الجمعة، 11 مارس 2016

ملاحظات حول الشرق الأوسط والمستقبل (3): سوريا والمسألة الفدرالية

التقاسيم الإدارية للإمبراطورية العثمانية

المعارضة في سوريا، ومنذ ربيع دمشق وليس الربيع العربي فحسب، تبدي استعدادها لمناقشة كل القضايا المتعلقة بوطننا ومستقبله، بما في ذلك حقوق المكونات والمناطق، ومسألة الفدرالية، بل وكيفية سقوط نظام الأسد ذاته. لكنها تشترط لهذا الحوار أن لا يجري إلا بعد سقوط النظام. فتأمل يا رعاك الله! على لسان الراحل توفيق البجيرمي.

لكن، وبعيداً عن التهكم والسخرية، ماذا عن الواقع؟ واقع اليوم، والأمس؟

التقسيمات الإدارية للمناطق السورية في مطلع الحرب العالمية الأولى
الواقع أن الحكم المركزي حتى في أيام حافظ الأسد لم يكن مركزياً في كل شيء. فالأسد الأب وضع لكل محافظة معادلة خاصة بها لضمان السيطرة عليها على حدة، وأعطى، ضمن حدود معنية، صلاحيات واسعة للمحافظين الذين عينهم عليها، وللأجهزة الأمنية فيها، صلاحيات واسعة للتصرف ضمن الحدود المرسومة، فالأسد الأب لم يعد معنياً بالتفاصيل الصغيرة بعيد حركته التصحيحية، وكان يفضل أن يتعامل الآخرون من حوله معها. إن اضطرار السكان في المناطق والمدن السورية المختلفة الذهاب إلى العاصمة كلما احتاجوا إلى القيام بمعاملة ما، واضطرار الكثير من السوريين إلى النزوح إلى العاصمة والمدن الكبرى في سوريا لا يتنافيان مع رغبة النظام بل ونجاحه في تشجيع سكان كل محافظة ومنطقة على التقوقع والانغلاق. الحركة في الاتجاه المعاكس، أي من العاصمة والمدن الكبرى إلى الأرياف، ومن المناطق الغربية في سوريا إلى شرقها، كانت شبه معدومة لانعدام الحوافز وضعف التنمية، وبقيت السياحة الداخلية محدودة بأماكن وأنماط معينة، والتجارة الداخلية محصورة في أيد معينة.

المعنى: لم يعرف سكان المحافظات والمناطق المختلفة في سوريا الكثير عن بعضهم البعض، إلا من خلال المسلسلات والإشاعات. ولقد ساهمت المناهج التعليمية في عملية تجهيل هذه، خاصة فيما يتعلق بتعاملها مع تاريخ سوريا الحديث وجغرافيتها البشرية المعاصرة. ولقد كان للنخب الفكرية ايضاً دورها السلبي هنا من خلال طروحاتها الإيديولوجية المختلفة التي رفض معظمها التعامل مع سوريا كواقع قائم وشرعي وضروري بذاته. بالنسبة لهم كانت سوريا دائماً جزءاً من أحجية أكبر وأهم، في نظرهم، من سوريا، بصرفت النظر عن ادعائاتهم. الدليل في السلوكيات والأفعال.

حتى حركات النزوح الداخلي، الممنهج منها وغير الممنهج، لم تؤدي إلى زيادة الاختلاط بالشكل البناء الذي يمكن أن يسمح بنوع من الاندماج السلس الناتج عن التبني الطوعي لقيم حداثية ما. إذ سكن أغلب النازحين مناطق وأحياء معينة في المدن الكبرى، وساهموا في تأسيس العشوائيات. وسادت حالة واضحة من التوتر والتنافر ما بين المكونات المختلفة لتمسك كل منها بسلوكياتها وعقلياتها الأساسية.

إذاً سوريا كانت مفككة حتى في مرحلة ما قبل الثورة. بل، وفي الواقع لقد كانت مفككة حتى في مرحلة ما قبل الأسد، وما قبل الاستعمار الفرنسي. لأن سوريا كما نعرفها اليوم كانت لقرون طويلة عبارة عن مجموعة من المناطق المستقلة إدارياً والخاضعة لقرارات الباب العالي في أستانة. حتى المدن الكبيرة كانت في معظم الأحيان مقسمة إلى مجموعة من الأحياء المتجانسة دينياً وإثنياً تحكمها نخب خاصة من التجار والحرفيين ورجال الدين والقبضايات هم الذين يمثلون هذه الأحياء عند السلطان. إن هذه الحقائق تترك أثراً كبيراً على العقليات والسلوكيات، ولا ينبغي تجاهل ذلك.

إن تجربتنا مع الحكم المركزي في سوريا قصيرة من الناحية التاريخية، واقتصرت في المرحلة الأسدية على الجانب العسكري والأمني، وبعض المسائل الإدارية، الأمر الذي ناسب أولوياتهم  الخاصة ورغبتهم في تسهيل سيطرتهم على البلد.

هذا هو واقع الأمس من الناحية التاريخية.

مناطق السيطرة والنفوذ الفرنسية والبريطانية في الشرق الأوسط في عام 2016

أما اليوم، وبعد خمس سنين ونيف من العنف والعنف المضاد، بصرف النظر عن مدى مشروعية هذا أم ذاك، ونظراً لتدخل قوى خارجية إقليمية ودولية، بشكل مباشر وغير مباشر، إلى جانب هذا الطرف أم ذاك، ونظراً للتكاثر المطرد لهذه الأطراف، ولسيطرة كل منها على مناطق معينة، فالواقع أن سوريا اليوم أصبحت مقسمة، وما الطرح الفدرالي في هذه المرحلة إلا محاولة للاعتراف بهذا الواقع، ولتجميع بعض ما تبعثر، ولوقف النزيف والدمار، وبتحويل الصراع من نزاع عسكري إلى علمية سياسية.

هل ستؤدي الفدرالية في خاتم المطاف إلى تقسيم نهائي؟ إن حسابات القوى الإقليمية والدولية المتعلقة بهذا الشأن أكثر تعقيداً من أن تسمح بذلك اليوم أو في المستقبل القريب. هذا من ناحية. من ناحية أخرى، وبصرف النظر عن الجدل الدائر حول التقسيم، هناك مسألة أهم تواجهنا هنا، مسألة تتمحور حول طبيعة العلاقات التي ستسود ما بين المناطق المختلفة في ظل النظام الفدرالي وكيفية تطورها في المستقبل. إذ ما بوسع أحد من الأطراف أن يأخذ أرضه ويرحل، مهما بلغت به كراهيته للطرف الآخر ونفوره منه. هذا البعد للمسألة، علاوة على ثلة من الاعتبارات المتعلقة بالاقتصاد والنظام المالي، والوضع الأمني، وتطوير البنى التحتية وإعادة الإعمار، وحركة السكان، ومسألة العدالة الانتقالية، وإعادة توطين اللاجئين، وأية عملية محتملة لتبادل السكان بين المناطق، إلى آخره من هذه الشؤون العملية، كلها أمور تفتح مجالاً واسعاً للعمل على إعادة بناء جسور الثقة  ما بين المناطق بمكوناتها المختلفة، وبالتالي على بناء تدريجي لدولة أقوى تماسكاً وأكثر عدالة فيما يتعلق بقدرتها على تمثيل طموحات وتطلعات مكوناتها المختلفة، وأكثر قدرة على مراعاة مخاوفهم وهمومهم المتعلقة بسلامتهم وأمنهم الشخصي والجماعي.

سوريا في مطلع الانتداب الفرنسي

وفي حال تزامنت هذه العملية مع عملية سياسية أكبر تقوم من خلالها الدول الإقليمية المعنية على الاتفاق على معادلة جديدة للتعاون الإقليمي في مجالات عدة، على غرار ما تم اقتراحه في مطلع عام 2003 في بيان ثروة مثلاً، فقد تتمكن دول المنطقة من تجنب الدخول في صراعات مأساوية وعدمية على غرار ما يجري في سوريا حالياً، وقد يتمكن السوريون أنفسهم من خلال تبنيهم لطرح من هذا النوع من التسامي فوق آلام هذه المرحلة وتحويلها إلى انتصار معنوي وأخلاقي وفكري لهم، بكل مكوناتهم، وقد يجدون في هذه الرؤية دافعاً كبيراً للعمل على مواجهة التحديات الهائلة لمرحلة إعادة الإعمار.


إن رفض الطروح الفدرالية في هذه المرحلة يشكل، من الناحية العملية، استدامة للصراع في سوريا. فمهما كانت إرادتنا حديدية الجوهر ما بوسع أحدنا منع وقوع شيء قد وقع: إذ أصبح التفتيت واقعنا المعاش، ولا يمكننا إعادة البناء في لحظة، أو على أسس تتجاهل تماماً كيف وصلنا، وأُوصِلنا، إلى ما نحن عليه اليوم.  كل ما بوسعنا أن نفعله هو أن نتعامل مع نتائج ما وقع بأكبر قدر ممكن من العقلانية، بعيداً عن الإيديولوجيات والرومانسيات. فالواقع بشع، ما في ذلك من شك، وإعادة البناء صعبة جداً، وطويلة، ومضنية، والخسائر التي تكبدناها، والخيبات التي واجهناها، تكاد لا توصف أو تصدق. ومع ذلك، مع كل ذلك، ورغماً عنه، علينا أن نقبل ما هو كائن ونفهم طبيعته لنعمل على تغييره. ولعل نجاحنا في تبني رؤية أوضح لما نريد بناءه يعطينا القوة والأمل الذين نجد أنفسنا اليوم، في وسط هذا الخراب، بأمس الحاجة إليهما.

| الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث | الجزء الرابع | الجزء الخامس |