الجمعة، 7 ديسمبر 2018

ملاحظات حول أصل داعش

سمير غانم: "لا المتين بينفع ولا المتينة، علأصل دوّر!"
ابن الوردي: "لا تقل أصلي وفصلي أبداً، إن أصل الفتى ما قد حصل"


السيرة الذاتية لأحد أهم قياديي داعش الراحلين تلقي أضواء جديدة على أصول تنظيم الدولة الإسلامية – هذا هو محور حلقتنا الأساسي لهذا الأسبوع.

الجولة الإخبارية

في تونس، التونسيون يحتجون بالآلاف على زيارة بن سلمان لبلدهم
في فرنسا، استمرار احتجاجات ذوي السترة الصفراء
في واشنطن، الرئيس ترامب ينتقد قرار جنرال موتورز تخفيض موظفيها بنسبة 15%
في لقاء إعلامي، كلينتون تشجع الدول الأوروبية على تقييد الهجرة
في مصر، شيخ الأزهر يختلف مع طروحات الرئيس السيسي فيما يتعلق بدور السنة النبوية
فاز ورب الكعبة! القائد الشيشاني رمضان قاديروف يزور قبر الرسول في مكة
في الهند، مقتل مبشر أمريكي خلال محاولته التبشير في جزيرة نائية

الملاحظات التحضيرية لهذه الحلقة:

داعش – هذه المنظمة الإرهابية العالمية التي ما تركت جريمة إلا وارتكبتها عبر السنين الماضية سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا أو مصر أو غيرها من الدول، غالباً ما يربط الباحثون نشأتها بالغزو الأمريكي، وبفشل الإدارتين الأمريكيتين السابقتين على التعامل معها بشكل فعّال. لكن، وبعيداً عن التسييس، تبدو قصة نشأة داعش أكثر ارتباطاً بطبيعة المجتمعات في المنطقة منها برد فعل على السياسات الأمريكية.

دراسة مهمة جداً للباحث والصحفي المتميز حسن حسن نشرت مؤخراً على موقع ذي أتلانتيك يتحدى كل ما كتب من قبل حول نشأة تنظيم الدولة الإسلامية أو داعش والذي ربط ظهور هذه المنظمة بالغزو الأمريكي مباشرة.

الدراسة استندت إلى كتاب تم تداوله مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي المدارة من قبل الإسلاميين. مؤلف الكتاب هو ابن أحد أهم قياديي داعش: عبد الرحمن القادولي، وهو عراقي من محافظة نينوى والمعروف باسمه الحركي أبو علي الأنباري، ويتعامل الكتاب المؤلف من 93 صفحة مع حياة أبو علي الأنباري ونشاطاته خلال فترة التسعينات إلى أن قتل في 2016. استند مؤلف الكتاب على يوميات تركها أبو علي الأنباري نفسه وعلى لقاءات عدة مع الجهاديين الذين عملوا معه. واستند حسن حسن في دراسته على هذا الكتاب وعلى لقاءاته الخاص مع الخبراء بل وبعض المتمردين السوريين الذين احتكوا بأبو علي وداعش خلال الحرب في سوريا.

قبل الدراسة، كانت هناك قراءة مجتزأة لقضية ظهور داعش، قراءة أهملت ما حصل في المجتمع العراقي قبل الغزو، خاصة في الفترة الواقعة ما بين تحرير الكويت والغزو نفسه. لجوء نظام صدام حسين للدين في تلك الفترة كان واضحاً، خاصة في إضافة شعار الله الأكبر إلى العلم الوطني. بل تم عقد مؤتمرات سنوية للتنظيمات الإسلامية المتشددة في بغداد، كامتداد لحملة تشجيع التدين التي تم أطلاقها في ذلك الحين.

وهذا ما يقودنا إلى النقطة التالية: 

في رأيي أن جذور قضية التشدد الإسلامي في العراق أقدم حتى من هذا. علينا أن نأخذ بعين الاعتبار حالة الضعضعة التي شهدها المجتمع العراقي نتيجة الحرب مع إيران. على السطح بقي المجتمع علمانياً، والتزم صدام حسين بتشدقه بالعروبة، لكن الواقع أن حروب لعبت فيها الطائفية دوراً كبيراً في التجييش الشعبي، وفي مجتمع كان للتركيبة الطائفية فيه أهميتها الوجودية حتى قبل ذلك من حيث اعتماد صدام ومن معه على تأييد طائفة معينة وعشائر معينة، لا يمكن للتشدد الديني ألا يلعب دوره في الموضوع. صحيح أن الانتماءات الطائفية لا تكون دائماً دينية الطابع، وغالباً ما تأخذ طابعاً عشائرياً وقبلياً، لكن، في العمق، الدين هو الأساس، والاختلافات الطائفية والتمايز الطائفي هي في جوهرها تعبير على اختلافات عقائدية. ومن الطبيعي أن يصبح هذا التعبير أكثر فجاجة وتقليدية وتشدد وطهرانية في أوقات الأزمات. بمعنى، أن المجتمع العراقي الذي ظهر بعد الحرب كان كتلة من الاحتقانات، إذ تقوقع كل مكون، سواء عرّف نفسه على أسس دينية أو طائفية أو عشائرية على نفسه، زادت نسبة التعصب والعزلة والتشكك عند كل مكون، وأصبح الوضع مهيأ لانفجار داخلي، وأعتقد أن سياسات صدام الصدامية مع دول جوار مثل الكويت بعد الحرب مع إيران كانت تعبيراً عن ذلك، ومحاولة لإيجاد طرق لتفريغ الشحنات.

الحرب مع إيران هي التي مهدت لانهيار المجتمع العراقي وظهور التشدد العرقي والمذهبي، ومن ثم جاءت حرب الكويت وفترة الحصار لتمهد بالتدريج لتأسيس للعمل المنظم على هذا الأساس، وبالتالي لظهور القاعدة، بل جسد أكثر تطرفاً منها: كيان يضع الصراع مع الشيعة والأنظمة العلمانية في صلب اهتماماته ويعمل عليها بالتزامن مع حربه مع الغرب والولايات المتحدة والعالم.

بالعودة إلى أبو علي الأنباري، خريج كلية الشريعة في جامعة بغداد في عام 1982، والذي قاتل في الحرب ضد إيران، فمن الواضح الآن أنه بدأ نشاطاته في منتصف التسعينات، كإمام يخطب ضد الشيعة والمتصوفة في تلعفر في شمال العراق، ومن ثم كمقاتل مع التنظيمات الجهادية الكوردية. وبعد هجمات 11 أيلول الإرهابية، وبحسب سيرة أبو علي الأنباري نفسه، تم تأسيس "نواة للإمارة" الداعشية في تلعفر.

"وجهات نظر الأنباري المتطرفة، التي انعكست في وقت لاحق على "تنظيم الدولة"، تشكلت قبل الغزو الأمريكي للعراق، وقبل أن يلتقي بالزرقاوي."...  "الاستعدادات للجهاد كانت تنضج، من حيث التمويل والرجال والأسلحة... كل هذا كان يحدث في ظل حكم البعث". (الرابط)

دعنا نتوقف هنا قليلاً لنقارن الوضعين في العراق وسوريا: العراق في التسعينات تحت الحصار، أصبح مثل سوريا في الثمانيات تحت الحصار. نعم كان هناك قمع للإخوان وللإسلاميين المعادين للسلطة، لكن، كان هناك تشجيع للفكر الجهادي الموجه ضد الغرب، وكانت تجري مؤتمرات سنوية للإسلاميين المتشددين برعاية وزارة الأوقاف، واستمرت هذه النزعة عند نظام الأسد حتى في فترة التسعينات وما بعد، المؤسسات الإسلامية الرسمية وشبه الرسمية، استخدمت للتواصل مع الحركات الجهادية العالمية. طبعاً، هذا الوضع أعطى الأجهزة الاستخباراتية السورية تصور دقيق عن عمل هذه المنظمات والقدرة على اختراقها، وهذا ما جعل الكثير من الأجهزة الاستخباراتية العالمية تنسق وتتعاون معها على الرغم من التضارب في السياسات. وبعد غزو العراق، استغل النظام السوري هذه الخبرة في بناء شبكات وخلايا إسلامية لمقاومة الوجود الأمريكي هناك. ولما بدا واضحاً للنظام أنه لا يوجد نية عند إدارة بوش لغزو سوريا، بل على العكس، أن دعمه للجهاديين هو الذي يمكنه أن يدفع الأمريكيين لتوجيه ضربات عسكرية لسوريا قد تزعزع استقرار النظام، بدأ حملة من الاعتقالات بحق الجهاديين، وهم الجهاديون الذين أطلق سراحهم في بداية الثورة، أصبحوا قادة للحركات الجهادية في سوريا، بما فيها النصرة أو فتح الشام وداعش.

وهكذا نرى كيف ساهم النظامين العلمانيين الطائفيين في كل من سوريا والعراق بتسهيل ظهور وانتشار الحركات الجهادية المتطرفة في كلا البلدين.

موقف عمار

البنية التحتية السياسية والفكرية والمجتمعية اللازمة لانتشار الفكر المتشدد وظهور منظمات إرهابية كالنصرة وداعش كانت موجودة قبل عقود من الغزو الأمريكي للعراق، ونشأت عن السياسات التي انتهجتها الأنظمة الحاكمة وفشل النخب المعارضة لها، سياسياً وفكرياً، في فرز بدائل واضحة ومقنعة. داعش، النصرة، حزب الله، نظام الأسد، نظام صدام، كلها سلع محلية المنشأ، إن لم تعجبنا، فلنسعى إذن لتغيير ما بأنفسنا.