الثلاثاء، 8 مارس 2016

ملاحظات حول الشرق الأوسط والمستقبل (1)



| الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث | الجزء الرابع | الجزء الخامس |

لا يهدف النشاط العسكري الأمريكي في شمال-شرق سوريا، وبصرف النظر عن محاولة البنتاجون تمييع الأخبار في هذا الصدد، إلى بناء قواعد جوية لمحاربة داعش فحسب، بل هناك حسابات أخرى أهم وأطول أمداً، على رأسها الاستعداد للانفجارات المحتملة في المستقبل القريب في كل من آسيا الوسطى والقفقاز ودول الخليج، خاصة السعودية، وربما في تركيا وإيران أيضاً. إن وجود قواعد عسكرية في تلك المنطقة بالذات يعطي أمريكا خيارات أكثر وأفضل مما هو متاح الآن للتعامل مع هذه المتغيرات واستثمارها لخدمة مصالحها. وتأتي هذه الخطوة وفقاً لسيناريوهات تم وضعها منذ عقود، وتم تحديث تفاصيلها بشكل دوري لتعكس التغيرات الإقليمية والدولية المتعاقبة.

وبسبب وجود هذه المخططات من ناحية، نلمس تلكؤاً واضحاً لدى إدارة أوباما فيما يتعلق بمحاربة داعش، فبناء القواعد المنشودة وتجهيزها بشكل يتناسب مع احتياجات الاستخدام المستدام يتطلب بعض الوقت، ربما سنتين أو ثلاث أو أكثر. من ناحية أخرى، فلدى البنتاجون وإدارة أوباما حزمة من المخاوف المشروعة فيما يتعلق بالمواجهة مع داعش في هذه المرحلة، خاصة من حيث قدرتها على التصعيد من خلال تدمير الجسور والمنشآت النفطية الرئيسية الواقعة تحت سيطرتها، وذلك في حال قررت قياداتها أن المواجهة أصبحت خاسرة، وأن الأوان قد آن لتفعيل خيار شمشون الشهير: "علي وعلى أعدائي." إذ سيكون لهذا التطور، في حال وقوعه، تبعات خطيرة جداً على شرائح واسعة من السوريين والعراقيين، وقد يؤدي إلى مقتل مئات الألوف من الناس خلال ساعات قليلة فقط، علاوة على تشريد الملايين، وانقطاع الطاقة الكهربائية في معظم المدن الرئيسية لفترة قد تمتد لأشهر، وهي فترة كافية لتفعيل انهيار كارثي في الاقتصديات والأوضاع المحلية وعلى المستوى الوطني. لذا، تتطلب المواجهة مع داعش في هذه المرحلة وضع استراتيجيات دقيقة لتجنب وقوع هذه الاحتمالات الأسوأ، وللتعامل الفاعل معها في حال وقوعها، ومعظم هذه اللاسترتيجيات تتطلب أن تكون المواجهة مع داعش في هذه المرحلة الحساسة استنزافية الطابع، في حين يتم التحضير لسلسلة سريعة من عمليات خاطفة تهدف إلى استعادة السيطرة على معظم المنشآت الحيوية في فترة قصيرة، أو لعملية كبيرة واحدة تهدف إلى استعادة السيطرة على هذه المنشآت بالتزامن.

ومن الأسباب الأخرى وراء الطريقة الحذرة التي تتعامل بها إدارة أوباما مع داعش، والتي لا تقل أهمية عما سبق ذكره، وجود لاعبين آخرين على الساحة يقومون باستغلال داعش وتجييرها بأساليب مختلفة لخدمة مصالحهم، ونخص بالذكر هنا إيران التي كانت وراء قرار الجيش العراقي التخلي عن الموصل والانسحابات التي تلت ذلك، والتي هدفت من خلال ذلك إلى إيجاد ساحة أخرى للتعاون والتقارب مع إدارة أوباما، بعدما أدركت إيران طبيعة الخطوط الحمر الحقيقية لها.


إذ يخطأ هنا من يسند كل تحليلاته على ثبات الموقف الإيراني حيال الولايات المتحدة ودورها في الشرق المتوسط. ففي الواقع، بدأ قادة إيران في المرحلة الأخيرة يدركون مدى استحالة طرد الولايات المتحدة من المنطقة كلية ومدى حماقة معاداتها بشكل أعمى. قد لا يكون بوسع القادة الإيرانيون التخلي نهائياً عن نزعاتهم الإيديولوجية الإسلاموية الطابع في هذه المرحلة، أو في أي وقت، لكنهم، كالصين من قبلهم، والروس اليوم، باتوا يدركون وجود إمكانية للتعاون مع عدوهم الأول في بعض الأمور، مع استمرار التنافس بل الصراع في أمور أخرى. هذا هو جوهر الاعتدال الإيراني الذي تتكلم عنه إدارة أوباما ومؤيدوها من أتباع الواقعية السياسية  اليوم. إنه اعتدال فيما يتعلق بالتعامل مع الولايات المتحدة خصوصاً، والغرب عموماً، ومصالحهما في المنطقة والعالم، ولا علاقة له بأية نزعات إصلاحية داخلية.

إن استجرار إيران للولايات المتحدة إلى الساحة العراقية من جديد إذاً ساهم في شرعنة وجودها ونفوذها ليس فقط في العراق بل وفي سوريا ولبنان (من خلال حزب الله) واليمن وأفغانستان أيضاً. ولا ننسى قيام الإدارة في مثل هذا الوقت من العام الماضي بشطب اسم حزب الله اللبناني من لائحة المنظمات الإرهابية. وتكللت هذه الخطوات من قبل الطرفين بتوقيع الاتفاق حول برنامج إيران النووي، وهو الاتفاق الذي يكتفي بتأخير البرنامج لمدة عشر أعوام، يسعى خلالها الطرفان إلى بناء المزيد من الثقة بينهما.


على المدى الطويل، قد تدفع إيران غالياً ثمن هذه الخطوة، لكنها، وفي هذه المرحلة على الأقل، تبقى هي المستفيد الأكبر بالمقارنة مع القوى الإقليمية الأخرى ماخلا روسيا. فإيران اليوم باتت ترسم سياساتها وتحركاتها بحرفية ودقة أكبر من تلك التي نراها عند الأتراك أو السعوديين اللذين ما تزال سياساتهم في هذه المرحلة تتميز بالتخبط والارتجالية. 

| الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث | الجزء الرابع | الجزء الخامس |