فيما يلي الحلقة الخامسة من برنامج "بين سام وعمار"
إظهار الرسائل ذات التسميات الليبرالية. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات الليبرالية. إظهار كافة الرسائل
الجمعة، 13 أبريل 2018
السبت، 14 أكتوبر 2017
التيارات الديموقراطية الشرقأوسطية وضرورة التحالف مع الغرب
![]() |
| ما بوسعنا أن نطمح إلى بناء نظام عالمي جديد قائم على أسس ديموقراطية ليبرالية عادلة ما لم تكن معظم القوى الفاعلة فيه مؤمنة بهذه المبادئ. |
الحرة / من زاوية أخرى – بدى للكثير من الناس بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة عقب ثورات أوروبا الشرقية المخملية في أواخر القرن المنصرم أن ظاهرة الاستبداد السياسي في العالم أصبحت في طريقها للانقراض، وأن تأسيس نظام عالمي جديد قائم على الديموقراطية والليبرالية، على الأقل في ما يتعلق بمبادئه الاقتصادية، بات أمراً وشيكاً.
من
هذا المنطلق، لا شك أن لعودة روسيا اليوم إلى الساحة السياسية العالمية مصحوبة
بالإنجازات الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة لإيران، وباستقرار الأوضاع السياسية
والاقتصادية في الصين وتمدد نفوذها عبر العالم، علاوة على نجاح الكثير من الأنظمة
الاستبدادية التقليدية في البلدان النامية في الحفاظ على بقائها في وجه ثلة من
التحديات الداخلية والخارجية وبعد أن بدت آيلة للزوال في تلك الفترة الواعدة، لا
شك أن لهذا كله وقعاً سلبياً كبيراً عند كل من بنى آماله وتوقعاته على انتصار وشيك
للنظام الديموقرطي الليبرالي.
لكن
هذه العودة لقوى الاستبداد والرجعية ليست مفاجئة في الواقع، فهي لم تختف عن الساحة
أساساً، وما كان يمكن للأسباب والعوامل التي أدت إلى ضعفها المرحلي أن تستمر إلى
الأبد أو أن تمهّد الطريق إلى ذلك التغيير الجذري المرجو بالسرعة التي توقعها أو
حلم بها الكثيرون. إذ لا تمثل هذه القوى ظاهرة طارئة في المجتمعات، بل هي في
الواقع امتداد لإرث حضاري تراكمي قديم لا يمكن له أن يتغير أو يتطور إلا من خلال
المرور بذات المراحل التي مرت بها ديموقراطيات الغرب، بما في ذلك من كر وفر، من مد
وجذر، ومن صراعات وانتكاسات.
قد
يرغب البعض في حرق المراحل، عن طريق المواجهات الثورية مع النخب السياسية
والاقتصادية والاجتماعية التقليدية المستفيدة من استمرار الأطر التقليدية مثلاً،
لكن تحديات تشكيل الوعي الجمعي وصياغته لا تسمح بذلك، والثورات الشعبية لا تؤتي
أُكُلها إلا بعد أجيال من النضال والعمل المنظم، وتبقى نتائجها مرتهنة بقدرة النخب
الثورية على الارتقاء إلى التحديات التنظيمية الخاصة بكل مرحلة وكل جيل. فالمعرفة
وحدها لا تكفي هنا، وإطلاع المرء على تجارب التغيير في المجتمعات الأخرى وتبنيه
لأفكار مختلفة عن تلك التي نشأ عليها لا يكفي بالضرورة لإحداث تغيير جذري في
تصرفاته وسلوكياته. والقضية أصعب بكثير على المستوى الجمعي. ولنا في التناقض
الصارخ ما بين أفكار الليبراليين في مجتمعاتنا الشرق أوسطية وتصرفاتهم الشخصية خير
دليل على ذلك، كما سبق ونوهنا في مقال سابق.
لقد
مر أكثر من قرن على دخول الأفكار الحداثية إلى مجتمعاتنا وتغلغلها فيها، ومع ذلك،
وفيما خلا بعض القشور والمظاهر، ما تزال النزعات التقليدية والإيديولوجيات
السياسية المتمحورة حولها أكثر قدرة على تحديد الأنماط السلوكية السائدة في
مجتمعاتنا من الأفكار والقيم الحداثية.
وفي
الواقع، مازالت المجتمعات الغربية نفسها تعاني من هذا التناقض، على الرغم من
أنها تمثل
الحاضنة الأساسية للحداثة. وها نحن نرى كيف تعاني هذه المجتمعات اليوم من عودة
صراعات الهوية إلى الساحة بما في ذلك حنين صريح ومعلن إلى تأكيد الخصوصية القومية
والعرقية والدينية للغرب عموماً، وللمجتمعات المختلفة فيه، وإن أدى ذلك إلى تراجع
في ما يتعلق بالالتزام بالقيم الديموقراطية والليبرالية.
فحتى
في الغرب إذن، ما تزال المعركة من أجل الديموقراطية مستمرة، لأنها في جوهرها معركة
ضد نزعات متأصلة في نفوسنا كبشر، ولا يمكن لمعركة كهذه أن تنتهي أبداً، كما لا
يمكن لها أن تُخاض في الغرب وحده. فها نحن نرى كيف سمح التراجع الغربي على الساحة
العالمية إلى عودة روسيا (وغيرها من القوى التقليدية) إليها، بأحلامها الإمبريالية
القديمة إياها، بل، وكيف شجعها هذا التراجع على إعلان الحرب على الديموقراطيات
الغربية من خلال تلاعبها الإلكتروني بالانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية
وعدد من الدول الأوروبية.
من
هنا تنبع حاجة الغرب المستمرة إلى بسط نفوذه خارج حدوده الجغرافية، فهو ما لم يخض
المعركة خارج حدوده سيخوضها داخلها. لذا، وكما عادت روسيا والنظم الاستبدادية
الرجعية إلى الساحة الدولية بعد غياب، لن تطول مرحلة التراجع الغربي التي نشهدها
اليوم.
من
ناحية أخرى، هناك حاجة ملحة في الغرب إلى الالتزام ببث الثقافة الديموقراطية في
العالم، ومهما تلكأت الحكومات المعنية هنا فهي لن تتلكأ طويلاً، بل لا يمكن السماح
لها بذلك، ومهما أخطأت في تناولها لملف الدمقرطة وحقوق الإنسان، وأخفقت في التوفيق
ما بين مصالحها المادية وهذه القضايا، علينا أن لا نسمح لهذه الأخطاء أن تعمينا عن
ضرورة إيجاد طرق للتحالف معها، كتيارات سياسية أو منظمات مدنية أو دول (راجع مقالي السابق: عن الإمبريالية والديموقراطية – 2)، إذ
ما بوسعنا أن نطمح إلى بناء نظام عالمي جديد قائم على أسس ديموقراطية ليبرالية
عادلة ما لم تكن معظم القوى الفاعلة فيه مؤمنة بهذه المبادئ. كما لا يمكن لنا أن
ننتصر في مواجهاتنا مع أنظمتنا الرجعية المختلفة دون هذا التحالف، لأن هذه الأنظمة
ومهما تناحرت ما بينها تعرف متى تتحالف مع بعضها البعض في مواجهاتها المستمرة مع
شعوبها.
ويمثل
السعي وراء قيام هذا تحالف القوى الديموقراطية هذا وفي هذا الوقت بالذات التحدي
الحقيقي الذي ينبغي على كل العاملين في مجال الديموقراطية والتنمية في مجتمعاتنا
التصدي له.
الثلاثاء، 12 سبتمبر 2017
المعصية والاستبداد
الحرة / من زاوية
أخرى
-- إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا" مقولة مشهورة ورائجة في المجتمعات العربية
والإسلامية هذه الأيام، يخالها البعض حديثا نبويا وهي ليست كذلك وإن اتفقت من حيث المضمون
مع أحاديث معروفة.
وغالبا
ما تستخدم هذه المقولة كطريقة لشرعنة حالة الازدواجية الأخلاقية التي بات يعيشها كثير
من المسلمين حول العالم من خلال التناقض الصارخ ما بين مبادئهم المعلنة وممارساتهم
الفعلية، علاوة على تجييرها كمقاربة استباقية لمنع التشكيك بالمبادئ ذاتها من خلال
إيجادها آلية للتعايش مع "المعصية" من دون الانخراط في أية محاولة جدية للتدقيق
فيها أو لإعادة التفكير في معناها في ضوء معطيات الواقع المعاصر، واقع القوانين المدنية
ومفاهيم مثل المواطنة والديموقراطية والمساواة ما بين الجنسين، بل والحرية الجنسية.
علاوة
على ذلك، تستخدم المقولة أيضا كأداة في حرب نفسية مستمرة ضد أصحاب الفكر المخالف ووسيلة
لقمع أي حوار جدي حول الأعراف والتقاليد والموروث من خلال تخجيل أصحاب الفكر الجديد
ودفعهم لعدم المجاهرة بآرائهم وفرض حالة من الحصار الاجتماعي عليهم. إنها وسيلة لمحاربة
التغيير من خلال منع طرح الأفكار الجديدة على الساحة وحصار أصحابها وعزلهم عن المشاركة
في الحياة الاجتماعية والفكرية.
المقولة
خطيرة إذن، لكنها لا تعبر عن تطرف في الفكر بقدر ما تنم عن هشاشة في الهوية وعقلية
رافضة للتغيير ومشبعة بالخوف منه، ونفسية غير قادرة على الانتماء إلى العالم المعاصر
لأنها لم تشارك في صنعه أو في تشكيل أدواته، الفكرية منها والمادية. بل تعكس المقولة
حالة من الضياع وانعدام التوازن وتناقضا في الأهواء ما بين الرغبة في الاستفادة من
منجزات العالم المعاصر، بحداثته وقوانينه وحرياته، بل والاستحواذ عليها أو بعضها على
الأقل، ورغبة في الحفاظ على الماضي الذي لا يزال يشكل مصدر الهوية الأساسي وربما الوحيد
عند الشعوب التي تبنّت هذه المقولة.
لكن
هذا الموقف يأتينا كدليل على الاحتضار المستمر لهذه الشعوب حتى بعد مرور عقود على تجارب
التحديث المجتمعي والسياسي والثقافي فيها، فهو من حيث قدرته على التأثير على مجريات
الأمور لا يزيد عن كونه ردة فعل عدمية الطابع على الحضارة المعاصرة، ردة قادرة على
تجميد عمليات التغيير والتحديث المجتمعي وعلى تدمير الشعوب والمجتمعات لكن ليس بوسعها
أن تفرز أية بدائل ناجعة غير ما هو قائم من مؤسسات حضارية معاصرة، بحسناتها وسيئاتها.
ولهذا
الموقف تجلياته في المجتمعات الأخرى بالطبع، فهو موقف نفسي في جوهره أكثر منه دينياً
أو عقائدياً، كونه نابعا عن المنشأ الخارجي للكثير من المفاهيم الحضارية المعاصرة كما
سبق ونوهنا في مقال سابق. لكن وجود حامل ديني وثقافي له في المجتمعات ذات الغالبية
المسلمة، متمثل في المقولة المطروحة هنا، وغيرها، يفرض على مواطني هذه المجتمعات إيجاد
طريقة ما لتفنيده ومعالجة آثاره وتبعاته.
إن
الشعوب الحية هي تلك التي تستمد هويتها من نشاطاتها وإنجازاتها المعاصرة في المجالات
المختلفة وليس من نجاحات الأجداد وأمجاد الماضي، فلكل الشعوب أمجادها وماضيها. إنها
الشعوب القادرة على الانتماء للحاضر وعلى المشاركة في صناعته. إنها الشعوب التي تعطي
للمواطن فيها حق المجاهرة بما يؤمن به، ما لم يدعُ إلى قتل أو سرقة أو أي تعدّ واضح
وصريح على حقوق الآخرين، والتي لا دخل للدولة فيها بتعريف "المعصية"، تاركة
الأمر في هذا الصدد للأفراد وللجماعات الإيمانية المختلفة بما يتناسب مع معتقداتها
الخاصة، ما لم تتعد إحداها على أخرى أو تحرّض عليها.
ولاشك
في أن الجماعات الإيمانية في مجتمعاتنا المعاصرة باتت بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم
المعصية وفي طريقة التعامل معها في ضوء المتغيرات الجمة التي طرأت على الواقع المعاش
خاصة في ما يتعلق بحق الفرد في تقرير سلوكه الشخصي، وربما أصبح لزاماً على المؤسسات
الدينية في هذه المرحلة أن تكتفي بدور الناصح والمرشد وأن تبتعد عن دورها الوصائي التقليدي.
وربما كان إفساح المجال أمام الأفراد للمجاهرة حتى بتلك التصرفات التي تعترض عليها
المؤسسات الدينية يعطيها، والدولة، والمواطنين كافة، فرصة أفضل للتعامل مع الواقع كما
هو بعيداً عن التكهنات والافتراضات.
أما
الإصرار على ثقافة الاستتار فله أبعاد لا تتوقف عند حد المعاصي المتعارف عليها تقليدياً،
فإن اختيار المرء أن يكون شيوعياً أو ليبرالياً مثلاً، ومحاولته التعبير عن توجهاته
وآرائه هذه من خلال تصريحاته وتصرفاته، يعد معصية عند معظم الإسلاميين، بل والمسلمين
عامة، فلا شك في أن بعض الخيارات والسلوكيات المرتبطة بالتوجهات السياسية والاجتماعية
والفكرية المعاصرة، تشكّل معصية وفقاً للمفاهيم والأعراف والشرائع التقليدية، لذا تمثل
الدعوة إلى الاستتار والسترة هنا وسيلة لقمع تيارات سياسية وشرائح اجتماعية بعينها،
وتكريساً أو تأسيساً لأنظمة استبدادية دينية وطائفية الطابع.
أما
في المجتمعات الحرة فلا حرج على امرئ جاهر بما يؤمن به، حتى وإن اعتبره البعض معصية،
ما لم يدعُ إلى تعدّ صريح وواضح على حقوق الآخرين. أما المشاعر، فحمايتها ليست من مهمة
الدول والحكومات، ولا ينبغي لها أن تكون، بل إنه من النضج أن يقبل الناس في مرحلة من
العمر أن الحياة قد لا تتوافق مع رغباتهم وأهوائهم في الكثير من الأحيان، وأن يتعلموا
كيف يدارون مشاعرهم عندما تتأذى، وأن لا يطالبوا الدولة بذلك، خاصة إذا كان الأمر يستدعي
انتهاك الحقوق الأساسية لمن كان مختلفاُ عنهم في آرائه وتصرفاته.
الجمعة، 18 أغسطس 2017
الحداثة ما بين القبول والرفض
![]() |
| دبي عند الغروب -- الحداثة أكثر من أبنية |
الحرة / من زاوية أخرى -- ليس من الغريب أن تشهد المجتمعات البشرية صراعاً وتنافساً مابين قيم
الحداثة والقيم التقليدية، فالبشر لا يغيرون قيمهم وممارساتهم القائمة عليها بشكل
اعتباطي وفوري، وإن بدا لنا في بعض الحالات الفردية أن شخصاً ما قد غير من
سلوكياته وأفكاره مابين ليلة وضحاها فمرجع ذلك جهلنا بما كان يجري في ذاته من
تفاعلات وحوارات. ففي الواقع، لا يمكن لتغيير قيمي أن يحدث إلا بشكل تدريحي ومن
خلال تفاعلات داخلية وبينية معقدة تلعب فيها المؤسسات السياسية والاقتصادية
والتعليمية والدينية أدوارها الخاصة، حتى في الحالات الفردية.
وللتفاعلات الدولية، السلمي منها والحربي، دورها في توجيه وتشكيل هذه
العملية أيضاً. فعلينا أن لا ننسى في هذا الصدد أن الحداثة بالنسبة للمجتمعات
الشرقية والنامية جاءت نتيجة احتكاكات عنيفة مع المجتمعات الغربية، وأنها تبقى إلى
حد ما "مستوردة" و "خارجة عن السياق،" بمعنى أنها لم تنبع
عضوياً من صيرورات ونقاشات ومواجهات فكرية داخلية، على الأقل في المراحل الأولى
لتغلغلها في هذه المجتمعات، وأنها تبقى وثيقة الارتباط بشخصيات ومؤسسات وأحداث
غربية المنشأ.
وما تزال هذه النشاة الخارجية لقيم الحداثة تستخدم كوسيلة أساسية وفاعلة
لمقاومتها من قبل التيارات الأصولية والمتشددة في المجتمعات الشرقية والنامية، بما
فيها المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، وذلك على الرغم من مرور أكثر من قرن أو
قرنين، بحسب المنطقة الجغرافية قيد الاعتبار، على بداية توغّل هذه القيم فيها،
وعلى الرغم من تبني معظم الشرائح المجتمعية الشرقية والنامية لبعضها، وإن بدرجات
متفاوتة. إذ تبقى النزعة القبلية متجذرة في النفس البشرية، ويبقى كل وافد إليها من
خارجها، شخصاً كان أم فكراً، مشبوهاً.
لكن رفض بعض الشرائح والتيارت السياسية للأفكار والقيم الحداثية ليس ظاهرة حصرية بالمجتمعات ذات الغالبية المسلمة، ولا يشكل إدانة لدين بعينه. بل تكمن المشكلة أساساً في الشرائح الرافضة وفي كيفية تعاملها مع المجتمع من حولها، وكيفية تعامل هذا المجتمع معها، وما يحكم هذه العلاقة التفاعلية من تصورات وآليات ومؤسسات.
وإن كان لمسألة الهوية أثرها في هذه الظاهرة، سنجد عند تحليلنا لها أن
للقضايا التنموية والاقتصادية دورها الذي لا يقل أهمية عنها، خاصة في تلك الحالات
التي تتخذ فيها ظاهرة رفض الحداثة منحاً عنفياً.
من ناحية أخرى، وفيما يتعلق بمسألة الهوية بالذات، فحتى في تلك المجتمعات
التقليدية التي كان للدين فيها الدور الأكبر في تحديد الهوية، تبقى النزعة القبلية
هنا أهم من النزعة العقائدية. إذ لا يتعلق بالضرورة انتماء المرء إلى دين أو طائفة
بعينها بمدى إيمانه والتزامه بتعاليم فئته، خاصة في حال وجود علاقة إشكالية لها مع
الفئات الأخرى نابعة عن طبيعة تعاليمها، أو حجمها الديموغرافي، أو أية ظروف خاصة
أخرى.
وقد يكون الرفض في الكثير من الحالات رفضاً سلوكياً غير مقصود أو واع، بل
قد يتناقض مع المبادئ المعلنة للأفراد والشرائح الرافضة. فالأفكار تتغير بأسرع مما
تتغير به التصرفات والعادات والعقليات. وقد تتغير أفكار المرء دون أن تتغير نفسيته
أو عقليته، سواء استوعى ذلك أم لا. وهذا ما يفسر لنا ذلك التناقض الصارخ في بعض
الأحيان وبعض المجتمعات ما بين سلوكيات وتصرفات أتباع التيارات الحداثية من
ليبراليين ويساريين، على مشاربهم المختلفة، وبين الأفكار والمبادئ المؤسسة
لتياراتهم. ولا يتوقف الأمر على التصرفات والسلوكيات اليومية والقضايا العائلية بل
يتعدى ذلك ليشمل الخيارات السياسية لأتباع هذه التيارات والتي قد يكون لمسألة
الهوية والانتماء القبائلي دور أكبر من المبادئ في تحديدها. ولهذه الظاهرة
تجلياتها حتى في المجتمعات الغربية، لكن تجلياتها في المجتمعات الشرقية والنامية تبقى
أكثر انتشاراً ونفوذاً لأن جذور الحداثة فيها ماتزال أضعف.
تبقى الحداثة إذن بما تجلبه معها من قيم جديدة وتحديات سلوكية وبنيوية مسألة
إشكالية حتى بالنسبة لتلك التيارات السياسية والشرائح المجتمعية التي قررت القبول
بها، أو على الأقل التعامل معها بشكل أكثر انفتاحاً وأريحية، ولا تقتصر ظاهرة
الرفض التي تشهدها المجتمعات المختلفة، الشرقية منها والغربية، على الموقف
الإيديولوجي للأفراد أو الجماعات، فهناك أبعاد نفسية واجتماعية وسياسية تجعلها
خياراً إشكالياً حتى لمن آمن بها. ولعل العنف الذي تلجأ إليه بعض الجماعات كوسيلة
للتعبير عن رفضها لقيم الحداثة يرتبط، بشكل جزئي على الأقل، بذلك التناقض الصارخ
مابين أفكار مدعي الحداثة وبين سلوكياتهم وحساباتهم وخيارتهم السياسية على أرض
الواقع. وما بوسع المؤمنين بالحداثة أن يتصدوا لتحديات التحديث في مجتمعاتهم ما لم
يجدوا طريقة بناءة للتعامل مع هذه المشكلة أولاً، فيسعوا ليكونوا أكثر انسجاماً مع
أنفسهم وأفكارهم فيعكسوا إيمانهم بالحداثة وقيمها في تصرفاتهم وسلوكياتهم اليومية علاوة
على خياراتهم وحساباتهم السياسية.
الاثنين، 16 يونيو 2014
خواطر حول المحنة السورية ومستقبل المنطقة
![]() |
| مشهد من الدمار في حمص |
لقد
أفرزت الثورة السورية الكبرى في صفوف الثوار وبيئتهم الحاضنة عالماً شديد التنوع
من الآراء والرؤى والقوى المتضاربة، وإشكالات لاتعد ولاتحصى حول مفاهيم أساسية مثل
الهوية، والانتماء، والحداثة، والأصالة، والتنمية، بل والحرية والعدالة والكرامة،
لأنها جاءت كمؤشر على رغبة حقيقية في الحياة والتقدّم.
أما
النظام، فهو حتى اللحظة لم يتمكّن من، بل لم يحاول أساساً، تقديم إلا فكرة واحدة
فقط، مع بعض التنويعات عليها في الأوساط المختلفة المؤيدة له، خلاصتها أن ما كانت
عليه الأمور قبل الثورة يبقى أفضل من كل البدائل التي طرحتها الثورة، وأن محاولة
الحفاظ على ما تبقّى من مظاهر ذلك الماضي القريب يبقى أفضل من التغيير، مهما كان
الثمن.
هذا
الطرح بطبيعته يتطلّب أن تظهر كل البدائل المطروحة على أنها أسوأ بالفعل مما كان
قائماً. ولقد سعى النظام إلى تحقيق هذا من خلال استخدام العنف المفرط منذ بدء
الثورة، مصحوباً بالتعبئة الشعبية القائمة على الكذب الصريح والتلاعب بالحقائق
والمخاوف، ومن ثم السعي إلى فرض العنف على الطرف الآخر، وتحقيق الاختراقات وتقوية
القوى المتطرفة في صفوفه، بل والتعامل معها عند الضرورة لإضعاف القوى الوسطية التي
يمكن لها أن تجذب بعض مؤيديه.
النظام
بمعنى آخر تاجر بالموت بكل أوجهه، سراً وعلناً، وفرضه كخيار وحيد على الجميع:
مؤيدين وثوار.
وحتى
اللحظة، لا تزيد النقاشات والحوارات الشعبية الجارية في صفوف مؤيدي النظام عن
كونها ندباً وشجباً. أما تلك الجارية في صفوف "النخبة،" وخاصة الصف
الثاني للتكنوقراط الذي انخرط في صفوف النظام في مرحلة ما قبل الثورة، ويقيم معظم
نجومه اليوم خارج سوريا، إما لأن الأوضاع الأمنية المتدهوّرة اضطرتهم إلى الهجرة
في مرحلة ما بعد انطلاقة الثورة، أو لأنهم كانوا أساساً من المغتربين العائدين،
أما هذه الحوارات، فلا تنمّ إلا عن حنين إلى الماضي القريب، وإلى رؤية للتغيير
أقنع هؤلاء أنفسهم بها وساعدوا على طرحها وترويجها، قوامها: أن تطوير وتحديث
المجتمع السوري والدولة السورية تحت رعاية القائد الخالد الجديد، بشار الأسد، أمر
ليس ممكناً وحسب بل كان قائماً بالفعل، وإن كانت وتيرته بطيئة بعض الشيء. ولقد
وجدت هذه الرؤية دلائلها وتجلّياتها الإيجابية في العدد الكبير من المطاعم
والفنادق والمراكز التجارية التي تم فتحها في المدن السورية الأساسية في غرب
سوريا، خاصة بعد عام 2005.
لكن
عملية "التطوير والتحديث" هذه تصاحبت أيضاً ببعض الأوجه السلبية التي
غالباً ما يحاول أصحابنا تجاهلها، وتجاهل دورها في إشعال فتيل الثورة حتى اللحظة،
تماماً كدأب رؤوس النظام أنفسهم. إذ أدت سياسات اللبرلة والخصخصة ورفع الدعم غير
المدروسة والجارية في إطار غياب شبه كامل للاصلاحات السياسية والقانونية
والتشريعية التي كان يمكن لها أن تلعب دوراً هاماً في السماح للاحتقانات الشعبية
الناجمة عن هذه السياسات بالتعبير عن نفسها من خلال العمليات الانتخابية وما
يصاحبها من حوارات شعبية ومظاهر احتفائية واحتجاجية، بل ومن خلال العمليات
القضائية أحياناً في محاول للحد من الفساد والمحسوبيات.
لكن
تبنّي سياسات اللبرلة في غياب لعمليات المحاسبة وتداول حقيقي للسلطة، حتى على أدنى
المستويات التمثيلية، أدى إلى تسريع مفرط في وتيرة التفتيت الطبقي في الكثير من
المدن، بل وعبر أنحاء سوريا، عبر المساهمة في ارتفاع نسب الفقر والبطالة، وفي
زيادة الهوة التنموية والمعرفية ما بين الريف والمدينة، وفي زيادة نسبة هجرة، بل،
في بعض الأحيان، تهجير، أبناء الطبقى الوسطى في الكثير من المدن إلى أطرافها
المهملة غالباً، مفسحين المكان لظهور طبقة جديدة من المنتفعين، ولشرائح كبيرة من
أصحاب المظلوميات والشكاوى. وزاد من الطين بلة في هذا الصدد، سنوات الجفاف التي
شهدتها مناطق شمال الشرق في تلك المرحلة، وما تزال، مما أدى إلى تهجير ما يقارب من
مليون مواطن باتجاه مدن الغرب، في غياب شبه مطلق وتام لإجراءات حكومية فعّالة تسعى
للتخفيف من معاناة هؤلاء الناس ومن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تسببوا بها
للمدن التي آوتهم.
وبسبب
سياسة المحسوبيات السائدة، وطريقة النظام في التلاعب بالانتماءات الطائفية، ارتفعت
في الوقت ذاته نسبة تواجد أبناء الأقليات في وظائف القطاع العام بشكل كبير،
لايتناسب على الإطلاق مع حجمها الديموغرافي، ولايمكن تبريرها بناءاً على القدرات
والمهارات. بل زادت حصة الأقليات الطائفية من وظائف القطاع الخاص بشكل ملحوظ
أيضاً، بصرف النظر عن خلفية رب العمل الإثنية، نظراً لأن الكثير من أرباب العمل
هؤلاء كانوا من الشخصيات لصيقة الارتباط بالنظام وبالعائلة الحاكمة، بشكل أو آخر.
إذاً،
لقد اندلعت الثورة السورية في عام 2011، نتيجة عملية التطوير والتحديث الناقصة
إياها التي قادها القائد الخالد الجديد بشار الأسد. بل بوسعنا القول أنها ابنته
اللاشرعية الناتجة عن اغتصابه وتجاهله لحقوق شرائح اجتماعية واسعة ومن ثم محاولة
معالجة الأمر بالتجاهل والتعتيم والقمع.
إن
الرغبة بالعودة إلى ما كانت عليه الأوضاع في الماضي القريب لاينمّ عن تعامّ وتجاهل
مطلق لمساوئ تلك الفترة الواضحة وللأسباب الكامنة ورائها، وهو الأهم، بل يدلّ
أيضاً على وجود عقلية عند مؤيدي الأسد لا تقلّ سلفيتها عن سلفية بعض خصومهم، ولعل
في قدرة الكثير منهم على قبول أكاذيب الأسد وتبريرهم للعنف المنهجي المفرط الذي
فجّره ضد المحتجّين والثوّار السلميين منذ الأيام والأسابيع الأولى، أفضل دلالة
على لاحداثية نفسياتهم وعقلياتهم، بل على كونهم في الواقع، وعلى اختلاف مذاهبهم
وأطيافهم، وعلى الرغم من دراسة بعضهم في الغرب أو ولادتهم وتمضيتهم لفترات طويلة
من حياتهم هناك، لايختلفون بشكل جوهري عن أتباع داعش والنصرة وغيرها من هذه
المجموعات، وإن اختلفت المظاهر. فالحداثة ليست مظاهر وحسب.
وفي
واقع الأمر، لو كان خيار التطوير والتحديث برعاية بشار الأسد طرحاً مقبولاً للجميع
لما اندلعت الثورة أساساً، حتى في حال قبلنا بنظرية المؤامرة القائلة بأن كل ثورات
الربيع العربي ما هي إلا نتائج لمؤامرة غربية لإعادة تشكيل المنطقة.
ولنفترض
لوهلة أن نظرية المؤامرة هذه، بصرف النظر عن تجلّياتها المتناقضة، صحيحة في
جوهرها، وأن اندلاع ثورات الربيع العربي جاء نتيجة لتحريض خارجي، فهل يعفي هذا
التصور الأنظمة الحاكمة والنخب المثقفة من المسؤولية العملية والأخلاقية
والإنسانية، بل والقانونية، عما وقع ويقع من عنف؟
ألم
تكن الأنظمة في منطقتنا استبدادية الطابع أساساً؟ أو ليس الاستبداد عيباً؟ أم أنه
مرفوض فقط إذا ما مورس من قبل أشخاص ينتمون لعقيدة أو مذهب أو دين دون غيره؟ ألم
تكن الطائفية مشكلة أساسية في مجتماعاتنا ناجمة تفاعلات تاريخية أصيلة؟ أو لم تشهد
مجتمعاتنا مشكلة حقيقية تتعلّق بحقوق الأقليات القومية؟ ألم تكن التنمية الحقيقية
مغيّبة؟ ألم يكن الفساد والمحسوبيات أسياد الموقف؟ ألم تكن جلّ التعيينات الحكومية
في دول المنطقة تحدث على أساس الولاء السياسي والفئوي؟ وألم يؤثر ذلك على عمليات
التحديث والتطوير والإصلاح في كل مؤسسات الدولة بسبب وجود أشخاص غير مناسبين
ومؤهّلين في أماكن صنع القرار؟ ألم يكن الفقر والبطالة والجهل منتشرين في كل مكان،
في غياب حقيقي وواضح لأية برامج قادرة على معالجة الموقف؟ ألم يكن قطاع التعليم في
حالة تدهور مأساوية؟ ألم تكن المرأة مضطهدة؟ ألم يكن التطرف مستشرياً بسبب هذا
كله؟ وألم تثبت الأنظمة الحاكمة عبر تغييبها الممنهج للحقوق وتسويفها المستمر فيما
يتعلّق بإطلاق العمليات الإصلاحية القادرة على معالجة هذه التحديات بأنها جزء
أساسي من المشكلة التي تواجهنا عوضاً عن كونها جزء من الحل؟
هل
كان يمكن لأية قوى خارجية أن تتآمر وتفجّر الثورات لو كان عندنا طبقات ونخب حاكمة
قادرة وراغبة على معالجة هذه التحديات؟ هل كان يمكن للثورة في سوريا أن تشتعل لو
لم يوجد هناك قمع وظلم وفقر وبطالة وإهمال وفساد؟ ألم يُمنح بشار الأسد بالذات ما
يكفي من الوقت لمعالجة هذه التحديات في سوريا؟ ألم تخدم الطريقة التي تصرّف بها
منذ بداية الثورة المؤامرة المزعومة، أكثر من أي شيء قام به الثوار أنفسهم؟
منذ
أكثر من عقدين من الزمن وهناك منّا من يطالب ويدعو إلى إجراء عمليات إصلاح سياسية
شاملة في المنطقة للتكيف مع متطلبات العالم الجديد، عالم ما بعد الحرب البادرة،
عالم مقدّر له أن يتحوّل بشكل أو آخر، إلى عالم متعدّد الأقطاب. إن مطالبة بعضنا
بتبنّي مقاربات ديموقراطية ولامركزية في الحكم لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة
إدراك عميق لتمتع الدول الديموقراطية اللامركزية بمرونة كبيرة تسمح للتنافس
والصراع فيها أن يتبلور من خلال الأطر السياسية والقانونية والاقتصادية، فلا يأخذ
طابعاً عسكرياً. ففي حال أرادت قوى خارجية ما التأثير على الصيرورات فيها، كان
بوسعها اللجوء بكل بساطة إلى التعامل مع القوى السياسة المختلفة، عوضاً عن إشعال
الثورات والدسائس، إن لم يكن لأسباب إنسانية فلأسباب مادية بحتة.
وفي
الواقع، لا يمكن لدول مثل دولنا، بسوياتها المعرفية والتنموية المتدنية في الوقت
الحالي، أن تقف على قدميها في هذه المرحلة التاريخية دون مصانعة القوى الأكبر في
المنطقة والعالم. ولايوجد ما يعيب في هذا. العيب كل العيب يكمن في تجاهلنا المستمر
لأهمية تبنّي مقاربات موضوعية وطويلة الأمد لعملية التنمية، ولتجاهلنا لضرورة القيام
بإصلاحات سياسية شاملة تسمح بتداول السلطة ومحاسبة الفاسدين، وبإقامة حوارات وطنية
ضرورية بين الشرائح المختلفة المشكّلة للدول.
إن
المساومة لا الممانعة، فيما يتعلّق بعلاقاتنا البينية وبالعلاقات القائمة مع
"الخارج،" هي الطريقة المثلى للتعامل مع تحديات التغيير السياسي
والبنيوي ومتطلبات التنمية في منطقتنا، وُجدت المؤمرات أم لم توجد. فما السياسات
الدولية أساساً إلا عملية تآمر مستمرة وممنهجة. فكفانا ندباً ونعقاً في هذا الصدد.
السيادة كانت وستبقى مصطلحاً هلامياً خاضع لأنواع مختلفة من التجاذبات، الداخلية
والخارجية، السياسية والاقتصادية، ولا يمكن الحفاظ عليها ما لم تُحصّن الأوطان
بالتنمية وبالحريات.
إن
مطالبة حكامنا لنا بالاصطفاف ورائهم خلال الأزمات بصرف النظر عن مسؤوليتهم الواضحة
فيما يتعلّق بافتعالها وتفعيلها، لأمر فيه من الاستخفاف والاستهتار بحقوقنا
وعقولنا وأرواحنا ما يكفي لإشعال ألف ثورة. لكن، تثبت المحنة السورية مع ذلك وجود
شرائح واسعة في أوساطنا على استعداد دائم للانصياع لرغبات الحكام، وللانجراف
ورائهم أينما قادوا. وهذا من أكبر الدلائل على خطورة وحقيقة أزمة الهوية التي نمرّ
بها في البلد، والمنطقة ككل. ولايمكن لنا تجاوز هذه الأزمة، لا في سوريا ولا في
المنطقة، ما لم تتشكّل قناعة واضحة وعميقة عند القوى الفاعلة في صفوف كل شريحة
مجتمعية بأن حلّ مشاكلنا، والوقوف في وجه المؤامرات إن وُجدت، لايكمن بالاصطفاف
وراء الحكام بل وراء الحقوق. وإن تأخيرنا المستمر للتعامل مع هذه المسألة،
وتسويفنا في هذا الصدد، سيغيّبنا عن التاريخ كله قريباً، إلا كوقود.
إذ
على ما يبدو أننا في طريقنا لنضيف أجسادنا وأرواحنا أيضاً إلى تجارتنا المزدهرة
بالنفط والغاز لتزويد محرّك الصيرورات التاريخية العالمية بالطاقة اللازمة.
عمار
عبد الحميد، كاتب وناشط سوري مقيم في الولايات المتحدة.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)



