الأربعاء، 8 يوليو 2015

العقيدة والمصلحة

مشهد من اجتماع الجامعة العربية الذي جرى في شرم الشيخ في 28 أذار، 2015

هناك تعارض في العمق ما بين التفكير العقائدي أو الإيديولوجي، والتفكير المصلحي، ولعل تفوّق العقيدة على المصلحة عند كل تعارض هو أحد الأسباب الأساسية التي تجعلنا نشكّك في فرص نجاح أية مبادرة عقلانية للتغيير فيها. لكن التشكيك لا يبرّر الخنوع والاستسلام، لأن مستقبل المنطقة، إن أردنا له أن يكون واعداً، ما يزال يعتمد وإلى حدّ كبير على قدرة نخبها الفكرية والسياسية في تغليب النزعة العقلانية المصلحية على النزعات العقائدية غيرالعقلانية بجوهرها.

ويصف العقائديون تفضيلهم للعقيدة على المصلحة بالتضحية، لكنه في معظم الأحيان غباء أو نفاق محض يخدم النخب المستبدة والفاسدة وحسب. فالمصلحة عماد الدولة، ولا تحكم فقط العلاقات ما بين الدول. ولعل أكثر المفاهيم خطورة وتهديماً في ثقافتنا المعاصرة هو ذلك المفهوم الرومانسي للوطن والأرض، الذي روّج له مثقفو اليسار القومي خاصة، والذي يمثّل في فكرهم مرادفاً وبديلاً لمفهوم الله عند الإسلاميين، إذ يعطى هذا المفهوم الوطن (الله عند الإسلاميين)، أو بالأحرى الحاكمين باسمه (المشايخ والإئمة عند الإسلامين)، الحقّ في مطالبتنا بكل أنواع التضحيات بلا أي مقابل، لأن الوطن (الله/الدين) يستحقّ، كما دأبوا على تذكيرنا، أما نحن فلا نستحق إلا أن يضحّى بنا على ما يبدو. وفي الكثير من الأحيان، يجمع الإسلاميون واليساريون معاً على مطالبة شعوبهم بالاكتفاء بالمكافأة التي سيلقونها في الحياة الأخرى، لأن الحياة الدنيا مجرد "لهو ولعب،" لذا، فهي تستحق أن نضحّي بها من أجل سعادة محتملة ومؤجّلة دائماً.

لكن الواقع أن الدول التي لا تخدم مصالح مواطنيها من خلال احترام حقوقهم الأساسية، وتقديم الخدمات لهم، وتوفير الأمان، لا يحقّ لها مطالبتهم بالتضحية من أجلها، إلا في حال جاء تقصيرها نتيجة ظروف قاهرة وعابرة. ومن الواضح أن رغبة نخبة معينة بالاستفراد بالحكم وبالتعامل مع الوطن كمغنم لا تعتبر مثالاً مشروعاً على هذه الظروف.

ومع الوقت، يفقد مواطنو هذه الدول حسّهم بالانتماء إليها معبّرين عن ذلك بتصرّفاتهم وسلوكياتهم اليومية، وإن أصرّوا على التمسّك بذات الشعارات العقيمة للنخب الفاسدة لقيمتها العاطفية عندهم. وفي النهاية، تأتي الأزمة قاصمة الظهر التي يرتكس فيها الكل إلى انتماءات فئوية ومناطقية، فيضيع الوطن لأن الشعب سبقه إلى ذلك.