الخميس، 25 مارس 2004

المسألة الكوردية في سورية – للحصفاء القول الفصل


افتتاحية لموقع ثروة / 25 آذار، 2004

تستحق التطورات المؤسفة الأخيرة التي شهدتها مدينة القامشلي في أقصى الشمال السوري، وتوابعها في مناطق ومدن أخرى من سورية، رداً أعمق من مجرد إطلاق الإدانات للفاسدين والمحرّضين والسلطات، محلية كانت أم وطنية. ففي حال وجود رغبة حقيقة لاحتواء هذه الأحداث ومنع تكررها في المستقبل وتحاشي إثارة أي تلميح حول احتمال تدخل أجنبي في البلاد أو أي لجوء إلى الخطاب والإجراءات الانتقامية والكيدية، لابد إذن من التعامل الجاد مع بعض القضايا الأساسية المرتبطة بالأوضاع المعيشية لسكان سورية الأكراد.

ولعل أول ما يمكن إثارته من أمور في هذا الصدد هو تلك الإجراءات المرتبطة بسياسة التعريب التي انتهجتها سورية حيال سكانها الأكراد لعقود طويلة من الزمن، ومنها: تأسيس ودعم مستوطنات عربية في المناطق الكوردية، إهمال تطوير البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية لهذه المناطق ، حظر استخدام اللغة الكوردية في الأماكن العامة، بما فيها المدارس والأبنية الحكومية، حرمان الأكراد من المشاركة في إدارة تجمعاتهم المحلية، وكتم قيد ما يزيد عن الـ 200000 ألف كوردي سوري وعدم إصدار بطاقات شخصية لهم، مما أدى إلى حرمانهم من المزايا الطبيعية للمواطنة.

في حال لم يتم التعامل مع هذه القضايا بشكل جدي، فهناك فرصة بأن تكون التطورات الأخيرة التي شهدتها أرض الوطن مجرد لمحة خاطفة عما قد يحدث في المستقبل القريب.

ولا يرمي هذا التقرير الصريح والمباشر للحقائق وانعكاساتها المحتملة إلا إلى إدخال شيء من التأني إلى عملية صنع القرار عند الأطراف المعنية. وتنبع هذه الصراحة من حقيقة كون أحد الاهتمامات الأساسية لبرنامج ثروة هو منع النزاعات في منطقة شهدت أكثر من حصتها العادلة منها، هذا إذا كان للعدالة أي دور في هذا الأمر. ويشكّل وضوح الأهداف والغايات إحدى الآليات الرئيسية للعمل في هذا المجال.

لقد أثارت أحداث الشغب التي جرت خلال الأيام الماضية مشاعر عدوانية عند الكثير من سكان سورية العرب، خاصة في المناطق الجنوبية والغربية من البلاد حيث يجهل الناس الطريقة التي يتم التعامل بها مع المواطنين الأكراد. ولذا، بدت أحداث الشغب للغالبية العظمى منهم غير مفهومة على الإطلاق، وشكّلت امتحاناً قوياً لإحساسهم الهشّ بالأمان الذي ورثوه عن حقبة الثمانينات الصعبة. وبالتالي، تبدو الأكثرية العربية في هذه المرحلة أقرب إلى الوقوف مع السلطات في حال شاءت القيام بأي عملية قمعية ضد الأكراد، ليس من منطلق عنصري بل رغبة في تجنب العودة إلى حالة العنف والفوضى التي سادت فيما مضى، أو في خلق وضع مماثل لما يحدث الآن في العراق. ولا تبشّر هذه النزعة، في حال استمرارها، بالخير فيما يتعلّق بالعلاقات ما بين المواطنين العرب والأكراد في سورية.

علاوة على ذلك، أنحت معظم التصريحات التي قام بها مسئولون سوريون حيال التطورات الأخيرة باللائمة على الأكراد وعلى تدخّل أجنبي مزعوم في الأوساط الكوردية، وذلك قبل أن يجري أي تحقيق في الموضوع، سواء كان مستقلاّ أم حكومياً. وهذه ليست بالطبع طريقة مناسبة لتقوم الحكومة السورية بالتخفيف من مشاعر الغضب والإحباط عند المواطنين الأكراد حيال وضعهم الراهن.

كما أن بعض المسئولين عرضوا في مجرى حديثهم عن الأحداث للضحايا العرب ولم يذكروا وقوع ضحايا أكراد وهم أكثر عدداً (ويبلغ عددهم حوالي الـ 40 بحسب بعض المصادر المعتدلة في المنطقة). وهكذا، يبدو الأمر وكأن الأكراد يشكّلون وجوداً أجنبياً في أعين هؤلاء المسئولين بحيث لا تستحق آلامهم وخسائرهم أن تؤخذ بعين الاعتبار. إن سلوكاً كهذا سيسهم دون شك في تنامي مشاعر التغرّب عند المواطنين الأكراد وفي زيادة الوضع اشتعالاً.

من الواضح إذن، وإذا ما أرادت الحكومة السورية التحرك إلى ما بعد الاحتواء المباشر للموقف عن طريق تبني بعض الإجراءات الأمنية، والتي ستفضي إلى المزيد من المشاكل على المدى الطويل، أن هناك حاجة إلى تبنّي سياسة أكثر وضوحاً وشمولية حيال سكانها الأكراد.

ومن المحبّذ خلال الأيام والأسابيع القادمة، علاوة على ضرورة إجراء تحقيق عاجل في الأسباب  المباشرة للأحداث، تبني خطوات مثل:

* حثّ مجموعة من المسئولين الكبار على القيام بسلسلة من الزيارات إلى المناطق الكوردية المنكوبة، للاجتماع مع المسئولين المحليين وممثلين عن التجمعات الكوردية والعربية فيها.

* إصدار توجيهات مناسبة عن الكيفية التي يجب أن يتعامل بها مسئولي الدولة ووسائل الإعلام الحكومية مع الوضع الراهن بحيث يتم تجنب اللجوء إلى الأحكام المسبقة والقوالب الجاهزة مما قد يسهم في زيادة مشاعر التغرّب والإحباط عند المواطنين الأكراد.

* تنظيم اجتماعات ولقاءات محلية بين السكان العرب والأكراد بهدف الحد من المخاوف وبناء الثقة وإلقاء الضوء على الظروف المعيشية للأكراد وعلى تطلّعاتهم وآمالهم (من الجدير بالذكر هنا قيام وفد من الناشطين وممثلي المنظمات الأهلية السورية، بما فيها الجمعية السورية لحقوق الإنسان، ولجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا، ولجان إحياء المجتمع المدني، بالتعاون مع المنظمة الآثورية الديموقراطية، بزيارة مدينة القامشلي للقيام بمساع لتطويق الأزمة ونزع فتيل الفتنة. ومع ذلك، فمن دون شك أن مساع حكومية في هذا الصدد سيكون لها صدى أعمق، وذلك لأنها ستأتي بمثابة المؤشر على تغير رسمي في سياسة الحكومة تجاه مواطنيها الأكراد وستضفي بعضاً من الشرعية الضرورية على نظام باتت شرعيته مهزوزة أكثر من أي وقت مضى في أعين مواطنيه وناخبيه الأكراد).

 هذه كلّها إجراءات فورية بالطبع ولا تغني شيئاً عن التعامل الجدي مع القضايا الأساسية التي ذكرناها أعلاه والتي يمثّل حلّها الجواب العملي والمجدي الوحيد للمسألة الكوردية في سورية. إذ يتوجّب على سورية أن تصبح دولة لكل مواطنيها بصرف النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الطائفية – وهو تطور سيسهم في دعم الاستقرار والوحدة الوطنية للبلاد وسيجعلها أكثر قدرة على التأقلم والتجاوب مع المتطلبات المتغيرة للوقائع الجيوسياسية الجديدة في المنطقة والعالم. كما سيسهم هذا التطور في إغلاق الباب نهائياً في وجه أي تدخل أجنبي وخارجي محتمل في سورية.

عمار عبد الحميد، كاتب ومحلل إجتماعي سوري يعيش في دمشق. وهو المدير الاستشاري لدار إيمار ومنسق مشروع ثروة.