الخميس، 16 يوليو 2015

ملاحظات حول الطبيعة الإنسانية والنظام الدولي

شعارات للفوضويين في الغرب

ما يزال الكثيرون اليوم ينتقدون الغرب ككلّ، بحضارته وثقافاته واقتصادياته وسياساته، ويحلمون باندحاره وبسقوط النظام العالمي الذي وضع دعائمه، كل ذلك دون أن يقدم أحد رؤية ما لأيّ بديل عملي وعقلاني. بل، يبدو أن معظم المنتقدين هنا متصالحين تماماً مع فكرة أن الفوضى هي البديل الفعلي على المدى المنظور في حال تحقّق حلمهم وانهار الغرب.

الخراب ولا الغرب. إنها للعمر عقيدة غريبة، ولا يوجد ما يبرّر كل هذا الحقد الكامن في نفوس من يتبنّوها إلا الفشل والعجز والرغبة في التحصّل على ما لا يمكن للمرء كسبه بجدارة واستحقاق. فالخراب، إن تحقّق، هو الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها للبعض أن يبنوا أمجادهم: إقطاعيات صغيرة يكونوا فيها ملوكاً وليس مجرد طفيليين كما هو حالهم اليوم.

ولا فائدة تُرجى هنا من الصراخ "يا فوضويو العالم اتحدوا!" فهم، إن اتحدوا، فعلى الترهات والتفاهات والأوهام والأكاذيب. لكن الواقع أنهم لن يتحدوا أبداً، فهذا مخالف لطبيعتهم العقائدية في الصميم. وسيبقوا يتصارعون فيما بينهم على الفتات والأوهام. وفي أسوأ تجلياتهم وأكثرها عنفاً، لن يزيدوا عن كونهم  قتلة مأجورين، وإرهابيين، ولن يشكلوا أكثر من تحدّ أمني الطابع بوسع معظم دول العالم أن تحمي نفسها منه، بل وأن تستغلّه في صراعاتها مع الدول الأخرى من ناحية، ومع شعوبها من ناحية أخرى.

وفي هذه الأثناء، وبينما ينخرط فوضويو العالم في الأدلجة والمهاترات، ستستمر عمليات التحاصص ما بين القوى الفاعلة في الغرب والشرق، والشمال والجنوب، وسيستمر الدمار في أكثر من دولة ومنطقة في العالم. وتقع المسؤولية عن هذا الواقع المرّ على عاتق أقوياء العالم وحمقاه معاً.

من هو صاحب القرار هنا، من يدير العرض: الراقصة أم الطبال؟ أم كلاهما، لأن لا فرق بينهما، أو لأنهما يتناوبان على الدورين، فالظلم بطبيعته علاقة تفاعلية وتعاونية وتشاركية؟

إن كان ثمة محرّك لهذه التطورات الكلبية (السينيكية) فهي طبيعتنا البشرية إياها، بما فيها من مخاوف وأطماع ومصالح وغباء وعمىً إيديولوجي... هذه هي الطبيعة الحقيقية للمؤامرة القائمة. نعم، نحن المؤامرة والمتآمرون. نحن أصحاب القرار. نحن الراقصة والطبال.

من شعارات الفوضويين الإسلاميين

(2)

غالباً ما يحجّ أثرياء العالم، والكثير من أصدقائهم من ذوي النفوذ بحكم مناصبهم السياسية أو العسكرية، أو مكانتهم الاجتماعية، أو صفتهم الدينية، وبصرف النظر عن بلد المنشأ، إلى نفس الأماكن والبقع في العالم، بغرض العمل والمتعة، فتتقاطع دروبهم حتى في الوقت الذي تتضارب فيه مصالحهم، مما يعطيهم فرصاً أكبر للتنسيق، وللاختلاف، بشكل منظّم ومنهجي. وهو أمر تسهّله عليهم أيضاً قلّة عددهم النسبية.

وعلى الرغم من تنوّع خلفياتهم الثقافية والإثنية والدينية والسياسية، إلا أن الطبيعة الاستهلاكية للعالم، الذي ساهمت هذه النخب في بنائه، وماتزال تساهم في إدارته واستغلاله، أدت إلى تشكيل العديد من المؤسّسات التي تهدف إلى خدمتهم والتعييش منهم، سواء من خلال تقديم خدمات ومنتجات حصرية، أو تعديل بعض المنتجات الموجّهة للاستهلاك العام لتتلائم مع وضعهم الطبقي والذائقة الخاصة بهم. ومع الوقت، ساهمت هذه المؤسّسات في بناء ثقافة مشتركة تجمع هذه النخب وتعزلهم عن الطبقات الأخرى، بثقافاتها وهمومها. وقد يكون بوسعنا اليوم، من خلال دراسة وتحليل ثقافة النخبة وتفاعلاتها، التنبوء ببعض تصرفاتها وقراراتها على الأصعدة المختلفة، المهني منها والشخصي. وقد يساعدنا هذا الأمر أيضاً على تفهّم طبيعة مصالح النخبة ودوافعها.

لكن، ومن أجل فهمهم أكثر وأكثر، علينا أن نتعامل معهم كما هم: أي كأشخاص حقيقيين وليس كأشباح وخيالات. فنحن، في الحقيقة، نعرف معظمهم، فأقلية منهم فقط هي التي اختارت تجنّب الأضواء، ودور هؤلاء ليس أكبر أو أصغر بالضرورة من دور نظرائهم وزملائهم.

فمن هم إذاً أعضاء هذه النخبة الحاكمة والمتحكّمة في العالم؟

إنهم كبار رجال الأعمال والمستثمرين والمدراء التنفيذيين للبنوك والشركات النفطية والغذائية والدوائية والتقنية في العالم، وهم أيضاً جنرالات في الجيوش الكبرى في العالم، ورؤساء الدول العظمى وبعض الأنظمة الإقليمية. وبوسعنا أيضاً إضافة عدد لابأس به من الباحثين والخبراء والعلماء والفنانين والفلاسفة ورجال الدين إلى اللائحة.


ويمكن التعرّف على معظم هذه الشخصيات من خلال بحث بسيط على الإنترنيت. وما أن نفعل ذلك سنعرّف عن آراء وتصرفات بعضهم  ما يكفي لإثارة العديد من التساؤلات حول قدرتهم الحقيقة على حبك المؤمرات. فإذا كان منهم جورج سوروس، رجل الأعمال الديموقراطي الذي ساهم من خلال مؤسّساته الخيرية المختلفة بدعم عمليات التغيير الديموقراطي في أوروبا الشرقية، فإن منهم أيضاً دونالد ترمب، المليونير النرجسي صاحب التعليقات العنصرية والتحليلات السطحية الذي رشّح نفسه مؤخراً في الانتخابات الأمريكية ممثلاً عن الحزب الجمهوري.

وهناك، علاوة على ذلك، جيل جديد يبرز على الساحة اليوم، جيل بنى ثروته ونفوذه من خلال الإنترنيت، منهم مؤسّسو ومدراء شركات مثل جوجل والفيسبوك وآبل وأي. بي إم. وغيرها من الشركات التي أصبح بعضها أغني وأكبر من شركات النفط. وحتى اللحظة، يبدو معظم هؤلاء مشغولين أكثر بربط وتشبيك الدول والشعوب مع بعضها البعض عن طريق الإنترنيت، منهم بتأليبها وتحريضها.

(3)

مازال معظم الناس واقعين تحت سلطة الرؤية القديمة حول عمليات إدارة التفاعلات العالمية، التي كان التخطيط لها يجري سرّاً ووراء الأبواب المغلقة، كما كان الحال مع اتفاقية سايكس-بيكو. لكن التحوّل الديموقراطي الذي شهدته المجتمعات الغربية، وعدد من دول العالم، علاوة على ثورة المعلومات والمعلوماتية، قلبت الموازين، وأصبح كل شيء اليوم يجري في وضح النهار. وهاهي السيناريوهات المختلفة التي تضعها مراكز الأبحاث العالمية، المدعومة والمموّلة من قبل النخب المتنفّذة في العالم وحكومات الدول العظمى، تُنشر وتُناقش في العلن.

ويستند أغلب هذه السيناريوهات على استقراءات موضوعية إلى حد كبير للوقائع الحالية في محاولة للتنبؤ بالتطورات المستقبلية واقتراح الخطط المناسبة لتوجييها بما يخدم مصالح النخب والدول الداعمة. لكن اختلاف الآراء والرؤى والتوجّهات عند الخبراء والساسة وغيرهم كفيل دائماً بتعقيد الأمور، ويتجلّى هذا الأمر في تناقض طرق الاستقراء وتحليل الأمور، وتضارب النبوءات والمقترحات المقدمة.

وفي الواقع، نادراً ما تقوم الدول والنخب بتصنيع الحدث هذه الأيام، لكن، وإن فعلوا، فقد باتوا يقدمون على هذا في العلن أيضاً، كما كان الحال في العراق. ولنا في التخبّط الأمريكي هناك مؤشّراً ممتازاً على نوعية "المؤامرات" التي تحوكها حتى أكثر النخب ثراءاً، وقوة، وهيبة.

نعم، لقد أصبح لزاماً علينا اليوم أن نتخلّص من تلك العقلية المهترأة التي ماتزال تنظر إلى بعض الدول والشخصيات وكأنها قادرة على التحكّم بكل شيء، وتوجيه كل الأحداث من مواقعها في الظلال ووراء الكواليس. فالواقع أن كل القوى معرّضة للزلات والهفوات، لكن الأنظمة الديموقراطية الراسخة تبقى، من خلال مخزونها المعرفي والخبراتي واستنادها إلى إرادة شعوبها، قادرة على التأقلم وعلى احتواء الأزمات، وصولاً، في بعض الأحيان، إلى استغلالها وتوجيهها بما يخدم المصالح العامة والخاصة معاً.

النخب لا تتآمر اليوم، بل تخطط في العلن

هذا هو الواقع ببساطة، ولابد لشعوب منطقتنا، بنخبها وعامتها، أن تتعلّم كيف تواجهه وتتعامل معه كما هو، ودون اللجوء إلى تلك القصص الغريبة والمستهجنة حول ما يجري في مؤتمرات عالمية مثل دافوس وبيلدربيرج، وحول الماسونيين واليهود، وبعض شخصياتهم وعائلاتهم المعروفة مثل عائلة روثـشـيلد. فإذا كانت هذه العائلة تمتلك جزيرة خاصة بها، فالممثل ليوناردو ديكابريو وغيره من مشاهير العالم يمتلكون جزرهم الخاصة أيضاً. لقد أصبح هذا الأمر موضة عند الأثرياء والمشاهير، ولايمكن استخدامه كدليل على امتلاك أحد لمخططات تآمرية خاصة تختلف عما يجري من حولنا من صراع مصالح مفضوح وعلني.

لسنا بحاجة إلى تبهير الحقائق. إن من يدير هذا العالم، ومن أداره عبر التاريخ، هم بشر مثلنا، ليس منهم من يتمتع بقوى خارقة للطبيعة، أو معصوم، أو يُوحى إليه بأفكار ومفاهيم وحقائق لا يمكننا استخلاصها بأنفسنا فيما لو أمعنا التفكير. والأهم من هذا أننا، أي نحن البشر الذين لا ينتمون إلى الطبقات المتنفّذة ، نبقى، بشكل أو آخر، شركاء في عملية إدارة العالم، وذلك من خلال خيارتنا في الحياة، بما في ذلك الخيارات اليومية، وعمليات البيع والشراء، ومشاركتنا في الانتخابات والثورات، ومن خلال الفن، والتحليل والتنظير، إلى آخرها من وسائل.  فإن كان العالم المعاصر لا يعجبنا، فالعيب منا أيضاً، وليس فقط في النخب. التغيير إذاً يبدأ منا، وما الإيمان بنظريات المؤامرة والترويج لها إلا محاولة للتنصّل من هذه المسؤولية.

إن ما يجري في العالم اليوم، وما جرى عبر التاريخ، لا يزيد عن كونه عملية تنافس وصراع ما بين شخصيات ومجموعات ودول وكتل عدة حول الموارد الطبيعية المتوفرة، وكيفية استغلالها من حيث الإنتاج والنقل والتصنيع والتطوير والتسويق، وحول المنافع والخسائر التي يمكن أن تنجم عن تحصّل الجهات المختلفة على حصص ونسب أصغر أو أكبر من هذا كله. ولا تهدف محاولات استقراء المستقبل والتخطيط له من قبل بعض الجهات إلا إلى تمكينها من التأقلم وبسرعة مع المتغيّرات بغية تكريسها لصالحها وتوجيهها في الاتجاهات المناسبة لها.

ولا يشكّل أيّ من هذه الأمور بالضرورة حدثاً استثنائياً، أو إجرامياً، أو لاأخلاقياً، أو مخالفاً للشرعية الدولية، وإن أدى إلى ذلك في بعض الأحيان، أو الكثير من الأحيان. ولايمكن إدانة هذه النشاطات بذاتها، لأنها كانت وستبقى محور حياتنا اليومية. لكن بوسعنا، بل ينبغي علينا، أن نطالب بإدارتها بشكل أفضل، وبمزيد من الشفافية، وبطرق تحفظ حقوق الدول والشرائح الأضعف.

إن ما هو غير عادي واستثنائي في هذا الصدد هو وجود دول وشعوب ماتزال نخبها الحاكمة والمتحكّمة غير قادرة أو راغبة في تفهّم وتقبل هذه الأمور والسعي للتعامل معها على نحو أفضل، نخب تتطلّب مصالحها الفئوية الضيقة عزل شعوبهاعن العالم ما أمكن، وتكريس الجهل والفقر بينها. إن الخيارات الداخلية لهذه النخب وصمت الشعوب الطويل حيالها هي العامل الأساس في إضعافها وتهمّيشها مما يجعلها عرضة للتدخّل والتلاعب الخارجي من قبل الدول والنخب الأقوى.

إن الإصرار على رفض هذا المنطق مقابل التمسّك بنظرية المؤامرة هي طريقة للتهرّب من المسؤولية كما ذكرنا، الأمر الذي يساعد النخب على تكريس سيطرتها، ويعفي الشعوب من ضرورة المواجهة إلى أن تفرض المواجهة نفسها بشكل عشوائي وفي غياب كارثي للرؤى والأدوات اللازمة لإدارتها.

(4)

أما فيما يتعلّق بالطبقات الوسطى والفقيرة والمعدمة، فبسبب حجمهم الديموغرافي الكبير، علاوة على تنوّعها الثقافي والإثني والديني والسياسي المذهل، وقوة انتماءاتها في هذا الصدد على وجه الخصوص، ففي غياب حكومات ديموقراطية الطابع، يستحيل على هذه الطبقات أن تنظّم نفسها على نحو فعّالٍ وكافٍ يسمح لها بالتعويض عن فساد واستبداد وإهمال نخبها الحاكمة والمتحكّمة، وإيجاد وسائل للمشاركة في صنع القرارات المحلية والدولية المؤثّرة في ظروفها المعيشية وفي تشكيل مستقبلها. ولايمكن في هذا الصدد حتى لتلك الثقافة العالمية المشتركة، بآمالها وتطلّعاتها، التي تشكلت تحت تأثير الثقافة الاستهلاكية العالمية أن تفعّل عمليات التعاون عابرة الحدود ما بين هذه الطبقات على نحو يمكن له مساعدتها على التأثير في مجريات الأمور.

مشكلة النظام العالمي إذاً ليست مسألة تآمر سافر، بل مسألة ظروف وشروط تتوفّر للبعض ولا تتوفّر للبعض الآخر جرّاء طبيعة التفاعلات الإنسانية المألوفة إياها ومنذ أبد الدهر.

فمن منا مستعد للتخلّي طوعاً عن المكاسب والمنافع التي جاءته بحكم ولادته في طبقة معينة أو نجاحه في الانخراط فيها؟ نعم، بوسعنا أن نستنبط المبادئ السامية حول الحقوق والواجبات، لكن تحويلها لهواجس ودوافع أمر آخر تماماً، ومن هنا ينبثق النفاق، وكلنا بشكل أو آخر مذنبون.

تفسير الأمور والمجريات من منطلق التآمر لاينفع، فكل ما يجري في عالمنا هذا ما هو إلا تعبير عن مكنوناتنا وطبيعتنا الإنسانية إياها. لذا، التغيير الحقيقي لا يبدأ إلا من هنا، من الذات. ومع الوقت، سيكون لهذا التغيير تجلياته السياسية والاجتماعية والثقافية إلى أن نصل إلى تلك النقطة الحرجة التي تسمح بالانعطاف وتغيير المسار وفقاً لرؤية ما، أو، بالأحرى، لإطار فكري ما تشكّل من خلال تواصلنا وتفاعلاتنا، السلبي منها والإيجابي.

صرخة العامة" للفنان التشيكي جوزف فاشال"

(5)

في السابق، كان الناس لا يتوحّدون  إلا في مواجهة عدو مشترك، لكن يبدو من الواضح أننا قد وصلنا إلى مرحلة في تاريخنا أصبح العدو المشترك الوحيد لنا فيها هو أنفسنا، هذا ما لم يأتنا عدو من الفضاء الخارجي. نعم، نحن عدونا الحقيقي اليوم، وتتجلّى هذه الحقيقة خاصة من خلال ذلك الميل فينا لتجاهل المضامين الحقيقة لوحدتنا في هذا الكون، وعلى هذه الأرض.

لكن الواقع، وحتى إشعار آخر، أننا بمفردنا في هذا الوجود، بمفردنا ككائنات ذكية وواعية بذاتها. لذا، نحن المسؤولون وأمام أنفسنا عن كل ما نفعل، وكل ما يُفعل باسمنا من قبل بعضنا، وكل ما يجري من حولنا، حتى إن لم يكن لنا علاقة مباشرة به. إذ، وحتى اللحظة، لا وجود لبديل لنا ولا لشريك معنا في هذا الوجود. الدنيا حقل تجاربنا نحن، وكل منا عالم وفأر في آن. إن في هذا الإدراك حرية عظيمة وعبء كبير.