الأحد، 5 يوليو 2015

ملاحظات حول الظلم والحرية

أبطال الثورة – لوحة ديجتالية لـِ عمار عبد الحميد من سلسلة “عن الحرية والثورة” حقوق الطبع محفوظة

(1)

عقلية الضحية

يشكّل الاقتناع المستمر لكل شعب وجماعة من شعوب وجماعات منطقتنا الشرقأوسطية بإنهم أبداً ضحايا لظلم الآخرين لهم إحدى المشاكل العويصة التي تواجهنا في المنطقة اليوم. إذ لا يبدو أنه بوسع أي من مكوّنات المنطقة الديموغرافية، بصرف النظر عن كيفية تعريفها، سواء كان دينياً أو قومياً أو قبلياً أو سياسياً، أن ترى الظلم الواقع منها أو الممارس باسمها، ولا أن تعترف بأية مسؤولية لها فيما تعرّضت له من ظلم، سواء من خلال التقصير، أو سوء الإدارة، أو تفشّي الجهل، أو تبنّيها لقوالب فكرية وسياسية جاهزة أو مستوردة بلا أية مراجعة حقيقية لها، إلى آخره من أسباب. لا. شعوبنا فيما يبدو بحاجة ماسّة لتشعر بأنها مظلومة دائماً، وأن الظالمين فيها عملاء كلهم، أو مستعمرون، شخصيات فاقدة الانتماء لم تفرزهم بيئاتنا أو ثقافاتنا المحلية، بل هبطوا من المريخ، أو خرجوا إلينا من غياهب الأرض.

إن التعامل مع الأمور بهذه العقلية يعفي الناس من مسؤولية تغيير ما بأنفسهم على كل الأصعدة، النفسية منها والاجتماعية والسياسية والفكرية، وهو لعمرنا تحدّ صعب، وليس من المستغرب على الإطلاق أن يتهرّب الناس من مواجهته، وإن بقى ذلك مستهجناً وعدمي المفعول. وإن كان بعض الناشطين السوريين قد أثبتوا في مطلع الثورة أنهم قد بدأوا بالتنبّه إلى مخاطر هذه العقلية، إلا أن عنف القمع الذي مارسه النظام الأسدي ومنهجيته سرعان ما أجبر معظمهم على الارتكاس إلى العقلية ذاتها.

أو هكذا يمكن أن يخيل لنا للوهلة الأولى. لكن السبب الحقيقي وراء هذا الارتكاس هو فشلنا في تأسيس منظور فكري جديد يسمح بتعليل وتحليل وتطوير ذلك الإحساس المبهم بضرورة الانتفاض والتغيير الذي حرّك بعضنا يوماً ودفعهم إلى الثورة خالطين ما بين الرؤى والشعارات، ودون أن يكون في حوزتهم الأدوات الفكرية المناسبة لفهم كنه دوافعهم وإدارتها بالشكل المناسب، ولتحليل وإدارك المضامين الحقيقية لحراكهم.

إذ تبقى معركتنا من أجل تحرير وتطوير وتنمية أنفسنا ومجتمعاتنا معركة فكرية بالدرجة الأولى، ونحن ما نزال في بداية الطريق. وعلينا، إذا ما أردنا النجاح في التصدي لصعوباته وعقباته، أن نتنبّه إلى خطر الوقوع في فخ الأدلجة من جديد. فنحن لسنا بحاجة إلى إيديولوجيات جديدة، بل إلى أدوات فكرية جديدة تسمح لنا بكسر الموجود منها وفتح عقولنا على ضرورة الإبداع والتجديد بشكل مستمر.

(2)

الاعتداء والظلم

علينا أن نفرّق في معرض كلامنا عن الظلم ما بينه وبين الاعتداء أو الجريمة. فالاعتداء أو الجريمة ظاهرة لحظية استثنائية، أو، لنكن أكثر دقّة، ظاهرة قصيرة الأمد من مثل الاغتصاب أو السطو أو بعض أعمال الشغب. وقد تكون هذه الظاهرة متكرّرة، بل منظمّة أيضاً، لكن غياب البعد السياسي يحدّ من تأثيرها ويميّزهاعن الظلم، ويسمح للمجتمع والدولة بمكافحتها ومعاقبة مرتكبيها بشكل فعّال نسبياً، بحيث تبقى استثناءاً لقاعدة الحياة اليومية.

لذا، وعلى الرغم من انتشار ظاهرة الإجرام في الدول والمجتمعات الديموقراطية ، لا يمكننا موضوعياً أن نصفها بالظالمة، إلا، ربما، فيما يتعلّق بتعاملها مع بعض الشرائح الاجتماعية، أو فيما يتعلّق بسياساتها الخارجية.

أما الظلم، فهو عملية مستدامة ومنهجية، تكرّس نفسها من خلال مؤسّسات الدولة والمجتمع، حتى يصبح الواقع الحياتي معرّفاً ومحدّداً بها، وتصبح هي القاعدة، لا الاستثناء كما هو الحال مع الجريمة. بل، غالباً ما يؤدي تفشّي الظلم إلى تزاوج ما بينه وبين الجريمة المنظّمة، كما كان حال النظام الأسدي في سوريا.

(3)

شراكة الظالم والمظلوم

لا وجود لظلم مطلق ، خاصة على المستوى الجمعي. فالظلم ظاهرة تعاونية وتشاركية يساهم فيها الظالم والمظلوم على حد سواء، وإن بأساليب مختلفة. فبشكل أو آخر، لجميع قاطني الدول الاستبدادية مساهماتهم الفاعلة في الظلم الواقع عليهم، والممارس غالباً باسمهم. وغالباً ما تبدأ مساهمة المظلوم في الظلم الواقع عليه بصمته في وجهه، لكنها كثيراً ما تتعدّى ذلك إلى انتقاد من يرفض الصمت، ومن ثم نبذه، بل قد يلجئ البعض أحياناً إلى تهديد هذا العنصر المشاغب، أو التبليغ عنه، أو التجسّس عليه لصالح الأجهزة القمعية.

نعم، بشكل أو آخر، وبعد اللحظة الأولى لوقوعه علينا، والتي غالباً ما تأخذنا على حين غرة، أو بعد اللحظة الأولى لتنبّهنا أن هناك ظلماً صادر منا بشكل أو آخر، أو ممارس باسمنا، نصبح كلنا شركاء في الظلم، لا ضحايا له، وذلك بخلاف ضحايا الاعتداء والجريمة الذين لا يتحملون مسؤولية ما جرى لهم، لا قانونياً ولا أخلاقياً، إلا في بعض الحالات استثنائية.

(4)

* لا يمكن للإنسان الحرّ أن يَظلم قصداً وعمداً، تماماً كما لايمكن له أن يُظلم إلى الأبد، فالحرّ لايسكت عن الظلم.
* الظلم استعباد للظالم والمظلوم معاً ما رضي كلاهما به من خلال التسليم بكونه قانوناً طبيعياً، أو قدراً لايغيّره إلا المقدّر له.
* الحرّ قدر نفسه. نعم. إن كنا أحراراً، فنحن القدر.

(5)

الأطفال والإجرام

قد يكون الأطفال الذين وقعوا تحت استغلال بعض البالغين لهم، وقاموا بارتكاب الجرائم والانتهاكات، ضحايا هم أيضاً، خاصة من الناحية الأخلاقية. ولن يتوقف هؤلاء الأطفال عن كونهم ضحايا حتى يتم تحريرهم، ومن ثم إعادة تأهيلهم، فيروا ويقتنعوا بأن ما قاموا به كان اعتداءاً وإجراماً، وأنه في جوهره استثناء مرفوض قانونياً واجتماعياً وأخلاقياً، وليس هو القاعدة الناظمة للعلاقات ما بين البشر، كما تمّ تثقيفهم في السابق. ويعني هذا الأمر من الناحية العملية أنه ينبغي حتى على الأطفال أن يعترفوا بأخطاءهم ويتحمّلوا وزرها لكي يعدّوا ناضجين ويتوقّفوا عن كونهم ضحايا.

من هذا المنطلق تفرض المجتمعات عقوبات قانونية خاصة بالأطفال، فما بالنا بالبالغين العاقلين الراشدين.

فحوى القول: شعوبنا المعاصرة لم تبلغ سن الرشد بعد، ولن تبلغه إلا من خلال ما نمرّ به من تجارب عصيبة، هذا إن نجحنا في استخلاص الدروس المناسبة منها.

(6)

المواجهة مع الظلم ليست عملية تحرير بل عملية تعديل، فالحرية حالة نفسية وذهنية، وعلى المرء أن يكتسبها أولاً ليصبح قادراً على تعديل موازين القوى المؤثّرة عليه ليحقّق العدالة ويتوّصل إلى المساواة.

(7)

لا يناضل العبد من أجل التحصّل على الحرية بل ليصبح هو المستعبِد، فمفهومه الثنائي للوجود لا يسمح له بإلغاء العبودية لأن في ذلك إلغاء له أيضاً. فالناس بالنسبة له صنفان: إما مستعبِد أو مستعبَد.

أما الحرّ فيناضل من أجل الحفاظ على حريته، لا لكسبها، ولتحقيق العدالة والمساواة.

(8)

من لم يتحرّر عقله لن يتحرّر جسده. ومن كان عاجزاً عن تحرير عقله، فلن يؤدي نجاحه في تحرير جسده إلا إلى بروز طاغية جديد على الساحة المكتظة أبداً بهم.