السبت، 4 يوليو 2015

طروح وردود

الشهيد – لوحة ديجتالية لـِ عمار عبد الحميد من سلسلة “عن الحرية والثورة” حقوق الطبع محفوظة

(1)

استناداً إلى خبرتي المتواضعة كإنسان، أعرف تماماً بأني لست منزّهاً عن نزعة الثأر والتشفّي، وعن الرغبة في رؤية من شمت فينا في مرحلة ما وهو يدفع ثمن شماتته اليوم. لكني، واستناداً إلى ذات الخبرة، أعرف أيضاً أن الرغبة بالثأر والشماتة نزعة عدمية لاتؤدي إلا إلى المزيد من الخراب. لذا، ها أنا أقاومها، ولا أستسلم، ولا أسمح لها أن تملي عليّ أفعالي وسلوكياتي واستقراءاتي وأفكاري وخطابي، السياسي منه والاجتماعي. فأنا لست حالماً أو ساذجاً، كما يعتقد البعض، لكني أيضاً لست عدمياً.

(2)

بالنسبة لموضوع اتهامي بالتحيز لدمشق ومناطق الأقليات، فعلى ما يبدو أن المتهِمين لا يعرفوا أو يذكروا أني سبق وشاركت في محاولة إنقاذ درعا وبانياس والرمل الجنوبي والزبداني وداريا والقصير والرستن وحلب وحمص إلخ. أي أن "النخوة" لم تأتني على حين غرة وفقد فيما يتعلّق بدمشق. لقد حاولت ومنذ البداية إنقاذ ما يمكن إنقاذه. ولم أكن بمفردي طبعاً، جميعنا في الخارج حاول، كفرد مستقل أو جزء من مجموعة أو مؤسسة ما، وربما لم تكن محاولاتي هي الأفضل أو الأنجع  أو الأشهر، لكن هذا لا يعني أنها لم تقع، أو أنها لم تكن جدية، أو أني لم أدفع ثمناً ما جرائها. على أية حال، من الواضح أننا فشلنا جميعاً في محاولاتنا، فلومونا على هذا الفشل إن شئتم، وساعدونا على تحليل أسبابه لعل أدائنا يتحسّن. ومن حقكم اليوم ألا تتأملوا منا ومن مبادراتنا الشيء الكثير، فالظروف أصبحت أصعب وأعقد. لكن، رجاءاً، لا تتهمونا بالتحيز لمنطقة على حساب أخرى، ولا مكون على حساب آخر، ولا تلومونا على استمرارنا في المحاولة، لأن للاستسلام والامتناع عن العمل في هذه المرحلة نفس الثمن، فمن الأفضل أن نحاول ونفشل من أن لا نفعل شيئاً مكتفين بالتشكّي. ومن كانت عنده مبادرات أفضل، فالساحة موجودة.

(3)

التواصل مع الجهات المختلفة بغية تحريك هذه المبادرة قائم على قدم وساق كما يقولون، لكن، وليأخذ أبعاده الحقيقية، المطلوب منا الاستمرار في بلورة المبادرة أكثر فأكثر آخذين بعين الاعتبار وجهات نظر الأطراف الفاعلة المختلفة، وساعين نحو التحصل على تأييد أكبر لها من قبل السوريين. لذا، وبعد الانتهاء من مناقشة المبادرة مع عدد أكبر من الشخصيات من خلال لقاءات مباشرة وعبر صفحات التواصل الاجتماعي، من المقرّر أن نقوم بحملة واسعة لجمع التوقيعات من المنظمات السورية والأفراد، ومن ثم، سنقوم بتشكيل فريق عمل مصغّر للتواصل مرة أخرى وبشكل علني ومستمر مع الجهات المختلفة المعنية بالشأن السوري.

(4)

زومبي – لوحة ديجتالية لـِ عمار عبد الحميد من سلسلة “عن الحرية والثورة” حقوق الطبع محفوظة

يرى البعض في لقائي الأخير على الأورينت وفي مبادرة مؤسسة ثروة مجرد "كلام فارغ" و "بروزة،"  لأن القول الفصل، في رأيهم، هو للقوى الفاعلة على الأرض (من داعش والنصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام وغيرها، علاوة على الكتائب والمليشيات الداعمة للنظام)، وأن هذه القوى بطبيعة الحال  لن ترضى بمبادرة من هذا النوع. أولاً، أحب أن أذكر في معرض ردي على هذا الكلام أني كنت أسمع كلاماً شبيهاً عندما كنت أتحدث عن الثورة القادمة في سوريا قبل الثورة بسنوات، فالكل كان يقول لي حينها أن كلامي لا يزيد عن كونه "علاك مصدي،" لأن الشعب السوري، في رأيهم ، ألف الخنوع ولايمكن أن يثور. لقد أثبتت الأيام خطأ هذا الطرح، وإن كانت قد أثبتت أيضاً مدى قدرة شعبنا على التاثر بالخطاب الفئوي.

من ناحية أخرى وأهم، علينا أن ندرك تماماً أن "القوى" على الأرض لا تملك القرار النهائي فيما يتعلّق بتحديد مستقبل سوريا، وأنها مرتهنة، شاءت أم أبت، أدركت هذا الأمر أم لم تدركه، لأطراف خارجية قد لا تسيطر عليها تماماً ودائماً لكنها تبقى قادرة على توجيهها عند اللزوم. ومن الواضح لكل من يراقب علميات المد والجزر وتوقيت بعض العمليات العسكرية أن ما يجري في سوريا اليوم هو عملية تفاوض وتحاصص لا تقتصر على سوريا ومنطقة الشرق الأوسط فقط، بل تتعداهما لشمل دول ومناطق أخرى من العالم.

فليست وحدها منطقتنا إذاً التي تشهد إعادة هيكلة، العالم كله يمضي في هذا الطريق، وحتى قارة أوروبا بكل تقدمها ماتزال معرّضة لها، كما بوسعنا أن نستنتج مما يجري في أوكرانيا واليونان، بل ومن المبادرات الانفصالية المستمرة في بلدان متقدمة نسبياً مثل اسكتلندا وكاتالونيا. والموضوع ليس موضوع إمبريالية ورأسمالية وصهيونية، القضية أعقد (أو أبسط، بحسب المنظور المستخدم) من ذلك بكثير، لأنها تبقى منبثقة إنسانيتنا ذاتها ومن طبيعة تفاعلاتنا كتجمعات بشرية منذ بدء الحضارة.

ما يهمني كسوري في هذا الصدد، وما تسعى المبادرة المطروحة هنا لتحقيقه، بل ما سعت إليه مؤسسة ثروة منذ انطلاقتها تحت اسم "مشروع ثروة" في سوريا منذ عام 2003 (بوسعكم الإطلاع على بيان ثروة هنا)، هو تسييس ما يرغب الآخرون بعسكرته، غباءاً أو طمعاً لا فرق. ومهما بدت هذه المحاولة مستحيلة، ولنا فيما حدث ويحدث في المنطقة مؤشراً هاماً في هذا الصدد، يبقى واجباً ولزاماً علينا أن نحاول، فبلادنا هي التي تدمر وشعبنا هو الذي يقتل. وإذا كان نصيب الأسد وزلمه من اللوم والقتل أكبر، فهذا لم يعد يعني الشيء الكثير اليوم، لأن معظم القوى "الثورية" أضحت تتبنى المنطق الفئوي والظلامي والعدمي نفسه.

(5)

لا يمكن لتركيا أن تتدخل في سوريا دون موافقة  إيران، وليس الناتو بالضرورة، لأن تركيا لن تغامر بمواجهة مع إيران، ولا ترغب في ذلك لأسباب كثيرة ومنطقية. لكن، وإلى أن تحظى تركيا بموافقة إيران على التدخل في سوريا، ستكتفي وستستمر في دعم داعش ضد الكورد، وفي دعم الثوار في حلب، لوجستياً على الأقل وبالتعاون مع السعودية وقطر، ضد الأسد. ولن تأتي موافقة إيران إلا إذا تم الاتفاق مع تركيا (وبصرف النظر عن موقف الناتو) على السماح لإيران ببسط نفوذها على الساحل وحمص والقلمون، على الأقل، مع بقاء دمشق موضع خلاف وتفاوض. وليس من الواضح بعد كيف يمكن لنتائج المباحثات في لوزان حول البرنامج الإيراني النووي أن تاثر موقف إيران وتركيا في هذا الصدد. أما بالنسبة للأردن، فلا يمكن له أن يتدخل عسكرياً في سوريا بلا موافقة أمريكية وإسرائيلية، ودعم من السعودية وقطر.

وستبقى دمشق عقدة العقد، فالكل يريدها، وهنا لبّ المشكلة، ويكمن الحل الأفضل بالنسبة لنا كسوريين في السعي للتحصل على موافقة الأطراف بتحييد دور دمشق ونواحيها، مما يعني عملياً، فرض وصاية دولية ما عليها، تسمح لكل الأطراف أن تكون ممثلة فيها، ولكل منها مناطقه الخاصة، تماماً كما في بيروت.

لا يشكّل هذا الأمر حلاً مثالياً، لكنه يبقى أفضل ما بوسعنا تحقيقه اليوم، هذا إن استطعنا تحقيقه. والحقيقة  أن الوضع في سوريا اليوم لا يسمح بالتفكير المثالي، بل هو لم يكن منفتحاً على الاحتمالات المثالية منذ البداية، نظراً لطبيعة النظام، وطبيعة البلد، وطبيعة ثقافتنا المعاصرة، علاوة على الإدلجة المفرطة لنخبنا السياسية والفكرية، والوضع الجيوسياسي الشائك للبلد.