السبت، 22 مايو 2010

عمار عبد الحميد: ألتقي بالإسرائيلين وأقول للنظام وداعاً


النشرة السورية / ثروة/ 22 أيار، 2010

لن نبالغ إذا قلنا أن عمار عبد الحميد هو من أكثر المعارضين السوريين إثارة للجدل، ففيما يرى البعض به مثالاً للناشط المعارض والذي يحاول تسخير كل الموارد التي يستطيع الحصول عليها لخدمة قضية الحريات والديمقراطية في سورية، يجد البعض الأخر بتصرفاته إساءة إلى المعارضة السورية من خلال الدعم الذي يتلقاه من الإدارة الأمريكية وإجتماعاته بإسرائيليين والمجاهرة بقيامه بهذه الإجتماعات.

أسس عمارعبد الحميد مؤسسة ثروة في الولايات المتحدة عام 2005 إثر طرده من سوريا في إجراء نادر الحدوث برره البعض بأن أجهزة السلطة لاتريد إفتعال ضجة إعلامية حول إعتقاله وخصوصاً أنه نجل الممثلة السورية المعروفة منى واصف، إختلفنا أم إتفقنا مع عبد الحميد لكن لانستطيع أن ننكر أن الرجل صريح ومباشر إلى أبعد الحدود، وبصراحته المعهودة كان للنشرة السورية هذا اللقاء معه.

أولاً لنبدأ بوضعكم اليوم ووضع مؤسّسة ثروة في ظل إدارة الرئيس أوباما ومدى دعم الإدارة الأمريكية الحالية للشخصيات والأحزاب السورية المعارضة والتي تنادي بالديموقراطية والإصلاح في سورية وهل مازال الملف السوري ضمن قائمة أولويات الإدارة الأمريكية كما كان حال في عهد الإدارة الأمريكية السابقة؟

بات من الواضح عبر الأشهر القليلة الماضية أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تهتم على الإطلاق بقضايا الحريات والديموقرطية في المنطقة ككل، وليس فقط في سورية، وبات من الواضح أيضاً أنها تفضّل تبنّي مقاربة أكثر انفتاحاً، في هذه المرحلة على الأقل، على الأنظمة الحاكمة في محاولة للتوصّل إلى بعض نقاط الاتفاق، عوضاً عن خلق مواجهات ترى هذه الإدارة أن الولايات المتحدة في غنى عنها. وربما كانت نقطة الاتفاق الأولى التي تحبّذها هذه الأنظمة ورأت فيها إدارة أوباما نقطة جيدة للانطلاق هي موضوع التخلّي عن أجندة دعم الحريات التي كانت إدارة بوش قد أطلقتها. 

طبعاً هذه هي السياسة الحالية لإدارة أوباما، لكن، وكما هي العادة مع السياسات الأمريكية، لا يوجد ثوابت هنا غير موضوع المصلحة الوطنية والفوز بالانتخابات، فالإدارات الديموقراطية لا تختلف عن نظيراتها الاستبدادية من حيث رغبتها في البقاء في السلطة إلا فيما يتعلّق بموضوع الوسائل وواقع أنها تبقى عرضة للمسائلة والمحاسبة الشعبية. ولاشكّ في أن إدارة أوباما ستضطر إلى مراجعة سياساتها، بما فيهم موقفها من أجندة الحرية هذا، بعد الانتخابات التشريعية القادمة والتي يتوقع أن تشهد مكاسب نوعية للجمهوريين. وفي حال فشل الإدارة في تحقيق تقدم ما فيما يتعلّق بمباحثات السلام والملف النووري الإيراني على وجه الخصوص، فسترى السنة الأخيرة من الفترة الرئاسية الأولى لأوباما تغييرات جذرية قد تؤدي إلى تفعيل أجندة دعم الحريات من جديد، والتي تلقى دعماً ملحوظاً من بعض الأطراف الجمهورية، وذلك في محاولة لاحتواء ضغوطهم والفوز بفترة رئاسية ثانية. 

سورية هي جزء صغير جداً من حسابات وملفات كثيرة التعقيد تتعلّق بإعادة تشكيل المنطقة وتأمين منابع الثروة النفطية ورسم الحدود ما بين القوى الفاعلة في العالم اليوم للمئة عام القادمة. إن قدرة النظام الحاكم في سورية على المشاغبة لا يعني أن لسورية هذا الموقع الكبير من الإعراب من وجهة نظر البيت الأبيض، بغض النظر عن هوية قاطنيه، وطالما بقيت الحدود الجنوبية هادئة والأوضاع الدخلية شبه مستقرة لن يكون عند إدارة أوباما أي دافع للضغط على سورية، واللوبي الإسرائيلي سيضغط باتجاه الحفاظ على النظام. هذا ما رأيناه حتى في أيام إدارة بوش الإبن، والتي شكّلت سياساتها تجاه سورية وعدد من دول المنطقة شذوذاً عن القاعدة المتعارف عليها، علىألقل من حيث طرحه لموضوع الحريات بشكل علني ومحوري. 

إن مشكلة النظام الحالية مع هذه الإدارة الأمريكية ومع إسرائيل تكمن في تحوّله إلى بيدق في يد حكّام إيران أو بالأحرى أظفراً لهم، مما يعطيهم حدوداً مع إسرائيل في سورية ولبنان ونفوذاً إقليمياً لا يتناسب مع مصالح الدول العظمى. وإن بدت بعض هذه الدول، خاصة روسيا والصين، غير معنية بهذا الأمر، فهذا في الظاهر فقط، لأن الكل يعتمد في خاتم المطاف على الولايات المتحدة وإسرائيل لتقوما بالمهمة القذرة بالنيابة عن الجميع. إيران نووية طرح غير مقبول عالمياً، ورهان النظام السوري على العلاقة معها رهان خاسر، وفي حال أصرّ على هذا الرهان قد يجد نفسه ضحية عملية تقليم الأظافر القادمة، بغض النظر عمن يسكن البيت الأبيض. 


إتهمتكم العديد من وسائل الإعلام بتلقي تمويل مالي كبير من إدارة الرئيس جورج بوش وأنكم إجتمعتم بمسؤولين إسرائيليين وعزز هذه الإتهامات تصريحات نسبت إليكم عن إستعدادكم لزيارة تل أبيب، ماذا تقولون حول هذه النقاط؟

لقد تلقت مؤسّسة ثروة بالفعل، علاوة على غيرها من المؤسّسات في أمريكا وأوربة، تمويلاً من إدارة بوش في محاولتها دعم حركات المعارضة والمجتمع المدني في سورية. لكن، وفيما يتعلّق بموضوع حجم هذا الدعم، فالمقياس بالنسبة لي هو حجم التحدي الذي يواجهنا: النظام الحاكم في سورية بقدراته المادية الهائلة، وسيطرته على وسائل الإعلام، وقدرته الواسعة على التواصل مع مؤسّسات المجتمع الدولي عن طريق السفارات التي تخدم مصالحه الخاصة لا أكثر. ففي الوقت الذي تتلقى فيه مؤسّسة مثل ثروة أو غيرها مئة أو مئتي ألف دولار للقيام بنشاط ما مثل مراقبة الانتخابات التشريعية والاستفتاء الرئاسي في سورية في 2007، نجد أن صرف النظام السوري على الاحتفالات المتعلّقة بالاستفتاء الرئاسي فقط، والتي بدأت مع نهاية الانتخابات التشريعية في أواخر نيسان وحتى يوم الاستفتاء أواخر أيار 2007، تجاوز عدة مئات الملايين من الدولارات! من ناحية أخرى، ظهرت على الساحة الإلكترونية في العامين الماضيين مجموعة هائلة من مواقع الأنترنيت السورية ذات الولاء المخابراتي البحت، والتي نجحت مع ذلك في استقطاب الكثير من الخامات الشابة مستغلّة حاجتها للعمل، فتمكّنت بالتالي من فرض وصايتها على هذه الخامات بشكل غير مباشر. وما أحاول أن أقوله هنا هو أن التمويل الدولي سيبقى دائماً محدوداً، لكن "التمويل الداخلي" والذي يساهم في التخريب والتفريغ الحقيقي الذي يتعرّض له المجتمع المدني في سورية، فلا حدود له إلا أمزجة وحسابات رجالات النظام. إذ لا توجد آليات للمحاسبة هنا. 

إن سياسة ثروة تجاه موضوع التمويل الخارجي بسيطة: في غياب القدرة على تفعيل الساحة الشعبية بحيث نتمكّن من خلال التبرعات البسيطة لملايين المواطنين على تمويل النشاطات التي نحن بحاجة إليها لتفعيل عمليات التغيير، وفي غياب أي اهتمام أو رغبة من قبل رجال الأعمال السوريين في الداخل والخارج في الرهان على مشروع التغيير الديموقراطي في البلد ودعم حركات المجتمع المدني وأحزاب المعارضة التي تعمل من أجل تحقيق هذا التغيير، فلابديل أمام منظمة كمنظمتنا من الاستعانة بمؤسّسات وبرامج التمويل الدولية من أجل تحريك الوضع بنسبة ما مهما كانت ضئيلة في هذه المرحلة، أقلّه الحفاظ على وجود ما لمؤسسات مستقلّة في الداخل والخارج قادرة على تقديم رؤية ما لسورية وقدراتها ومستقبلها تختلف عن تلك التي يقدمها النظام المستبد الحاكم. 

أما فيما يتعلّق بموضوع الاجتماع مع الإسرائيليين، فهذا موضوع معروف وطبيعي نظراً لأني مقيم في واشنطن العاصمة وعملت وأعمل كمستشار في عدد من مراكز الأبحاث الأمريكية التي تركّز على قضايا الشرق الأوسط على وجه الخصوص، ومن المستحيل لمن يقومون بنشاطات من هذا النوع ألاّ يلتقوا مع إسرائيليين من مختلف التوجّهات والمشارب، فهم في كل مكان هنا ولايغيبوا عن الساحة للحظة. 

لكن المشكلة ليست هنا، المشكلة أننا وبسبب غياب حرية الإعلام في دولنا ومجتمعاتنا، فرضت علينا الأنظمة الحاكمة وما تزال ثقافة المقاطعة والعزل، في حين يقوم رجالاتها وعلى كل المستويات بعقد اللقاءات الهادئة والسرية مع نظرائهم الإسرائيليين، كجزء من مشاركاتهم المتكرّرة في مؤتمرات واجتماعات دولية مختلفة، بغية التنسيق والتعاون والتفاهم، ولقد أصبحت هذه اللقاءات جزءاً من الحياة اليومية بوتيرة متصاعدة في الكثير من العواصم والمدن العالمية منذ بداية مباحثة السلام في مدريد في أوائل تسعينات القرن الماضي. ولعلنا نذكر تصريحات متكرّرة لبشار الأسد أنكر فيها حدوث أية مباحثات سرية مع إسرائيل، ثم "فاجأتنا" الأيام بمباحثات إسطنبول، ومكالمته الهاتفية مع أولمرت أثناء زيارته لأستنبول، ورقصته حول أولمرت في مؤتمر باريس، وقبل كل هذا مصافحته للرئيس الإسرائيلي السابق كاتساف في الفاتيكان. 

ولا ننسى في هذا الصدد أيضاً أنه وبعد التسريبات الصحفية التي تمّت عن حدوث بعض اللقاءات بين "أكاديميين" سوريين وإسرائيليين، أصدر بشار الأسد مرسوماً يسمح فيه بعقد مثل هذه اللقاءات. ولاننسى أيضاً التبرير الذي قدمته بثينة شعبان لحجب فيسبوك في سورية، وهو أنه يسمح للسوريين والإسرائيليين بالتواصل بشكل مباشر، والغريب في الموضوع أن حوارات من هذا النوع كانت تعقد بشكل مستمر وعلناً على أحد المواقع الإلكترونية التابعة لإكاديمي أمريكي معروف، بل ومنذ أيام قليلة فقط، تمّ إطلاق موقع إلكتروني خاص بهذه المباحثات! ربما كان الفرق هنا هو كون المشاركين في الحوارات المذكورة من الموالين للنظام. إذا المشكلة ليست في التواصل مع الإسرائيليين، بل فيمن يقوم بالتواصل: هل هو مع النظام أم مع الوطن وضد النظام. 
وما خفي في هذا الصدد أعظم بكثير. 

وفي الواقع، لقد أسهمت ثقافة المقاطعة في عزلنا نحن كشعوب وناشطين ومعارضين عن المجتمع الدولي، فنسينا عادة السياسة وفقدنا المهارات اللازمة للتخاطب مع المجتمع الدولي ككل ولم نعد قادرين على تمثيل أنفسنا. علينا أن نستعيد عادة العمل السياسي والنشاط الدبلوماسي وأن نعود من جديد إلى تمثيل أنفسنا على الساحة، ونخرج من حالة الجمود والعزلة التي فُرضت علينا، ونكفّ عن كوننا شركاء في الجريمة التي تمارس ضدنا، علينا أن نتكلّم مع الجميع، ونتعرّف على الجميع، ونختلط مع الجميع، مستغلّين الطبيعة الديموقراطية للعملية والمنفتحة نسبياً للعملية السياسية في المجتمعات الغربية وفي إسرائيل (على قصور العملية الديموقراطية فيها فيما يتعلّق بالمواطنين العرب)، فنحاول بشكل أفضل استقراء ما يجري خلف الكواليس، وربما، مع الوقت، نتعلّم كيف نؤثر على مجريات الأمور أيضاً، وهذا هو الهدف. 

كان بوسعي أن أبقي لقاءاتي مع الإسرائيليين سرية، مثلي مثل غيري من السوريين والعرب، لكني أريد للجميع أن يعرف، وأريد لأكبر عدد ممكن من الناس أن يكسروا هذا الحاجز، لأنه أحد الحواجز الأساسية التي تستخدم في استعبادنا. عدم المبادرة إلى التواصل مع العالم الخارجي بشكل مستقلّ عن النظام الحاكم يرسّخ عبوديتنا له، ولأن إسرائيل هي من يحتلّ أرضنا، وليس العكس، علينا أن نتعلّم عادة الدقّ على أبوابها مطالبين بحقوقنا، إن الذهاب إلى أبعد مدى للمطالبة بحقوقنا ليست هرولة ولااستجداءاً، بل وسيلة من الوسائل المشروعة عالمياً والمتاحة لنا للمطالبة بحقوقنا، علينا أن نعوّد العالم على التعامل معنا بشكل مستقلّ عن النظام وبالتوازي لعلاقاتهم مع النظام في هذه المرحلة لأن في هذا تسهيل وتفعيل لعملية الانتقال والتغيير. 

وبالعودة إلى عملية السلام، فالواقع ينبؤنا هنا أننا بحاجة إلى السلام أكثر بكثير من حاجة إسرائيل إليه، والتي لم يتأثر اقتصادها أو رخاء مواطنيها بأي توتر أو تصعيد على الجبهات المختلفة، بقدر ما تأثرنا نحن عبر العقود الماضية بسبب الاستنزاف المستمر لمواردنا وعواطفنا من قبل النظام المستبد الحاكم الذي يعتبرنا فيما يبدو أعدائه الأساسيين. 

أنا أكره النظام الحاكم في سورية وأعمل على الإطاحة به، ومع ذلك، فأنا لن أقف معارضاً لأية مباحثات سلام بينه وبين إسرائيل، بغض النظر عن نوايا النظام في هذا الصدد، لأن في مباحثات من هذا النوع، إن تمّت، إختبار حقيقي لنوايا النظام، وليس فقط لنوايا إسرائيل، فإن نجحت هذه المباحثات، سيكون في عودة الجولان نصراً لكل السوريين، على اختلاف مشاربهم، وإن ساهم هذا التطوّر في شرعنة النظام لفترة بسيطة في أعين الناس والمجتمع الدولي، فهذا لن يحلّ مشكلة استبداد النظام وفساده وعدم قدرته على تبنّي وقيادة عمليات تحديث وتنمية حقيقية في سورية، وسيبقى التحدّي الماثل أمامنا هو نفسه اليوم. وفي حال فشلت هذه المباحثات أو بان بأنها غير جدية من خلال محاولات إطالتها فسيفقد النظام مصداقيته، المحدودة دائماً، على الساحة الدولية من جديد، وفي حال سابرنا على تطوير عملنا وكثّفنا من نشاطاتنا في هذه المرحلة، سيكون هذا الأمر بمثابة مكسب لنا. 


صرحتم بعدة لقاءات أن أجهزة السلطة قامت بطردكم خارج البلاد في أيلول 2005 بسبب مواقفكم المعارضة، لماذا قامت بهذا الإجراء مع العلم أن الإجراء المتبع عادةً هو الإعتقال لأي معارض؟

لست أدري على وجه التحديد الأسباب التي جعلت السلطات السورية تكتفي بطردي فقط، لكن، تخميني أن الموضوع مرتبط بشخصية أمي، الممثلة المعروفة منى واصف، من ناحية، وبطبيعة العلاقات المتشابكة التي أقمتها مع المجتمع الدولي منذ أواخر تسعينات القرن الماضي من ناحية أخرى. ولاننسى أن النسخة العربية لمجلة نيوزوويك كانت قد سمّتني في ذلك الوقت كواحد من أهم 43 شخصية عربية، وهو قرار فاجأني، وفاجأ الكثيرين في سورية في ذلك الوقت، خاصة السلطات السورية التي قامت بالتعتيم على الأمر إعلاميا في الوقت الذي قامت فيه الدنيا وما قعدت في لبنان مصر وغيرها من البلدان. على أية حال، أنا أعتقد أن هذا التطور ساهم في دفع النظام على التفكير بطردي عوضاً عن سجني، تجنباً لأية ضجة. 

هذه تبقى مجرّد تخمينات. فمن يدري في الواقع لماذا يقوم النظام بسجن البعض، والاكتفاء بالتحقيق مع الآخرين، أو الحكم على البعض بسنة وآخرين بعشرة،والتهم هي ذاتها؟ ربما كان السبب بالذات هو إثارة الأسئلة وبالتالي الشكوك وبث روح الارتياب والتفرقة. 

أسّستم مؤسّسة ثروة في الولايات المتحدة الأمريكية، ماهي أهداف هذه الجمعية وماذا تحقّق منها بعد خمس سنين على إطلاقها؟

مؤسّسة ثروة جاءت لتتابع أعمال ونشاطات مشروع ثروة الذي أطلقناه في سورية منذ 2001، وتم الإعلان عنه بشكل رسمي في 2003. وكان لنا مكتب حتى نهاية 2005 في أوتوستراد المزة، نزلة جامع الأكرم. الهدف من وراء المشروع ككل هو تسهيل عمليات التغيير الديموقراطي في البلد والمنطقة عن طريق تفعيل الحوار والتعاون بين الشباب السوري من كل أطياف المجتمع، فنكسر بذلك الحواجز التي بناها النظام بيننا وساهمت فيها بعض التقاليد الاجتماعية. والهدف الآخر هو ربط نشاطاتنا في سورية بنشاطات مشابهة في المنطقة ككل، بما في ذلك تركيا وإيران وإسرائيل، لكي تتمكّن المجتمعات المدنية في المنطقة على المدى البعيد على فرز شخصيات قيادية مناسبة قادرة على وضع حدّ للصراع الدائر فيها والتركيز على التحدّيات التنموية التي نحن بأمس الحاجة للتصدّي إليها. 

أين نحن اليوم وبعد حوالي عشر سنوات من الإنطلاقة، منها خمس سنوات في الولايات المتحدة؟ ما نزال بعيدين جداّ عن تحقيق أهدافنا الاستراتيجية بالطبع، لكن لا أعتقد أن هذا أمر مفاجئ، فأهدافنا الاستراتيجية بعيدة المدى بطبيعتها. من ناحية أخرى، لقد استطعنا في السنوات الماضية أن نحتفر لأنفسنا مكانة جيدة كمؤسّسة حقيقية، وإن كانت صغيرة، في الأوساط الدولية المهتمّة بشؤون الديموقراطية وحقوق الإنسان، وما يميّز ثروة هنا هو أنها انطلقت من دمشق كمؤسّسة إقليمية منذ بدايتها، ومن ثمّ تحوّلت إلى العالمية. وتتميّز ثروة أيضاً بنجاحها في تدريب مجموعة كبيرة من الكوادر الشبابية في المنطقة، التي ما لبث جلّها أن انضمّ إلى صفوف مؤسّسات المجتمع المدني وأحزاب المعارضة الديموقراطية المختلفة حيث يعملون من مواقعهم الجديدة على تقريب وجهات النظر وبناء الجسور لتشكيل شبكات أوسع قادرة على إيجاد امتدادات شعبية فاعلة لها مع الوقت. 

تبقى هذه الخطوات متواضعة جداً بالطبع، لكني كنت دائماً من أنصار سياسة النفس الطويل في هذا الأمر وذلك بسبب الطبيعة الخاصة للأهداف التي وضعناها، وطبيعة التحدّيات القائمة، وطبيعة البيئة التي نعمل فيها. 

نشاطي في صفوف المعارضة السورية في الخارج في السنوات الماضية كان نشاطاً إضافياً بالنسبة لي، وجاء كامتداد طبيعي لوجودي في واشنطن العاصمة وقدرتي على تسهيل التواصل ما بين قوى المعارضة المختلفة من جهة، والإدارة الأمريكية في ذلك الوقت من جهة أخرى. وعلى الرغم من التغير في الإدارات، مايزال بوسعي أن ألعب هذا الدور، علاوة على التواصل مع أعضاء الكونجرس المختلفين، ومدراء مراكز الدراسات والأبحاث هنا. إن نشاطات من هذا النوع ستبقى مفيدة على المدى الطويل بالنسبة لنا. وأنا على استعداد للتعاون في هذا الصدد مع كافة شخصيات المعارضة التي لها وجود حقيقي على الساحة. 

دافعي الشخصي في كل ما أفعل في هذه المرحلة هو الأمل والطموح وليس الإحباط. في 30 أيار القادم سيصبح عمري 44 عاماً، ومخطّطي هو أن أتمكّن من التقاعد عندما يصبح عمري 64 عاماً وأنا راضٍ عن أن مؤسّسة ثروة ستستمرّ من بعدي وأن تكون قد كوّنت لنفسها بحلول ذلك الوقت رصيداً من الإنجازات الحقيقية بحيث يكون الكلام عندها عما تبقّى من أهداف وعن ضرورة وضع رؤية مستقبلية جديدة للمؤسّسة في ضوء ما تمّ إنجازه. وبالتأكيد فإن تغيير النظام في سورية هو أحد الأهداف التي أريد لها أن تكون في قائمة الإنجازات التي ساهمنا في تحقيقها بحلول ذلك الوقت.


ما هي أفق التغيير في سورية كما يراها عمار عبدالحميد، ولنكن واقعيين فالنظام السوري اليوم إستطاع فك العزلة الدولية وتحسنت علاقاته بالولايات المتحدة وبالغرب عموماً وأوقفت هذه الدول ضغوطها عليه، ما إمكانية حدوث أي إصلاح أو تغيير في سورية اليوم بعد أن إجتاز النظام المرحلة الأصعب؟

ما يحدث مع النظام في سورية لا يهمني بقدر مايهمني ما يحدث معنا كناشطين على أرض الواقع في محاولاتنا الهادئة لخلق شبكات دعم لأنشطتنا خارج الأطر المتعارف عليها والمخترقة أمنياً إلى درجة كبيرة. بل إني أرى أن فرص العمل على الأرض في هذه المرحلة بالذات هي أكبر مما كانت عليه في أي وقت مضى تماماً بسبب تدهور الأوضاع المعيشية وتشدّد القبضة الأمنية وزوال كل الأقنعة التي كان بشار الأسد يختبئ ورائها: الكل بات يعرف اليوم أن الإصلاح كذبة كبيرة، وأن الهدف الأساسي للنظام الحاكم هو تكريس سيطرته على الوطن على حساب كل شيء. لذا، بات الخيار أمامنا واضحاً وضوح الشمس: إنه خيار المواجهة بكل ما فيه من صعوبات واحتمالات، فإما أن نستمرّ بندب حظنا أو التأجيل والتسويف والتنفيث عما في الصدور عن طريق المقالات والمسلسلات، أو نبدأ بتحضير أنفسنا لهذه المواجهة التحريرية الطابع، فنعدّ العدّة المناسبة ونختار أساليبنا بعناية لكي نتجنّب أخطاء الماضي وعنفه. 

ولا بأس في هذه المرحلة أن يعود النظام للإنشغال في العلاقات الخارجية وأن يعيش في ظلّ الاعتقاد بأن كل شيء في الداخل هو تحت السيطرة. أو كما قال بشار الأسد مؤخراً على هامش مؤتمر "العروبة والمستقبل" والذي شهدته دمشق الحبيبة: "أن الذين استهدفوا سورية فشلوا في اللعب على الداخل السوري حيث أن الحالة الوطنية طاغية من دون حاجة إلى الجانب الأمني، ولذلك لا قلق لدينا من ثورات داخلية." أعتقد أنه عندما يتحدّث قائد لنظام أمني بامتياز عن ثورات داخلية في مرحلة تشهد تكثيفاً كبيراً لحملة القمع الأمني، حتى ولو بدا أنه يتكلّم من منطلق التعبير عن اللاقلق، فهذا الأمر هو في الواقع تعبير عن قلق وخوف شديدين، ولعلّ هذه هي الحالة الطاغية الحقيقية التي يحياها النظام منذ سنين وحتى اليوم. وفي مجيء هذا الكلام في هذه المرحلة بالذات دلائل كبيرة على تواري شيء ما وراء الأكمة. فاللعبة بالنسبة للنظام دائماً، كونه نظاماً استبدادياً، هي لعبة وجود أو لا وجود، والتحدّي بالنسبة لنا هو أن نحصر احتمالات الوجود أو اللاوجود بالنظام وننأى بالوطن عن ذلك. 

بقراءة موضوعية للوضع السوري اليوم، زيارة روؤساء دول كبيرة إلى سورية وزيارات للرئيس السوري إلى العديد من الدول وإنفتاح دولي غير مسبوق وإعتراف بدورها الهام في المنطقة، هل ستأثر هذه العوامل على ملف الحريات في سورية إيجاباً؟

أعتقد أن تفعيل ملف الحريات من جديد يطلّب حراكاً داخلياً على مستوى ما: شعبي، طلابي، نقابي، إلخ. المجتمع الدولي في هذه المرحلة لن يعود إلى التدخّل بقوة في هذا الأمر من تلقاء نفسه، علينا أن نحرّضه على ذلك مرة أخرى من خلال قدرتنا على تفعيل الساحة الداخلية. ولكن، وكما رأينا مع الكيفية المهزوزة والمتردّدة التي تفاعل معها المجتمع الدولي مع تيار الخضر في إيران، لن يكون من السهل علينا في هذه المرحلة التحصّل على تأييد دولي سريع. لذا، يبدو أن الحراك الداخلي المطلوب في هذه المرحلة هو حراك قادر على استدامة نفسه بنفسه، وهذا لن يكون بالأمرالسهل، ولكن هذا هو المطلوب، سهل تحقيقه أم صعب. كل خطوة مدروسة نقوم بها على هذا الطريق ستحسب لنا. 

كيف تقيمون التحالفات السورية الحالية، إن كان على صعيد الحلف السوري الإيراني أو على صعيد العلاقة التركية السورية، وماهو موقفكم من هذه التحالفات؟

مشكلة هذه التحالفات الأساسية بالنسبة لي هي تحويلها لسورية لبيدق يتم تحريكه وفقاً لطرق ومصالح لا تنسجم مع المصلحة الوطنية، سيحوّل هذا الأمر سورية ذاتها إلى ساحة صراع وحرب، وليس من مصلحتنا على الإطلاق في هذه المرحلة الدخول في أية مواجهات عسكرية لا مع المجتمع الدولي و لا مع إسرائيل. وليس من مصلحتنا على الإطلاق العيش في حالة من التوتر الدائمة وتحت طائلة التهديد. نعم، قد يستفيد النظام من هذا الوضع، لكن على حساب الدولة والمجتمع. لذا، يبدو أن خيار المقاومة الحقيقي الذي يواجهنا هو خيار مقاومة هذا النظام للخروج من إطار حساباته الخاصة والتي لا تأخذ الشعب أو الوطن بعين الاعتبار. 

لقد سبق وناقشت العلاقة مع إيران في إجابتي على السؤال الأول، وهنا أريد أن أنوّه إلى أن العلاقة مع تركيا هي أيضاً إشكالية في هذه المرحلة، لأنها جاءت نتيجة نقمة تركية ما على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإسرائيل. علينا أن نكون في منتهى الحرص فيما يتعلّق برسم ملامح هذه العلاقة لكي لايتمّ التضحية بنا في اللحظة التي تبدأ علاقات تركيا مع الغرب ومع إسرائيل في التحسّن مرة أخرى، أو ينصرف اهتمام تركيا نحو آسيا الوسطى. لكن مشكلة النظام السوري أن حساباته الحالية تبقى آنية الطابع، تغيب عنها رؤية استراتيجية حقيقية لمصلحة الوطن ومستقبله. ولاننسى في هذا الصدد تغييب موضوع لواء إسكندرونة نتيجة اتفاقية "سرية" تمّ من خلالها التخلّي عن المطالبة السورية بعودة "اللواء السليب." لقد تقاضى الأتراك ثمن انفتاحهم على النظام السوري دون تقديم أية ضمانات حول استمرارية هذه العلاقة أو أية تعويضات للعائلات التي تم ترحيلها من اللواء أو أية حقوق ثقافية لمن تبقّى من العرب السوريين في الأراضي "التركية"، وهذا يجعل من العلاقات السورية التركية الحالية علاقة تبعية محضة من قبل الجانب السوري، وفي هذا تكريس لتهميشنا ولعبوديتنا. 

كيف تقرأون التهديدات الإسرائيلية بشن حرب على سورية ومامدى جدية هذه التهديدات؟

إنها في آن تهديدات جدية لوجود النظام ومحاولة جدية للتفاوض معه حول موقعه من الإعراب في الاستقطابات الجديدة للمنطقة التي ستشهد تغييراً جذرياً لمعالمها في السنين القادمة. كل شيء يعتمد على قدرة النظام على استقراء الوضع بشكل صحيح. ولقد علّمتنا تجربة السنين العشرة الماضية أن النظام يخطأ عندما يتصرّف بثقة مفرطة. هناك استحقاقات قادمة بغض النظر عمن يسكن في البيت الأبيض اليوم، ومن يحكم إيران أو تركيا أو إسرائيل أو سورية في هذه المرحلة. القوى والصيرورات الحقيقية الفاعلة على الساحة اليوم موضوعية بطبيعتها إلى حدّ كبير، وهي تضع الكثير من الحدود على قدرة الأمزجة والمصالح الشخصية على فرض نفسها. 

سؤال مواطن الشارع السوري البسيط، ماذا قدمت المعارضة السورية لهذا المواطن وماهي مشاريعها للتغيير، وبعيداً عن الشعارات الرنانة ماهي آلية التغيير التي تجدونها قابلة للتطبيق في ظل نظام يحكم البلاد بالشكل الذي يحكم ويسيطر به النظام السوري؟

لم تستطع المعارضة السورية أن تقدم الشيء الكثير لفشل معظم أحزابها في تجديد وتحديث رؤاها وبنياتها الهيكلية وكوادرها في الوقت المناسب من ناحية، وبسبب القمع الشديد الذي تعرضت له الكوادر التي أثبتت أنها أكثر جدية فيما يتعلّق بتنظيم وتجديد نفسها، خاصة كوادر إعلان دمشق، من ناحية أخرى. لذلك، لاشك أن آلية العمل السري والهادئ باتت هي الطريقة الوحيدة المطروحة على الساحة اليوم لبناء قاعدة حقيقية تعمل على شؤون التغيير. الخياران الوحيدان الموجودان على الساحة اليوم هما: إما الخنوع والقبول بالأمر الواقع حتى يأتي يوم تنهار فيه الدولة ككل،كما حدث في صوماليا ويوشك أن يحدث في اليمن، أو الثورة، بكل ما فيها من احتمالات، ومع غياب أية ضمانات بالنجاح. 

إذا عرض عليكم اليوم العودة إلى سورية في ظل النظام الحاكم مقابل سكوتكم وإغلاق كل ملفاتكم كما فعل بعض المعارضيين، هل تقبلون بهذه التسوية؟

تم عرض التسوية وتم رفضها، فأنا لا أساوم، وموقفي من النظام مبدئي ونهائي: أنا أرفضه جملة وتفصيلاً، وأرى أن الشعب السوري يستحقّ ما هو أفضل منه بكثير. وبانتظار أن يتوصّل الشعب السوري إلى قناعة مماثلة، أعمل ضمن الإمكانيات المتوفرة لدي لتهيئة الساحة للعمل. 

إذا طلبنا منكم توجيه رسالتين، الأولى للنظام السوري والثانية للشعب السوري، ماذا تقولون؟

رسالتي إلى النظام: وداعاً، لأني عندما أعود إلى سورية لن تكون هناك. 

رسالتي للشعب السوري بكل أطيافه: إذا كنتم لا تثقون بالمعارضة، فلابأس، المهم أن تثقوا بأنفسكم، أو بالأحرى أن تستعيدوا ثقتكم بأنفسكم. كونوا قادة التغيير الذي تريدونه. 

كلمة أخيرة؟

كلمتي الأخيرة أوجّهها للناشطين الشباب تحديداً، وأستمحيهم عذراً مسبقاً إذا شاب خطابي بعض الوعظ: 

التغيير يبدأ من الداخل، وصراعنا الحقيقي في هذه المرحلة هو ضد الاستبداد والفساد والتخلّف، ولاصوت يعلو على صوت هذه المعركة. فقط عندما ننجح في تغيير الصيغة الداخلية لتصبح أكثر عدالة في تعاملها مع جميع مكوّنات المجتمع نستطيع أن نبدأ بالعمل جاهدين على تغيير الصيغة الخارجية أيضاً لكي تصبح أكثر عدالة معنا ككل بدورها. 

لذا، المطلوب في هذه المرحلة هو ثورة شعبية قادرة على الإطاحة بالنظام، وأنتم القادة المنتظَرون لها، فلا تكونوا القادة المنتظِرين. وهذه الثورة التي لا بد وأن تمهّد الطريق للتغيير الديمواقراطي في سورية هي أمر ممكن وضروري، فما لم تؤمنوا بهذا بكل ما فيكم من قوة وفي وجه كل المؤشّرات، التي قد تبدو موضوعية، على استحالته، فلن يتغيّر شيء. 

آليات العمل الثوري اللاعنفي معروفة للجميع، هناك الكثير من المراجع على الإنترنيت، ولن يصعب عليكم إيجادها. 

* ابنوا قدراتكم العملية باستمرار، ولاتغرقوا في التنظير. 
* تعرّفوا على مجتمعكم المحلّي بكل تفاصيله (الديموغرافية، الاقتصادية، الاجتماعية، البيئية)، وشكّلوا فرق عمل محلية صغيرة ومتشابكة، راعوا فيها التنوّع في كل شيء، بما فيها المهارات. 
* شكّلوا جمعيات تعاونية غير رسمية لتدعموا نشاطات بعضكم البعض. 
* لا تستعجلوا الظهور بشكل علني على الساحة. 
* لا تتواصلوا مع الناس من منطلق سلبي، أي من منطلق النقد أو التحقير، ولا تتواصلوا من منطلق التبجيل المبالغ فيه. 
* إضبطوا النزعات الإيديولوجية، سواء كانت دينية أو قومية، فهي التي مهّدت طريقنا إلى هذا الجحيم. 
* تواصلوا مع من تتوسّموا فيهم المصداقية من معارضي الخارج للتنسيق في بعض النشاطات، ولبحث إمكانيات الدعم المختلفة. وتذكّروا أن للخارج دور أكبر بكثير من موضوع التمويل. 
* لا تتسرّعوا في إصدار الأحكام القطعية على أحد، إسألوا واستفسروا أولاً. فأزلام النظام يبدعون في إطلاق الاتهامات وإثارة العواطف والتلاعب بها، ولقد وقع الكثيرون فيما مضى في فخّ التنابذ والاقتتال الداخلي ففسِدوا وأفسَدوا.