‏إظهار الرسائل ذات التسميات القضية الكوردية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القضية الكوردية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 1 ديسمبر 2018

هل سَلِمَ العرب من شر العنصرية؟

تعاملت حلقة "بين سام وعمار" هذا اليوم مع قضية العنصرية خاصة في إطار مجتمعاتنا الشرقأوسطية.



لكن، وكالعادة، بدأت الحلقة بجولة إخبارية سريعة، وفيما المواضيع التي تطرقنا إليها هذه المرة:

المرشح الروسي يفشل في انتخابات الانتربول
الكويت قد تمنح الجنسية لغير المسلمين
تجدد الانتقادات الدولية للمناهج التعليمية في السعودية لبثها روح الكراهية
في السعودية النساء يرتدين العباءة بالمقلوب رفضاً لها
مايكل بلومبرغ يتبرع بـ 1.8 مليار دولار لجامعة جونز هوبكنز
قاض أميركي يعلن أن القانون الفدرالي الذي يُحرّم ختان البنات "غير دستوري"
عائلة الفتاة الباكستانية المسيحية آسيا بيبي تتعرض للتهديد
عيد الشكر – عيد أمريكي بامتياز

فيما يلي الملاحظات التي اعتمدت عليها في إطار تحضيري لهذه الحلقة.

العنصرية – هذا المرض الذي نخر وما يزال الجسد البشري مستغلاً اختلاف هيئاتنا وثقافتنا، وهو المرض الذي غالباً ما يدّعي العرب والمسلمون اليوم بأنهم كانوا وما يزالوا ضحايا للممارسات الناجمة عنه والتي تبنّاها بحقهم الآخرون، وبالذات الشعوب الغربية. لكن، ألا تدل الكثير من الممارسات والمعتقدات المنتشرة في صفوف المسلمين، وطريقة تعاملهم مع بعضهم البعض، ونظرتهم للشعوب الغربية ذاتها، على أنهم بدورهم مصابون بالمرض ذاته؟ 

المحور الأول: تعريف بالمصطلح وبأصول الظاهرة وأسبابها وآثارها

العنصرية – الاعتقاد بأفضلية متأصّلة لعرق على آخر بسبب الفروق البيولوجية بينهما من لون البشرة إلى بعض المواصفات الخلقية مثل شكل وحجم الجمجمة وملامح الوجه. وفي العصر الحديث، أصبح المصطلح يُطلق أيضاً على الممارسات التّمييزيّة المستندة إلى اختلاف الثقافات والأديان، وعلى الاعتقاد بالأفضلية المتأصلة لدين أو ثقافة ما بالمقارنة مع الأديان والثقافات الأخرى. إذ ينجم عن هذا الوضع مجموعة من السياسات التمييزية على الصعيد الاجتماعي والسياسي، كانت العبودية هي أسوأ تجليّاتها، وذلك إضافة إلى ظاهرة الفصل العنصري أو "الأبارتايد"، وظاهرتي "الذميّة" و"المِلّية" في المجتمعات الإسلامية.

قد يقول البعض أن كل الأديان والإيديولوجيات قائمة على الإيمان بصحة معتقدات معينة وأفضليتها على غيرها من المعتقدات، فهل يعني هذا أن كل المتدينين والإيديولوجيين عنصريين؟

من الناحية النظرية نعم، كل فكر مغلق وكل جماعة بشرية مغلقة على نفسها عنصرية بطبيعتها، لكن على الصعيد العملي القضية تتعلق بالخيارات العملية والتصرفات التي يتبناها الناس في إطار تعاملهم مع الآخرين. قد يكون المرء مقتنعاً بصحة معتقده الديني أو الفلسفي أو السياسي الخاص، لكن طالما أصر في تصرفاته على احترام حقوق الآخرين الأساسية، بما في ذلك حرية الرأي والتعبير والتجمع، وغيرها، فلا يمكن وصفه بالعنصرية.

بشكل عام، علينا أن نفرق ما بين نوعين من العنصرية: 

1.     هناك عنصرية عقائدية يؤمن أصحابها بالطروحات العنصرية بشكل واضح وصريح ويُبرَرُونها على أُسس دينية أو ثقافية أو حتى "علمية". في أحيان كثيرة عبر التاريخ، كان فكر هذه الجماعات هو السائد على الصعيد الاجتماعي والسياسي.
2.     العنصرية غير المباشرة، وهي العنصرية التي لا يُدرك أصحابها بأنهم عنصريّون أساساً، وأنهم جزء من المشكلة، بل يعترضون على وصفهم بالعنصرية. لكن، ليس من الضروري أن يغير هؤلاء الأشخاص ممارساتهم وتصرفاتهم العنصرية عند تنبيههم إليها، بل قد يسعون لتبريرها بوسائل مختلفة أو محاولة الدفاع عن أنفسهم من خلال اتهام من نبههم إلى إشكالية تصرفاتهم بالعنصرية. هذا النوع من العنصرية هو الأكثر انتشاراً اليوم، وقد يكون التعامل مع هذا النوع من العنصرية هو الأصعب والأكثر تعقيداً.

العنصرية إذن هي الاعتقاد بوجود صفات خلقية موروثة خارجة عن إطار التصرفات والخيارات تميز الجماعات البشرية عن بعضها فتجعل بعضها أفضل من بعض. أي هي الاعتقاد بوجود أفضلية متأصلة غير مكتسبة نتيجة العمل والخيار، بل هي أفضلية نابعة من الولادة والوراثة.

من حيث الممارسة، يمكن للعنصرية أن تتجلى بعدة طريق:

·      سياسات تمييزية واضحة ضد مكون ما (مثل سياسات التعريب التي مورست ضد الأكراد، أو منع المسيحيين من تبوأ مناصب معينة)
·       سياسات تمييزية غير مباشرة (وضع شروط خاصة للتوظيف أو التصويت أو التأجير)
·       علاوة على ممارسات يومية (التعامل الفوقي مع الأشخاص المختلفين، وعدم الاختلاط بهم، استخدام بعض الألفاظ لوصفهم)

يترتب على العنصرية أضرار كبيرة تصيب الأفراد والمجتمعات، فهي نوع من الاضطهاد وتأثر على صحة الضحايا النفسية والمادية، هذا علاوة على خلقها لشروخ اجتماعية قد تضر باستقرار الدولة على المدى المتوسط والبعيد.

لكن، هل يعني انتشار وقِدَم هذا الاعتقاد أن العنصرية حالة طبيعية؟ من أين جاءت هذه النزعة، وماهي مدلولاتها النفسية؟ 

هناك نظريات كثيرة في هذا الصدد: بعض المختصين في علم النفس التطوري Evolutionary Psychology يرون أن العنصرية انتشرت عبر التاريخ لأنها أثبتت "نفعها" للمجتمعات بالذات لأنها بررت استعباد واستغلال الآخرين وتسخيرهم لخدمة المشاريع الخاصة بهذه الجماعات. وأعطتهم أفضلية في تنافسهم مع المجتمعات الأخرى. كما يرى هؤلاء الباحثون أن المجتمعات التي آمنت بتميّزها وتفوّقها على الآخرين كانت أكثر تماسكاً وتعاضداً. بالنسبة لهم إذن، العنصرية كانت الحالة الطبيعية في المجتمعات البشرية لأنها أعطت أفضلية في البقاء والتقدم للمجتمعات البشرية. أي أن العنصرية كانت آلية من آليات البقاء والتطور.

هناك اعتراضات كثيرة على هذه النظرية، فالدراسات الأنثروبولوجية للمجتمعات البدائية التي ما تزال منتشرة في بعض أرجاء المعمورة تدل على وجود نسبة كبيرة من التفاعل الإيجابي من تعاون وتشارك وتجاور سلمي وتزاوج ما بين هذه المجتمعات. مما يعني أن العنصرية لم تكن بالضرورة "الحالة الطبيعية" للمجتمعات البشرية البدائية، وأن هذه المجتمعات كانت تدرك أن التفاعل الإيجابي يعطي أفضلية بدوره لهذه المجتمعات فيما يتعلق بمواجهة تحديات البقاء والتقدم.

التفسير الأفضل لظاهرة العنصرية يبدو أكثر ارتباطاً بالخوف والقلق وعدم الإحساس بالأمان منه بأي أفضلية تطورية متخيلة. هذا على الأقل ما يقوله أصحاب "نظرية إدارة الذعر Terror Management Theory"، بالنسبة لهم، البحث عن الانتماء الجمعي والتميز الاجتماعي والطمع والعدوانية والتعصب كلها نزعات تعبر عن رغبة المرء في تعزيز إحساسه بقيمته في مواجهة الموت والمجهول والآخر.
 
عدم إحساسك بالانتماء والأمان يدفعك إلى الانخراط في جماعة ما، أو التماهي معها، لكن، جماعة قائمة على هذا الأساس غالباً ما تصبح عدوانية تجاه من هم خارجها، ومع الوقت، حتى التعاطف مع الآخرين يصبح مرفوضاً، بل يتم تجريدهم من إنسانيتهم عن طريق النظر إليهم كوحدة متجانسة ودونية، وأخيراً، تسقط الجماعة العنصرية كل نواقصها وعيوبها على الآخرين وتلومهم فيما يتعلق بكل مشاكلها. في صميمها إذن، العنصرية هي عارض لمرض نفسي أو مجموعة من الأمراض النفسية.

المحور الثاني: جذور المشكلة في مجتمعاتنا

سنركز في نقاشنا على موضوع العنصرية في تاريخنا ومجتمعاتنا لأننا غالباً ما نصف أنفسنا كضحايا للعنصرية على الرغم من وجود مؤشرات وأدلة كثيرة على أننا ممارسين للعنصرية بدورنا.

 النظرة العرقية عند عرب شبه الجزيرة قبل الإسلام: بني أصفر (الفرس وغيرهم) وبني أحمر (الروم)، الأفارقة.
 بعد انتشار الإسلام: ظهرت هناك عدة نزعات عنصرية...

الشعوبية

خلال المرحلة الأموية تعامل العرب مع الحكم على أن الله كرمهم بالإسلام وجعلهم أسياداً على الشعوب الأخرى (العجم)، أسلم أصحابها أم لم يسلموا.

إذا كان الفيلسوف الفرنسي، غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) قد قال يوماً في معرض انتقاده لسياسيات بلاده الاستغلالية في المستعمرات: "لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب". الواقع يقول: لم يعرف التاريخ فاتحاً رحيماً أبداً.

ولم يتغير الوضع كثيراً في العصر العباسي، على الرغم من استغلال الخلفاء العباسيين للغضب عند الشعوب الأخرى، خاصة الفرس، للتوصل إلى الحكم والمحافظة عليه. أدى هذا الوضع مع الوقت إلى انتشار النزعة الشعوبية.

 أول من جاء بالشعوبية كان الخوارج، الذين استندوا إلى الآية القرآنية "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم" للرد على ادعاءات قريش المتعلقة بحقها في الخلافة.

 وانتشر المفهوم فيما بعد بمعزل عن الطروحات الخارجية الأخرى، في صفوف الشعوب المغلوبة، الفرس خاصة، ومحاولتها الدفاع عن خصوصيتها وتأكيد هويتها في مواجهة التسلط والعنجهية العربية: (نحن مسلمون لكننا لسنا عرباً، بل، وكنوع من العنصرية المضادة أو إحياء لعنصرية سابقة، ربما كنا أفضل من العرب).

وبعد قرنين، شهد الأندلس حراك شعوبي مشابه في صفوف البربر والأوروبيين الذين اعتنقوا الإسلام، كاحتجاج على ادعاءات العرب. ومن هنا رسالة الكاتب الأندلسي أبو عامر بن غرسية (من أعلام الشعبوية) التي حالت التقليل من شأن العرب أسوة بالأدب الشعوبي الفارسي.

في بعض الأحيان، كان هناك رفض للإسلام ككل أيضاً. تعامل المؤرخون المسلمون مع الثورات التي جرت في بعض المناطق التي خضعت للخلافة الأموية والعباسية وكأنها مجرد تمرد على السلطة، وخروج عن الدين (البابكية) وتجاهلوا البعد التحرري لها وأنها تمثل محاولة طبيعية من قبل الشعوب المغلوبة للدفاع عن خصوصيتها الثقافية والدينية التي وجدت مما قبل الإسلام.

وفي هذا الجو أيضاً انتشرت الأحاديث التي تكلمت عن آخر الساعة وتحدثت عن الاقتتال المحتوم ما بين العرب وما بين بني الأصفر وبني الأحمر، في ربط وخلط ما بين العروبة والإسلام، وتجاهل لانتشار الإسلام في صفوف "بني الأصفر" و"بني الأحمر."

الذمية:

نعم، يمكن التعامل مع الذمية على أنها تعبير عن العنصرية لأنها نزعة مؤسساتية تصر على إسباغ وضع دوني على أتباع الديانات الأخرى في الدولة، خاصة أهل الكتاب. نعم، نحن في هذا نسقط مبادئ العصر الحديث على الماضي، لكن، في ظل إصرار البعض على تنزيه الحضارة الإسلامية بكل ما فيها عن النقد، وطروحات الإسلام السياسي، هذا إسقاط لابد منه.

الذمية تجلت فيما يسمى العهدة العمرية، وهو نظرياً العهد الذي قدمه عمر لبطرق القدس بعد دخول المسلمين إليها. لكن، بحسب دارسات الحديثة، يبدو أنه تم تعديل نص العهدة مع الزمن، خاصة خلال فترة حكم الخليفة الأموي عمر الثاني، وبعده، وإدخال شروط مهينة هدفها تقييد حركة المسيحيين واليهود وطريقة لبسهم ومعيشتهم، كما تم منعهم من بناء معابد جديدة.

في الشرق الأوسط، تطور النظام الذمي إلى النظام المِلّي (The Millet System) في العهد العثماني. لكن تم الاستغناء عن النظام الملي في عهد السلطان عبد المجيد الأول في عام 1856 كجزء من الإصلاحات المعروفة باسم التنظيمات لصالح مبدئ المواطنة. طبعاً كان للضغوط الأوروبية دورها الكبير هنا.

المحور الثالث: الوضع في المنطقة اليوم

"الشعوبية الجديدة" في مواجهة الحراك القومي العربي: نمو النزعات القومية المتشددة عند شعوب المنطقة أسوة بما جرى في أوروبا، وتبني سياسات التتريك من قبل قادة الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين سرّع من وتيرة انهيار الامبراطورية العثمانية من ناحية، وأطلق العنان لصراعات عنصرية جديدة بين شعوب المنطقة من ناحية أخرى.

الحلم القومي العربي وسياسات التعريب التي اتبعت بخصوص الأقليات القومية من ناحية، وطريقة العرب العنصرية في التعامل مع العمال القادمين من الدول الأفريقية والآسيوية، بصرف النظر عن الانتماءات الدينية، تم مواجهتها بما أسماه بعض الباحثين بنزعة "شعوبية جديدة" – نزعة عنصرية جديدة حيال العرب من قبل القوميات الأخرى.

علاوة على هذا كله، هناك عنصرية بين-عربية أيضاً تتجلى في تعامل الخليجيين مع باقي العرب وتفريقهم ما بين العرب العاربة والمستعربة، وفي نظرة باقي العرب إلى الخليجيين كقبائل بدوية همجية، وهو النقد الذي توجهه القوميات غير العربية إلى العرب عموماً.

من ناحية أخرى، العرب المسيحيون يتهمون العرب المسلمين بأنهم متخلفين وبدو. في المقابل، الإسلاميون يتمسكون بطرح أهل الذمة، وهناك تجليات لهذا الفكر على المستوى الرسمي (هناك حسابات كثيرة تتعلق بوضع المسيحيين في مناصب رسمية، تراخيص بناء الكنائس)، وعلى المستوى الشعبي من خلال التعامل اليومي.

هناك نزعة عنصرية عند العرب أيضاً تجاه ذوي البشرة السوداء، حتى العرب منهم، بل حتى المواطنين. كما هو الحال مع الفلسطينيين السود (غزة) والتونسيين السود أيضاً (القصبة).

النظرة الشعبية تجاه الشعوب الإفريقية عنصرية بشكل عام: ففي الثقافة الشعبية العربية، ارتبط مصطلح العبد بذوي البشرة السوداء (فيروز: "علبوابة في عبدين: الليل وعنتر بن شداد").  وتجلت النزعة أيضاً في الفن: مسلسل سمير غانم الأخير، وغيرها من الأعمال من مسلسلات وأفلام ومسرحيات عبر تاريخ الفن المعاصر في مصر والخليج.

لكن، ليس في الكوميديا فقط، هناك مسلسل "طبول الحرية" (إنتاج ليبي، تمت دبلجته إلى الإنكليزية، ممثلين عرب بيض صبغوا بشرتهم باللون الأسود). بل تم عرض المسلسل في عدد من الدول الإفريقية وقتها واعتبر إيجابياً لأنه دعم النضال الإفريقي، وذلك على الرغم من الاعتراض على قضية صبغ الوجوه:



وهناك أيضاً مسلسل "طرائف أبي دلامة" الذي قام ببطولته الممثل السوري الزيناتي قدسية بعد طلي وجهه لأن أبا دلامة كان من أصول إفريقية. المسلسل كوميدي لكن مرة أخرى الهدف لم يكن السخرية من السود لأن أبا دلامة كان رجلاً شاعراً ذكياً.



ما الهدف إذن من اختيار ممثلين بيض في هذين المسلسلين؟ الهدف ترويجي بحت: لا يوجد ممثلون سود البشرة يتكلمون العربية معرفون في العالم العربي، وأنت تريد للدول العربية أن تشتري المسلسل وأن يتابعه الناس. كان يمكن البحث عن ممثلين سود البشرة، لكن الأمر كان يتطلب أن يكون عند المرء وعي بالبعد العنصري للموضوع، وأن تكون ثقافة الترويج مختلفة، في وقت يمكن فيه للمنتجين في منطقتنا أن يشيروا إلى هوليوود مثلاً ويقولوا: ها هي هوليوود نفسها تختار ممثلاً من أصول صينية ليلعب دور شخصية يابانية في أحد أفلامها لأنه معروف، دون أن يهتموا برأي المشاهد الآسيوي القادر على التمييز بين الياباني والصيني.

والمشكلة الأكبر أن المشاهد الآسيوي قديماً ولأنه اعتاد على هذا الخلط العنصري كان يجد سهولة أكبر بتقبل التأقلم مع الموضوع منه بتحدي الموضوع. اختلف الوضع اليوم، في هوليوود وإلى حد ما في المنطقة أيضاً. لهذا لم يمر إحياء سمير غانم لموضوع صبغ الوجوه في مسلسله الأخير دون انتقادات شديدة، على الأقل على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن، غياب النقاش على الساحة العامة ودفاع المؤلف عن الموضوع، يدل على استمرار عدم الجهل والتعصب في المجتمع ككل.

بل هناك عنصرية في السودان مثلاً في التعامل ما بين الشعوب الناطقة بالعربية والتي تزاوجت مع العرب وأصبح لون بشرتها أقل سواداً (الجنجويد)، والشعوب غير الناطقة بالعربية (الفور والمساليط والزغاوة والنوبيين، إلخ...)، هذا علاوة على الاختلافات في الدين.

وأخيراً، تتجلى النزعة العنصرية عند العرب في تعاملهم مع العمالة الوافدة، ليس فقط في دول الخليج بل في لبنان وسوريا وغيرها من الدول، خاصة مع العمال الآسيويين والأفارقة.

من ناحية أخرى، التعامل مع المهاجرين الأفارقة في ليبيا وكأنهم عبيد رسميين من بيع وشراء، أمر له دلالته.

موقفي من قضية العنصرية في المجتمعات الشرقأوسطية، وخاصة في المجتمعات الناطقة باللغة العربية:

العنصرية داء أصابنا جميعاً، لكن تجاهل شعوب المنطقة لتفشي هذا المرض في صفوفها يكرس حالة الانقسامات والصراعات ويعرقل محاولاتنا إيجاد طرق إيجابية للتعامل مع قضية التنوع. الاعتراف بتفشي مرض العنصرية في صفوفنا هو الخطوة الأولى والأساسية على طريق التغيير والتحضّر.


الثلاثاء، 31 أكتوبر 2017

الدولة الحداثية والهوية والحركات الانفصالية

أحتفالات في أربيل بنتائج استفتاء الاستقلال - 29 أيلول، 2017

الحرة / من زاوية أخرى – إذا عرّفنا الدولة الحداثية على أنها ذلك الكيان الذي يهدف في المقام الأول إلى الحفاظ على الحقوق الأساسية لكل من فيه من أفراد ومكونات، فلن يكون بوسع هذا الكيان أن يتماهى مع الهوية الخاصة بأي من مكوناته المؤسسة، سواء كان الأمر يتعلق بالهوية القومية أو بالانتماء الديني أو بعقيدة سياسية بعينها
.

من هذا المنطلق، تمثل المساعي الانفصالية المختلفة والرامية إلى تأسيس دول جديدة قومية الطابع خطوة إلى الوراء في ما يتعلق بعمليات التحديث والتطوير المجتمعي، سواء تجلّت هذه المساعي في الشرق أو في الغرب، في الشمال أو في الجنوب. والأمر نفسه في الواقع ينطبق على تلك المساعي الهادفة إلى إعادة تشكيل دول قائمة على أسس دينية أو أيديولوجية، كالدعوة إلى أسلمة الدول أو تبني الشريعة الإسلامية كقانون ناظم لها. لكنا سنركز نقاشنا هنا على الحركات القومية بالذات.

لا يعني كلامنا السابق بالضرورة أن كل حركة انفصالية تشكل بالضرورة حركة رجعية من الناحية الفكرية والقيمية. إن التركيز شبه الحصري على البعد القومي هو الأمر الإشكالي هنا، وهو ما يسم الكثير من هذه الحركات بصفة الرجعية. والمثير في الموضوع عند تعاملنا مع هذه الظاهرة هو أن معظم الحركات القومية الانفصالية جاءت كردة فعل على الاضطهاد الذي تعاني منه قوميات معينة في إطار دول محكومة من قبل أنظمة وتيارات قومية التوجهات بدورها، أي أن معظم مؤيدي هذه الحركات يدركون تماماً حجم المخاطر التي غالباً ما تنجم عن تبنّي توجهات قومية في ما يتعلق بتعريف الدولة وحكمها. ومع ذلك لا يرى أصحاب هذه التيارات أي تناقض ما بين طروحاتهم وتوجهاتهم القومية وبين واقع الاضطهاد والتهميش الذي يحاولون الهروب منه، على الرغم من أنه سيكون لزاماً عليهم، فيما لو تكللت مساعيهم الانفصالية بالنجاح، أن يتعاملوا مع تحديات مماثلة، أي تحديات ناجمة عن وجود قوميات أخرى في إطار "وطنهم القومي" المنشود، قوميات قد يكون لها رؤية وتفسير مختلفان تماماً للتاريخ وللحدود، علاوة على مخاوفها المشروعة في ما يتعلق بمستقبلها في هذا الوطن الجديد. هذا ناهيك عن الإشكالية الناجمة عن أن قيام دولة قومية جديدة غالباً ما يأتي على حساب تفتيت دولة قومية قائمة وبالتالي على حساب الرؤية القومية الخاصة للتيارات والشرائح النافذة فيها. ولهذا، غالباً ما تؤدي هذه "الإشكالية" إلى اندلاع حرب ضروس نادراً ما يحسمها قيام هذا الكيان القومي الجديد، حتى في حال حصوله على اعتراف دولي.

يكمن المخرج من هذه الورطة في التركيز على المطالبة بالعدالة والحقوق الأساسية والأمان، وفي إدراك أن الانفصال لا يزيد عن كونه مجرد أداة من الأدوات التي يمكن لها أن تحقق هذه المطالب في بعض الظروف. لكنه يبقى الأداة الأكثر راديكالية، كما أن قدرته على تحقيق هذه المطالب ليست فورية في معظم الأحيان، كما تدلنا السوابق التاريخية. لذا، لا ينبغي اللجوء إليه إلا في حال فشل الأدوات الأخرى.

لقد رأينا أية شرور انبثقت من مجرد التلويح بالانفصال في كل من كوردستان العراق وكاتالونيا، وبوسعنا أن نتابع ما يحدث اليوم في جمهورية جنوب السودان التي انفصلت ولم يتحقق فيها لا الإمان ولا الاستقرار ولا الحرية، بل لم تنته مواجهاتها بعد مع النظام في الخرطوم. ورأينا ما حدث في السابق في البلقان الذي ما تزال الأوضاع الأمنية في دوله الجديدة معرضة للانهيار في أية لحظة.

نعم، لقد تحقق الانفصال في تشيكوسلوفاكيا دون حرب، ولم يسفر الاستفتاء في استكلندا عن أية اضطرابات أو قلاقل اجتماعية، وما كان من المتوقع له أن يسفر عن أية ممارسات عنفية حتى في حال جاءت نتيجته بالإيجاب، وكذلك الأمر في ما يتعلق بقرار المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد الأوروربي والذي يمثل نوعاً من الانفصال. وهنا بيت القصيد. لقد لعبت البنية المجتمعية والمنظومة السياسية الخاصة بهذه الدول دوراً كبيراً في قيادة الحوار وتشكيل الإطار الخاص بالعمليات السياسية المتعلقة بقرار الانفصال، هذا علاوة على قضية التوقيت وعلى الشروط الإقليمية والدولية الخاصة التي كانت سائدة في تلك اللحظات الحرجة التي حدثت فيها هذه العمليات وتم فيها اتخاذ القرارات الحاسمة.

على المطالبين بالانفصال أن يأخذوا كل هذه الأمور والشروط والسوابق بعين الاعتبار وأن يوازنوا ما بين رغباتهم ومطالبهم الخاصة، مهما بدت لهم مشروعة، وبين ما يمكن تحقيقه على أرض الواقع في ظل الظروف السائدة حالياً على الصعيد الداخلي والإقليمي والدولي. وإذا كانت النخب السياسية المسؤولة عن قيادة الحركات الانفصالية المختلفة تعاني في هذه المرحلة من خلخلة أو تشرذم ما ومن عدم استعداد للالتزام بشكل مناسب بالعملية الديموقراطية في عملها بما في ذلك القبول بالمساءلة الشعبية وبقواعد الشفافية وتداول السلطة والابتعاد عن المحسوبيات، فمن حق المرء، بل يتوجب عليه أن يتساءل عن طبيعة الدولة المستقلة التي ستديرها هذه النخب.

إن في التركيز على تحقيق الانفصال في هذه المرحلة، بل وعلى التعامل مع مفهوم الانفصال وكأنه الطرح الأمثل لتحقيق العدالة، تبديدا للطاقات الحيوية للشعوب المعنية، والتي ستعطي مفعولاً أكبر فيما لو جُيرت للمطالبة بالتزام أكبر من نخبها السياسية بأسس العملية الديموقراطية ومحاربة الفساد وبالعمل على تحقيق إدارة أكثر فاعلية لعمليات التنمية المحلية، إلى آخره من تلك القضايا التي يتم التعامل معها وكأنها مسائل فرعية في حين أنها تشكل حجر الأساس في ما يتعلق بقيام الدول العادلة القادرة على تحقيق الأمان لشعوبها، ولكل مكون من مكوناتها بصرف النظر عن خلفيته القومية أو الدينية أو المذهبية.


الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017

عن الإمبريالية والديموقراطية (2)


الحرة / من زاوية أخرى – ناقشنا في المقالة السابقة ظاهرة الإمبريالية التقليدية وكيف اختار الغرب التعامل معها في النصف الثاني من القرن العشرين، ونوهنا إلى تفرد الغرب إلى حد ما في تعامله الأكثر مرونة مع هذه الظاهرة، الأمر الذي كان له تأثيره الكبير على آليات صنع القرار في الدول الغربية وعلى طبيعة القرارات نفسها، وذلك في ذات الوقت الذي تصر فيه دول مثل روسيا والصين على تبني سياسات إمبريالية الطابع بغرض الحفاظ على إمبراطورياتها الموروثة، بصرف النظر عن إرادة شرائح واسعة من مواطنيها.

ولا تقتصر النزعة الإمبريالية على الدول العظمى فقط. فهي كما نوهنا نابعة من التركيب الجيني للدول والتجمعات البشرية عموماً. بل ما تزال هذه النزعة مسؤولة عن تشكيل السياسات الداخلية والخارجية للدول في معظم أنحاء العالم، وبوسعنا أن نرى تجليات هذا الوضع في منطقتنا، أي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في الكيفية التي تتعامل بها دول المنطقة مع بعضها البعض، والتي لا تراعي مفهوم السيادة في الكثير من الأحيان، وفي كيفية تعامل السلطات المركزية في بعض الدول مع مناطق وشرائح اجتماعية بعينها. ولهذا بوسعنا أن نتكلم عن مظلومية كوردية في كل من تركيا وإيران، ومظلومية أمازيغية في شمال إفريقيا، ومظلومية أهوازية وبالوشية في إيران، إلخ.

وما بوسعنا أن نتجاهل في هذا الصدد أيضاً أن المملكة العربية السعودية قامت على أساس نجاح تحالف مناطقي/قبائلي معين في فرض إرادته وسيطرته على أراضي قبائل أخرى. ويتوقع بعض الخبراء الدوليين أن تعود هذه القضية المناطقية/القبائلية وتفرض نفسها على الساحة من جديد في المستقبل القريب مؤدية إلى تفتت السعودية وانهيارها إلى خمس دول.

لكن، وبصرف النظر عن مدى صوابية هذه التوقعات، يبقى الهدف من وراء إثارة قضية الإمبريالية هنا التنويه إلى أمرين أساسين، أولهما الطبيعة المعقدة لذلك الجدل الكبير حول ظاهرة الإمبريالية في الغرب الذي ما يزال محتدماً فيه منذ أكثر من قرنين، وما يزال له تأثيره الكبير في تشكيل السياسات الغربية. ولا ننسى في هذا الصدد نجاح المعسكر المناهض للحرب في المملكة المتحدة في إفشال القرار البرلماني بتوجيه ضربة عسكرية للنظام السوري عقب الهجمة الكيماوية في الغوطة في آب 2013، وهو الحدث الإشكالي الذي تم فيه الخلط ما بين مفهومي الإمبريالية والتدخل الإنساني، الأمر الذي يكشف لنا مدى تعقيد الجدل الدائر في الغرب في هذا الصدد.

لكن، وفيما يستمر الجدل حول الإمبريالية في دول الغرب، لا يخفى علينا ذلك التغييب المستمر لأي حوار جدي حول هذا الأمر في معظم الدول الأخرى، إلا في ما يتعلق بإدانة بل وتجريم التجربة الغربية. لا وجود هنا لأي بعد أو انعكاسات داخلية لهذا النقاش، أو لأية محاولة لإلقاء الأضواء على الإرث والتجربة التاريخية الوطنية. فالإمبريالية بالنسبة لهذه الدول جريمة تُرتكب بحقها فقط ولا يمكن لها أن تنبع عن ممارساتها وسياساتها، هذا على الرغم من إصرار هذه الدول على الاحتفاء بماضيها الإمبريالي "المجيد" ومحاولتها اليائسة الحفاظ على ما تبقى من "مكتسباته،" مادية كانت أو معنوية.

إنها لثنائية خطيرة بالفعل، لكنها إن دلت على شيء فعلى ضرورة الربط ما بين قضية بث الثقافة الديموقراطية من جهة، وقضية مناهضة الإمبريالية من جهة أخرى. فالإمبريالية على أرض الواقع، وبخلاف الخطاب الإعلامي والثقافي السائد عالمياً، تبقى أكثر ارتباطاً بسياسات الدول الاستبدادية منها بسياسات الدول الديموقراطية. والدليل أن الولايات المتحدة تخطط هي وحلفاؤها لمغادرة العراق منذ اللحظة الأولى لغزوه، في حين جاءت القوات الروسية إلى سوريا وفقاً لاتفاقيات تسمح لها بالبقاء لأجل غير مسمى، بل وبتوسيع قواعدها ونفوذها أيضاً. وتنطبق الملاحظة نفسها على الوجود الإيراني في سورية أيضاً.

علينا أن لا نسمح للأخطاء التي ترتكبها الدول الديموقراطية ولفشلها الحيني في لجم نزعتها الإمبريالية أو العدوانية، بصرف النظر عن الأسباب والمبررات، أن تعمينا عن ضرورة التحالف معها، كتيارات سياسية أو منظمات مدنية أو دول، وعن ضرورة تبني الثقافة الديموقراطية ككل، في مواجهاتنا المتكررة مع تلك الأنظمة والدول التي ما تزال سياساتها الداخلية والخارجية تنم عن نزعة إمبريالية متجذرة لم تخضع بعد لأي مراجعة فكرية أو أخلاقية.

وما لم يتماش العمل من أجل نشر الديموقراطية مع العمل على مناهضة الإمبريالية التقليدية سنجد أنفسنا نقع مراراً وتكراراً في مطب الخلط ما بين الإمبريالية وبين التدخل الإنساني أو ضرورات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، أو غيرها من القضايا التي تتطلب بطبيعتها تدخلاً إقليمياً أو دولياً ما، الأمر الذي يؤدي إلى خلق فراغ وتبني سياسات تصب في خاتم المطاف في مصلحة القوى الإمبريالية والاستبدادية في جميع أنحاء العالم. ولنا فيما حدث ويحدث في سورية خير مثال على ذلك.

الخميس، 28 يناير 2016

ملاحظات حول قرار المعارضة مقاطعة محادثات جنيف

رياض حجاب : لن نفاوض في جنيف
1.

مرة أخرى أبدأ بالإلحاح على ضرورة مشاركة الهيئة العليا للمفاوضات في محادثات جنيف، وإن من خلال وفد متابعة رمزي. فنظراً للطبيعة العلنية للضغوط الدولية الممارسة عليها في هذه المرحلة، يبدو من الواضح أن قرار المقاطعة سيضع الهيئة، لا النظام ولا روسيا ولا إيران، في موقع اللوم والاتهام بعرقلة التسوية في سوريا، وهو الأمر الذي سيتم استغلاله من قبل النظام في مسعاه لاستعادة شرعيته التي لم يفقدها تماماً بالأساس، مع الأسف.

هذا من ناحية.

من ناحية أخرى، فأن المباحثات تأتي بمثابة منبر إعلامي هام ينبغي علينا استغلاله لتسليط الأضواء على قضية المناطق المحاصرة، وسياسة التجويع، وملف اللاجئين والمهجّرين، علاوة على الانتهاكات المستمرة من قبل النظام وروسيا لقرارات مجلس الأمن، من حيث استهداف المدنيين والامتناع عن محاربة داعش، وهي الذريعة التي ما انفكا يستخدمونها لتبرير عنفهما. قد تكون كل هذه الأمور معروفة، لكن التذكير والتكرار والاصرار على طرحها في كل محفل بشكل واضح وصريح وفاضح حتى تتحول إلى هاجس عند الجميع أمر لا يمكن أن نغفل عنه لحظة.

طبعاً، هناك احتمال أن تقرر الهيئة المشاركة في المباحثات في آخر لحظة، بشكل أو آخر، وبالتالي يشكل امتناعها عن المشاركة حتى آخر لحظة تكتيكاً تفاوضياً، سواء كان هذا هو القصد والنية أم لا.

بالعودة إلى القرار ذاته، يبدو واضحاً هنا أن التحليل السابق مبني على افتراض أن الهيئة العليا هي سيدة قرارها، لكن معرفتنا بطبيعة المعارضة السورية بشكل عام، وظروف تشكيل الهيئة بشكل خاص، تثير مجموعة من علامات الاستفهام حول صحة هذا الافتراض. وربما كان من الأفضل هنا أن نذكر أنفسنا أن القرار في الهيئة هو قرار سعودي بالدرجة الأولى، وهذا أمر يفرض علينا تحليل طبيعة قرار المقاطعة من منطلق التوازنات الإقليمية وإشكالاتها، وليس من منطلق سوري بحت. أي أن القرار يعكس بطبيعته سخط سعودي حول التطورات في سوريا والمنطقة وقد لا يأخذ مصلحة الشعب السوري بمكوناته المختلفة بعين الاعتبار.

ولا يأتي التذكير بدور السعودية في الأمر من منطلق عدواني حيالها، لكن التنبه إلى طبيعة القرارات والمؤسسات والعمليات يبقى أمراً ضرورياً لكي لا نضيع البوصلة. فقرار المقاطعة لم يأت استجابة لمطالب الكثير من الناشطين بـ "حفظ كرامة الشعب السوري،" بل انعكاساً لرؤية قوة إقليمية بعينها لمصالحها. وقد لا يكون بوسع الهيئة أن تخالف الرغبات السعودية في هذه المرحلة، لكن علينا أن نتعلم كيف نفرق ما بين رغباتنا ومصالحنا ورغبات ومصالح القوى الداعمة لبعض مؤسساتنا المعارضة. لأنه يتوجب علينا في مرحلة ما أن نعرف كيف نقف مع مصالحنا نحن، حتى عندما لا تتوافق مع مصالح بعض "شركائنا" و"أصدقائنا."

2.

دمشق
دعونا لوهلة نفترض الأسوأ. نعم، دعونا نفترض أن المجتمع الدولي فرض علينا بشكل أو آخر قبول حله الحالي: حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات للأسد فيها حصة الأسد، مع بقائه كرئيس والسماح له بترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها بعد التوافق على دستور وقانون انتخابي جديدين، خلال مدة أقصاها سنة ونصف من تاريخ تشكيل الحكومة الانتقالية.

ماذا يعني التوصل إلى اتفاق من هذا النوع على أرض الواقع: ستبقى لداعش والنصرة وأحرار الشام وغيرها من الجماعات الإسلامية المسلحة مناطقها على الأرض، وستنضم إليهم جماعات أخرى من منطلق الاعتراض على الاتفاق، وسيبقى الأكراد مسيطرين على مناطقهم، مع حفاظ النظام على وجود رمزي له هناك، وسيستمر الوجود الأمريكي في الحسكة بل سيكبر، ويسري الأمر نفسه على الوجود الروسي والإيراني. أي أن المعارك والقصف سيستمران في أماكن كثيرة.

لكن، وهنا الفرق، سيؤدي الاتفاق إلى رفع الحصار عن الكثير من المناطق، ويمكن للكثير منها أن تدار محلياً من قبل شخصيات تابعة للمعارضة بعد ذلك. كما ستحظى أطياف المعارضة، ليس تلك المهادنة للنظام فقط، بل تلك المسؤولة عن تشكيل الائتلاف والهيئة العليا، بوجود في دمشق ذاتها وفي بعض المناطق الأخرى تحت حماية دولية (وهذا شرط لا يمكن للمعارضة التنازل عنه). وجود المعارضة سيؤدي إلى بروز إعلام سوري معارض ومنظمات مجتمع مدني حقيقية وليست خاضعة لسيطرة النظام، علاوة على الأحزاب السياسية المعارضة، وسيكون للتمويل الخليجي والدولي دوره هنا، وسيكون للمنظمات الدولية وجودها على الساحة أيضاً، مما سيسمح بوجود رقابة حيادية للتطورات الداخلية المختلفة. وستستمح كل هذه الأمور بعودة الكثير من الناشطين من الخارج للعمل مرة أخرى على أرض الوطن برعاية دولية. طبعاً، ومما لاشك فيه، أن مسرحية الاغتيالات والخطف لن تغيب عن الساحة طويلاً، بصرف النظر عن الحماية الدولية، لكنها من المخاطر التي لا يمكن تفاديها كلية.

إن هذه المكاسب ستكون جزءاً لا يتجزأ من أي اتفاق، وهي مكاسب هامة وستتيح لنا فرصة للتواصل مع المجتمعات المحلية خارج نطاق سيطرة النظام والحركات المتطرفة، وستسمح لنا بتطوير نضالنا من أجل مجتمع حر مدني وديموقراطي، وهو نضال لا يمكن له أن يدار من الخارج، أو يتحقق من خلال العمل العسكري وحده.

إذاً، حتى في حال تحققت هذه الفرضية الأسوأ من وجهة نظرنا كمعارضة وكناشطين في مجال الديموقراطية، سيبقى لها ما يكفي من تأثير إيجابي على الأوضاع الداخلية، بحيث يكون النظام هو الخاسر الأكبر. الأسد يخاف هذا السيناريو أكثر من خوفه لنا، لأن هذا السيناريو سيشرعن وجودنا في الداخل وسيتيح لنا مجالاً كبيراً للعمل، كما سيفرض ضوابط وقيود على حركة النظام حتى من قبل داعميه، أي إيران وروسيا.

لذا، فللأسد المصلحة الكبرى في عدم التوصل إلى أي اتفاق، ومن هذا المنطلق، قد يخدم "قرار المعارضة" مقاطعة محادثات جنيف رؤية سعودية ما، أو قد يأتي تعبيراً عن تخبط صناع القرار هناك، وهو الاحتمال الأكبر، لكنه وبالتأكيد، لا يخدم المعارضة السورية. إذ ليس من مصلحة المعارضة لا سياسياً ولا إعلامياً أن تظهر بمظهر المعرقل، في حين نعرف كلنا أن الأسد ورجالاته هم من يريد العرقلة ويسعون إليها.

إن أي حل سياسي يسمح بعودة العمل المعارض إلى الساحة السورية بموافقة وحماية دولية يشكل مغنماً ما بوسع معارضة تحترم كرامة شعبها، كما تدعي معارضتنا، التخلي عنه، رحل الأسد مباشرة أم بقي لفترة ما، لأن خطوة من هذا النوع تكاد تكون المسمار ما قبل الأخير في نعش حكم الأسد لسوريا. النظام يعرف هذا تماماً، ومن هذا المنطلق نراه دائماً يسعى إلى العرقلة، وآن الآوان لنا نحن أيضاً أن نعرف هذا الأمر، ونفهم مضامينه، ونتخذ قراراتنا على هذا الأساس. لذا علينا أن لا نعرقل الحل السياسي، والأهم من هذا، علينا أن لا نسمح لأي كان بأن يصورنا وكأنا نحن الجهة المعرقلة.

وإن لم يكن بوسع المتعاطفون مع قضيتنا في السعودية أن يفهموا هذا الأمر، فعلينا أن نشرحه لهم بالتفصيل، لأن فيه خدمة أكبر لمصالحهم أيضاً، في وقت بات الإعلام الغربي يصورهم على أنهم هم الجانب المسؤول عن ما يجري في منطقتنا من عنف وإرهاب، لا إيران أو روسيا، وهو في الواقع قلب للحقائق خاصة فيما يتعلق بما يجري في سوريا.



الأربعاء، 27 يناير 2016

إلى المعارضة السورية: لا تقاطعوا محادثات جنيف، على علاتها

مشهد من مؤتمر جنيف 2


المفاوضات أو المحادثات المزمع عقدها في جنيف يوم الجمعة لن تجري، ولا ينبغي لها أن تجري، على أساس الجمع ما بين النظام والمعارضة، إذ فقد هذا المفهوم واقعيته نظراً لحالة التفكك التي تشهدها الدولة اليوم ولتدخل مجموعة من القوى الخارجية في الصراع. بل ينبغي العمل في هذه المرحلة على أساس الجمع ما بين مجموعة من الأطراف المتنازعة التي احتفرت لنفسها مناطق وقواعد على الأرض بشكل مباشر أو عن طريق المجموعات المسلحة والميليشيات المدعومة من قبلها.

من هذا المنطلق، فإن الإصرار على إقصاء ممثلي حزب الاتحاد الديمقراطي من المشاركة بحجة العمالة للنظام أو مهادنة النظام يشكل تجاهلاً لواقع سيطرة هذا الحزب، بصرف النظر عن الأساليب التي يستخدمها في فرض هذه السيطرة، على مناطق معينة في سوريا، ولقيامه بمواجهة داعش هناك بدعم أمريكي، كل هذه الاعتبارات، علاوة على علاقاته مع روسيا والنظام، تجعل من هذا الحزب طرفاً حقيقياً في الصراع الدائر في سوريا، مما يعني أن في محاولة تغييبه عن المفاوضات تغييب لأي حوار جدي حول مستقبل المناطق الخاضعة لسيطرته. نعم، للنظام تواجده في هذه المناطق، لكنه تواجد مشروط بحسابات الحزب السياسية، وهي حسابات معقدة لها علاقة بالتوازنات الإقليمية، بل والدولية المتعلقة بمستقبل المنطقة ككل.

وفي الواقع يعد حزب الاتحاد الديموقراطي، بصرف النظر عن أية اعتراضات تتعلق بعقيدته السياسية أو قادته أو أساليبه في الحكم، واحداً من أهم الأحزاب السورية في هذه المرحلة، بل وأكثرها خبرة وتمرساً في العمل السياسي. وكان من المفترض على الائتلاف ومن قبله المجلس الوطني أن يجريا محادثات جدية ومباشرة مع قادته بغية التوصل لمعادلة ما تسمح بالتعاون معه بدلاً من ترك المجال مفتوحاً أمام شخصيات أخرى غير مرتبطة بالائتلاف.   

إذ علينا أن لا نتجاهل هنا وجود طاقات أخرى في المعارضة غير الإئتلاف، طاقات تم إقصائها أو تهميشها أو تجاهل تطلعاتها وطموحاتها ومخاوفها، طاقات قد يكون بعضها إشكالياً لكنها تبقى حاضرة بنرجسياتها وهمومها وقدراتها وتطلعاتها، وهاهي قد نجحت الآن في تحقيق اختراق هام لها بالتعاون مع بعض الجهات الدولية أو الإقليمية لتعود فتفرض نفسها على الساحة، فهل يكون الجواب على وجودها اليوم أن يقوم الإئتلاف بإقصاء نفسه عن العملية السياسية الوحيدة على الساحة الدولية والتي سيتم من خلالها تحديد مستقبل البلد؟ هل يعتقد أحد أن هذه القوى الدولية والإقليمية ستجتمع كل يوم من أجل سوريا، وعلى هذا المستوى العالي من التمثيل؟ هل سنستمر في التسويف إلى يندلع صراع آخر في منطقة ما يشغل العالم عنا؟ قضيتنا تشغل العالم اليوم، لكنها لن تشغله كل يوم. وإن كان من المستحيل اليوم أن نحصل إلا على جزء بسيط مما نريد، فليكن، ثورتنا اليوم عرتنا لكنها لن تكسينا، وما تزال طريقنا إلى الحرية معبدة بثورات أخرى مختلفة.

وإن كان لابد من تسجيل اعتراض ما على العملية المزمعة في جنيف، والدوافع في هذا الصدد مفهومة تماماً بل ومشروعة، فليكن الأمر عن طريق تخفيض مستوى المشاركة لا عن طريق المقاطعة الكلية. فليرسل الإئتلاف مندوباً أو مندوبين له إلى جنيف للمشاركة بصفة مراقب، فبهذه العملية يمكن للإئتلاف المشاركة في المحادثات والتأثير فيها إلى حد ما دون أن يضطر إلى التصديق على أية من القرارات التي ستتخذ حتى تتم مراجعتها لاحقاً من قبل الهيئة.



الثلاثاء، 30 يونيو 2015

مبادرة لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا


تمثل هذه الخطة المكونة من 9 نقاط (اضغط هنا لقراءة النسخة الإنكليزية) مساهمة خاصة ومتواضعة لمؤسسة ثروة فيما يتعلق بالجهود الرامية إلى حل النزاع في سوريا. وكخطة داعمة لعملية سلام، لا يمكن لهذه المبادرة أن تمثل توقعات وآمال الثوار، ناهيك عن توقعاتي الخاصة أو توقعات أي من الأطراف المنخرطة في هذا النزاع. إذ ينبغي على جميع الأطراف في هذه المرحلة أن يعدوا أنفسهم لتسوية لن يتحصلوا من خلالها إلا على نزر بسيط من المكاسب التي سعوا إليها في البداية. فالنضال من أجل الديمقراطية عملية معقدة وطويلة الأمد تتطلب تعديلات مستمرة في المسار، وقد تبدأ هذه العملية مع حركة احتجاج أو ثورة شعبية لكنها لا تنتهي معها. السياسة، مهما بدت قميئة وكلبية في بعض الأحيان، تبقى ضرورة لا يمكن التحصل على أي مكسب وتحصينه بلاها.

وترجئ المبادرة النظر في تلك القضايا المتعلقة بشكل سوريا المستقبلي وطبيعة ونطاق عملية العدالة الانتقالية إلى مرحلة لاحقة، وذلك نظراً لتعقيدها وارتباطها بقضايا ومصالح وأطراف أخرى تجمع ما بين الشأن السوري وتطورات في بلدان ومناطق أخرى من العالم. وتكتفي الخطة بالسعي لتمكين أطراف النزاع، المحليبن والإقليميين والدوليين على الاتفاق على هدنة طويلة الأمد (قد تستمر لمدة 5 سنوات أو أكثر)، يتم خلالها التفاوض على تسوية نهائية. بعبارة أخرى، تسعى الخطة إلى استبدال صراع عنيف طويل الأجل بعملية سياسية طويلة الأجل، وإن بدت معقدة، وذلك من أجل تخفيف معاناة الشعب السوري.\

مقدمة

تهدف المبادرة المقترحة هنا إلى تحويل النزاع في سوريا من صراع عسكري مدمّر إلى عملية سياسية يمكن من خلالها للأطراف المختلفة الاتفاق على ترتيبات إدارية مرحلية تسمح لكل طرف بالبدء بإعادة بناء ما تهدّم في منطقته، وإعادة توطين اللاجئين وتقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين، وذلك بمساعدة القوى الداعمة له على الصعيد الإقليمي والدولي. وفي هذه الأثناء يمكن للمباحثات المتعلّقة بالوضع النهائي للبلد من الناحية الإدارية والسياسية والقانونية والدستورية أن تبدأ، وإن امتدت لسنين.

ويمكن تلخيص جوهر هذه المبادرة بالبنود التالية:

1.     يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على خطوط واضحة لوقف إطلاق النار تفصل ما بين المناطق الخاضعة للأطراف المختلفة، واعتماد كل منطقة مرحلياً كوحدة تابعة للطرف المعني يديرها بحسب توافقات داخلية محددة.
2.     يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على بنود واضحة للتعاون ما بين المناطق المختلفة في عدد من المجالات الحيوية، خاصة فيما يتعلّق بالقضايا الأمنية والاقتصادية، وآليات التنقّل ما بين المناطق، وإدارة العلاقات القائمة ما بين المكونات والشرائح الاجتماعية المختلفة في كل منطقة.
3.     يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على تحييد دور دمشق في الصراع عن طريق تأسيس حكومة مرحلية حيادية يشارك فيها ممثلين عن الأطراف المختلفة تدير شؤون المدينة ونواحيها تحت إشراف لجنة دولية أممية معينة من قبل مجلس الأمن. ويفضل إعطاء المسؤول الأممي المشرف على الشأن السوري صلاحية تشكيل هذه الحكومة بالتشاور مع كافة الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية المعنية.
4.     يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على تجريد بشار الأسد من صفة رئيس الجمهورية، وتنصيب رئيس مرحلي في دمشق بالتوافق ما بين الأطراف تكون مهمّته الإشراف على عمل الحكومة المرحلية وعلى المباحثات ما بين أطراف الصراع، وتنسيق المساعي الإقليمية والدولية في هذا الصدد، في حين يبقى الأسد مسؤولاً عن إدارة المناطق الخاضعة لسيطرته وتمثيل الشرائح الموالية له.
5.     عند الضرورة، يمكن لأطراف النزاع الاتفاق على التبادل السلمي لبعض المناطق والسكان ما بين الأطراف المختلفة حفاظاً على أمن جميع الشرائح والمكونات الاجتماعية والثقافية.
6.     يتوجّب على أطراف النزاع الاتفاق على دعوة قوات حفظ سلام مشكّلة من دول محايدة لمراقبة خطوط التماس المرحلية، والنقاط الحدودية، والمطارات والمرافئ الدولية، لمنع وقوع أية خروق لاتفاق وقف إطلاق النار، ولتسهيل التنقّل ما بين المناطق المختلفة، ولمنع تدفق المقاتلين والأسلحة من وإلى سوريا، إلا بحسب الاتفاقات الموقّعة من قبل أطراف النزاع.
7.     يمكن لكل طرف من أطراف النزاع في المرحلة الانتقالية أن يحتفظ بمجموعاته المقاتلة شرط تفريغها من العناصر الأجنبية وفقاً لجدول زمني محدّد، ولا يجوز التحايل على ذلك عن طريق التجنيس و/أو منح الإقامات.
8.     ينبغي على الحكومة المرحلية احترام كافة العقود والاتفاقات التي عقدها النظام حتى تاريخ إعلان هذه المبادرة.
9.     يتوجّب على أطراف النزاع حظر خطاب التحريض والكراهية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، واحترام قداسة كل المعابد والمؤسسات الدينية، والصروح ذات الأهمية التاريخية، وعليهم توفير الحماية لكافة الحجاج والزوار القادمين من داخل أو خارج البلاد.

الشرح

1.
بات الوضع في سوريا اليوم، من منظور القانون الدولي، يشكّل حرباً أهلية، وبالتالي لا جدوى هنا من الحديث عن طرف شرعي وآخر غير شرعي. فلكلّ طرف في الصراع، بصرف النظر عن سلوكياته، نسبة ما من التأييد الشعبي الداخلي، وبما أن معظم الأطراف تعتمد على دعم لوجستي وتمويل خارجي ما علاوة على مقاتلين أجانب، فلا جدوى هنا أيضاً من تبادل الاتهامات.

2.
من الناحية العملية لم تعد سوريا اليوم تمثّل دولة موحّدة، بل أصبحت مؤلّفة من مجموعة من المناطق المتناحرة، وعلى تصوراتنا المتعلّقة بإنهاء الصراع التعامل مع هذا الواقع.

3.
هناك في سوريا اليوم مناطق واقعة تحت سيطرة نظام الأسد وجيشه، وحزب الله، وجيش الدفاع المدني، واللجان الشعبية، علاوة على المليشيات الشيعية المشكّلة من مقاتلين أجانب من إيران والعراق وأفغانستان، وغيرها من الدول.

وهناك مناطق واقعة تحت سيطرة جبهة النصرة، والكتائب الإسلامية الأخرى مثل جيش الإسلام وجيش الفتح، وكتائب تابعة للجيش الحر، بالتعاون مع مقاتلين أجانب موزّعين على كل هذه الأطراف.

وهناك مناطق خاضعة لسيطرة الدولة الإسلامية أو داعش الذي يعتمد في أغلب الأحيان على عناصر جهادية أجنبية، وإن كان قد نجح في الفترة الأخيرة في زيادة عدد السوريين المنخرطين في صفوفه، نظراً لاعتماده على القاصرين، وتمكّنه من شراء ولاء بعض المجموعات المسلحة وبعض العشائر التي دفعتها حاجتها المادية وغضبها من القمع الذي تعرضت له من قبل النظام، علاوة على خوفها من داعش، إلى الالتحاق به وإن كانت رؤيتها فيما يتعلق بمستقبل البلد لا تتفق بالضرورة مع رؤيته.

وأخيراً هناك مناطق خاضعة لسيطرة وحدات الحماية الكوردية بالتعاون مع حلفائها من الجيش الحر والقبائل العربية والمجموعات المسلحة الآشورية. وماتزال هذه الوحدات، في هذه المرحلة على الأقل، تحافظ على علاقة ما مع المؤسّسات الممثّلة للنظام في مناطقها، وإن كانت قادرة عملياً على قطع هذه العلاقة في أي وقت شاءت.

ولم تتضح بعد معالم الحدود بين هذه المناطق بسبب استمرار المعارك، فهي تبقى بالتالي خاضعة للتغير بين يوم وآخر. وإن كانت قوات المعارضة فد أحرزت بعض التقدم في الآونة الأخيرة، فإن قيام إيران بإرسال آلاف المقاتلين الشيعة من أفغان وإيرانيين وعراقيين كردٍّ على هذا التطور قد يقلب الموازين مرة أخرى فارضاً واقعاً أو توازناً جديداً على الأرض.

4.
بحسب تصريح معظم الأطراف، يمثّل داعش عدواً مشتركاَ لها. لكن الأوضاع الحالية على الأرض واستمرار المعارك بين هذه الأطراف، علاوة على الحسابات الخاصة لبعضها التي تجعلها ترفض تنسيق جهودها المناوئة لداعش، بل ربما تجنّبت ما أمكن الصدام معه، هذا إن لم تقم بالتنسيق معه في معاركه ضد الأطراف الأخرى، ونشير هنا بالتحديد إلى تلك التقارير والتحليلات الاستخباراتية والإعلامية التي تشير إلى التعاون الظاهر ما بين النظام وداعش،... هذه الأوضاع سمحت لداعش عبر السنين الماضية بتقوية مواقعه على حساب جميع مناوئيه، بمن فيهم النظام.

ولايبدو أن الهدن المؤقتة قادرة على قلب المعادلة هنا، وذلك لتجنّبها الدخول في مجموعة من القضايا الحساسة المتعلّقة بعلاقة الأطرف ببعضها البعض وطريقة إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها.


5.
ونظراً لتعنّت القوى الإقليمية الداعمة للأطراف المتنازعة في الداخل السوري، واستمرارها في تسعير وتصعيد المواجهات، لايبدو أن حسم هذا الصراع ممكن عسكرياً، أو بلا وساطة دولية.

لذا، يبدو أن الخطوة الوحيدة التي يمكن لها أن تخرجنا من الأزمة الراهنة تتطلّب من القوى الدولية أن تضغط على الأطراف الإقليمية والداخلية للتوصّل إلى اتفاق على ترتيبات إدارية مرحلية قد تستمر ما بين سنة وخمس سنوات، تشمل تحديد خطوط واضحة لوقف إطلاق النار تفصل ما بين المناطق المختلفة، وبنود واضحة للتعاون ما بينها في مجالات حيوية عدة، خاصة فيما يتعلّق بالقضايا الأمنية والاقتصادية وإدارة العلاقات القائمة ما بين الشرائح الاجتماعية المختلفة في كل منطقة.

وقد تتطلّب الأوضاع أيضاً الاتفاق على التبادل السلمي لبعض المناطق، وربما السكان أيضاً، ما بين الأطراف المختلفة. ويمكن لقوات حفظ سلام مشكّلة من دول محايدة ومكرّسة لمراقبة نقاط التماس المرحلية أن توفّر قسطاً ما من الاطمئنان يسمح للأطراف المتوافقة بتغير بعض حساباتها الحالية متفرّغة للمعركة ضد العدو المشترك: داعش.

ويمكن للرئيس المرحلي أن يقوم بتشكيل حكومة مرحلية تشمل ممثلين للنظام والمعارضة بتنوعاتها، وليس فقط الإئتلاف. وينبغي على هذه الحكومة احترام كافة العقود والاتفاقات التي عقدها النظام حتى تاريخ إعلان (وليس توقيع) هذه المبادرة.

ويمكن لكل طرف من أطراف النزاع في المرحلة الانتقالية أن يحتفظ بمجموعاته المقاتلة شرط تفريغها من العناصر الأجنبية بالتدريج ووفقاً لجدول زمني متفق عليه، ولا يجوز التحايل على ذلك عن طريق التجنيس و/أو منح الإقامات.

6.
وفيما تدور المعارك مع داعش، يمكن لممثّلي الأطراف المختلفة البدء بمحادثات جدّية حول شكل الدولة الجديد، وعلاقة المناطق المختلفة ببعضها، والترتيبات الإدارية والدستورية المتعلقة بالصعيد الوطني، والقضايا المتعلقة بالعدالة الانتقالية، أي محادثات حول الوضع النهائي للبلد من الناحية السياسية والإدارية والقانونية والدستورية.

7.
ولعلّه من الضروري التنويه هنا إلى أن خطوة تحديد خطوط واضحة لوقف إطلاق النار ما بين المناطق المختلفة لا تهدف إلى تقسيم البلاد، بل إلى فصل مرحلي للأطراف المتناحرة، مع تأمينها، والشرائح الاجتماعية الداعمة لها، في مناطقها.

8.
على الرغم من عقيدتها السياسية التي لا تختلف كثيراً عن عقيدة داعش، فإن اعتماد جبهة النصرة الأكبر في تركيبتها الداخلية على دعم كبير من المقاتلين السوريين يجعل العلاقة معها أكثر تعقيداً، وإن لم يكن بوسعنا التحاور مع القادة الأساسيين للجبهة، مثل أميرها أبو محمد الجولاني، الذي لم تترك تصريحاته الأخيرة للجزيرة مجالاً لذلك، ربما كان من الممكن لنا التواصل مع بعض القادة المحليين وقادة الصف الثاني وذلك عن طريق بعض الشركاء الإسلاميين الأكثر مرونة من الناحية السياسية. ولقد أدت مبادرات من هذا النوع في جنوب سوريا مؤخراً إلى هجرة أعداد كبيرة من مقاتلي جبهة النصرة للانضمام إلى تجمعات أكثر اعتدالاً.

9.
أما فيما يتعلّق بالإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، فعلى الرغم من أن لايملك الكثير من النفوذ على الأرض في هذه المرحلة، فإن الاعتراف الدولي الكبير الذي تحصّل عليه في السنتين الأخيرتين يجعل من تهميشه أو استبعاده أمراً صعباً وغير مستحبّ، ما لم يستبعد هو نفسه بشكل أو آخر، مثلاً من خلال مقاطعة العمليات السياسية الجارية والمتعلقة بسوريا مثل رفضه اللقاء مع مبعوث الأمم المتحدة المختصّ بالملف السوري السيد استيفان دي مستورا. من ناحية أخرى، ينبغي على الإئتلاف، إذا أراد تحسين موقفه التفاوضي، أن يسعى للتواصل مع قوات المعارضة في الداخل ويبنى علاقة أفضل معها، ليتحوّل في الوقت المناسب إلى قوة سياسية قادرة على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها. لكن، لايبد أن هذا الأمر ممكناً من دون وساطة القوى الإقليمية الداعمة لقوات المعارضة في الداخل.


10.
نظراً لخضوع المناطق ذات الغالبية الكوردية في سوريا في هذه المرحلة لسيطرة حزب الاتحاد الديموقراطي، التابع تنظيمياً لحزب العمال الكوردستاني، ونظراّ لإشراف هذا الحزب المباشر على العمليات العسكرية لوحدات الحماية الشعبية الكوردية وحلفائها، وعلى الرغم من اعتراض الأحزاب الكوردية الأخرى على بعض ممارساته، لا مناص في الواقع من إشراك حزب الاتحاد الكوردستاني كطرف مستقلّ في أية مباحثات جدّية حول مصير المناطق ذات الغالبية الكوردية في سوريا وطبيعة علاقاتها ببقية المناطق.

11.
أما فيما يتعلق بقيادات النظام، بمن فيهم بشار الأسد، فلأنهم أصبحوا من الناحية العملية مجرّد زعماء لطرف من أطراف النزاع لا غير، فمن الأفضل ربط مصيرهم النهائي بالنقاشات التي ستدور حول موضوع العدالة الانتقالية، أي تأجيل البتّ فيها حتى انطلاق تلك المباحثات، إذ لا يتطلّب الاتفاق حول الترتيبات الإدارية المرحلية للمناطق السورية البتّ في هذه القضايا الخلافية الآن، بل ربما كان الأمر على عكس ذلك، أي قد يتطلّب إنجاح هذا الاتفاق تجنّب هذه القضايا بالذات وتأجيلها لمرحلة قادمة.


12.
لكن، وكحلّ وسط ما بين رغبة الموالاة في بقاء الأسد ومطالبة المعارضة برحيله، يفضّل في هذه المرحلة أن يتم تجريد الأسد من صفة رئيس الجمهورية، وتنصيب رئيس مرحلي بالتوافق ما بين الأطراف تكون مهمّته الإشراف على المباحثات ما بينها وتنسيق المساعي الإقليمية والدولية في هذا الصدد، في حين يبقى الأسد مسؤولاً عن إدارة المناطق الخاضعة لسيطرته والشرائح الموالية له، ويبقى مصيره النهائي مرتبطاً بالتطورات الخاصة بعملية العدالة الانتقالية وتوافق الأطراف الداخلية والقوى الإقليمية والدولية الداعمة لها على الترتيبات الخاصة بشأنها.

ولاننسى في هذا الصدد أن تحصّل عدد من الجهات الرسمية والقانونية الدولية على ملفات ووثائق مختلفة تتعلّق بما تعرّض له السوريين من قمع في الفترة الأخيرة، علاوة على الحق القانوني للضحايا وعائلاتهم فيما يتعلّق بملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتكبت بحقهم في عدد من المحافل الدولية، قد خلق لعملية العدالة الانتقالية مساراً مستقلاً عن إرادة النظام والمعارضة معاً، وأصبح الأمر، أي المصير النهائي للأسد وكل من يقف متهماً بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاضعاً لحسابات دولية مختلفة.

وربما تشكّل هذه المبادرة فرصة أخيرة للأسد بالذات لإيجاد مخرج مناسب لنفسه. إذ ما لم يبدِ الأسد أية مرونة في هذه المرحلة من خلال قبوله بالعملية السياسية المقترحة هنا، فقد لا توجد أية إمكانية لإعطائه حصانة قانونية من المسائلة، وسيبقى ملاحقاً قانونياً أينما كان أو حلّ. وفي الواقع، ومن الناحية العملية، لم تعد قضية مصير الأسد بالأهمية التي كانت عليها في المرحلة السابقة. وإن كانت بعض أطراف المعارضة غير قادرة بعد على استيعاب هذا الأمر، فإن الأسابيع المقبلة قد تشهد تغيراً في هذا الصدد.

وفي الواقع تأتي هذه المبادرة أيضاً لتعطي القوة الإقليمية الوحيدة الداعمة للأسد بشكل علني، أي إيران، مخرجاً مناسباً يسمح لها بتقديم التنازلات دون أن تبدو ضعيفة أو متذبذبة في مواقفها أمام حلفائها الآخرين في المنطقة، أو تخسر كل نفوذها في سوريا، وهو أمر لا يبدو أنها على استعداد لتقبله أساساً وإلا لما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.

وقد لا يلقى هذا الحل ترحيباً من قبل الأوساط الشعبية التي عانت من قمع الأسد خلال السنين الماضية، لكنه يبقى يمثل الخطوة الأكثر قدرة على التخفيف من معاناتها على المديين القصير والطويل.

13.
قد يشكّل وضع بعض المناطق أو المدن السورية، مثل وادي النصارى في وسط سوريا، ومدينة السويداء، والعاصمة دمشق، تحت إدارة دولية حلاً مرحلياً مناسباً إلى حين اتفاق أطراف النزاع على الوضع النهائي لها. لكن الإرادة الدولية لدعم تحرّك من هذا النوع قد لا تكون متوفّرة، ما لم تقتنع القوى الكبرى بجدية الأطراف فيما يتعلّق بالالتزام بنصوص هذه المبادرة.

14.
إذا لم يشكّل التقدّم الملحوظ الذي تحرزه قوات المعارضة بمختلف فصائلها في إدلب ودرعا والقلمون والغوطة الشرقية دافعاً للنظام ليدخل في العملية التفاوضية المقترحة هنا، فقد يؤدي التسويف إلى إضعاف قوته التفاوضية. ولايغرنّنا في هذا الصدد تصريحات بعض القادة العالميين حول استحالة فرض حلّ عسكري للأزمة السورية، لأن القوى الفاعلة في الصراع هي قوى إقليمية بات معظمها يتصرّف، وفي الآونة الأخيرة على وجه الخصوص، وفقاً لمصالحها وأهوائها ورؤاها الخاصة وبشكل مستقلّ عن المؤثرات الدولية. هذا علاوة على الضعضعة والخلخلة الواضحة في الأوضاع الاقتصادية والبنى المؤسساتية للدولة مما يجعلها مرشحة لانهيار كارثي في أية لحظة، الأمر الذي سيجلب معه ويلات كثيرة على جميع السوريين، وخاصة أولئك المتواجدين في المناطق التي ما تزال تخضع لسيطرة النظام، سواء كانوا من الموالاة أو المعارضة أو ممن التزم بالحياد.

15.
مع استمرار الدعم الخارجي لأطراف الصراع المختلفة، وبصرف النظر عن سيناريو الانهيار الكارثي، وإن باتت احتمالات وقوعه أكبر مما مضى، قد تدوم الحرب السورية لسنين أخرى قادمة. لكن مسار المعارك اليوم يدلّ على أن معظمها سيجري في الأراضي الخاضعة لسيطرة النظام الآن، والتي نجت حتى اللحظة من الدمار الذي حاق بالمناطق الأخرى، وبالتالي فهي ستطال بالذات تلك الشرائح الاجتماعية التي ما يزال النظام يعوّل على استمرار تأييدها له. ومع استمرار تقلّص المناطق الخاضعة لسيطرة النظام ستتقلّص أيضاً نسبة تأييده، مما سيعرقل عملية التسوية السياسية فاتحاً المجال أمام السيناريوهات الأسوأ.

ولاننسى هنا أن معظم المهجّرين السوريين لم يغادروا البلاد، بل توجّهوا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وخاصة دمشق والساحل، وسيكون هؤلاء المهجّرين من أوائل المتضرّرين جرّاء انتقال العمليات العسكرية إلى هذه المناطق.

وإن كان فتح الأبواب على مصارعها أمام هذه لسيناريوهات أمر لايناسب القوى الوطنية في سوريا بالفعل، بصرف النظر عن انتماءاتها السياسية، يفرض هذا الأمر إذاً على كل الأطراف وجوب التخلّي عن تصوراتها المبدئية حول كيفية إدارة الصراع والأهداف المرجوّة منه، على المدى القصير على الأقل، والانخراط في عملية سياسية جدّية ستتطلب في مرحلة قريبة وبلا أدنى شكّ تقديم تنازلات كبيرة من كل طرف.

خاتمة

قد لاتكون أطراف الصراع في سوريا، أو بعض القوى الإقليمية والدولية الداعمة لها، مستعدة لقبول مبادرة من هذا النوع في هذه المرحلة، ذلك على الرغم من كل ما مرّ على البلد، والمنطقة ككل، من خراب وويلات خلال السنوات الأربع المنصرمة، بل قد يسيء الكثيرون فهمها ويرون فيها خطة للتقسيم وإنقاذ الأسد، أو للالتفاف على ما يعتبرونه إنجازات الثورة. لكن انتقال العمليات العسكرية إلى دمشق والساحل، وهو تطوّر بات على الأبواب، وما ستجلبه هذه العمليات معها من وبال على الجميع، قد يغير بعض هذه الآراء في الأشهر القادمة.

أما في حال تمّ الاتفاق على النقاط المذكورة أعلاه، فستتطلّب الخطوة التالية عقد اجتماع موسّع، بحضور القوى الداعمة لكل طرف من أطراف النزاع على الصعيدين الإقليمي والدولي، وذلك للدخول في تفاصيل تحديد خطوط وقف إطلاق النار ما بين المناطق التابعة للأطراف المتنازعة، والاتفاق على طريقة مناسبة لإدارتها تحترم حقوق وآراء الجميع، وتحديد طبيعة العلاقات المرحلية ما بينها، علاوة على تحديد نوعية وحجم قوة حفظ السلام المنشودة. على أن يتم في المرحلة التالية لعقد هذا الاتفاق التركيز على العمليات العسكرية ضد داعش، وإطلاق المحادثات النهائية المتعلّقة بالوضع النهائي للبلد، وعملية العدالة الانتقالية.

عمار عبد الحميد
مدير مجلس إدارة مؤسسة ثروة

وضعت المسودة الأولية للمبادرة في 19 أيار، 2015، وتمت مناقشتها على هامش مؤتمر المعارضة السورية في أستانا ما بين 24-27 أيار، وصيغت في شكلها النهائي في 5 حزيران، 2-15. بعد ذلك، تم تقديمها إلى الحكومة الروسية عن طريق السفارة الروسية في واشنطن، وإلى مكتب المبعوث الأممي السيد إستيفان دي مستورا. وماتزال المساعي المتعلقة بنشرها على نطاق أوسع مستمرة. وتتوجه مؤسسة ثروة بشكر خاص إلى السيدة خولة يوسف، والسيد بسام بيطار، علاوة على عدد من الناشطين والمعارضين في الداخل السوري وذلك لتقديمهم النصح والإرشاد خلال إعداد هذه المبادرة.