الخميس، 2 يوليو 2015

مبادرة ثروة للحل السياسي في سوريا: ملاحظات استباقية

من المؤتمر الصحفي الذي عقد عقب انتهاء لقاء الأستانة في 28 أيار، 2015

قبل قراءة نص مبادرة مؤسسة ثروة فيما يتعلّق بإيجاد حل للأزمة السورية، أريد أن ألفت انتباه المهتمين إلى النقاط التالية:

(1)

أرجو عدم الخلط ما بين المبادرة المطروحة باسم مؤسسة ثروة لحل النزاع في سوريا (والتي سأنشرها قريباً جداً)، واللقاء الذي جرى في أستانة، والذي شاركت فيه للإستئناس بآراء شخصيات لم ألتق معها سابقاً وما تزال تلعب دوراً ما في العمل السياسي، بصرف النظر أعجبنا هذا الدور أم لم يعجبنا. لقاء الأستانة لم يتبن المبادرة، ولم يكن مطلوباً منه أن يتبناها.

ففي الواقع، ومن منطلق سياسي بحت، لا يمكن، بل لا ينبغي، لأي مجموعة من مجموعات المعارضة، بما فيها الإئتلاف، أن تتبنى هذه المبادرة في هذه المرحلة. بل ينبغي على هذه المبادرة أن تطرح من قبل أشخاص قادرين على تحييد مشاعرهم والوقوف على مسافة متساوية من كل أطراف النزاع في الداخل والخارج، بما فيها الدول المعنية بالشأن السوري، وذلك بصرف النظر عن الآراء والمشاعر المتعلقة بشخصيات بعينها، مثل بشار الأسد وغيره.

(2)

لم يسبق لي أن خوّنت أي شخص في المعارضة، حتى لو كان حديث العهد بها، مهما كان اختلافي معه، ولن أفعل. ومما لاشك فيه عندي أن الكثير من الشخصيات التي كانت مواقفها "رمادية" في مرحلة سيصبح لها دور هام في المرحلة القادمة بسبب تغير على الأرض.

(3)

نعم، الحل في سوريا أصبح بيد القوى الإقليمية والدولية، بل كان بيدها من البداية، وهو أمر نوّهت إلى أهميته عندما بدأت قوى المعارضة تدعو إلى ثورة في سوريا في شباط 2011، وتم حينها ليس فقط تجاهلي، بل تخويني أيضاً.

(4)

لكنّ كون مفتاح الحل بيد قوى خارجية لا يعني أنه لا يوجد دور للمعارضة وللناشطين، بل من واجبنا أن نتواصل مع الجميع لكي نطرح الحل الذي يناسبنا، ولكي لا نسمح لهم بتدويم الصراع، كما فعلوا في السودان والصومال وأفغانستان، وغيرها من الدول المنكوبة. هذا يبقى واجبنا في هذه المرحلة بصرف النظر عن ضآلة فرص النجاح المتاحة لنا.

(5)

السياسية ممارسة وكلنا يتعلمها الآن، أو هذا ما أرجوه على الأقل، لأن فرصة العمل لم تكن متاحة لنا في السابق، حتى فيما يتعلق بمعارضة الخارج المقيمة في الدول الديموقراطية لأنها بقيت رهينة القيود الإيديولوجية التي فرضتها على نفسها.

(6)

لقد تكلمت عن التقسيم منذ بدايات الثورة وقبل أن يصبح موضة. أرجو قراءة هذا المقال مرة أخرى لأنه قد يفسر ما أحاول أفعله اليوم بشكل أفضل، ربما، من أي كلام جديد.

(7)

مشكلتي ليست مع التقسيم، فالحدود ما بين الدول، الصغيرة والكبيرة، تبقى عرضة للتغيير، وقد يجلب تغيير الحدود معه منافع كثيرة للجميع، إن ترافق مع عملية سياسية جدية وأحسن الجميع إدارة العملية الانتقالية. ما يهمني في هذه المرحلة هو إيقاف الدمار وتحويل عملية التغيير القائمة من عملية عسكرية صرفة إلى عملية سياسية جدية يتم من خلالها مناقشة جملة من القضايا الحساسة التي ما يزال الكثيرون يصرّون على تجاهلها من منطلقات إيديولوجية وعاطفية ومصلحية.

(8)

التقسيم لا يمنع أو يوقف الحروب بالضرورة، بل غالباً ما يسعّرها (السودان وجنوبه مثلاً). وحدها العمليات السياسية الجدية، بما فيها من مساومات وتنازلات، قادرة على تحقيق السلام وإعادة الاستقرار والسماح بالمضي قدماً على طريق إعادة البناء والدمقرطة والتنمية.

العراق وسوريا واحتمالات التقسيم


(9)

ما أسعى إلى تحقيقه حالياً هو تشكيل مجموعة عمل صغيرة مؤلفة من عدد من الناشطين والتكنوقراط للتواصل مع كافة الأطراف الداخلية ولإقليمية والدولية، لدفع هذه المبادرة إلى الأمام، وتحقيق هدنة طويلة الأمد على الأرض تسمح بإطلاق عملية سياسية جدية للتدارس الوضع السيادي والقانوني والإداري النهائي لسوريا. على من أراد المشاركة في هذا الأمر أو تقديم الدعم له التواصل معي.

(10)

لقد أصبح بشار الأسد مجرد بيدق في هذه اللعبة، وذلك منذ بداية التدخل الإيراني السافر في سوريا. ولم يعد من المفيد أن نستمر في ربط مفهومنا للنجاح أو الفشل بمصيره. إذا أراد بعض السوريين أن يستمر الأسد كممثل لهم على الساحة السياسية  في هذه المرحلة فهذا شأنهم، لأنه من الواضح أنه لم يعد، ولن يصبح من جديد، ممثلاً للسوريين جميعاً. بل حتى الدول التي ما تزال تؤيده لم تعد تتعامل معه على هذا الأساس.

وفي الحقيقة، تشكّل مشاركة النظام في مؤتمري جنيف 1 و2 وقبوله الجلوس مع المعارضة على طاولة الحوار اعترافاً علنياً ورسمياً بأن النظام لم يعد يمثل إلا شرائح معينة من السوريين وإن المعارضة تمثل الشرائح الأخرى. لقد تحدّد مصير الأسد منذ تلك اللحظة، وإن كان هو لا يدرك ذلك فهذه مشكلته، لكن المشكلة الأكبر هو أن الكثيرين منا لا يدركون ذلك أيضاً، ولا يفهمون مضامينه.

(11)

أما فيما يتعلق بموضوع العدالة الانتقالية فلا يمكن الخوض بشكل جدي في هذا الأمر والحرب الأهلية ما تزال مستعرة. ولايتعارض القبول ببشار الأسد كممثل لبعض السوريين في العملية السياسية المزمعة مع إمكانية تحريك هذه القضية ضده في أي وقت، لأن الأمر بات مرتبطاً من الناحية القانونية بإرادة مؤسسات دولية مستقلة شُكّلت لهذا الغرض أصبح في حيازتها الكثير من الوثائق التي تدين بشار وغيره فيما يتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتفاويض رسمية من مئات سوريين لملاحقتهم. ولم يعد بالإمكان تحصين أحد من المسائلة إلا من خلال قرار أممي، أي قرار لمجلس الأمن. ولايمكن للأسد وغيره من شخصيات المحورية في النظام إن يشملوا في قرار من هذا النوع ما لم يتنازلوا عن كل شيء ويغادروا البلد.

(12)

أما فيما يتعلّق بالعدالة الحقيقية، أي العدالة التي تشفي الصدور والآلام، فهي لا تتحقّق من خلال ملاحقة ومعاقبة لجرمين وحسب، بل من خلال مواصلة السعي وراء تحقيق أهداف الثورة على مدى العقود القادمة. ولا ننسى هنا أن الثورة الفرنسية لم تحقق أهدافها إلا بالتدريج وعلى مر قرنين ونيف من الزمن شهد الفرنسيون الحالمون بالحرية والإخوة والمساواة خلالما انتكاسات عدة.

أما فيما يتعلّق بروسيا والصين وإيران، فالنضال ما يزال مستمراً. ليست خيانة أوعيباً إذاً أن نقبل مرحلياً بما هو أقل من طموحاتنا وتوقعاتنا الأولى، بل تكمن الخيانة والعيب في تبنينا لعقلية النظام وداعش العدمية، عقلية "كل شيء، الآن، أو لاشيء،" عقلية تحويل الصراع إلى هدف بحد ذاته عوضاً عن كونه وسيلة. إن عملية التغيير الديموقراطي عملية طويلة الأمد، ولايمكن اختزالها بسنوات عدة بصرف النظر عن حجم التضحيات والخسائر.

من ناحية أخرى لن تضيع أهداف الثورة من خلال محاولة إطلاق عملية سياسية جدية، والمشاركة فيها، أو من خلال تقديم بعض التنازلات المرحلية، بل هي أكثر عرضة للضياع عندما يصرّ الثوار والجهات الممثلة لهم، على الانخراط في صراع عدمي بلا رؤية أو هدف.

(13)

هناك فرق شاسع ما بين تغيير المواقف وتطويرها للتماشى مع تطور الأحداث على الأرض. من هذا المنطلق، نعم أنا لم أكن مع الحوار في البداية، لا مع النظام، ولا مع روسيا، ولا مع إيران، لأني أعرف طبيعة النظام، وأعرف أنه لن يكون جدياً في أي حوار قد يدخل فيه مع المعارضة ما لم يتم تغيير موازين القوى على الأرض.

والأمر نفسه ينطبق على موضوع الحوار مع روسيا وإيران. وكان يمكن لموقف أمريكي وأوروبي إيجابي تجاه دعم المعارضة، خاصة في طور العمل السلمي، أن يغير الكثير، لكن، ونتيجة لظروف معينة لم يكن ما أردنا. ولا جدوى من التباكي اليوم على ما حصل وما لم يحصل، أو من تبادل اللوم حياله، المهم أن نقوم بتحليل وفهم الأسباب، لكي تصبح جهودنا المستقبلية أكثر فعّالية.

من لقاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ووزير خارجية الأسد، وليد المعلم، في موسكو في 26 حزيران، 2015

(14)

لقد بات من الواضح في هذه المرحلة أن موقف بوتين فيما يتعلّق بسوريا أصبح أكثر مرونة، بصرف النظر عن التصريحات الرسمية، وذلك بسبب بروز النصرة وداعش على الساحة من ناحية، وفتح جبهات أخرى للمواجهة مع الغرب من ناحية أخرى. لذا، لقد أصبح بوسعنا الانخراط في حوار بناء مع الروس في هذه المرحلة.

(15)

أما فيما يتعلق بإيران، فالقضية أكثر تعقيداً.

فمن ناحية، يمكن لنجاحها في التوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة والدول الغربية، ولتحرير أكثر من 150 مليار من الأموال المحتجزة، أن يجعلها أكثر إصراراً على دعم الأسد وإطالة أمد الصراع في سوريا. أو، على النقيض من هذا، يمكن لهذا النجاح أن يجعلهم أكثر انفتاحاً على جميع أطراف الصراع في سوريا وليس فقط الأسد ونظامه. إذ قد يتمكن الإيرانيون من خلال إقامة علاقات تعاون أقتصادي وأمني مع أطراف المعارضة والمناطق الخاضعة لسيطرتها أن يتوصلوا لصيغة تحفط مصالحهم الحيوية فيها بشكل أفضل مما يمكن التحصل عليه من خلال العمليات العسكرية.

من ناحية أخرى، يمكن لفشل المباحثات الحالية المتعلقة بالملف النووي الإيراني، أن تضعنا أمام نفس الخيارين: المزيد من التعنّت والتطرّف من منطلق التحدي، أو انفتاح مشروط من منطلق الرغبة في تحجيم الأعباء المادية الناجمة عن استمرار الحصار الاقتصادي ضد إيران.

في كلتي الحالتين، يبقى احتمال التعنّت والتطرّف أقوى من احتمال الانفتاح والمرونة، وذلك لوجد بعد عقائدي في طريقة التعامل الإيرانية مع الملف السوري وغيره من القضايا الخارجية. فإذا، كانت جميع الصراعات والخلافات ما بين القوى الكبرى اليوم تحاصصية أكثر منها عقائدية الطابع، لا تنطبق هذه الملاحظة على إيران فيما يبدو، بخلاف ما تعتقده إدارة أوباما ومؤيدوها. لكن وجود بعد عقائدي لا يحتم الفشل في أية مباحثات مع إيران، لكنه ومن دون شكّ، سيجعلها أكثر تعقيداً.

(16)

عملياً، تدعو مبادرة ثروة إلى عملية سلام في سوريا، ومنطق عمليات السلام يختلف بشكل جوهري عن منطق العمل الثوري. فعمليات السلام تشرعن كل أطراف النزاع من منطلق وجود جهات داخلية وخارجية داعمة ومؤيدة لكل طرف منها. ولا تجرّم عمليات السلام أي طرف في النزاع، لكن تعلن لاشرعية ممارسات بعينها، بصرف النظر عن مرتكبيها. هذا يعني، من الناحية النظرية، أن بوسع داعش نفسها أن تصبح طرفاً في عملية السلام المزمعة فيما لو أعلنت نبذها لبعض الممارسات. لا أحد يتوقع ذلك من داعش بالطبع، لكن أريد أن أوضح هنا منطق عمليات صنع السلام.

يشكّل هذا المنطق أزمة عميقة بالنسبة للأشخاص العاملين في الحقل الثوري، لكننا أصبحنا نتعامل هنا مع حرب أهلية، وغزو خارجي، بل استيطان، وتدخلات من كل حدب وصوب، وهو الأمر الذي يفرض علينا تغيير أولوياتنا واستراتيجياتنا في هذا المرحلة.  الأهداف تبقى هي هي، وحدها الوسائل والمقاربات هي التي تتغير. وطالما أننا ندرك في العمق أن التغيير الديموقراطي عملية طويلة الأجل بطبيعتها، لا يوجد ما يدعو لليأس في تغييرنا لأولايتنا المرحلية.

(17)

وإن قيد لهذه المبادرة الفشل، وهو الاحتمال الأقوى في الواقع، فلا يعني هذا أن كل شيء قد انتهى. إذ طالما جاءت مساعينا بشكل منظّم وممنهج، سنكتسب من خلالها مصداقية كبيرة عند معظم الأطراف قد تؤهلنا في مرحلة قادمة لإحياء مبادرتنا، أو لإطلاق مبادرة جديدة، أو لتوجيه النصح والإرشاد لأية جهة جديدة تسعى لإطلاق مبادرة واقعية.

(18)

السياسي المخلص لشعبه ووطنه ومبادئه يقول للجميع بعض ما يريدون أن يسمعوه على الأقل، أما الناشط المخلص فيفعل العكس تماماً، ويقول لكل طرف ما لا يريد أن يسمعه. لأن الناشط يسعى دائماً إلى التغيير عن طريق حثّ الجميع على مواجهة الواقع، خاصة إن كان بشعاً، أما السياسي فيكتفي بالتعديل، ويسعى إلى تخفيف وقع الحقائق الصعبة على الناس ليتقبلوها ويعطوه فرصة أخرى لدفع العربة إلى الأمام. السياسي والناشط، كلاهما محق، وكلاهما ضروري، ما فهم كل منهما طبيعة عمله. لكن مشكلتنا في الواقع ، أننا غالباً ما نجد أنفسنا منغمسين في السياسة والنشاط (أو المناصرة) معاً، ومن هنا يبرز التناقض السافر في بعض مواقفنا. ولا يوجد حل لهذا الأمر غير الانغماس في مراجعة دائمة للنفس وللمسار، وغير السعي الدائم لتحقيق التوازنات المناسبة لكل مرحلة.