الاثنين، 13 يونيو، 2016

عن الوجود والوعي والإله


1.
الإنسان محور وجوده، ضميره المركز، وعقله القمة، وفي سعيه لصيانتهم يبني مجده. ويكمن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإنسان عند تعامله مع هذا الواقع في تجنب الخلط بين فطرية تمحوره حول نفسه ووهم تمحور الوجود حوله. فالأول انعكاس طبيعي لوعي المرء بذاته، والآخر سقطة تحول دون إدارك المرء لحقيقة موقعه من الإعراب.

2.
لا شيء يحدث قبل أوانه أو بعده، قوانين القدر صماء كلها، وإن رفضت أحاسيسنا تقبل ذلك.

3.
نحن من نعطي اللحظات والأحداث والأشياء معناها، لا يبالي القدر بذلك، بل لا قدرة له على المبالاة، فلا عقل لديه، ولا وعي، إلا من خلال ما أسبغنا عليه نحن من عقولنا ووعينا، وما حياتنا في الواقع إلا محاولة مستمرة لتعقيل القدر وتوعيته، بل لإحيائه ونفخ الروح فيه، لتعريفه وإعادة تعريفه باستمرار، لتوجيهه واحتوائه، وربما، ومهما بدا الأمر مستحيلاً، أو كان، لاقتنائه...  لا معنى للقدر بلانا، أو على الأقل، بلا كائنات تعيه، وتسبغ عليه من عقولها ووعيها.

4.
عندما نتأمل في كلية الوجود، أي في الكون بكل أبعاده، التي لا تقتصر على الأربعة الشهيرة إياها: الطول، العرض، الإرتفاع، الزمن، بل تتعداها لتشمل أبعاداً أخرى لا قدرة لنا على استيعابها حالياً لخروجها كلية عن عالم خبراتنا اليومية، والتي نستدل على وجودها مع ذلك من خلال سبرنا لكيفية نشأة وتطور الكون، ومن خلال الافتراضيات التي وضعها العلماء في هذا المجال بناءاً على مشاهداتهم واكتشافاتهم وأبحاثهم... عندما نتأمل في كلية هذا الوجود يفقد الزمكان بأبعاده الأربعة إياها معناه، كوننا نتعامل هنا مع إمكانية الوجود خارج نطاقه وخارج الأطر والدلالات التي ترسمها مفاهيم مثل هنا وهناك، وبداية ونهاية، وقبل وبعد، وسبب ونتيجة، وخالق وخليقة. ولهذا بالذات يستحيل علينا التوصل إلى نتائح قابلة للنطق وللشرح والاستيعاب باستخدام وسائلنا اللغوية والفكرية إياها. ولهذا أيضاً، لا معنى على الإطلاق لكل ما يوجد في الكتب "المقدسة" من ادعاءات حول الخلق والخالق والخليقة، أو حول أي من العلوم الموضوعية، ولا معنى لتعاملنا مع مسألة الخلق والخالق من منطلق التقاليد والموروث واليقينيات، خاصة عندما يأتي التعامل مع هذا الهاجس على حساب قضيتنا المصيرية الأولى كبشر: العيش بكرامة.

5.
عندما يتحدث عالم مثل ميتشيو كاكو عن أنه وجد إثباتاً على وجود الله، أو، كما قال، على وجود "ذكاء" ما مسؤول عن خلق الكون ووضع قوانينه، فهو لا يتحدث عن الله كما هو في القرآن والتوارة والإنجيل، أو كما يفهمه الهندوسيون أو البوذيون، وهو بالتالي لا يثبت صحة أي دين أو عقيدة دينية، ولا يثبت ما جاء به الرسل والأنبياء المزعومون، ولا يبرهن على قدسية أي تراث. كل ما في الأمر أنه يقدم تفسيره الخاص لظاهرة كونية ما تزال قيد الدراسة والبحث. لكن، ولأنه استخدم مصطلح الله السحري، سيهرع أهل الدين لالتقاف كلماته واستخدامها لتثبيت معتقداتهم الخاصة بكل ما فيها من تناقضات داخلية وبينية، وقصور، وتنافي مع معطيات العلوم الموضوعية.


وبالعودة إلى مفهوم "الذكاء الخلاق" الذي طرحه كاكو، فكلامه هنا لا يحتوي على أي إدعاء فيما يتعلق بكمال ذلك "الذكاء" المفترض وعصمته وقيمه ونواياه. كما أنه لا يدعونا إلى عبادته وتقديم فروض الطاعة له من خلال طقوس معينة، ما خلا الالتزام بالتجارب والأبحاث العلمية ومعطياتها. وأخيراً، لا يستدعي وجود هذا الذكاء وجود غرض واضح من وراء الخلق.

والكون الذي يتعامل معه كاكو هنا هو كون مؤلف من إحدى عشر بعداً (لا وجود فيه لشمس أو قمر يسجدان له، كما في حلم يوسف)، وهو الكون الذي تفترضه نظرية النوابض الخارقة والفيزياء الكمية (الكوانتية). لا معنى في هذا الكون لمفاهيمنا التقليدية المتعلقة بالزمان والمكان، وبالتالي الخالق والمخلوق. إن العلاقة مابين الوجود والوعي في هذا الكون علاقة تفاعلية الطابع يؤثر فيها المُراقِب على سلوك الظاهرة التي يقوم بمراقبتها، فيصبح المراقب هنا جزءاً من الظاهرة، جزءاً من عملية الخلق: سبباً ونتيجة في آن.

6.
أية علاقة تلك التي تربط الوجود والوعي؟ أيهما جاء قبل الآخر؟ هل يستحضر أحدهما الآخر بالضرورة؟ هل هما متزامنان عبر الأبد؟ وهل يعتبر الزمن جزءاً من الوجود أم الوعي، أم كلاهما؟ وأي شيء يترتب على ذلك؟ تبقى هذه الأسئلة مطروحة على بساط البحث.

7.
يختلف إحساسنا بالزمن بين اليقظة والمنام، بل بين مرحلة وأخرى في اليقظة والمنام، وبين فرد وآخر، وبين ثقافة وأخرى، فما هو الزمن إذاً؟ أقانون موضوعي، أم نتاج للوعي الذاتي، فردياً كان أم جمعياً، أم الإثنان معاً؟ بصرف النظر عن الإجابات، يدل وجود أبعاد موضوعية وذاتية لمفهوم أساسي مثل الزمن، ووجود علاقة تفاعلية بينها، على تعقيد المسائل المتعلقة بوجودنا في هذا الكون، وعلى ضرورة التعامل معها كأسئلة بحثية مفتوحة، وعدم تقييد أجوبتنا المطروحة عليها، وبالتالي تقييد عقولنا، بنصوص مقدسة، وأجوبة جاهزة. 

8.
لا معنى لما لا يُدرك، وإن وُجد، وكان هو الحق والحقيقة. بل سنبقى متمحورين حول مداركنا، وإن جانبها الصواب، فلا مفر من ذلك. وما إيمان الكثير منا بالغيبيات إلا محاولة بائسة للالتفاف على هذا الواقع. لكن هيهات. ستبقى كل أسئلتنا مفتوحة، وإن أغلقنا عقولنا. إن قدرتنا على توسيع مداركنا من خلال اكتساب معارف جديدة لا تلغي محدوديتها اللحظية، لكنها تعطي البعض منا، ذلك البعض الذي لم تعد الأوهام تغريه أو تكفيه،  دافعاً للاستمرار، للبحث.

9.
لا معرفة بلا إدراك، ولا إدراك بلا وعي، ولا وعي بلا حواس.

10.
لا وعي بلا حواس، لا روح بلا جسد. الإنسان في كله لا في تباعيضه.