الأحد، 24 سبتمبر، 2017

من أين ينبع الفساد؟ من أين يبدأ التغيير؟

مظاهرة في حي السكري في حلب، سوريا -- 11 أذار، 2016


الحرة / من زاوية أخرى -- من أين ينبع الفساد في المجتمعات العربية المعاصرة: من رغبات الحاكم وتصرفاته أم من صنائع وفعال حاشيته؟ هذا هو السؤال الذي تمحورت حوله حلقة برنامج " تقرير خاص " التي كان لي شرف المشاركة فيها مؤخراً. وكان جوابي على هذا السؤال أن مشكلة الفساد التي تواجهنا في مجتمعاتنا المعاصرة عموماً هي أكبر من قضية الحاكم وحاشيته وتنبع من الطبيعة الخاصة لثقافتنا السياسية السائدة والتي تشكّلت في بيئة استبدادية يعد فيها الحفاظ على السلطة واستدامتها الهدف الأول والأساسي للحاكم.

ومن هذا المنطلق يصبح الفساد واحداً من الأدوات الأساسية للحكم كونه أحد أهم الوسائل لمكافأة الولاءات. إذ لا يشكل توزيع المناصب على المخلصين خطوة كافية في هذا الصدد ما لم يتم السماح لهم باستخدامها للتحصّل على منافع مادية من خلال جملة من الترتيبات غير الرسمية، وهذا بالذات هو التعريف القاموسي للفساد. هذا علاوة على أن الحاكم نفسه، وفي غياب آليات حقيقية للمكاشفة والمساءلة الشعبية، بل وفي إطار سياق تاريخي لم تكن فيه مسألة وجود هذه الآليات وضرورتها مطروحة أساساً، طالما اعتاد على اعتبار نفسه المتصرف والمتنفذ الأول والأخير في كل ما يتعلق بموارد الدولة، بل هكذا تعامل الناس معه، شعباً وحاشية. في ظل ثقافة من هذا النوع، كان من الطبيعي أن ينظر الحكام إلى المطالبات الشعبية بالشفافية والمساءلة وتداول السلطة ومحاربة الفساد على أنها تعدّ على شخصهم، وأن يتم التعامل معها كنوع من العصيان والتمرد على السلطة بل وعلى شرعية الحكام أنفسهم.

وفي سياق تاريخي لم يعتد فيه الحاكم على مكافأة الولاءات وإدارة آليات الفساد في الدولة فحسب، بل على التعامل مع شعبه كمكونات منفصلة، في غياب ومن ثم تغييب مقصود لمفهوم المواطنة، أصبح التفتت الاجتماعي هو القاعدة في معظم الدول وأصبح الفساد مرتبطاً بشكل وثيق بذات الآليات والمؤسسات المسؤولة عن الاستبداد والتفتيت وأصبحت مكافحة الفساد تستدعي نقاشاً ومعالجة جدية للعلاقات القائمة ما بين المكونات والمناطق المختلفة في كل دولة، وليس فقط للعلاقة ما بين الحاكم والمحكوم. وبالتالي أصبحت مسألة الفساد ومكافحته مرتبطة بشكل وثيق بقضية الهوية وليس فقط بقضية الحكم وشخصية الحاكم وحاشيته وسلوكياتهم.

وإذ كان الصحفي الأميركي المعروف توماس فريدمان قد تحدث مؤخراً، وإن بشكل عابر، عن حاجة الدولة في كل من سوريا والعراق إلى "قبضة حديدية" تحكمها بغية الحفاظ على وحدتها، وأشار إلى السرعة التي انهارت بها الدولتان عندما تم رفع هذه القبضة عنهما، فمن الواضح أنه في معرض حديثه هذا يبدي جهله السافر بدور هذه القبضة الحديدية في تفتيت المجتمعات المحلية في البلدين وغيرهما من البلدان العربية ومساهمتها بالتالي في تفعيل الإضطرابات والمواجهات الطائفية وفي إضرام نيران الحروب الأهلية. وفي الواقع، لا يتناسب الإصرار على ضبط الأمور من خلال القبضة الحديدية إياها على الإطلاق مع متطلبات التطوير والتحديث المجتمعي، ولا يحقق إلا استقراراً مؤقتاً وزائفاً، وتبقى الديموقراطية على علاتها الوسيلة الأنجع لإدارة المجتمعات المفتتةبالذات لأنها مفتتة.

لكن الانتقال نحو الديموقراطية والمساءلة الشعبية يتطلب وجود إرادة حقيقية عند النخب السياسية في تحقيق هذه النقلة النوعية وهذا بدوره يتطلب تشكّل قناعة لديهم بضرورة إحداث هذه النقلة. ولكن كيف يمكن لهذه القناعة أن تتشكّل في ظل الثقافة السياسية الشعبية السائدة، وفي ظل ارتباط المصالح المادية الشخصية للحكام وحاشيتهم بالأنظمة والمؤسسات القائمة وتغلغل الفساد في سائر الطبقات والنشاطات الاجتماعية، وفي سياق الارتباط المصيري لمسألة الهوية الجمعية للمكونات الاجتماعية المختلفة بموضوع التغيير السياسي والمجتمعي؟

من أين يبدأ التغيير في هذه الحال؟ هذه هو السؤال الذي يختزل جوهر المعضلة التي تواجه معظم المجتمعات العربية المعاصرة.

بالعودة إلى مشاركتي في برنامج " تقرير خاص، " أكرر ما قلته في ختامه: يبدأ التغيير الحقيقي في مجتمعاتنا من اللحظة التي يدرك فيها المواطن أنه هو نقطة البداية في عملية التغيير وأنه هو المسؤول الأساسي عنها وليس الحاكم أو حاشيته. الحكام ليسوا الحل: نحن الحل.

هذا بالفعل ما أدركه كل من شارك في تفعيل ثورات الربيع العربي. ويخطئ جداً كل من يعتقد أن هذه الثورات قد باءت بالفشل لأنها لم تنجح في تغيير شخصيات بعينها مثل رأس النظام السوري وغيره، أو لأنها فتحت الأبواب على اتساعها أمام كل أصناف القمع والعنف والتدخلات الإقليمية والدولية. على العكس، لقد أحدثت هذه الثورات تغييرات جذرية عميقة في الوعي الجمعي لشعوب المنطقة بأسرها، علاوة على بناها المجتمعية الأساسية، حتى في تلك الدول التي لم تشهد تحركات ثورية في هذه المرحلة، لكن، لا يمكن لمعالم هذه التغيرات، بسلبياتها وإيجابياتها، أن تتضح إلا بالتدريج وعبر عقود قادمة. هذه هي طبيعة الثورات الشعبية وتوابعها. ولا يمكن للاضطرابات العنيفة أو للمواجهات والتصفيات والاصطفافات الداخلية ولا حتى للتدخلات الخارجية أن تزيل مشروعية التحركات الشعبية التي حصلت وتحصل في المنطقة، إذ يشكّل هذا الأمر أيضاً واحداً من التوابع الأساسية للثورات الشعبية وطريقة لتوثيق الروابط ما بين الصيرورات المحلية والعالمية.

وعلى أية حال، لم تنته هذه المرحلة الانتقالية الثورية بعد، إذ مازالت القدر تغلي بما فيها.


الأربعاء، 20 سبتمبر، 2017

الحداثة والمواطنة والأخلاق

نساء تونسيات يتظاهرن مطالبة بحقوقهن

   
الحرة / من زاوية أخرى -- لم تقتصر الأخلاق يوماً كمفهوم ناظم للسلوكيات الفردية والجمعية على مجتمع دون آخر أو على دين دون غيره. فعبر التاريخ طور كل مجتمع وكل دين مفهومه الخاص للأخلاق وللسلوكيات المقبولة والمشروعة فيه، كل وفقاً لظروفه الموضوعية الخاصة بما فيها طبيعة المحيط البيئي والجغرافي علاوة على تجربته التاريخية والفكرية الخاصة وطبيعة تفاعلاته مع الأديان والمجتمعات الأخرى، القريب منها والبعيد. من هذا المنطلق، ليس من المستغرب على الإطلاق أن تظهر نقاط تلاقٍ واختلاف فيما يتعلق ببعض المفاهيم والممارسات الأخلاقية بين المجتمعات والأديان، وليس من المستغرب أيضاً أن يطرأ الكثير من التحولات والتطورات على تعريفنا للأخلاق مع تعاقب الأجيال واستمرار تلاقح الحضارات والثقافات، وأن تبقى الأخلاق كمفهوم عرضة دائماً للتغير والتحول.

ومع دخول المفاهيم الحداثية على الخط واستنادها إلى معطيات العلوم الموضوعية، وما صحب ذلك من تمكين للأفراد فيما يتعلق بتحديد خياراتهم وسلوكياتهم الشخصية، تسرعت وتيرة التحولات المتعلقة بالأخلاق وبالممارسات والسلوكيات المستندة إليها. لكن، وبصرف النظر عن الاعتراضات التي توجهها التيارات التقليدية من خلال مؤسساتها وشخصياتها، لم يحدث ذلك بشكل اعتباطي أو عبثي، بل جاء نتيجة تجربة تاريخية طويلة وصعبة شهدت انقلاباً كبيراً في الظروف المعاشية للأفراد والمجتمعات. ولا يمثل هذا التحول أو الانقلاب، من ناحية أخرى، فلتاناً أو انحلالاً أخلاقياً، كما يُقال، لكن تأقلماً طبيعياً وضرورياً مع تغيرات اجتماعية وثقافية جذرية باتت تشكّل ثوابت جديدة للعيش في المجتمعات المعاصرة.

وبناء على ذلك، لم يعد مبرراً في هذه المجتمعات التمييز ما بين الناس إلا على أساس تصرفاتهم في الفضاء العام المشترك، خاصة في حال انطوت على تعدّ واضح وصريح على حقوق الآخرين، ولم يعد مبرراً للدولة بالتالي أن تدخل في خيارات الناس المتعلقة بالملبس والمأكل والمعشر إلا في أضيق الأطر.

فمن الناحية الموضوعية والوضعية، لم يعد ممكناً لا للعرق ولا للدين ولا للجنس ولا للميول الجنسية أن تشكل أساساً مشروعاً للتمييز القانوني، خاصة بمفهومه السلبي. فبعد عقود طويلة من الدراسات العلمية، الميدانية والمخبرية، بات واضحاً عدم وجود أي مبرر علمي لتفضيل عرق على عرق، أو دين على دين، أو جنس على جنس، أو ميل على ميل. نعم، يحق للناس أن يؤمنوا بما يشاؤون، كأن يرى البعض أن البيض أكثر ذكاءً من السود، أو أن الإسلام أفضل معتقداً من المسيحية، أو أن الرجال قوامون على النساء، أو أن المثلية الجنسية جريمة وآفة لابد من مكافحتها، لكن تبقى هذه الاعتقادات مجرد آراء خاصة لجماعات دون غيرها، وبالتالي لا يمكن للدولة المعاصرة أن تتبناها كقوانين ناظمة للمجتمع بأسره، أولاً لأن ذلك يشكّل انحيازاً لفئات بعينها على حساب أخرى وانقلاباً على مفهوم المواطنة والعدالة والمساواة، وثانياً كونها تتناقض تماماً مع المؤشرات والأدلة العلمية. ففي حال تساوت الشروط الأولية إلى حد ما، مثل التعليم والقوانين الوضعية والأعراف المحلية، لا يوجد ما يمنع امرأة مسلمة سوداء مثلية الميول، على سبيل المثال، من أن تتفوق على رجل مسيحي أبيض غيري في نشاطات ومجالات معينة مثل إدارة شركة، أو النجاح في امتحان للرياضيات، أو العزف على البيانو. وحدها القوانين والأعراف يمكن لها أن تضع العراقيل أمام هذه المرأة بسبب جنسها أو لونها أو دينها أو ميولها، لكن لا وجود لأي سبب عضوي أو جيني للنجاح أو الفشل هنا.

من هذا المنطلق، ومن الناحية الأخلاقية الحداثية، لا يوجد على الإطلاق ما يبرر للدول استمرارها في تبني قوانين تمييزية قمعية حيال شرائح اجتماعية بعينها. فإذا كان تغيير الأعراف والتقاليد والمعتقدات أمراً صعباً لا يتم إلا مع مرور العقود، يمكن في هذه الأثناء لقوانين جديدة أكثر انسجاماً مع المعطيات الموضوعية المعاصرة وقيم الحداثة أن تساعد على تمهيد الطريق من خلال تمكين شخصيات وجمعيات معينة على العمل من أجل بث وعي جديد.

ويشكّل قيام تونس مؤخراً بتبني قوانين جديدة ساوت ما بين حق المرأة والرجل في الميراث وفي اختيار الشريك الحياتي المناسب وفي منح الجنسية للأولاد مثالاً هاماً في هذا الصدد. وإن لم يكن من المتوقع في هذه المرحلة الباكرة أن تنجح هذه القوانين الجديدة في وضع حدٍّ نهائي لكل الممارسات المجحفة بحق المرأة وفي تغيير آراء كل الناس حيال هذه القضايا الخلافية، سواء في تونس أو في غيرها من دول المنطقة، تبقى تمثل مع ذلك خطوة هامة على الطريق، خطوة ما كان يمكن لها أن تحدث لولا استنادها إلى سياسات سابقة مرتبطة بعملية التحديث في البلد، ولولا توفر الإرادة السياسية المناسبة لدى النخب لدفع عملية التحديث نحو الأمام.

ولعل ما يميز هذا التحول في تونس، وهو أمر لفت نظري إليه الزميل صامويل تادرس في حديث خاص، هو قيام حكومة منتخبة ديموقراطياً بتبني هذه القوانين، مما يعني أن إرادة التغيير هنا لا تعبر فقط عن توجهات النخب المتنفذة في المجتمع والدولة، بل يبدو أن الوعي المجتمعي العام في هذا الصدد قد بلغ سوية معينة سمحت لهذه العملية أن تتم بقدر كبير من التوافق ما بين الشرائح الاجتماعية والقوى السياسية المختلفة ومابين الشعب وممثليه.

نعم، قد لا يكون ممكناً في هذه المرحلة أن تقوم دول المنطقة باستنساخ التجربة التونسية، لكن هذه التجربة الفريدة تشير وبوضوح إلى أن الديموقراطية لن تكون بالضرورة عائقاً أمام عمليات التحديث، كما يخشى البعض. ففي حال توفرت الإرادة السياسية المناسبة لدى النخب، وفي حال تم التمهيد للخطوات التحديثية في المجتمع ككل عن طريق التعليم والانفتاح الاقتصادي والتفاعل مع المجتمعات الأخرى ونشاطات المجتمع المدني، وهذا ما شهدته تونس بشكل أو آخر عبر العقود الماضية، يمكن لعمليات التحديث أن تمضي قدماً إلى الأمام دون أن تتعارض مع متطلبات الدمقرطة والشفافية والمسائلة الشعبية.

ولا يحتاج المواطن في المجتمعات الحداثية لأن يكون مقتنعاً بكل ما جاءت به الحداثة من قيم وأنماط سلوكية ومعيشية جديدة ليكون مواطناً "صالحاً،" بل يكفيه في هذا الصدد أن يعطي للآخر ذات الحقوق التي يريدها لنفسه، وأن لا يرى في هذه المساواة تهديداً لهويته فيحاول الالتفاف عليها من خلال الإصرار على إيجاد وضع قانوني استثنائي خاص يميزه ويفضله عن الآخر.

إن التوصل إلى تشكيل هذه القناعة على المستوى الفكري والنفسي هو بالذات جوهر التحدي الذي يواجهنا.

الثلاثاء، 12 سبتمبر، 2017

المعصية والاستبداد


الحرة / من زاوية أخرى -- إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا" مقولة مشهورة ورائجة في المجتمعات العربية والإسلامية هذه الأيام، يخالها البعض حديثا نبويا وهي ليست كذلك وإن اتفقت من حيث المضمون مع أحاديث معروفة.

وغالبا ما تستخدم هذه المقولة كطريقة لشرعنة حالة الازدواجية الأخلاقية التي بات يعيشها كثير من المسلمين حول العالم من خلال التناقض الصارخ ما بين مبادئهم المعلنة وممارساتهم الفعلية، علاوة على تجييرها كمقاربة استباقية لمنع التشكيك بالمبادئ ذاتها من خلال إيجادها آلية للتعايش مع "المعصية" من دون الانخراط في أية محاولة جدية للتدقيق فيها أو لإعادة التفكير في معناها في ضوء معطيات الواقع المعاصر، واقع القوانين المدنية ومفاهيم مثل المواطنة والديموقراطية والمساواة ما بين الجنسين، بل والحرية الجنسية.

علاوة على ذلك، تستخدم المقولة أيضا كأداة في حرب نفسية مستمرة ضد أصحاب الفكر المخالف ووسيلة لقمع أي حوار جدي حول الأعراف والتقاليد والموروث من خلال تخجيل أصحاب الفكر الجديد ودفعهم لعدم المجاهرة بآرائهم وفرض حالة من الحصار الاجتماعي عليهم. إنها وسيلة لمحاربة التغيير من خلال منع طرح الأفكار الجديدة على الساحة وحصار أصحابها وعزلهم عن المشاركة في الحياة الاجتماعية والفكرية.

المقولة خطيرة إذن، لكنها لا تعبر عن تطرف في الفكر بقدر ما تنم عن هشاشة في الهوية وعقلية رافضة للتغيير ومشبعة بالخوف منه، ونفسية غير قادرة على الانتماء إلى العالم المعاصر لأنها لم تشارك في صنعه أو في تشكيل أدواته، الفكرية منها والمادية. بل تعكس المقولة حالة من الضياع وانعدام التوازن وتناقضا في الأهواء ما بين الرغبة في الاستفادة من منجزات العالم المعاصر، بحداثته وقوانينه وحرياته، بل والاستحواذ عليها أو بعضها على الأقل، ورغبة في الحفاظ على الماضي الذي لا يزال يشكل مصدر الهوية الأساسي وربما الوحيد عند الشعوب التي تبنّت هذه المقولة.

لكن هذا الموقف يأتينا كدليل على الاحتضار المستمر لهذه الشعوب حتى بعد مرور عقود على تجارب التحديث المجتمعي والسياسي والثقافي فيها، فهو من حيث قدرته على التأثير على مجريات الأمور لا يزيد عن كونه ردة فعل عدمية الطابع على الحضارة المعاصرة، ردة قادرة على تجميد عمليات التغيير والتحديث المجتمعي وعلى تدمير الشعوب والمجتمعات لكن ليس بوسعها أن تفرز أية بدائل ناجعة غير ما هو قائم من مؤسسات حضارية معاصرة، بحسناتها وسيئاتها.

ولهذا الموقف تجلياته في المجتمعات الأخرى بالطبع، فهو موقف نفسي في جوهره أكثر منه دينياً أو عقائدياً، كونه نابعا عن المنشأ الخارجي للكثير من المفاهيم الحضارية المعاصرة كما سبق ونوهنا في مقال سابق. لكن وجود حامل ديني وثقافي له في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، متمثل في المقولة المطروحة هنا، وغيرها، يفرض على مواطني هذه المجتمعات إيجاد طريقة ما لتفنيده ومعالجة آثاره وتبعاته.

إن الشعوب الحية هي تلك التي تستمد هويتها من نشاطاتها وإنجازاتها المعاصرة في المجالات المختلفة وليس من نجاحات الأجداد وأمجاد الماضي، فلكل الشعوب أمجادها وماضيها. إنها الشعوب القادرة على الانتماء للحاضر وعلى المشاركة في صناعته. إنها الشعوب التي تعطي للمواطن فيها حق المجاهرة بما يؤمن به، ما لم يدعُ إلى قتل أو سرقة أو أي تعدّ واضح وصريح على حقوق الآخرين، والتي لا دخل للدولة فيها بتعريف "المعصية"، تاركة الأمر في هذا الصدد للأفراد وللجماعات الإيمانية المختلفة بما يتناسب مع معتقداتها الخاصة، ما لم تتعد إحداها على أخرى أو تحرّض عليها.

ولاشك في أن الجماعات الإيمانية في مجتمعاتنا المعاصرة باتت بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم المعصية وفي طريقة التعامل معها في ضوء المتغيرات الجمة التي طرأت على الواقع المعاش خاصة في ما يتعلق بحق الفرد في تقرير سلوكه الشخصي، وربما أصبح لزاماً على المؤسسات الدينية في هذه المرحلة أن تكتفي بدور الناصح والمرشد وأن تبتعد عن دورها الوصائي التقليدي. وربما كان إفساح المجال أمام الأفراد للمجاهرة حتى بتلك التصرفات التي تعترض عليها المؤسسات الدينية يعطيها، والدولة، والمواطنين كافة، فرصة أفضل للتعامل مع الواقع كما هو بعيداً عن التكهنات والافتراضات.

أما الإصرار على ثقافة الاستتار فله أبعاد لا تتوقف عند حد المعاصي المتعارف عليها تقليدياً، فإن اختيار المرء أن يكون شيوعياً أو ليبرالياً مثلاً، ومحاولته التعبير عن توجهاته وآرائه هذه من خلال تصريحاته وتصرفاته، يعد معصية عند معظم الإسلاميين، بل والمسلمين عامة، فلا شك في أن بعض الخيارات والسلوكيات المرتبطة بالتوجهات السياسية والاجتماعية والفكرية المعاصرة، تشكّل معصية وفقاً للمفاهيم والأعراف والشرائع التقليدية، لذا تمثل الدعوة إلى الاستتار والسترة هنا وسيلة لقمع تيارات سياسية وشرائح اجتماعية بعينها، وتكريساً أو تأسيساً لأنظمة استبدادية دينية وطائفية الطابع.

أما في المجتمعات الحرة فلا حرج على امرئ جاهر بما يؤمن به، حتى وإن اعتبره البعض معصية، ما لم يدعُ إلى تعدّ صريح وواضح على حقوق الآخرين. أما المشاعر، فحمايتها ليست من مهمة الدول والحكومات، ولا ينبغي لها أن تكون، بل إنه من النضج أن يقبل الناس في مرحلة من العمر أن الحياة قد لا تتوافق مع رغباتهم وأهوائهم في الكثير من الأحيان، وأن يتعلموا كيف يدارون مشاعرهم عندما تتأذى، وأن لا يطالبوا الدولة بذلك، خاصة إذا كان الأمر يستدعي انتهاك الحقوق الأساسية لمن كان مختلفاُ عنهم في آرائه وتصرفاته.