الأحد، 12 يوليو 2015

المصلحة والنظام الدولي بين البارحة واليوم

تصوير فني لمفهوم الإمبريالية الأوروبية

(1)

من بين المصطلحات الشائعة في القاموس العربي المعاصر مصطلحا الإمبريالية والكولونيالية، وهما مصطلحان حديثان نسبياً بدأ استخدامهما في مطلع القرن التاسع عشر لوصف مساعي الدول الغربية لبسط نفوذها الاقتصادي والسياسي على العالم مستغلّة قوتها العسكرية. لكن الظاهرة بحد ذاتها، أي محاولة بسط النفوذ بالقوة، ظاهرة موغلة في القدم، بدأت مع انطلاقة المغامرة الإنسانية على سطح هذه المعمورة، ولم تقتصر أبداَ على دولة أو حضارة أو شعب أو دين بعينه. بل يمكن قراءة قصة الحضارة الإنسانية ككل على أنها سلسلة مستمرة من الغزوات والحروب والمحاولات الاستيطانية، كما فعل معظم المؤرخين القدماء والتقليديين، على اختلاف مشاربهم وحضاراتهم.

وتشكّل محاولة ابن خلدون من خلال مقدمته المعروفة استثناءً هاماً وثورياً لهذه القاعدة. ولهذا، ما يزال علماء الاجتماع والسياسة المعاصرون يتداولونها ويشيرون إليها في كتاباتهم حتى اللحظة. ومايزال لمفهوم "العصبية" الذي اقترحه ابن خلدون دور كبير في محاولاتنا العصرية لفهم وتفسير كيفية تعامل شعوب منطقتنا بالذات مع مسألة الهوية.

وعادة ما يستخدم الباحثون الإسلاميون، القدامى منهم والمعاصرون، مصطلح "الفتوحات" عند تعاملهم مع العمليات الإمبريالية والكولونيالية الطابع التي أسّس المسلمون من خلالها حضارتهم القديمة. وهو مصطلح احتفائي بالطبع كما يدلّنا التحليل اللغوي والتفسير العقائدي له. فما دامت الجهة المحتلّة والمستيطنة إسلامية المعتقد، لم يكن عند علماء وجهابذة الإسلام اعتراض عليها.

كما يستخدم الإسلاميون أحياناً مصطلح "الغزوات،" الذي قد يبدو للوهلة الأولى، من الناحية اللغوية على الأقل، أكثر "موضوعية" من مصطلح الفتوحات. لكن توخّي الموضوعية لم يكن الهدف من وراء طرح هذا المصطلح في الواقع، بل الرغبة في الإشارة إلى المعارك الصغيرة التي انخرط بها المسلمون ضد "أعدائهم" عبر التاريخ. إذ لا يجد المسلمون حتى اللحظة أيّ إشكالٍ في إصرارهم على التعامل مع الحروب التي شنّوها، أو شُنّت باسمهم، عبر التاريخ، من منظور احتفائي بحت.

الفتوحات


(2)

ويقابل مصطلحي الفتوحات والغزوات عند الغربيين مصطلحات متعدّدة، لا تقلّ عنها احتفائية، استخدمت لتبرير وتسويغ الحملات الإمبريالية والمغامرات الكولونيالية للغربيين في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وذلك باستثناء أشهرها، أي مصطلح "الحروب الصليبية،"  الذي برز على الساحة الفكرية في القرون الوسطى.

أما والمصطلحات المعاصرة فمنها: "عبء الرجل الأبيض" White Man’s Burden، الذي تبنّاه المنظّرون البريطانيون في أواخر القرن التاسع عشر، وهو بالأساس عنوان قصيدة للشاعر والروائي البريطاني رديارد كبلينج Rudyard Kipling. و "البعثة التحضيرية La Mission Civilisatrice " الذي استخدمه الفرنسيون، في حين لجأ الأمريكيون إلى استخدام مصطلح "القدر الجليّ Manifest Destiny" لتبرير توسّعهم عبر القارة الأمريكية وتهميشهم للسكان الأصليين ومحاولاتهم الفاشلة لاحتلال المسكيك.

أما الروس، وهو الشعب الذي مايزال اليسار العالمي يصرّ على تجاهل مغامراته الإمبريالية أو تبريرها على أنها استراتيجية استباقية للدفاع عن النفس والوطن، فقاموا بإطلاق مغامرتهم الإمبريالية المعاصرة، والأكبر في تاريخهم، تحت الشعار الماركسي "يا عمال العالم اتحدوا،" وغيره من الشعارات الشيوعية والسوفييتية.

في حين استخدم الصينيون، ومازالوا، مفهوم السابقة التاريخية (في إشارة إلى سيطرتهم في مرحلة تاريخية ما على المنطقة قيد البحث) ورغبتهم في مساعدة الشعوب المتخلّفة ي منطقتهم على تنمية نفسها لتبرير احتلالهم للتيبت وكشغر (شينشيانج)، وفي مطالباتهم الحالية فيما يتعلق بالجزر الواقعة في بحر الصين الجنوبي.

لاننسى طبعاً الألمان ومصطلح "المجال الحيوي lebensraum" الذي استخدموه لتبرير محاولتهم الفاشلة لإنشاء إمبراطورية عالمية جديدة هي الرايخ الثالث.

أوروبا تحت الاحتلال النازي

أما المغامرة الصهيونية، فتتفرّد وتتميّز عن المغامرات الإمبريالية والاستيطانية المعاصرة من حيث نشأتها كمحاولة يهودية لإيجاد حلّ لـِ "المسألة اليهودية" في الغرب وإنقاذ اليهود من خلال تأسيس وطن قومي لهم في فلسطين. أي أن تحقيق المجد، وهو الأمر الذي غالباً ما يلعب دوراً هاماً في المغامرات الإمبريالية والكولونيالية التقليدية، لم يكن عاملاً في هذه المغامرة. أما فيما يتعلّق بتجاهل الحركة الصهيونية لحقوق الشعب الفلسطيني، فلا يعدّ هذا الأمر استثنائياً بحدّ ذاته، وإن بقي مداناً من منطلق إنساني وحقوقي، لأن محاولة شعب ما حلّ مشاكله أو تحقيق طموحاته على حساب شعب آخر هو جوهر النزعة الإمبريالية، والحركة الصهوينية إذاً لم تأت كاستثناءٍ لقاعدة الفعل الإمبريالي بل استمرار وتكريس له مع اختلاف هوية الجهة الفاعلة. ولاننسى هنا أنه عندما كان لليهود دولة ومجد في الماضي، سواء في فلسطين أوالخزر، لم تغب النزعة الإمبريالية عن ممارساتهم وكرهم. وفكرة أن اليهود هم "شعب الله المختار،" استخدم كمبرر لها بالطبع.

(3)

لكن هناك فرق هام حالياً ما بين الشعوب الغربية والشعوب الأخرى فيما يتعلّق بتعاملها مع المسألة الإمبريالية يتجلّى في المساعي الأكاديمية الغربية المستمرة لمراجعة المفاهيم المستخدمة لتبرير الإمبريالية وتبيان مغالطاتها ووجه النفاق فيها، ولاننسى في هذا الصدد أن أشهر مفكري ومنظّري اليسار العالمي هم من الغرب، وإن كانت مراجعة اليساريين لهذه الظاهرة إيديولوجية الطابع، مما يجعلها تركّز على البعد الأخلاقي والقانوني للظاهرة وعلى ممارستها من قبل الغربيين حصراً، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

وتؤثر هذه النزعة الإيديولوجية سلبياً على معظم تحليلات اليسار في هذا الصدد، خاصة من خلال تصويرها للآخرين كضحايا، وتبريرها أو تجاهلها لممارساتهم المماثلة. وأثناء ذلك يتم تغييب السياق التاريخي للظاهرة وارتباطها اللصيق بالطبيعة الإنسانية ومفهوم "المجموعة" المتميّزة عن الآخريات (قبيلة، عشيرة، قوم، دين) و مفهوم "الدولة." فحتى ما قبل تأسيس المدن والدول، كانت المجموعات تغير على أراضي بعضها البعض، وتحتلّها أو تستوطنها، وتستعبد أوتبيد سكانها الأصليين.

من ناحية أخرى، لابد من الإشارة إلى غياب أية محاولة جديّة لمراجعة المفاهيم والمصطلحات التاريخية من قبل الشعوب غير الغربية. ولهذا التقصير مدلولات أخطر من استمرار الغرب في محاولته لبسط نفوذه على العالم، لأنها فيها تجاهلاً لسرّ تفوّقه في اللعبة أساساً وهو: انفتاح شعوبه الكبير على النقد والتجديد وعلى نحو يسمح لها بإجراء تعديلات مستمرة على حسها بالهوية  الانتماءهويته. لقد أصبحت الهوية بالنسبة للشعوب الغربية عملية تفاعلية وليست إرثاً جامداً غير قابل للتعديل.

وفي هذه الأثناء تستمر المعركة، ومحاولات تبريرها. إذ راجت في الغرب والعالم في العقدين الماضيين مصطلحات مثل "العولمة،" و"صراع الحضارات،" و"الفوضى الخلاقة،"  و"ترويج الديموقراطية،" التي يرى الكثيرون فيها محاولة مستمرة لتسويغ إمبريالية جديدة والتي يرى البعض في تطورات مثل توسيع الناتو تعبيراً عنها.

الدول العضوة في حلف الناتو

ويقابل هذه المصطلحات في المعسكر الروسي مفاهيم مثل "تصحيح لخطأ تاريخي،" الذي استخدم لتبرير احتلال القرم، والدفاع عن "السيادة الوطنية" وحقوق المكون الروسي، وهما من الأعذار التي استخدمت لتبرير التدخّل في شرق أوكرانيا. بل تم استخدام مفهوم السيادة الوطنية أيضاً لتبرير دعم روسيا لنظام بشار الأسد.

بينما تسعى إيران اليوم إلى بسط نفوذها في الشرق الأوسط وجنوب آسيا تحت عنوان "المقاومة" و"الممانعة،" ولقد سبق للنظام السوري أن استخدم هذين المصطلحين لتبرير احتلاله للبنان.

في المقابل تبنّت دول الخليج مهمة الدفاع عن الأمة العربية والإسلامية (السنّية) من الهجوم "الشيعي الصفوي،" الأمر الذي مهّد الطريق أمام تدخّل سعودي سافر في كل من البحرين واليمن، وغير مباشر في سوريا والعراق ولبنان، بالتعاون مع دول الخليج الأخرى علاوة على مصر والأردن وتركيا.

وهناك من يرى أن "الربيع العربي" مصطلحا مخترعاً جاء لتبرير ثورات مصطنعة هدفها تحقيق مصالح عربية معينة. لكن المشكلة في هذا الطرح تكمن في تجاهله التامّ لدور الظروف الموضوعية في الأمر مثل الانفجار السكاني الذي تشهده المنطقة منذ عقود، وشحّ الموارد الطبيعية في بعض الدول، وتفشّي بعض الظواهر البيئية كالجفاف والتصحر، هذا علاوة على الممارسات الاستبدادية والفاسدة والفئوية لمعظم الأنظمة الحاكمة، ورغبة بعض القوى الإقليمية في تجيير المتغيرات الحاصلة لخدمة مصالحها الخاصة. ككما لاينبغي هنا إنكار مشروعية وجدية وأصالة المطالب الشعبية بالإصلاح وبالتحرّر من نير الاستبداد، حتى في واقع تخوّف بعض الشرائح والمكوّنات المشروع من عملية التغيير خشية أن يؤدي هذا الأمر إلى قمعها وتهميشها.

ومن الواضح، لمن لا يعاني من ظاهرة العمى الإيديولوجي، أن كل هذه الأطراف إنما تسعى وببساطة إلى تبرير ذات الظاهرة: النزعة الإمبريالية المتأصّلة في مفهوم الدولة والجماعة ذاته.

(4)

لذا، وإذا ما أردنا بالفعل أن نضع حداً لظاهرة الإمبريالية، فعلينا أن لا نقصر نقدنا على هذه الدولة أو تلك، بل علينا أن نبدأ بتحليل ونقد الظاهرة ذاتها بقواعدها المعروفة في محاولة لطرح بديل ناجع لكيفية تفاعل الشعوب والدول مع بعضها، بديل يمكن من خلاله تعزيز التعاون، وترشيد التنافس، وإيجاد وسائل سلمية لحلّ الخلافات والنزعات. لأن المشكلة هنا لا تكمن في سلوكيات بلد أو شعب بعينه، بل في السلوكيات التي دأب الأقوياء بشكل عام على تبنّيها عبر التاريخ حيال الآخرين، بصرف النظر عن المبادئ التي جاؤوا وادّعوا التمسّك بها. ففي غياب توازن مناسب للقوى ما بين الدول والكتل والجماعات المشتركة في هذا العالم، ستبقى عملية تفعيل وتطبيق المبادئ خاضعة لتلاعب الأطراف الأقوى.

جزر سبراتلي والباراسيل المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي

فلا يكفي لمحاربة هذه الظاهرة إذاً أن نكتفي بانتقاد الغرب وأمريكا، لأن تفوّق الغرب في هذا المجال مرتبط بشكل وثيق بتفوّقه في المجالات الاقتصادية والمالية والعسكرية والأمنية والمعرفية. أي أنه، ومن منطلق خضوع الجميع من الناحية العملية لقانون الغاب الذي مايزال يتحكّم في العلاقات الدولية، لا يرتكب أية جريمة هنا، ولا تشكّل سلوكياته استثناءاً للقاعدة بل تمثّلاً فاعلاً وخلّاقاً لها.

وفي الواقع، يشير التحليل الموضوعي لسلوكيات الدول اليوم، على اختلاف قدراتها، إلى غياب أية رغبة حقيقية عند النخب الحاكمة والمتحكّمة في  صنع القرار في كل دول العالم، والنخب الفكرية الخاضعة لها أو الواقعة، كلياً أو جزئياً، تحت تأثير إعلامها وأكاذيبها، في تغيير قواعد وطبيعة اللعبة. على العكس، فالكل يقبل باللعبة وقواعدها كما هي، والكل يشارك بها، والكل يسعى إلى التفوّق من خلالها لا على حسابها. ولا يوجد ما يثير الدهشة في هذا الوضع، فالرؤى الضيقة للنخب الحاكمة تجعلها غير قادرة على تخيّل وتشكيل البدائل، كما أن مخزوننا المعرفي والنفسي بتراكماته الهائلة ما زال يسوّغ لها الاستمرار في اللعبة كخيار أضمن وأكثر واقعية وعقلانية من المغامرة بتجريب وتفعيل مقاربات جديدة تماماً.

كما يشكّل غياب حسّ هذه النخب بالانتماء لأيّ شيء خارج الأطر والدوائر الضيقة التي بنوها من حولهم، وتحصّنوا وراء أسوارها، عاملاً إضافياً هاماً لتمسّكها باللعبة كما هي. وإذا كان بوسعنا أن نلحظ وجود هذه النزعة عند النخب الفاعلة في الدول الديموقراطية، فما بالك بالواقع المعاش في الدول ذات الأنظمة الاستبدادية؟

(5)

وبسبب الطغيان الإيديولوجي على الفكر العالمي في هذه المرحلة، والانتشار الواسع للتحليلات المجتزأة، بل والمأجورة في الكثير من الأحيان، وهي ظاهرة لم تنجو منها حتى الأوساط الأكاديمية في الجامعات العالمية الأكثر شهرة ورقياً، قلة هم اليوم أولئك الأشخاص الذين يدركون الطبيعة الحقيقية وغير المنمّقة لما يجري من حولهم من تطورات، ويحاولون تحليل الأمور بالموضوعية والعقلانية الملائمة.

ومن هذا المنطلق، مانزال نجد أعضاء اليسار العالمي مصرّين على الاستمرار في نقد تصرفات أمريكا والغرب وحسب، في حين يدافع أغلبهم عن تصرفات مماثلة لروسيا وإيران والصين وغيرها من الدول، بل وعن تصرّفات طغاة من أمثال الراحل صدام حسين وذلك الآخر الذي اختار المشي في خطاه، بشار الأسد، ويبرّرونها، هذا إن لم ينكروها جملة وتفصيلاً من خلال طرحهم لتفسير تآمري مرتجل. لكن الواقع أن الأنظمة الحاكمة في هذه الدول "الطاهرة" و "البريئة،" لا تسعى من خلال نقدها لأمريكا ودول الغرب لقلب الأمور وتحقيق العدالة للجميع، أو حتى لشعوبها، بل إلى التعويض عن قلّة مهارتها في إدارة التفاعلات الدولية بغية تحقيق مصالح فئوية خاصة.

فالتوصيف الأدقّ لما يجري في العالم اليوم هو صراع مصالح، لا صراع حضارات ولاثقافات، فالحضارة الوحيدة الفاعلة على الساحة اليوم هي الحضارة الغربية، وكل ثقافاتنا المعاصرة متأثرة بها.

الحضارات بحسب طرح صامويل هانتينحتون


(6)

ومن العوامل الأخرى المساهمة في تخلّف الدول عن اللحاق بركب الغرب وحضارته التي أصبحوا جزءاً منها رغماً عنهم، مُكرهين على ذلك بقوة فكرها وثقافتها أولاً، ثم اقتصادياتها، ثم جيوشها: فساد النخب الحاكمة والمؤثرة، أو تمسّكها بتراث بالٍ للحفاظ على مراكزها، أو لجوئها إلى التقليد الأعمى للغرب من دون إجراء أية مراجعة نقدية للأفكار الوافدة منه، أو للتراث على ضوء المبادئ الوافدة. ذاته، علاوة على تراجع العمليات التنموية، أو غيابها نهائياً في بعض الأحيان، أو أي خليط من هذه الأمور.

ولايغرنّنا في هذا الصدد الخطوات الإيجابية التي تحققها الصين حالياً، أو تعنّت ورعونة الروس بقيادة قيصرهم الجديد، إذ سبق للاتحاد السوفييتي أن حقق إنجازات مماثلة قبل تراجعه وانهياره.

وحتى لو نجحت هاتان الدولتان وشركائهما حول العالم في مساعيهم لتقليص النفوذ الغربي من خلال اللعب وفق نفس القواعد، فلن يشكّل هذا الأمر تطوراً إيجابياً من الناحية الحضارية، بل انتاكسة كبيرة ومفجعة. فعلاوة على تعزيز الطبيعة السينيكية للعبة من خلال هذا "النصر،" ستتعزز أيضاً شرعية الطريقة النخبوية المنغلقة، فكرياً وسياسياً ومجتمعياً، في الحكم والتي لا يمكن مقاومتها إلا من خلال العمل لتأسيس أنظمة سياسية ومجتمعية منفتحة وديموقراطية ولامركزية.

إذ ترتبط عمليات الدمقرطة والتنمية المستدامة والتجديد الفكري والثقافي ببعضها البعض بشكل لصيق، ولايمكن إدارتها بفعّالية من فوق ومن المركز حصراً، إلا لفترت وجيزة في أفضل الحالات، ولايمكن استدامة أي انجاز أو نجاح تنموي أو "خارجي" مالم نحصّنه بتغييرات سياسية وحقوقية عميقة في الداخل. لأن التضحية بالحرية من أجل التنمية تفريط بهما معاً، وتأجيل التجديد الفكري والتحديث المجتمعي تخوّفاً من ردود أفعال القوى المتطرّفة، وتذرّعاً بذلك، هو استسلام وتمكين لهذه القوى بالذات، والإصرار على التعامل مع الشعوب وكأنها قطعان لا تبالي إلا بالرعي والمرعى هو البِذار الذي يفرز الثوارت الشعبية والفوضى.

وخلاصة الكلام: لايكفي أن يستنبط العالم مواثيق ومفاهيم جديدة حول العدالة والإخوة والمساواة، وحول حقوق الإنسان وعلاقته بالبئية المحيطة، ولايكفي أن نتبنّى أنظمة جديدة ناظمة للعلاقة ما بين الدولة والمواطن، وما بين الدول ذاتها، مالم نغير موازين القوى ما بين الدول والكتل والجماعات المشتركة في هذا العالم، وما بين المكونات والطبقات المختلفة لكل دولة على حدة. و لايمكن تحقيق أي من هذه الأمور وصولاً إلى تفعيل وتطبيق ما طوّرناه من مفاهيم ومواثيق إنسانية وحقوقية استناداً إلى تجربتنا التاريخية ومخزوننا المعرفي والخبراتي المشترك، بين ليلة وضحاها، وبلا تنظيم عالمي الطابع.

وتتلخّص مأساتنا اليوم بالذات في غياب تنظيم من هذا النوع عن الساحة العالمية بل ربما في غياب حتى تلك الشخصيات القادرة على بناءه والترويج له.