الثلاثاء، 7 يوليو 2015

التغيير في اليونان: النصر الزائف

صورة من الاحتفالات في ساحة أومونيا في أثينا قبيل فوز حزب سيريزا اليساري بالانتخابات اليونانية في كانون الثاني 2015.
 لقد صوّت اليونانيون مرتين ضد سياسات التقشف، مرة حين انتخبوا حزب سيريزا ومرة حين صوتوا بـ "لا" في الاستفتاء الأخير. لكن سيريزا لم يتمكّن من إلغاء سياسات التقشف، فازداد بالتالي الوضع الاقتصادي والمالي للبلاد سوءاً في الأشهر التالية لانتخابه. والآن، وما لم تكن ألمانيا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي على استعداد لتقديم تنازلات صعبة، أي ما لم يكن موقفها التفاوضي السابق للاستفتاء مجرد محاولة للخداع، سيجد اليونانيون أنفسهم أمام سياسات تقشّف أسوأ من سابقاتها، وقد يؤدي هذا الوضع إلى تفكّك كارثي وانهيار للدولة.

فلا روسيا ولا الصين قادرتان على تقديم أي دعم كافٍ لسد الفراغ الذي سيتركه خيار الانعزال هذا. ولقد طرح محلل إسرائيلي أن تعود اليونان إلى حضن الليفانت وتشكل مع تركيا وإسرائيل  وسوريا ولبنان ومصر وقبرص اتحاد ما، لكن، يبقى هذا الطرح مجرد فكرة في هذه المرحلة، لا يمكن لها أن تأثر في مجريات الأمور على المدى القصير. مشكلة اليونان ليس نتيجة ما قام به الأوروبيون فقط، بل ما قامت به النخب الفكرية والسياسية في اليونان من اليمين واليسار عبر العقدين الماضيين: مشكلة فساد وكذب على الشعب وسوء إدارة وتعلّق بالأوهام. والغريب في الأمر أن أثينا استضافة على مدى عقد ونيف الكثير من النشاطات واللقاءات الهامة المتعلقة باستقراء مستقبل المنطقة ككل والتي تم فيها مناقشة سيناريوهات التفيكيك المحتملة في المنطقة.

ولنذكر هنا أن كل شيء جرى في وضح النهار: فالمساعدة التي قدمتها شركة جولدمان زاكس للحكومات اليونانية السابقة على تزوير دخولها وميزانيتها مما سمح لها باقتراض مبالغ كبيرة من صندوق النقد العالمي عن طريق عدد من البنوك الأوروبية كما جرت العادة، لم يكن بذلك السر الدفين. ولم تكن التنمية هي السبب الأساسي الذي دفع الحكومات السابقة على الاقتراض، بل كانت رغبة اليونانيين بالتمسّك بدعم الدولة لهم، دون التسائل عن قدراتها المالية الحقيقية في هذا الصدد. إن كان ما يجري في اليونان مؤامرة فالكل شريك بها، بمن فيهم اليومانيو أنفسهم.

من ناحية أخرى، من الواضح أن لا الصين ولا روسيا بوسعهما تقديم بديل آخر لليونانيين، ما خلا استغلال الوضع لتوجيه بعض الرسائل السياسية للغرب، وقد ترغب روسيا بالذات باستخدام المرافئ اليونانية لتعزيز وجودها في البحر المتوسط. لكن لن يعود هذا الأمر بفائدة كبيرةعلى اليونان، بل سيضع أمنها على المحكّ. ومهما بلغت قيمة المساعدات الاقتصادية المحتملة أو المتوهّمة التي يمكن أن تقدمها هاتان الدولتان فلن تكفي لوضع حدّ لسياسات التقشّف.

فما معنى الجو الاحتفالي في اليونان وبعض الأوساط اليسارية في هذه المرحلة إذاً؟ هل يدرك اليونانيون أن النصر الذي حقّقوه هو نصر زائف Pyrrhic victory؟ أم تراهم يتعاملون مع موضوع الاستفتاء كوسيلة للضغط على الاتحاد الأوروبي الذي أقنعهم ساساتهم وخبرائهم بأنهم مجبرون على تقديم التنازلات المطلوبة والتي ستستمح لهم بالحفاظ على المعونات الحكومية التي ألفوها؟ وهل هم مستعدون لما سيأتي في حال خسروا رهانهم هذا؟

التعثّر، أي الامتناع عن تسديد القروض لأسباب قاهرة، هي إحدى مخاطر عمليات الإقراض، فعملية الإقراض، كما نوّهت مجلة "بيزنيس إنسايدر،" بطبيعتها مغامرة خطيرة من حيث كونها رهان، لا يمكن ضمانه 100%، على قدرة المقترض على التسديد خلال الفترة المتفق عليها وبالطريقة المتفق عليها مع الفائدة المتفق عليها، فالفائدة هي مصدر الربح وهي الدافع الأساسي وراء القبول بهذا الرهان. لذا لا يمكن اعتبار موقف سيريزا هنا خارج عن تقاليد النظام الرأسمالي.

لكن لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتوقّف كثيراً عند هذه الاعتبارات. لأن وجود دول أوروبية أخرى تعاني هي أيضاً من مشكلة الديون مثل إسبانيا والبرتغال وإيرلندا وإيطاليا سيجعلها تفكير عميقاً فيما إذا كان بوسعها خلق سابقة يمكن لهذه الدول الاعتماد عليها في علاقتهم مع الاتحاد الأوروبي في المستقبل القريب. لقد بات مستقبل منطقة اليورو وربما الاتحاد الأوروبي ذاته على المحك الآن. ومن هذا المنطلق، يمكن لدول الاتحاد أن تختار معاقبة اليونان وتعويض البنوك المتضرّرة بغية توجيه رسالة واضحة للدول الأخر في هذا الصدد بأن إعلان التعثّر أو الخروج من منطقة اليورو قرار له توابع خطيرة وضارة بالبلد ذاته قبل الاتحاد.

صورة لقادة البريكس خلال قمة البريكس السادسة والتي عقدت في البرازيل في تموز 2014 وأعلن خلالها عن تأسيس مصرف البريكس.
وعلينا أن نذكّر اليسار العالمي للمرة الألف أن لابديل في المرحلة الحالية عن النظام العالمي القائم، وأنه ما بوسع، لا روسيا ولا الصين ولا إيران ولا غيرها من الدول، أن تأسس هذا البديل في هذه المرحلة لأن كل هذه الدول باتت تلعب اللعبة نفسها، ووفقاً لذات القواعد، وإن قدّمت في بعض الأحيان ما يمكن اعتباره شروطاً أفضل، كما تحاول الصين أن تفعل من خلال تأسيس مصرف التنمية العالمي الجديد الذي أسّسته بالتعاون مع دول البريكس الأخرى (أي روسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا). لكن هذه الخطوة، إن أثبتت نجاحها، لن تغير قواعد اللعبة كثيراً، لأنها لا تمثّل إلا نوعاً من المضاربة على بعض مؤسّسات النقد العالمية الغربية المنشأ أو الواقعة تحت تأثيره.

لن تؤدي أية من هذه التطوّرات إلى انتصارات للفلاحين والعمال والفقراء، بل ستعود عليهم بالويلات، وسيدفعون ثمنها أولاً وغالياً. وإذا لم يكن بوسع اليساريون أن يستوعبوا هذه الحقيقة بمضامينه الخطيرة، كما تدلنا على ذلك احتفالاتهم الحالية، فذلك لأنهم ماهوا في منظورهم الإيديولوجي ما بين الشر والغرب. إذ لم يعد بوسع الشرّ أن يأتي من الشرق في منظورهم على ما يبدو، لأن شعوب الشرق أضعف وأكثر تخلّفاً من أن تقدر على ذلك. فالشرق ضحية، الشرق خصيّ. نعم، لقد أصبح اليساريون المفكرين الأكثر استشراقاً في العالم. واليونان المعاصر، على الرغم من كل ما قدمه اليونان القديم للحضارة الغربية، بات يعد في منظور الكثيرين جزءاً من الشرق لا الغرب.

بل لقد قام الباحث الإسرائيلي آموتز أسائيل مؤخراً استناداً إلى التطورات الحالية في اليونان بتشجيع اليونان على مغادرة الاتحاد الأوروبي والعمل على إحياء رؤية أسكندر المقدوني القديمة من خلال تأسيس اتحاد ليفانتي بالتعاون مع تركيا وقبرص ومصر وإسرائيل والفلسطينيين، مع ترك المجال أمام سوريا ولبنان للانضمام لاحقاً عندما تسمح أوضاعهما الداخلية بذلك.

ولا يوجد أية مشكلة في هذا المقترح، بل، ومن منطلق شخصي، أرى أن مشروعا من هذا النوع يتماشى مع الرؤية التي طرحتها "مؤسسة ثروة" في بيانها الصادر في دمشق في عام 2003 الذي حفّز الحكومات والمنظمات المدنية الإقليمية على العمل لإطلاق كمنويلث مناطقي يمكن له أن يشجع العملية التنموية في المنطقة ويسمح لها بالتعامل مع بعض القضايا المناطقية والقومية والفئوية الحسّاسة بمرونة أكثر، لأن أية تنازلات سيادية وأي تعديل في الحدود إذا ما ترافق مع عملية تجميع من خلال الانضمام إلى كمنويلث مناطقي مشترك لن يخلّف الكثير من الآثار السلبية على الدول المعنية وشعوبها، بل على العكس، سيساهم هذا التطور في بناء جسور للثقة ما بين المكونات المختلفة للمنطقة سامحاً لشعوبها بتركيز جهودها على القضايا التنموية.

ويبقى هذا الطرح في هذه المرحلة حلماً، ولن يكون له تأثير إيجابي ملحوظ فيما يجري في اليونان وسوريا، وغيرها من دول المنطقة، من تطورات مأساوية.