الاثنين، 13 نوفمبر، 2017

العرب والواقعية السياسية: فلسطين نموذجاً

مسجد قبة الصخرة في القدس


 

الحرة / من زاوية أخرى – ماذا لو قبلت الدول العربية بقرار 181 للأمم المتحدة الصادر بتاريخ 29 تشرين الثاني، 1947، والذي دعا إلى قيام دولتين في فلسطين، واحدة عربية وأخرى يهودية، تجمعهما اتفاقيات مختلفة للتعاون الاقتصادي والتجاري؟ من الواضح اليوم أن قراراً من هذا النوع كان سيجنب العرب عموماً والفلسطينيين تحديداً نكبة 1948 وما تبعها من مواجهات وتشريد وحروب، مانحاً الفلسطينيين دولة عاصمتها القدس غير مقسمة. وإن كانت معرفتنا بطبيعة الأنظمة العربية تجعلنا نخلص إلى أنهم كانوا سيجدون قضايا ووسائل أخرى لجلب المصائب والويلات لشعوبهم، لا ينبغي على هذه القناعة أن تمنعنا من التفكر في الإيجابيات المحتملة التي كان يمكن أن تنشأ عن هذا السيناريو الافتراضي.

لا نهدف من وراء طرح هذا السيناريو إلى تحميل العرب وحدهم مسؤولية ما حدث في فلسطين، أو إنكار دور بريطانيا وقادة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل في ما واجهه ويواجهه الفلسطينيون اليوم من مآس. الهدف هو الاعتراف بما ارتكبته نخبنا السياسية والاجتماعية والفكرية من أخطاء في ذلك العصر، بصرف النظر عن النوايا، بغية التنبه إلى أهمية تكوين فهم أفضل للأرضية والوقائع السياسية، المحلية والإقليمية والعالمية، عند تعاملنا مع قضايانا المصيرية.

فالقرار العربي في 1947 وما بعدها شكّل في الحقيقة تمرداً على الشرعية الدولية دون تقدير لتوابع هذا الأمر، ودون القيام بأية محاولة جدية للتعامل معها ما خلا بعض الاستعدادات العسكرية المرتجلة. إن للمجتمع الدولي حساباته المعقدة ولن تكون قراراته صائبة في كل حين وشأن، لكن أسوأ خطأ يمكن لأي عضو فيه أن يقترفه هو أن يرفض أيا من قراراته أو يعترض عليها دون دراسة معمقة للتبعات المحتملة لهذا الأمر، ودون إعداد العدة المناسبة للتعامل معها. لكن هذا بالذات ما فعله العرب آنذاك، وربما اليوم أيضاً.

ولاشك في أن أية قراءة موضوعية للواقع الدولي في ذلك الوقت كانت ستكشف أنه ما كان يمكن للأمم المتحدة أن تقترح حلاً للصراع في فلسطين لا يشمل التقسيم وقيام دولة يهودية إلى جانب دولة عربية فلسطينية، خاصة بعد مآسي الحرب العالمية الثانية، ونظراً لطبيعة التوازنات الدولية التي نجمت عنها، وللواقع على الأرض في فلسطين ذاتها في تلك المرحلة. فمن الناحية العملية، كان رفض التقسيم سيأتي بمثابة إعلان حرب على التجمعات اليهودية في فلسطين، وهو الأمر الذي ما كان يمكن له أن يلقى تأييداً من أي من الأطراف الدولية الفاعلة في ذلك الوقت، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي. جاء قرار 181 إذن كمحاولة لاحتواء الأزمة وإنهاء حالة الصراع، بصرف النظر عن أية اعتبارات متعلقة ببداياتها التاريخية بما في ذلك ظروف الانتداب البريطاني ووعد بلفور ونشاطات الحركة الصهيونية الدبلوماسية. إذ لا ترتكز الإرادة الدولية على المراجع القانونية وكتب التاريخ بقدر ما تنبثق من المساعي الرامية لاحتواء الصراعات، أو إنهائها، أو تجنبها، ومن التنازلات الناجمة عنها.

من هذا المنطلق، كان على الأنظمة العربية، وبضمنهم ممثلو الحراك السياسي الفلسطيني في ذلك الوقت، أن تتعامل مع الموضوع بشكل أكثر واقعية وأن تدرك أن القبول بقيام دولة يهودية هو الثمن الذي ينبغي عليها أن تدفعه، وهي الدول التي قامت أساساً على أنقاض الإمبراطورية العثمانية والانتدابين الفرنسي والبريطاني، لكي تتمكن من تثبيت مشروعيتها الدولية وتعزيز مكانتها العالمية المكتسبة حديثاً.

إن هذه النشأة الحديثة للدول العربية المعاصرة ودور المجتمع الدولي من خلال أطرافه الفاعلة، خاصة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، في إسباغ الشرعية عليها، بل وفي التمهيد لها، تدلنا بشكل واضح على أن سيادة الدول المعاصرة وإسباغ الشرعية عليها لا تأتي كتحصيل حاصل، ولا تنبثق بشكل تلقائي عن القوانين والمواثيق الدولية المعاصرة، بما في ذلك حق الشعوب في تقرير مصائرها، بل تبقى خاضعة لعمليات دبلوماسية معقدة تشمل تقديم الكثير من التنازلات وأخذ التوازنات الإقليمية والدولية القائمة ومصالح الدول العظمى بعين الاعتبار. هذا على الأقل، ما نخلص إليه عندما نعاين الأمور من منطلق موضوعي وواقعي.

لكن تبقى الواقعية السياسية أمراً مرفوضاً في العرف السياسي العربي، وغالباً ما يخوّن أصحابها، على الصعيدين النخبوي والشعبي، في وقت تتكاثر فيه الصراعات في منطقتنا ودولنا وتتعاظم فيه قيمة الخسائر الناجمة عنها على كل الأصعدة. ولنا في استمرارية القضية الفلسطينية إلى يومنا هذا وفي الضعف المطرد للموقف الفلسطيني خير دليل على ذلك. فعوضاً عن التعامل مع دولة فلسطينية عاصمتها القدس، علينا اليوم أن نتعامل مع تجمعات سكانية مفككة لا تجمعها إلا مظلوميتها. لكن المظلومية لا تكفي لقيام الدول.

نعم، من الواضح أننا لن نتمكن من تغيير الماضي، لكن القدرة على الاعتراف بأننا بحاجة إلى التعامل بشكل أكثر واقعية مع قضايانا المصيرية في وقت يبدو فيه أن الإدارة الأمريكية الحالية تتوجه نحو تقديم رؤيتها الخاصة لحل الصراع قد يمهد الطريق لتبني مقاربات عربية وفلسطينية أفضل في هذا الشأن، مقاربات يمكن لها أن تساعدنا على التوصل إلى حل يسمح لنا بالتركيز على قضايا التنمية في مجتمعاتنا عوضاً عن الارتكاس إلى ذات العقلية والاستراتيجيات العدمية التي نقلتنا من نكبة إلى أخرى.

الاثنين، 6 نوفمبر، 2017

نحو مفهوم جديد للأخلاق

"لا يمكن للتغيرات السلوكية، لا على الصعيد الفردي ولا الجمعي، أن تتحقق دون الاعتراف أولاً بوجود أبعاد ثقافية واجتماعية ونفسية عميقة لها، ودون مراجعة فكرية وسلوكية مستمرة، ودون الالتزام بعمليات دورية من المصارحة والمكاشفة والمساءلة، ودون استعداد لقبول النقد والتصحيح بنسبة معينة من الأريحية."
















الحرة / من زاوية أخرى – عندما تكون النزعة السلوكية متأصلة في النفس البشرية، سواءً على المستوى الفردي أو الجمعي، نتيجة لارتباطها بسمات وراثية معينة و/أو بالشروط الأولية المتعلقة بالبيئة الحاضنة، بما في ذلك طبيعة التركيبة الأسرية ودور الدين والتقاليد في المجتمع وطبيعة النظام السياسي القائم، إلى آخر ما هنالك من شروط، لا يمكن للفكر وحده أن يتغلب عليها ويتجاوزها في لحظة معينة، بل يتطلب الأمر الالتزام بعملية رقابية جادة ومستمرة ومتعددة الأوجه للنفس وللمجتمع وذلك لتجنب الارتكاس إلى السلوكيات القديمة من خلال طرحها ضمن قوالب اجتماعية وسياسية جديدة أو تقديم مبررات فكرية جديدة لها.

على سبيل المثال، يمثل ميل الجماعات والدول إلى فرض نفوذها خارج إطار تواجدها الجغرافي نزعة قديمة ومتأصلة في السلوك الجمعي للبشر، نزعة كانت لها مبرراتها المادية والفكرية في كل مرحلة تاريخية للمسيرة الإنسانية، وفي كل حضارة ومجتمع. لذا، وعلى الرغم من بروز وانتشار أفكار ومفاهيم جديدة في المجتمعات الغربية في القرون الماضية حول حقوق الإنسان والإخوة والعدالة والمساواة، لم تتمكن هذا الظاهرة من لجم النزعة الإمبريالية التوسعية عند هذه المجتمعات، بل، على العكس، فقد ساهمت هذه الأفكار بتزويد مجتمعاتها الحاضنة بمبررات فكرية جديدة لبسط نفوذها خارج حدودها عن طريق الحروب التوسيعية والنشاطات الاستيطانية، مثل مبدأ "المهمة التحضيرية Mission Civilisatrice" و إطروحة "عبء الرجل الأبيض White Man’s Burden،" كما نوهنا في مقال سابق.

أما على الصعيد الفردي، فقد تعطينا سلوكيات الرجل حيال المرأة مثالاً مناسباً في هذا الصدد، خاصة في هذه اللحظة الحرجة التي تشهد نقاشات متشعبة وحادة حيال قضايا مثل الاغتصاب والتحرش الجنسي في مجتمعات ودول عديدة. إذ لا يمكن للتغيير أن يحدث هنا جراء اقتناع الرجال بوجهة النظر النسوية المنادية بالمساواة الإنسانية والقانونية والاجتماعية وحسب، فغالباً ما تقترن تصرفات هؤلاء الرجال، بصرف النظر عن تصريحاتهم وتأكيداتهم، بتناقضات تنمّ عن عدم قدرتهم على استيعاب المضمون السلوكي الحقيقي لقناعاتهم المعلنة، أو على تمثّله إلى درجة يتلاشى معها البعد الفوقي والوصائي، إن لم نقل الاستغلالي، في تعاملهم مع المرأة.

وليس هذا بالأمر الغريب، وإن كان مستهجناً. ففي الواقع، لا يمكن للتغيرات السلوكية، لا على الصعيد الفردي ولا الجمعي، أن تتحقق دون الاعتراف أولاً بوجود أبعاد ثقافية واجتماعية ونفسية عميقة لها، ودون مراجعة فكرية وسلوكية مستمرة، ودون الالتزام بعمليات دورية من المصارحة والمكاشفة والمساءلة، ودون استعداد لقبول النقد والتصحيح بنسبة معينة من الأريحية.

ولا شك في هذا الصدد في أن المجتمعات الديموقراطية تبقى أكثر قدرة على توفير المناخ الحر اللازم للانخراط في عمليات من هذا النوع. بل بوسعنا الجزم هنا أن هذه العمليات بالذات تمثل مفتاح تقدم هذه المجتمعات ومنبع قوتها الحقيقية، وذلك على الرغم من الأزمات والفضائح التي تفرزها بين الحين والآخر، إن على الصعيد الداخلي أو الخارجي. إذ تبقى المجتمعات الديموقراطية أكثر قدرة على التأقلم مع الأزمات وتوابعها من خلال التغيرات الدورية للشخصيات الفاعلة في صياغة القرارات فيها، ومن خلال نشاطات المنظمات والناشطين المدنيين والشخصيات الاعتبارية الأخرى من باحثين وأكاديميين وفنانين، ومن خلال تداول السلطة بين التيارات السياسية المختلفة، ومن خلال تغيير هذه التيارات لأولوياتها السياسة بناءً على الضغوط والمساءلة الشعبية من ناحية، وعلى نشاطات مراكز الأبحاث واللوبيات من ناحية أخرى. لا تتوفر هذه المرونة في المجتمعات الاستبدادية والتقليدية، وهذا ما يرشح كل قضية فيها، مهما بدأت جزئية، مثل حق المرأة في التجنيس أو قيادة السيارات أو تولي المناصب العامة، للتحول إلى أزمة وجودية متعددة الأبعاد في حال اختارت بعض القوى السياسية تجييرها لذلك.

لذا، ونظراً لكل ما سبق، يبدو واضحاً أن التغيير المنشود في مجتمعاتنا الشرق أوسطية هو تغيير قيمي وسلوكي بالدرجة الأولى، أي تغيير ناتج عن تحديث مفهومنا للأخلاق ذاته، وهو الأمر الذي يتطلب إفراز طفرة ما في وعينا الفردي والجمعي. وتعلمنا التجربة التاريخية هنا أن طفرة من هذا النوع لا يمكن أن تحدث دون الخوض في آتون تجارب ومحن صعبة من النوع الذي نراه في مجتمعاتنا اليوم.

وفي خضم هذا كله، وكما أكدنا في مقال سابق، "ما بوسع المؤمنين بالحداثة أن يتصدوا لتحديات التحديث في مجتمعاتهم ما لم يجدوا طريقة بناءة للتعامل مع هذه المشكلة أولاً، فيسعوا ليكونوا أكثر انسجاماً مع أنفسهم وأفكارهم فيعكسوا إيمانهم بالحداثة وقيمها في تصرفاتهم وسلوكياتهم اليومية علاوة على خياراتهم وحساباتهم السياسية." ويتطلب هذا الأمر بدوره العمل على التنسيق ما بين النشاطات الرامية إلى تحديث المجتمعات وتلك المنادية بالحريات وبالديموقراطية.


الثلاثاء، 31 أكتوبر، 2017

الدولة الحداثية والهوية والحركات الانفصالية

أحتفالات في أربيل بنتائج استفتاء الاستقلال - 29 أيلول، 2017

الحرة / من زاوية أخرى – إذا عرّفنا الدولة الحداثية على أنها ذلك الكيان الذي يهدف في المقام الأول إلى الحفاظ على الحقوق الأساسية لكل من فيه من أفراد ومكونات، فلن يكون بوسع هذا الكيان أن يتماهى مع الهوية الخاصة بأي من مكوناته المؤسسة، سواء كان الأمر يتعلق بالهوية القومية أو بالانتماء الديني أو بعقيدة سياسية بعينها
.

من هذا المنطلق، تمثل المساعي الانفصالية المختلفة والرامية إلى تأسيس دول جديدة قومية الطابع خطوة إلى الوراء في ما يتعلق بعمليات التحديث والتطوير المجتمعي، سواء تجلّت هذه المساعي في الشرق أو في الغرب، في الشمال أو في الجنوب. والأمر نفسه في الواقع ينطبق على تلك المساعي الهادفة إلى إعادة تشكيل دول قائمة على أسس دينية أو أيديولوجية، كالدعوة إلى أسلمة الدول أو تبني الشريعة الإسلامية كقانون ناظم لها. لكنا سنركز نقاشنا هنا على الحركات القومية بالذات.

لا يعني كلامنا السابق بالضرورة أن كل حركة انفصالية تشكل بالضرورة حركة رجعية من الناحية الفكرية والقيمية. إن التركيز شبه الحصري على البعد القومي هو الأمر الإشكالي هنا، وهو ما يسم الكثير من هذه الحركات بصفة الرجعية. والمثير في الموضوع عند تعاملنا مع هذه الظاهرة هو أن معظم الحركات القومية الانفصالية جاءت كردة فعل على الاضطهاد الذي تعاني منه قوميات معينة في إطار دول محكومة من قبل أنظمة وتيارات قومية التوجهات بدورها، أي أن معظم مؤيدي هذه الحركات يدركون تماماً حجم المخاطر التي غالباً ما تنجم عن تبنّي توجهات قومية في ما يتعلق بتعريف الدولة وحكمها. ومع ذلك لا يرى أصحاب هذه التيارات أي تناقض ما بين طروحاتهم وتوجهاتهم القومية وبين واقع الاضطهاد والتهميش الذي يحاولون الهروب منه، على الرغم من أنه سيكون لزاماً عليهم، فيما لو تكللت مساعيهم الانفصالية بالنجاح، أن يتعاملوا مع تحديات مماثلة، أي تحديات ناجمة عن وجود قوميات أخرى في إطار "وطنهم القومي" المنشود، قوميات قد يكون لها رؤية وتفسير مختلفان تماماً للتاريخ وللحدود، علاوة على مخاوفها المشروعة في ما يتعلق بمستقبلها في هذا الوطن الجديد. هذا ناهيك عن الإشكالية الناجمة عن أن قيام دولة قومية جديدة غالباً ما يأتي على حساب تفتيت دولة قومية قائمة وبالتالي على حساب الرؤية القومية الخاصة للتيارات والشرائح النافذة فيها. ولهذا، غالباً ما تؤدي هذه "الإشكالية" إلى اندلاع حرب ضروس نادراً ما يحسمها قيام هذا الكيان القومي الجديد، حتى في حال حصوله على اعتراف دولي.

يكمن المخرج من هذه الورطة في التركيز على المطالبة بالعدالة والحقوق الأساسية والأمان، وفي إدراك أن الانفصال لا يزيد عن كونه مجرد أداة من الأدوات التي يمكن لها أن تحقق هذه المطالب في بعض الظروف. لكنه يبقى الأداة الأكثر راديكالية، كما أن قدرته على تحقيق هذه المطالب ليست فورية في معظم الأحيان، كما تدلنا السوابق التاريخية. لذا، لا ينبغي اللجوء إليه إلا في حال فشل الأدوات الأخرى.

لقد رأينا أية شرور انبثقت من مجرد التلويح بالانفصال في كل من كوردستان العراق وكاتالونيا، وبوسعنا أن نتابع ما يحدث اليوم في جمهورية جنوب السودان التي انفصلت ولم يتحقق فيها لا الإمان ولا الاستقرار ولا الحرية، بل لم تنته مواجهاتها بعد مع النظام في الخرطوم. ورأينا ما حدث في السابق في البلقان الذي ما تزال الأوضاع الأمنية في دوله الجديدة معرضة للانهيار في أية لحظة.

نعم، لقد تحقق الانفصال في تشيكوسلوفاكيا دون حرب، ولم يسفر الاستفتاء في استكلندا عن أية اضطرابات أو قلاقل اجتماعية، وما كان من المتوقع له أن يسفر عن أية ممارسات عنفية حتى في حال جاءت نتيجته بالإيجاب، وكذلك الأمر في ما يتعلق بقرار المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد الأوروربي والذي يمثل نوعاً من الانفصال. وهنا بيت القصيد. لقد لعبت البنية المجتمعية والمنظومة السياسية الخاصة بهذه الدول دوراً كبيراً في قيادة الحوار وتشكيل الإطار الخاص بالعمليات السياسية المتعلقة بقرار الانفصال، هذا علاوة على قضية التوقيت وعلى الشروط الإقليمية والدولية الخاصة التي كانت سائدة في تلك اللحظات الحرجة التي حدثت فيها هذه العمليات وتم فيها اتخاذ القرارات الحاسمة.

على المطالبين بالانفصال أن يأخذوا كل هذه الأمور والشروط والسوابق بعين الاعتبار وأن يوازنوا ما بين رغباتهم ومطالبهم الخاصة، مهما بدت لهم مشروعة، وبين ما يمكن تحقيقه على أرض الواقع في ظل الظروف السائدة حالياً على الصعيد الداخلي والإقليمي والدولي. وإذا كانت النخب السياسية المسؤولة عن قيادة الحركات الانفصالية المختلفة تعاني في هذه المرحلة من خلخلة أو تشرذم ما ومن عدم استعداد للالتزام بشكل مناسب بالعملية الديموقراطية في عملها بما في ذلك القبول بالمساءلة الشعبية وبقواعد الشفافية وتداول السلطة والابتعاد عن المحسوبيات، فمن حق المرء، بل يتوجب عليه أن يتساءل عن طبيعة الدولة المستقلة التي ستديرها هذه النخب.

إن في التركيز على تحقيق الانفصال في هذه المرحلة، بل وعلى التعامل مع مفهوم الانفصال وكأنه الطرح الأمثل لتحقيق العدالة، تبديدا للطاقات الحيوية للشعوب المعنية، والتي ستعطي مفعولاً أكبر فيما لو جُيرت للمطالبة بالتزام أكبر من نخبها السياسية بأسس العملية الديموقراطية ومحاربة الفساد وبالعمل على تحقيق إدارة أكثر فاعلية لعمليات التنمية المحلية، إلى آخره من تلك القضايا التي يتم التعامل معها وكأنها مسائل فرعية في حين أنها تشكل حجر الأساس في ما يتعلق بقيام الدول العادلة القادرة على تحقيق الأمان لشعوبها، ولكل مكون من مكوناتها بصرف النظر عن خلفيته القومية أو الدينية أو المذهبية.