الأربعاء، 29 نوفمبر 2017

الشرق الأوسط والواقعية السياسية: اللحظة الراهنة

الشرق الأوسط



 


الحرة / من زاوية أخرى – تتعامل الكثير من الشعوب اليوم وخاصة الشعوب الشرقأوسطية مع حقها في تشكيل دول سيادية مستقلة من منطلق قانوني صرف، متجاهلة التوابع السياسية والاقتصادية للأمر وتأثيره على التوازنات الإقليمية والدولية القائمة. لكن تأسيس الدول، خاصة في عالمنا المترابط هذا والذي ما فتئنا نتكلم فيه عن المجتمع الدولي والشرعية الدولية، يمثل قضية تفاوضية بالدرجة الأول، وتبقى سيادة الدول في عالمنا المعاصر نسبية، بصرف النظر عن تصريحات القادة السياسيين. على جميع شعوب المنطقة، سواء تلك التي نجحت في تأسيس دول لها أو تلك التي ما زالت تطمح إلى ذلك، أن تأخذ هذه الملاحظة بعين الاعتبار. وفي الواقع، يمكننا الجزم، بناء على مراجعة سريعة للتاريخ المعاصر، أن الأنظمة الحاكمة أكثر إدراكا لهذه الحقيقة ومضامينها من شعوبها، بل ومن النخب الفكرية الأكثر شهرة وتأثيرا على الصعيد الشعبي. لكن فساد هذه الأنظمة وطبيعتها الاستبدادية يمنعانها من التعبير عن هذا الإدراك إلا من خلال اللقاءات والصفقات السرية التي تستغلها الأنظمة للتأقلم مع الواقع ومتغيراته، في حين تصر على التعامل مع الأمور في العلن من منطلق إيديولوجي وعاطفي، وتصر على تربية شعوبها على ثقافة رافضة للمرونة السياسية والواقعية
.

لا وجود هنا لقناعة فكرية حقيقية بضرورة التعامل مع الواقع بمرونة من أجل تحقيق المصلحة الوطنية، بل يهدف أسلوب الأنظمة في التعامل مع الأمور إلى تحقيق مصلحتها الخاصة حصرا وإن تطلب الأمر المساهمة في تجهيل الشعوب واستغلال عواطفها. لكن هناك حدودا لما يمكن إنجازه في السر، إذ لا يسمح هذا الوضع بإيجاد حلول حقيقية للقضايا المصيرية، بما فيها تحديات الحوكمة والتنمية وقضايا أمنية مثل القضية الفلسطينية وقضية مرتفعات الجولان، وغيرها، بل غالبا ما يؤدي إلى عرقلتها وبالتالي إلى استدامة حالة التخلف والصراع، وذلك حتى مجيء تلك اللحظة الحرجة التي تصل فيها الانعاكاسات السلبية لهذه الازدواجية في التعامل حدا يتجاوز قدرة الأنظمة على الحفاظ على الاستقرار القائم من خلال الأساليب القمعية ذاتها، فتندلع الثورات وتسود القلاقل وتأخذ الصراعات طابعا اجتماعيا معقدا، كما حدث في منطقتنا عبر السنين القليلة الماضية.

فإلى أين المضي؟

من الواضح أنه حتى في هذه اللحظة التي غابت فيها السكرة وحضرت الفكرة، تلميحا إلى المثل الشامي المعروف، لا يمكننا التعويل على معظم الأنظمة الحاكمة للمساهمة من تلقاء نفسها في تبني مقاربات أكثر واقعية وشفافية عند التعامل مع المتغيرات، لأن أولوياتها تبقى مختلفة تماما عن الأولويات الوطنية. ويضع هذا الواقع مسؤولية كبيرة على عاتق حركات المعارضة السياسية والنخب الفكرية ومنظمات المجتمع المدني للاستمرار في دفع الأنظمة دفعا نحو التغيير والمضي في الاتجاه الصحيح على الرغم من الصعوبات البالغة والتحديات العملية التي تواجهها. وهذا يحتم على هذه الحركات والمنظمات والنخب أن تجد طريقة للتخلص من تكلسها الخاص، ومن ارتكاسها المستمر إلى الأيديولوجيات العقيمة متبنية مقاربات أكثر مرونة في النشاط والعمل. فهل تنجح في التصدي لهذا التحدي الأساسي أم هل تقع في الفخ ذاته الذي دأبت الأنظمة على الوقوع فيه؟

لا تبشر تجربة السنين الأخيرة بخير في هذا الصدد، فللشعوبية إغراءاتها القوية خاصة في زمن المحن. وعلى الرغم من إدراك النخب الراغبة في التغيير في المنطقة أهمية تبني مقاربات أكثر واقعية، يبدو من الواضح أن رغبتها في الحفاظ على مكانتها الاجتماعية والسياسية وبعض المكتسبات القليلة التي حققتها مؤخرا، مادية كانت أم معنوية، تجعلها ترفض تقديم طروحات فكرية جديدة تتعارض مع ما ألفته الشعوب رغبة منها في تفادي أية ردة فعل سلبية من الشرائح المؤيدة لها. وهكذا، يبدو أن هذه النخب "المعارضة" للأنظمة والداعية للتغيير في خطابها السياسي، لم تتمكن بعد من الانسلاخ عن التركيبة الثقافية التي ينبغي معارضتها وتغييرها، الأمر الذي يسبغ طابعا خلبيا أو زائفا على عملها ونشاطاتها.


لا يمكن لمعارضة من هذا النوع أن تغير شيئا أو تنجح في ما فشلت فيه الأنظمة حتى لو توصلت إلى سدة الحكم. تماما كما لا يمكن لثقافة يتم من خلالها خيانة الواقعية السياسية باسم الواقعية السياسية من قبل معظم القوى الفاعلة فيها أن تفرز حراكا سياسيا واجتماعيا قادرا على قيادة انتقال سلس نحو الديموقراطية. إن خير ما يمكن التوصل إليه في هذه المرحلة هو الكشف على الملأ عن صراع الأضداد هذا الدائر في مجتمعاتنا وقلوبنا منذ عقود طويلة لكي نتحمل تبعاته في العلن، آملين أن يفرز هذا الأمر مع الوقت وعيا جديدة ونخبا فكرية وسياسية واجتماعية أكثر قدرة على تحمل أعباء القيادة.

الاثنين، 20 نوفمبر 2017

محمد بن سلمان ومستقبل المملكة السعودية



الحرة / من زاوية أخرى – يريد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن يعطي انطباعاً لكل من يتابع أخباره وأخبار المملكة بأنه صاحب رؤية عصرية وجريئة للمستقبل، وأنه رجل حزم لا يتوانى عن اتخاذ القرارات الحاسمة لإدراكه التام أهمية تسريع وتيرة الإصلاحات في المملكة. ومع ذلك، فإن الانطباع العام الذي خلفته قرارات بن سلمان عبر السنين القليلة الماضية عند معظم المراقبين في المنطقة والعالم، حتى أولئك الذين يتمنون له النجاح، يصوره كرجل متسرع ومتهور وربما غير قادر على تحمل أعباء الدور القيادي الذي أسند إليه بصرف النظر عن نواياه وأحلامه. ولا ينبغي لبن سلمان أن يتجاهل هذا الواقع إذا ما أراد أن يتغلب عليه ويحصل على مبتغاه، فللانطباعات قدرتها الكبيرة على التأثير على السياسات المتخذة حيال المملكة في عدد من الدول المحورية الإقليمية والعالمية.

من ناحية أخرى، وفي هذه المرحلة الحافلة بالتحزبات والاستقطابات والصراعات، لا يمكن فصل الانطباعات المتراكمة بشأن تصرفات وسياسات بن سلمان عن خلفيات أصحابها وتعصباتهم الخاصة، بما في ذلك انتماءاتهم القومية والطائفية والسياسية. ويضفي هذا الأمر بعداً آخر على المعضلة التي تواجه الأمير الشاب. ومن هذا المنطلق، كثفت المملكة منذ بروزه على الساحة من اعتمادها على شركات العلاقات العامة الغربية، لكن هناك حدود لما يمكن لهذه الشركات أن تقوم به، خاصة في جو نشاطات مضادة تقوم بها شركات أخرى لصالح إيران وقطر وحلفائهما في الأوساط السياسية الغربية. هذا علاوة على أن المشكلة الأساسية تبقى مرتبطة بنهج بن سلمان ذاته الذي بات مطالباً في هذه المرحلة بأن يقوم بمراجعة معمقة لما اتخذ من خطوات وتدابير حتى اللحظة قبل أن يقدم على المزيد.

فإذا كان الهدف من وراء تدخله في الأزمة اليمينة هو احتواء خطر التوغل الإيراني عن طريق الثوار الحوثيين من ناحية، وخطر تمدد القاعدة (ربما بدعم إيراني أيضاً) من ناحية أخرى، فمن الواضح أن التدخل السعودي لم يحقق مبتغاه بعد على الرغم من تكلفته المادية المرتفعة بالنسبة للسعودية واليمن معاً، وعلى الرغم من الأزمة الإنسانية الضخمة التي نجمت عنه والتي باتت السعودية تتحمل وحدها المسؤولية عنها على الصعيد الدولي، على الرغم من أنها ليست الطرف الوحيد المعني بما آلت إليه الأوضاع، بل إن مسؤولية إيران هنا قد تكون أكبر كونها هي التي مهدت الطريق إلى هذه المواجهة وهي التي ما تزال تمد الحوثيين بالأسلحة المتقدمة. لكن سرية التدخل الإيراني علاوة على طابعه التدريجي وغير المباشر تعطي إيران وحلفائها القدرة على الإنكار والمناورة الإعلامية، فيما جاء التدخل السعودي على نحو سافر راهن من خلاله بن سلمان على قدرته إحراز نتائج سريعة، ثم فشل. لذا، بات لزاماً عليه اليوم أن يجد طريقة لتبرير هذا الفشل وتغطيته، بل والتكفير عن نتائجه.

وتنطبق الملاحظة نفسها على كيفية تعامل بن سلمان مع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري والأزمة التي أثارتها استقالته الممسرحة. فمرة أخرى أدى أسلوب بن سلمان في إدارة الأمور إلى توجيه أصابع الاتهام إلى السعودية فيما يتعلق بمحاولة زعزعة الاستقرار في لبنان، فيما تناسى الجميع الدور الإيراني الأخطر والأقدم والأكثر دموية ذلك لأنه يتم بالوكالة عن طريق حزب الله.

ما لم يتمكن بن سلمان من إيجاد طرق أكثر مرونة وحنكة في التعامل مع المتغيرات في المنطقة عند دفاعه عن المصالح الجيوسياسية السعودية، ستؤدي سياساته مع الوقت إلى إضعاف الموقف الاستراتيجي للمملكة وإلى فرض نوع من العزلة الدبلوماسية عليها، وهو أمر سيكون له انعكاساته الخطيرة على مستقبل بن سلمان السياسي وعلى الوضع الداخلي ككل.

فعلى الرغم من ضرورة تحجيم الدور العائلي لآل سعود في صنع القرارات وضرورة تحديد عدد الشخصيات المؤهلة للمشاركة في العملية القيادية فيها وإيجاد آلية مناسبة لذلك، وعلى الرغم من استحالة القيام بهذه العملية من دون استخدام أساليب قمعية في دولة أمنية الطابع كالمملكة العربية السعودية، لا يمكن التعويل على القبضة الحديدية وحدها في إدارة العملية الانتقالية في هذا الصدد، بل ينبغي على بن سلمان أن يقدم رؤية ما جذابة ومقنعة لما ستؤول إليه الأوضاع من الناحيتين السياسية والإدارية في المملكة في المستقبل القريب. فبدون القيام بخطوة من هذا النوع، أي من دون تقديم رؤية سياسية لمستقبل البلد، سيكون من الصعب، إن لم نقل من المستحيل، لولي العهد أن يحصل على مصداقية دولية كافية تسمح للشركات العالمية بالمساهمة بشكل فعال في إدارة العملية الانتقالية والاستثمار فيها بما يتماشى مع احتياجات بن سلمان وطموحاته. ومع الوقت سيكتشف بن سلمان أن الإغراءات المادية وحدها لن تكون كافية للحفاظ على تأييد الكوادر التكنوقراطية التي ستتولى إدارة الإصلاحات، وأن الأحوال لن تنضبط من دون تقديم تنازلات سياسية مناسبة.

إن الدعم النسبي الذي يتلقاه بن سلمان حالياً من الرئيس الأميركي لا يعد مؤشراً كافياً على ما يمكن لهذه الإدارة أن تقدمه بالفعل عند الامتحان، بسبب الإشكاليات الخاصة التي تعاني منها، أو على الكيفية التي ستتعامل فيها دول أخرى مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا مع المملكة عموماً ومع رؤية وسياسات بن سلمان على وجه الخصوص. إن السعي لإعادة تأسيس المملكة على قواعد جديدة وعصرية يتطلب حنكة أكبر في التعامل مع الظروف والمتغيرات وليس جرأة فقط. فالجرأة من دون حنكة تهور، ولن يراهن المجتمع الدولي، وخاصة الغرب، على متهور.


الاثنين، 13 نوفمبر 2017

العرب والواقعية السياسية: فلسطين نموذجاً

مسجد قبة الصخرة في القدس


 

الحرة / من زاوية أخرى – ماذا لو قبلت الدول العربية بقرار 181 للأمم المتحدة الصادر بتاريخ 29 تشرين الثاني، 1947، والذي دعا إلى قيام دولتين في فلسطين، واحدة عربية وأخرى يهودية، تجمعهما اتفاقيات مختلفة للتعاون الاقتصادي والتجاري؟ من الواضح اليوم أن قراراً من هذا النوع كان سيجنب العرب عموماً والفلسطينيين تحديداً نكبة 1948 وما تبعها من مواجهات وتشريد وحروب، مانحاً الفلسطينيين دولة عاصمتها القدس غير مقسمة. وإن كانت معرفتنا بطبيعة الأنظمة العربية تجعلنا نخلص إلى أنهم كانوا سيجدون قضايا ووسائل أخرى لجلب المصائب والويلات لشعوبهم، لا ينبغي على هذه القناعة أن تمنعنا من التفكر في الإيجابيات المحتملة التي كان يمكن أن تنشأ عن هذا السيناريو الافتراضي.

لا نهدف من وراء طرح هذا السيناريو إلى تحميل العرب وحدهم مسؤولية ما حدث في فلسطين، أو إنكار دور بريطانيا وقادة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل في ما واجهه ويواجهه الفلسطينيون اليوم من مآس. الهدف هو الاعتراف بما ارتكبته نخبنا السياسية والاجتماعية والفكرية من أخطاء في ذلك العصر، بصرف النظر عن النوايا، بغية التنبه إلى أهمية تكوين فهم أفضل للأرضية والوقائع السياسية، المحلية والإقليمية والعالمية، عند تعاملنا مع قضايانا المصيرية.

فالقرار العربي في 1947 وما بعدها شكّل في الحقيقة تمرداً على الشرعية الدولية دون تقدير لتوابع هذا الأمر، ودون القيام بأية محاولة جدية للتعامل معها ما خلا بعض الاستعدادات العسكرية المرتجلة. إن للمجتمع الدولي حساباته المعقدة ولن تكون قراراته صائبة في كل حين وشأن، لكن أسوأ خطأ يمكن لأي عضو فيه أن يقترفه هو أن يرفض أيا من قراراته أو يعترض عليها دون دراسة معمقة للتبعات المحتملة لهذا الأمر، ودون إعداد العدة المناسبة للتعامل معها. لكن هذا بالذات ما فعله العرب آنذاك، وربما اليوم أيضاً.

ولاشك في أن أية قراءة موضوعية للواقع الدولي في ذلك الوقت كانت ستكشف أنه ما كان يمكن للأمم المتحدة أن تقترح حلاً للصراع في فلسطين لا يشمل التقسيم وقيام دولة يهودية إلى جانب دولة عربية فلسطينية، خاصة بعد مآسي الحرب العالمية الثانية، ونظراً لطبيعة التوازنات الدولية التي نجمت عنها، وللواقع على الأرض في فلسطين ذاتها في تلك المرحلة. فمن الناحية العملية، كان رفض التقسيم سيأتي بمثابة إعلان حرب على التجمعات اليهودية في فلسطين، وهو الأمر الذي ما كان يمكن له أن يلقى تأييداً من أي من الأطراف الدولية الفاعلة في ذلك الوقت، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي. جاء قرار 181 إذن كمحاولة لاحتواء الأزمة وإنهاء حالة الصراع، بصرف النظر عن أية اعتبارات متعلقة ببداياتها التاريخية بما في ذلك ظروف الانتداب البريطاني ووعد بلفور ونشاطات الحركة الصهيونية الدبلوماسية. إذ لا ترتكز الإرادة الدولية على المراجع القانونية وكتب التاريخ بقدر ما تنبثق من المساعي الرامية لاحتواء الصراعات، أو إنهائها، أو تجنبها، ومن التنازلات الناجمة عنها.

من هذا المنطلق، كان على الأنظمة العربية، وبضمنهم ممثلو الحراك السياسي الفلسطيني في ذلك الوقت، أن تتعامل مع الموضوع بشكل أكثر واقعية وأن تدرك أن القبول بقيام دولة يهودية هو الثمن الذي ينبغي عليها أن تدفعه، وهي الدول التي قامت أساساً على أنقاض الإمبراطورية العثمانية والانتدابين الفرنسي والبريطاني، لكي تتمكن من تثبيت مشروعيتها الدولية وتعزيز مكانتها العالمية المكتسبة حديثاً.

إن هذه النشأة الحديثة للدول العربية المعاصرة ودور المجتمع الدولي من خلال أطرافه الفاعلة، خاصة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، في إسباغ الشرعية عليها، بل وفي التمهيد لها، تدلنا بشكل واضح على أن سيادة الدول المعاصرة وإسباغ الشرعية عليها لا تأتي كتحصيل حاصل، ولا تنبثق بشكل تلقائي عن القوانين والمواثيق الدولية المعاصرة، بما في ذلك حق الشعوب في تقرير مصائرها، بل تبقى خاضعة لعمليات دبلوماسية معقدة تشمل تقديم الكثير من التنازلات وأخذ التوازنات الإقليمية والدولية القائمة ومصالح الدول العظمى بعين الاعتبار. هذا على الأقل، ما نخلص إليه عندما نعاين الأمور من منطلق موضوعي وواقعي.

لكن تبقى الواقعية السياسية أمراً مرفوضاً في العرف السياسي العربي، وغالباً ما يخوّن أصحابها، على الصعيدين النخبوي والشعبي، في وقت تتكاثر فيه الصراعات في منطقتنا ودولنا وتتعاظم فيه قيمة الخسائر الناجمة عنها على كل الأصعدة. ولنا في استمرارية القضية الفلسطينية إلى يومنا هذا وفي الضعف المطرد للموقف الفلسطيني خير دليل على ذلك. فعوضاً عن التعامل مع دولة فلسطينية عاصمتها القدس، علينا اليوم أن نتعامل مع تجمعات سكانية مفككة لا تجمعها إلا مظلوميتها. لكن المظلومية لا تكفي لقيام الدول.

نعم، من الواضح أننا لن نتمكن من تغيير الماضي، لكن القدرة على الاعتراف بأننا بحاجة إلى التعامل بشكل أكثر واقعية مع قضايانا المصيرية في وقت يبدو فيه أن الإدارة الأمريكية الحالية تتوجه نحو تقديم رؤيتها الخاصة لحل الصراع قد يمهد الطريق لتبني مقاربات عربية وفلسطينية أفضل في هذا الشأن، مقاربات يمكن لها أن تساعدنا على التوصل إلى حل يسمح لنا بالتركيز على قضايا التنمية في مجتمعاتنا عوضاً عن الارتكاس إلى ذات العقلية والاستراتيجيات العدمية التي نقلتنا من نكبة إلى أخرى.