذا الأمر، فعلينا أن نشرحه لهم بالتفصيل، لأن فيه خدمة أكبر لمصالحهم أيضاً، في وقت بات الإعلام الغربي يصورهم على أنهم هم الجانب المسؤول عن ما يجري في منطقتنا من عنف وإرهاب، لا إيران أو روسيا، وهو في الواقع قلب للحقائق خاصة فيما يتعلق بما يجري في سوريا.



الأربعاء، 27 يناير 2016

إلى المعارضة السورية: لا تقاطعوا محادثات جنيف، على علاتها

مشهد من مؤتمر جنيف 2


المفاوضات أو المحادثات المزمع عقدها في جنيف يوم الجمعة لن تجري، ولا ينبغي لها أن تجري، على أساس الجمع ما بين النظام والمعارضة، إذ فقد هذا المفهوم واقعيته نظراً لحالة التفكك التي تشهدها الدولة اليوم ولتدخل مجموعة من القوى الخارجية في الصراع. بل ينبغي العمل في هذه المرحلة على أساس الجمع ما بين مجموعة من الأطراف المتنازعة التي احتفرت لنفسها مناطق وقواعد على الأرض بشكل مباشر أو عن طريق المجموعات المسلحة والميليشيات المدعومة من قبلها.

من هذا المنطلق، فإن الإصرار على إقصاء ممثلي حزب الاتحاد الديمقراطي من المشاركة بحجة العمالة للنظام أو مهادنة النظام يشكل تجاهلاً لواقع سيطرة هذا الحزب، بصرف النظر عن الأساليب التي يستخدمها في فرض هذه السيطرة، على مناطق معينة في سوريا، ولقيامه بمواجهة داعش هناك بدعم أمريكي، كل هذه الاعتبارات، علاوة على علاقاته مع روسيا والنظام، تجعل من هذا الحزب طرفاً حقيقياً في الصراع الدائر في سوريا، مما يعني أن في محاولة تغييبه عن المفاوضات تغييب لأي حوار جدي حول مستقبل المناطق الخاضعة لسيطرته. نعم، للنظام تواجده في هذه المناطق، لكنه تواجد مشروط بحسابات الحزب السياسية، وهي حسابات معقدة لها علاقة بالتوازنات الإقليمية، بل والدولية المتعلقة بمستقبل المنطقة ككل.

وفي الواقع يعد حزب الاتحاد الديموقراطي، بصرف النظر عن أية اعتراضات تتعلق بعقيدته السياسية أو قادته أو أساليبه في الحكم، واحداً من أهم الأحزاب السورية في هذه المرحلة، بل وأكثرها خبرة وتمرساً في العمل السياسي. وكان من المفترض على الائتلاف ومن قبله المجلس الوطني أن يجريا محادثات جدية ومباشرة مع قادته بغية التوصل لمعادلة ما تسمح بالتعاون معه بدلاً من ترك المجال مفتوحاً أمام شخصيات أخرى غير مرتبطة بالائتلاف.   

إذ علينا أن لا نتجاهل هنا وجود طاقات أخرى في المعارضة غير الإئتلاف، طاقات تم إقصائها أو تهميشها أو تجاهل تطلعاتها وطموحاتها ومخاوفها، طاقات قد يكون بعضها إشكالياً لكنها تبقى حاضرة بنرجسياتها وهمومها وقدراتها وتطلعاتها، وهاهي قد نجحت الآن في تحقيق اختراق هام لها بالتعاون مع بعض الجهات الدولية أو الإقليمية لتعود فتفرض نفسها على الساحة، فهل يكون الجواب على وجودها اليوم أن يقوم الإئتلاف بإقصاء نفسه عن العملية السياسية الوحيدة على الساحة الدولية والتي سيتم من خلالها تحديد مستقبل البلد؟ هل يعتقد أحد أن هذه القوى الدولية والإقليمية ستجتمع كل يوم من أجل سوريا، وعلى هذا المستوى العالي من التمثيل؟ هل سنستمر في التسويف إلى يندلع صراع آخر في منطقة ما يشغل العالم عنا؟ قضيتنا تشغل العالم اليوم، لكنها لن تشغله كل يوم. وإن كان من المستحيل اليوم أن نحصل إلا على جزء بسيط مما نريد، فليكن، ثورتنا اليوم عرتنا لكنها لن تكسينا، وما تزال طريقنا إلى الحرية معبدة بثورات أخرى مختلفة.

وإن كان لابد من تسجيل اعتراض ما على العملية المزمعة في جنيف، والدوافع في هذا الصدد مفهومة تماماً بل ومشروعة، فليكن الأمر عن طريق تخفيض مستوى المشاركة لا عن طريق المقاطعة الكلية. فليرسل الإئتلاف مندوباً أو مندوبين له إلى جنيف للمشاركة بصفة مراقب، فبهذه العملية يمكن للإئتلاف المشاركة في المحادثات والتأثير فيها إلى حد ما دون أن يضطر إلى التصديق على أية من القرارات التي ستتخذ حتى تتم مراجعتها لاحقاً من قبل الهيئة.



الأحد، 19 يوليو 2015

مبادرة لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا: النسخة المعدلة


فيما يلي نص النسخة المعدّلة لـِ "مبادرة ثروة لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا" والتي طرحت رسمياً في 30 حزيران 2015. تم تعديل المواد الأساسية للمبادرة بناءاً على الحوارات، الخاصة والعامة، التي دارت مع مجموعة كبيرة من الخبراء والنشطاء والمعارضين السوريين. ويجري العمل حالياً على التحضير لطرح هذه المبادرة على نطاق عالمي أوسع (English Version).

مقدمة

تهدف المبادرة المقترحة هنا إلى تحويل النزاع في سوريا من صراع عسكري مدمّر إلى عملية سياسية يمكن من خلالها للأطراف الداخلية والخارجية المختلفة الاتفاق على ترتيبات إدارية مرحلية تسمح لكل طرف داخلي بالبدء بإعادة بناء ما تهدّم في منطقته، وإعادة توطين اللاجئين وتقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين، وذلك بمساعدة القوى الداعمة له على الصعيد الإقليمي والدولي. وفي هذه الأثناء يمكن للمباحثات المتعلّقة بالوضع النهائي للبلد من الناحية الإدارية والسياسية والقانونية والدستورية أن تبدأ، وإن امتدت لسنين.

وتتلخّص المبادرة بالبنود التالية:

1.  يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على خطوط واضحة لوقف إطلاق النار تفصل ما بين المناطق الخاضعة للأطراف الداخلية المختلفة، واعتماد كل منطقة مرحلياً كوحدة تابعة للطرف المعني يديرها بحسب توافقات داخلية محددة. ويأتي هذا الترتيب الجديد كجزء من استمرار لالتزام الأطراف الداخلية والخارجية المختلفة بوحدة الأراضي وسيادة الدولة السورية.
2. يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على بنود واضحة للتعاون ما بين الوحدات الجغرافية المختلفة الخاضعة لسيطرتهم في عدد من المجالات الحيوية، خاصة فيما يتعلّق بالقضايا الأمنية والاقتصادية، وآليات التنقّل ما بين الوحدات، وإدارة العلاقات القائمة ما بين المكونات والشرائح الاجتماعية المختلفة في كل منطقة.
3. يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على تحييد دور دمشق في الصراع عن طريق تأسيس حكومة مرحلية حيادية يشارك فيها ممثلين عن الأطراف المختلفة تدير شؤون المدينة ونواحيها تحت إشراف لجنة دولية أممية معينة من قبل مجلس الأمن. ويفضل إعطاء المسؤول الأممي المشرف على الشأن السوري صلاحية تشكيل هذه الحكومة بالتشاور مع كافة الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية المعنية.
4. يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على تنصيب رئيس مرحلي في دمشق، لفترة غير قابلة للتجديد، لا تقل عن سنتين ولاتزيد عن خمس سنوات، يتصف بأنه قادر على بناء الإجماع ما بين الأطراف المختلفة، تكون مهمّته الإشراف على عمل الحكومة المرحلية وعلى المباحثات ما بين أطراف الصراع، والعمل على تنسيق المساعي الإقليمية والدولية في هذا الصدد، في حين يبقى بشار الأسد مسؤولاً عن إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات الموالية له، وعلى تمثيل تلك الشرائح التي ماتزال تعتبره ناطقاً شرعياً معبراً عن مصالحها.
5. عند الضرورة، يمكن لأطراف النزاع الاتفاق على التبادل السلمي لبعض المناطق والسكان ما بين الأطراف المختلفة حفاظاً على أمن جميع الشرائح والمكونات الاجتماعية والثقافية. وبسبب الصعوبات المتعلّقة بعمليات تبادل السكان، لابد وأن ينبثق القرار المتعلّق بالرحيل من المكونات المتأثرة. علاوة على ذلك، ينبغي تقديم تعويضات مالية وعينية (مثل السكن) مناسبة إلى كل المتضررين وخلال إطار زمني منطقي.
6.  يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على دعوة قوات حفظ سلام مشكّلة من دول محايدة لمراقبة خطوط التماس المرحلية، والنقاط الحدودية، والمطارات والمرافئ الدولية، لمنع وقوع أية خروق لاتفاق وقف إطلاق النار، ولتسهيل التنقّل ما بين المناطق المختلفة، ولمنع تدفق المقاتلين والأسلحة من وإلى سوريا، إلا بحسب الاتفاقات الموقّعة من قبل أطراف النزاع.
7.  يمكن لكل طرف من أطراف النزاع في المرحلة الانتقالية أن يحتفظ بمجموعاته المقاتلة شرط تفريغها من العناصر الأجنبية بالتدريج وفقاً لجدول زمني محدّد، ولا يجوز للأطراف التحايل على ذلك عن طريق التجنيس و/أو منح الإقامات.
8.    ينبغي على الحكومة المرحلية احترام كافة العقود والاتفاقات التي عقدها النظام حتى تاريخ إعلان هذه المبادرة.
9.  يتوجّب على أطراف النزاع حظر خطاب التحريض والكراهية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، واحترام قداسة كل المعابد والمؤسسات الدينية، والصروح ذات الأهمية التاريخية، وعليهم توفير الحماية لكافة الحجاج والزوار القادمين من داخل أو خارج البلاد.
10. يتوجّب على كافة أطراف النزاع، ما أن تم التوقيع على هذا الاتفاق في صيغته التفصيلية النهائية، توجيه وتنسيق جهودهم لمحاربة المجموعات الداعمة للإرهاب الدولي والتي بنت لنفسها مقرات وبسطت سيطرتها على أراضٍ سورية. ويتوجّب في هذه المرحلة على جميع الأطراف أن تفرج عن كافة المعتقلين السياسيين، وأن تقدّم لوائح بأسماء من قضى منهم خلال فترة اعتقاله، وأن تفتح سجونها ومعتقلاتها للمراقبين العاملين في هيئات حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ليتأكدوا من امتثال الجميع لهذا الشرط.
11. تبدأ المرحلة الانتقالية مع تاريخ تعيين الرئيس المرحلي، وتنتهي عندما يستقيل بعد خدمة لاتقل عن سنتين ولاتزيد عن خمسة. ولاينبغي تجديد أو تمديد المرحلة الانتقالية. وينبغي على محادثات الوضع النهائي للبلد أن تبدأ وتنتهي خلال فترة حكم الرئيس المرحلي، وأن تتناول كل القضايا المتعلّقة بمستقبل سوريا، بما في ذلك وضع دستور جديد وطرحه للاستفتاء الشعبي، والبت في القضايا المتعلّقة بالعدالة الانتقالية. وعلى تاريخ انتهاء حكم الرئيس المرحلي أن يتزامن مع تاريخ استلام أول رئيس منتخب وطنياً في البلد لمنصبه. كما على تاريخ انتهاء حكم الرئيس المرحلي أن يتزامن أيضاً مع تاريخ انتهاء عمليات ونشاطات الحكومة المرحلية وبداية عمل الحكومة الوطنية الجديدة المنتخبة.
12.  ينبغي أن تخضع كل العمليات الانتخابية وكل الاستفتاءات التي تجري خلال المرحلة الانتقالية لرقابة الأمم المتحدة عن طريق هيئاتها المختصة.

تقتضي الموافقة على هذه النقاط الدخول في عملية تفاوضية لاحقة للاتفاق على التفاصيل المتعلَقة بتنفيذها، مثل تحديد هوية الرئيس المرحلي، وأعضاء الحكومة المرحلية، والاتفاق على هوية الأطراف الداخلية التي يحقّ لها المشاركة في هذه الحكومة وفي العملية التفاوضية اللاحقة، وتعيين الجداول زمنية وخطوط وقف إطلاق النار، إلى آخر ما هنالك من تفاصيل وقضايا. وتبدأ المرحلة الانتقالية من تاريخ توقيع الاتفاق النهائي، وهو أيضاً تاريخ تعيين الرئيس المرحلي بشكل رسمي.

(يمكن الإطلاع على الشرح التفصيلي لهذه البنود على الرابط التالي).


السبت، 23 نوفمبر 2013

أين أنتم؟

يؤكد الإسلاميون أنهم سيحترمون حقوق الجميع، بمن فيهم الأقليات والتيارات العلمانية، في دولتهم المنشودة، لكن ممارساتهم على الأرض حتى اللحظة لا تبشّر بالخير. فداعش ليست وحدها المسؤولة عن ممارسات الهمجية في المناطق المحررة باسم تطبيق شرع الله. ولعل إقدام الجماعات الإسلامية على طرح برامج واضحة فيما يتعلّق بالطريقة التي ينوون من خلالها التعامل مع "الآخرين" يساهم في إطلاق حوار جدي ما حول طبيعة الترتيبات المستقبلية، الأمر الذي قد يساهم بدوره في التوصّل إلى توافقات أكثر براجماتية يمكن لها أن تلقى قبولاً أكبر من الشرائح الأوسع للناس.






  
رسالة من ناشط علماني إلى المجموعات الإسلامية 

عندما يدعو العلمانيون إلى فصل الدين عن الدولة ينبري الإسلاميون للإعتراض وبحدة على هذا الطرح مؤكّدين على أن الإسلام دين ودولة وعلى وجود دور كبير للإسلام في السياسة، فأين هم الإسلاميون من العمل السياسي اليوم؟ الكلام هنا بالتحديد عن التيارات الإسلامية في سوريا، فباستثناء نشاطات الإخوان المسلمين لا يوجد نشاط آخر يُذكر للإسلاميين على الساحة السياسية، إلا من خلال بعض الشخصيات المستقلّة، وهذا بالطبع لا يكفي للتعويض عن النقص في تمثيل التيارات الإسلامية الفاعلة على الأرض، عسكرياً على الأقل، وهي في معظمها سلفية الطابع ولبعضها خلافاتها العميقة مع حركة الإخوان، وقد لا يشكّل قبولها لدعم الإخوان المادي لها في هذه المرحلة أكثر من خيار تكتيكي عابر لا يبدو أن بوسعه أن يشكّل نواة لعلاقة تعاون وشراكة استراتيجية حقيقية في مستقبل الأيام.

ولا يكفي التذرّع هنا باستمرار العمليات العسكرية على الأرض لتبرير غياب هذه القوى عن الساحة السياسية، ولا يمثّل تشكيل هذه القوى لتحالفاتها الخاصة وتأكيدها على أنها تسعى إلى بناء دولة إسلامية تلتزم بتطبيق الشريعة برنامجاً سياسياً فعلياً، فمثل هذه التحرّكات لا تزيد عن كونها إعلاناً عابراً عن النوايا. أما العمل السياسي فيتطلّب وضع برامج تفصيلية وطرحها من خلال شخصيات سياسية تتناسب رؤيتها مع رؤية هذه القوى والمجموعات. 

ويشكّل إصرار هذه المجموعات على مقاطعة العملية السياسية بتفاصيلها أمراً إشكالياً خاصة مع رفضها الاعتراف بالإئتلاف كممثل شرعي لها ولبرامجها، علاوة على رفضها القاطع المشاركة في مؤتمر جنيف ٢، رابطين كل ما يجري على الساحة السياسية بموافقة وتأييد من هم على الأرض، لأنهم من منظور هذه المجموعات، الممثل الشرعي الوحيد الممكن والمقبول للثورة. لكنّ الشرعية هذه الأيام لا تكتسب فقط من خلال التحصّل على تأييد شرائح معينة في الداخل وفرض سلطة الأمر الواقع على شرائح أخرى فيه، بل تتطلّب أيضاً موافقة دولية تسمح بإقامة علاقات تعاون ما مع المجتمع الدولي قد يكون لها طابع إنساني وعسكري في هذه المرحلة، وطابع دبلوماسي وتجاري في مرحلة تالية. فهناك دائماً بعد خارجي لشرعية الدول والمجموعات لا يمكن التعامل معه واحتوائه إلا من خلال النشاط السياسي خارج أطر الهيئات والمحاكم الشرعية التي تمّ تشكيلها من قبل المجموعات المختلفة، وخارج نطاق تقديم الخدمات للمجتمعات المحلية. 

ولا يعني كون هذه المجموعات إسلامية التوجّه أن المجتمع الدولي سيرفضها بالضرورة، كما يظنّ أصحابها أو يدّعوا، فهذا المجتمع يقيم علاقات دبلوماسية وتجارية يمكن وصفها بالطبيعية في معظم الأحوال مع كل الدول التي تعرّف عن نفسها دستورياً بأنها دول إسلامية، ومنها إيران والسعودية والسودان وماليزيا، وغيرها. فلا تنحصر إذاً مشكلة المجتمع الدولي مع هذه القوى في إيديولوجياتها وعقائدها السياسية بقدر ما تنبع من نأيها المستمر عن العمل السياسي، بل واحتقاره أيضاً. لكنّ المجموعات المسلّحة التي تنأى بنفسها عن السياسة تبدو غالباً وكأنّها تعلن الحرب على المجتمع الدولي بأعرافه، وهو أمر قد يناسب مجموعات كتنظيم القاعدة مثلاً، لكن هل يناسب هذه التشكيلات الإسلامية أيضاً التي غالباً ما تدّعي أنها تعارض القاعدة؟ فإن كان الأمر كذلك، فلم تتوقّع هذه المجموعات أن يهتمّ المجتمع الدولي بمعاناتها ومطالبها؟ من ناحية أخرى، يخطئ كل من يعتقد أن بوسعه تحصيل كل ما يريد ووفقاً للجدول الزمني الذي يناسبه من خلال العمل السياسي وحده خاصّة في زمن الثورات والصراعات. لكن، حتى في حال حسمت الأمور عسكرياً ضد النظام تبقى السياسة بتنازلاتها ومساوماتها ضرورة في سوريا، نظراً للتنوّع الإثني والمناطقي فيها وتعدّد الجهات الإقليمية والدولية  المساهمة في تشكيل الأوضاع الراهنة. ولا تعني طبيعة العمل السياسي أن لا تضع الأطراف شروطاً وحدوداً وضوابط لمشاركتها، لكن عليها في خاتم المطاف أن تشارك، وأن تتنازل، وربما كان هذا الأمر الأخير هو الإشكال الحقيقي الذي يواجه الجماعات الإسلامية، لأن التنازلات عندها غالباً ما تأخذ بعداً عقائدياً ممّا يعقّد التداولات بشأنها ويصل حدّ التكافر، لكن الأطراف التي لا تعرف كيف ومتى تتنازل لا يمكنها أن تشارك في إدارة الدول، وبالتالي لا يمكن للمجتمع الدولي أن يراهن عليها ويعترف بها. 

لذا، وإذا كانت القوى الإسلامية الفاعلة على الساحة السورية الداخلية تسعى ليكون لها دور حقيقي في تشكيل مستقبل سوريا فهي بحاجة للانخراط في العملية السياسية وبشكل جدّي وفعّال، الآن وليس غداً. بل من الأفضل لها أن تطالب بإرسال ممثّلين لها إلى مؤتمرات مثل جنيف ٢ عوضاً عن مقاطعته، فأي طريقة أنجع لمحاربة المؤامرات المزعومة من المشاركة في تلك العمليات السياسية التي نتخوّف من استخدامها كمنصّة لتفعيل هذه المؤمرات؟ 


وفي الواقع، لقد بات من الضرورة بمكان للقوى الإسلامية الفاعلة في الداخل السوري، خاصة بعد تشكيلها لتحالفاتها العسكرية الخاصّة، أن تشكّل لها جسداً سياسياً أيضاً يمثلها على الساحة الداخلية والدولية، وسيتطلّب منها هذا الأمر إجراء بعض التقاربات والتسويات مع القوى الثورية الأخرى، إن عاجلاً أو آجلاً. فإن كان ابتعادها عن العمل السياسي في هذه المرحلة خيار مدروس تحاول من خلاله تجنّب التعامل مع القوى الأخرى على الساحة الداخلية رغبة في انهاكها والامتناع عن تقديم أية تنازلات لها في هذه المرحلة، فربما آن الأوان لمراجعة الحسابات هنا، لأن هذه القوى قد لا تكون غافلة عما يجري وقد يدفعها هذا التعنّت إلى الانخراط في عمليات سياسية تهدف إلى مقاومة وعزل هذه المجموعات الإسلامية، مهما بدا هذا الأمر صعب المنال في هذه المرحلة، وبالتالي ستتحوّل مخاوف هذ المجموعات من المؤامرات إلى نبوءة ذاتية التحقيق، فمن يخاف من الشيء غالباً ما يلقاه. 

والواقع أن مشاركة جميع التيارات والمجموعات الفاعلة على الساحة العسكرية والسياسية الثورية في مؤتمرات مثل جنيف ٢ سيقوّي موقف الثوار في العملية التفاوضية، إذ لن يكون بوسع ممثّلي النظام والجهات الإقليمية والدولية الداعمة له في هذه الحال أن يدّعوا أن الطرف الآخر غير قادر على الالتزام بتنفيذ الاتفاقيات على الأرض، وسيكون بوسع المعارضة في هذه الحالة أن تصرّ على تحقيق مطالبها بحدودها القصوى. 

وقد يتساؤل البعض هنا: لماذا تدعو شخصية علمانية لمشاركة التجمّعات الإسلامية الأكثر تشدّدا في العمل السياسي وتقدّم النصح لها؟ هناك سببان رئيسيان لذلك: 

أولاً، إن عودة الاستقرار إلى سوريا، وهو التحدّي الذي لابد له أن يكون من أولوياتنا في هذه المرحلة نظراً للظروف الإنسانية الصعبة التي تمرّ بها شرائح واسعة من شعبنا، تتطلّب قدراً هائلاً من التنظيم وتستلزم مشاركة معظم القوى الفاعلة على الساحة، بصرف النظر عن انتماءاتها الإيديولوجية، لكي لا نتورّط في صراعات داخلية جديدة علاوة على صراعنا الحالي مع النظام والقاعدة. 

ثانياً، قد تؤدّي المشاركة في العمل السياسي مع الزمن إلى التقليل من تشنّج وتشدّد هذه التيارات الإسلامية وتفتح مجالاً ما للمناورة يمكن من خلاله للقوى العلمانية، في حال نجحت في تنظيم صفوفها والاتفاق على بعض المبادئ والأولويات الأساسية لها، أن تتحصّل على بعض الضمانات الاجتماعية والسياسية للمرحلة القادمة تمكّنها من الحفاظ على وجودها وعلى الاستمرار في المشاركة في العمل الثوري والسياسي في الوقت الراهن، وعلى المشاركة مستقبلياً في عملية إعادة البناء في كل المناطق السورية. 


وفي الواقع لا يوجد الكثير من الخيارات أمام القوى العلمانية في هذه المرحلة، نظراً لتخاذل المجتمع الدولي في دعمها، وتنحصر خياراتها في هذه المرحلة في واحد من ثلاث:

١) التوصّل إلى صيغة مقبولة للتعامل والتعايش مع القوى الإسلامية، ٢) العودة إلى كنف النظام، أو ٣) الهجرة. 

ومن الواضح في هذه المرحلة أن التيارات العلمانية التي اختارت الانضمام إلى الإئتلاف أو التنسيق معه إنما تسعى إلى التوصّل إلى تسوية ما مع التيارات الإسلامية تسمح لها بالحفاظ على وجودها وبالاستمرار في العمل الثوري في آن، ويمكن تسميتها هنا بالقوى العلمانية الثورية. أما هيئة التنسيق، وغيرها من تجمّعات المعارضة العلمانية التقليدية، فمن الواضح منذ البداية أن أصحابها يفضّلون العمل في ظلّ النظام بصرف النظر عن جرائمه، قانعين بالفتات الذي بوسعهم التحصّل عليه بين الحين والآخر. وفي هذه الأثناء تستمرّ عملية الاستنزاف للقوى العلمانية من خلال الهجرة، وقد تكون الهجرة هي الحلّ الذي تريده معظم القوى الإسلامية والنظام ذاته للقوى العلمانية الثورية لإصرارها على المشاركة في صنع القرار وعدم اكتفائها بدور هامشي وتجميلي. لكن المشكلة في ترحيل هذه القوى عن الساحة أنها قد تأخذ معها إمكانية التحصّل على الشرعية الدولية أيضاً، على الأقل لسنين طويلة. ولقد لاحظنا كيف أثّر تغييب الشخصيات الليبرالية بالذات من العمل المعارض سلباً على قدرة المعارضة السورية في التواصل مع المجتمع الدولي وخصوصاً الدول الغربية منذ بداية الثورة وحتى اللحظة. 

إن التغييب والتسويف لا يخدم قوى المعارضة، لا الإسلامية منها ولا العلمانية، خاصّة في ظلّ ذبذبة المجتمع الدولي فيما يتعلّق بالرهان عليها. والأهمّ من ذلك أن الغرب بالذات كان يبحث ومنذ بداية الثورة عن شخصيات قيادية يمكنه التواصل معها بشكل مباشر ويمكن للمعارضة أن تتمحور حولها، لكنه لم يجد مبتغاه في أي من الشخصيات التي فرضت نفسها على الساحة. أين المشكلة هنا؟ هل هي في الأشخاص؟ في الثقافة العامة؟ في سياسة تفريغ المعارضة التي اتبعها النظام عبر العقود الماضية؟ أم هل يمكن إلقاء معظم اللوم على سياسات الشحن الطائفي الذي دأب النظام على الارتكاس إليها والتي ما زالت تجد لها أصدائها العميقة في صفوف الموالاة والمعارضة على حدّ سواء؟  الإجابات غير واضحة في هذه المرحلة. لكن مفتاح الحلّ في سوريا يكمن إلى حد بعيد في إيجاد هذه الإجابات، علاوة على تمكّن المعارضة من تنظيم صفوفها والعمل بالتوازي على جميع الأصعدة: العسكرية، السياسية، الإدارية والإعلامية، وهو ما يقوم به النظام منذ اللحظة الأولى، في حين تصرّ المعارضة بجميع تياراتها وقواها على التسويف. أما آن أوان انتهاء فترة المراهقة السياسية هذه؟ متى ستنضج المعارضة وتفرز قادة حقيقيين وفاعلين؟