الأربعاء، 23 مارس 2016

ملاحظات حول الشرق الأوسط والمستقبل (5)



| الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث | الجزء الرابع | الجزء الخامس |

إن الولايات المتحدة الأمريكية، بخلاف ما يُشاع، لا تلجأ عادة إلى التآمر فيما يتعلق بالصيرورات الإنسانية العامة، أي بالتطورات العامة في منطقة ما على المديين البعيد أو المتوسط، إذ لا يتسنى هذا الأمر لأحد في الواقع بسبب تشابك وتناقض أجندات القوى الدولية والإقليمية المختلفة من جهة، وبسبب التغيير المستمر الذي يطرأ على الأولويات والرؤى الموجِّهة من إدارة أمريكية لأخرى من جهة أخرى.  إن تورط أمريكا في أحيان كثيرة، وفي إطار تعاملها مع قضايا وتطورات بعينها، في مغامرات تآمرية الطابع، مثل قضية إيران-كونترا وغيرها، يشكل استثناءاً للقاعدة يسعى لتحقيق أهداف معينة قصيرة المدى ومحدودة التأثير. أما على الصعيد الأكبر، فما بوسع أمريكا، وغيرها من الدول المتقدمة والطامحة، إلا أن تقوم بوضع مجموعة من السيناريوهات محتملة تستند على استقراء أقرب ما يكون للموضوعية للوقائع والأوضاع القائمة في مناطق العالم المختلفة، ومن ثم تقوم باقتراح ثلة من المقاربات تهدف لتمكين الإدارات المختلفة من التعامل مع هذه السيناريوهات وإدارتها على نحو يحقق لأمريكا مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية، وفقاً للأولويات والرؤى الخاصة للإدارة المعنية. وفي الحقيقة، غالباً ما ترحب الإدارات الأمريكية بمشاركة الدول الأخرى في رسم هذه السيناريوهات والخطط وتنفيذها، إذ يمتلك قادة أمريكا على اختلاف مشاربهم ما يكفي من الثقة بمقدارت بلادهم، وبقدرتها على حماية نفسها ومصالحها، ما يمكنهم من تقديم الكثير من التنازلات بغية تجنب الصراعات وبناء الشراكات. وتكمن المشكلة هنا في تنافي هذا الأسلوب المباشر والصريح في التعامل السياسي مع الثقافة السائدة في منطقتنا ومجتمعاتنا حيال الصيرورات المختلفة، والتي تتصور دائماً وجود دوافع وأهداف أخرى للأمور، مما يجعلها تضيع فرص التعاون وتحتم احتمالات النزاع، سواء في علاقاتها مع أمريكا والغرب، أو في علاقاتها البينية.

وبعد نهاية الحرب الباردة، أقدمت أمريكا على إطلاع الأنظمة الشرقأوسطية المختلفة، من صديقة وعدوة، على هذه السيناريوهات بهدف حثها على تبني الإصلاحات الكفيلة بمساعدتها على تجنب القلاقل الداخلية والصراعات البينية التي تم التنبوء بها، لأن الاستقرار وحل النزاعات بالوسائل الدبلوماسية يبقى أفضل لتحقيق المصالح الأمريكية من الفوضى، حتى الخلاق منها، وذلك بعكس ما يروج له الكثير من المنظرين السياسيين اليساريين، وأحياناً اليمينيين أيضاً. إن كلام الباحثين والمسؤولين الأمريكيين عن الفوضى الخلاقة عبر العقود الماضية لم ينبع من منطلق الرغبة والتخطيط، بل من اعتقاد راسخ مستند إلى استقراء موضوعي للوقائع بحتميته وضرورة التحضير للتعامل معه. ولا يتنافى هذا التأكيد مع سعي أمريكا خاصة أبان الحرب العالمية الباردة، إلى استدامة بعض الصراعات أو إلى ترتيب بعض الانقلابات، لكن هذا المسعى، كما سبق ونوهنا، شكل استثناءاً للفلسفة الأمريكية الحاكمة نجم عن الطبيعة الوجودية للحرب الباردة والتي كان يمكن لها في أية مرحلة أن تؤدي إلى فناء الإنسانية جمعاء في حرب نووية شاملة.

وغالباً ما ينسى مؤرخو تلك المرحلة هذا البعد النفسي العميق لها والذي كان له أثره الكبير في تشكيل تصرفات وسياسات القوى المختلفة، خاصة أمريكا. إن رعونة بعض السياسات الأمريكية في تلك المرحلة، وازدواجية معاييرها، جاءت انعكاساً لهذا الضغط النفسي الكبير في معظم الأحيان. وطبعاً بوسعنا أن نؤكد على العامل نفسه قد لعب دوراً كبيراً أيضاً، وربما أكبر، عند صناع القرار في المؤسسة السوفييتية الحاكمة التي كانت تدرك تماماً أن موقفها وقدراتها تبقى أضعف مما هو متوفر لدى أمريكا وحلفائها.


لكن ديموقراطية أمريكا والقوى الغربية الأخرى، والتي تجلت خاصة في طريقتها في التعامل مع مواطنيها واحترامها لحقوقهم الأساسية، ولاشك في أن الأوضاع الحقوقية للمواطنين الغربيين استمرت في التحسن طيلة مرحلة الحرب البادرة بسبب الضغوط الشعبية على الحكومات وذلك على الرغم من مخاطر الحرب النووية، تسبغ على هذه الدول أفضلية معنوية بل أخلاقية بالمقارنة مع المعسكر الشرقي باحتقاره للمفاهيم الديموقراطية وإصرار نخبه السياسية والعسكرية على التفرد بالحكم دون أي قابلية للمسائلة الحقيقة من قبل الشعب. إن انتصار المعسكر الشرقي كان سيؤدي بلا أدنى شك إلى تراجع كبير ليس فقط فيما يتعلق بحقوق الإنسان بل وفي مجال التنمية البشرية ككل، والتقدم العلمي والتقني. فإذاً، وعلى الرغم من قيام كلا المعسكرين بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد حقوق الإنسان، وبقيادة مغامرات إمبريالية وكولونيالية الطابع، وبدعم نخب حاكمة فاسدة في عدد من بلدان العالم، لا يتساوى الطرفان لا من حيث الرؤية والمبادئ العامة المؤثرة على سلوكياتهما، شعوباً وحكاماً، ولا من حيث أهمية الانجازات التي قدموها، وما يزال بوسعهما تقديمها، للإنسانية. 

ولا ننسى في هذا الصدد أن أكبر منتقدي السياسات الأمريكية خاصة والغربية عموماً هم من مواطنيها، "الأصليين" منهم والوافدين من دول المعسكر الشرقي والدول الأخرى، وأن معظمهم يعملون في الغالب في الجامعات ومراكز الأبحاث الأمريكية والغربية، وأن صوتهم ما كان ليسمع لولا تبني الدول المعنية لديموقراطية حقيقية احترمت حياتهم عامة حتى آخر قطرة.  ولها الواقع أهمية أكبر من أن تكون رمزية وحسب.


إن أكاديمياً أمريكياً مثل نعوم تشومسكي قد يملك رفاهية النقد الحاد، بل العدمي أحياناً، لوطنه أمريكا، الذي قد تعكس حديته حقيقة أن النقد أصبح أمراً عادياً ومقبولاً في أمريكا، ولا يعرض صاحبه لأي خطر، وبالتالي قد لا يتميز الإنسان بنقده في هذا المرحلة ما لم يكن هذا النقد حاداً إلى درجة كبيرة، وخارجاً عن المألوف. إن دور البعدين النفسي والإيديولوجي في تشكيل انتقادات تشومسكي حيال أمريكا والغرب أهم بمراحل من دور التحليل الموضوعي للأمور، إذ غالباً ما نراه يغفل دور العوامل المحلية والإقليمية والدولية الأخرى بل والسياق العام للقضايا التي يعالجها في كتاباته.

إن شعوب منطقتنا بالتحديد لن تتعلم شيئاً من التجربة الأمريكية خاصة والغربية عموماً إذا ما اكتفت بالاستماع إلى أصوات نقادها العقائديين أمثال تشومسكي والذين يعكس نقدهم المساحة الكبيرة المتوفرة لديهم للنقد الحاد أكثر من الحاجة الحقيقية إلى هذا النوع منه. ودعونا لا نغفل هنا دور أصحاب هذه النزعة النقدية في الغرب في تشكيل سياسات إدارة أوباما والإدارات الغربية عموماً حيال الأزمة السورية، خاصة دورهم الذي أدى إلى امتناع بريطانيا ومن ثم الولايات المتحدة من التدخل ضد الأسد، من منطلق ترك شعوب المنطقة لتحل مشاكلها بنفسها، في حين تتجلى الترجمة الحقيقية لهذا الموقف في تجاهل حقيقية اختلاف موازين القوة بين الدول المختلفة، وتضارب مصالح النخب الحاكمة فيها، وتدخلها في شؤون بعضها البعض عن طريق تفعيل الصراعات المذهبية والقومية، وما ينتج عن ذلك من تحييد لدور الشرائح الديموقراطية الواعية وتطلعاتها، وتفتيت للمجتمعات المحلية، علاوة على وقوع كوارث إنسانية، وانتهاكات جماعية تصل حد الإبادة الممنهجة، والتشريد، والتجويع، وما لذلك كله من انعكاسات سلبية على الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في الغرب ذاته، والعالم أجمع في عهد العولمة المفرطة هذا.

أي شيء يمكن لنا أن نتعلمه من رؤية إيديولوجية قاصرة كهذه، رؤية ترفض تحمل مسؤوليات التدخل في منطقتنا، حتى من منطلق إنساني بحت، ولوقف الدمار والنزيف، في وقت ما بوسعها فيه أن تمنع نخبها السياسية والاقتصادية، بل مجتمعاتها ككل، من الانتفاع مما ينجم من مكاسب عن هذا الدمار والنزيف، مثل رخص سعر الوقود إلى درجة تسهل لهذه المجتمعات الانتقال المرتقب إلى مرحلة ما بعد الوقود المستحاثي والذي يفترض حدوثه في عام 2050، من خلال توفيرها للموارد المالية اللازمة لذلك؟

إن هذه الرؤية في جوهرها ما هي إلا تعبير عن عصبية غربية جديدة أصبحت تحتل الساحة، إذ لا مجال فيها للتعبير عن وحدة المصير البشري إلا من خلال الدعاء والصدقة من خلال تقديم بعض الإمدادات الإنسانية للمحتاجين.

والأنكى هنا أن دعاة هذه الرؤية يصرون على أنها يسارية الطابع، والكثير منهم بالفعل يساريون قدامى، وأن مصلحتنا ستتحقق من خلالها على المدى البعيد. لكن تراكم المظلوميات عند شعوب ما تزال لاتحسن إلا اجترارها للعيش لن يؤسس لمستقبل أفضل، بل لصراعات أطول. إن قدرتنا على تمثل الدروس الصحيحة من أزماتنا المتراكمة ما تزال محدودة بالذات بسبب تبني معظم نخبنا لرؤى تبني على إيديولوجيات عقيمة كهذه، باسم الإشتراكية والإسلام.


إن كان ثمن نهضة في مستقبل أيامنا كشعوب ذات تاريخ مشترك ما، وبعض المصالح الأساسية، فلن تأتي إلا من خلال تبني مقاربات براجماتية وعقلانية في الصميم، مقاربات لا علاقة لها لا بالإيديولوجية ولا بالدين ولا بالنزعات القومية، مقاربات قائمة على جملة من الاعتبارات السياسية والأمنية، وبعض المصالح الاقتصادية والتنموية، مقاربات تحسن صياغة الأولويات المناسبة لكل مرحلة، وتسعى لتحقيق توازنات ما بين الأطراف الفاعلة في المنطقة. إن مفتاح الحل لأزمتنا بسيط في جوهره الفكري، إنه التنظيم والعمل الجماعي المؤسساتي، وفهم بل قبول عميق لطبيعة التفاعلات الدولية، خاصة هذه النقاط الأساسية:

·      ما تزال القوة، بأبعادها السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والعسكرية، هي العنصر المحرك الأساسي للحضارة والتفاعلات الحضارية
·      لا يمكن للمبادئ والقوانين وحدها أن تقيد الدول القوية وتمنعها من محاولة تحقيق مصالحها وإن على حساب الدول الضعيف وشعوبها
·      تتطلب القدرة على الإلتزام بالمبادئ والقوانين تحقيق توازن قوة معين ما بين الأطراف المتفاعلة المختلفة على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والدولية
·      إن الأنظمة الديموقراطية وحدها القادرة على النهوض بشعوبها بطريقة تحفظ المكاسب والاستقرار على المدى البعيد. في حين لا يمكن للتناقضات الكامنة في الأنظمة الاستبدادية، بصرف النظر عن قدرتها على تحقيق بعض المكاسب على المدى القصير، إلا أن تسفر في مرحلة ما عن صراعات داخلية كفيلة بتدمير كل ما تحقق من انجازات. إن إدراك أمريكا والدول الغربية لهذا الواقع هو ما يجعلها تتنبؤ بانهيار دول تبدو قوية، عسكرياً على الأقل ، مثل روسيا  وإيران. بل حتى الصين. وفي الواقع، إن كل دولة من هذه الدول تعاني من صراعات عديدة مجمدة لكنها بلا حل حتى اللحظة، مثل الصراعات في القفقاس وسيبيريا، ومهاباد والأهواز، والتيبت وشينجيانج. في حين يندر وجود هذه الصراعات في الدول الديموقراطية، وعادة ما يتم التعامل مع هذه الصراعات بالوسائل الديموقراطية السلمية، من قبيل عقد الاستفتاءات والانتخابات الدورية، كما رأينا في اسكتلندا وكاتالونيا. ولقد أدى تبني النظام الفيدرالي في الحكم في دول كثيرة إلى إيجاد حل نهائي لمعظم هذه الصراعات أساساً.
·   إن الحروب، في هذه المرحلة بالذات من تاريخ الإنسانية، تشكل وسيلة أساسية في أيدي النخب الحاكمة في الدول الاستبدادية للتهرب من استحقاقات التغيير في الداخل، وللتحصل على المكاسب والمغانم، غالباً على حساب بعضها البعض، لكن، أحياناً، على حساب بعض دول الجوار الديموقراطية الطابع لكن الضعيفة من الناحية العسكرية. وتعتقد النخب الحاكمة لأنها بذلك تحمي نفسها من تهديد الغرب الديموقراطي. لكن الديموقراطية فكرة أصبح لها مؤيدوها في كل مكان، وهي إن لم تنتصر نهائياً لن تهزم نهائياً، ما لم يتم تدمير البنية التعليمية للمجتمع ككل، كما حدث في أفغانستان والصومال والكونغو، وكما قد يحدث في سوريا واليمن اليوم في حال استمر الصراع الحالي لسنين قادمة.  عندما تُدمر الحضارة في بلد ما، ويُهجر حاملوها، لا يمكن لها أن تعود إلا بعد مضي عقود بل قرون طويلة من العمل المضني والممنهج.

هذا هو جوهر الخطر الذي نواجهه اليوم في منطقتنا، وهذا ما يتجاهله الواقعيون من يسار ويمين: فنحن، شعوب هذا الشرق الأوسط، وفي هذه المرحلة بالذات التي انضمت فيها العوامل البيئية، مثل الانحباس الحراري، إلى العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية المؤثرة في حياتنا، أصبحنا مؤهلين للخروج من التاريخ نهائياً، ببعده الحضاري.  

إن استدامة حالة الصراع في المنطقة، ومحاولة التشبث بالأنماط التقليدية للحكم، واللجوء الدائم إلى الماضي بمقدساته المتراكمة بحثاً عن حل، هي من العوامل المساهمة في هزيمتنا الحضارية، ولن نتمكن من الخروج من أزمتنا الراهنة ما لم نجد طرق للتعامل معها بشكل مختلف عما سبق. ويقتضي تحقيق هذا الأمر قفزة على مستوى الوعي، الفردي والجمعي. ولايمكن لهذه القفزة أن تتحقق ما لم نعود أنفسنا على التفكير خارج الأنماط المألوفة لنا، وعلى الإستماع إلى الأصوات الناشزة عن الإجماع الثقافي التقليدي. وفي غضون ذلك كله، علينا أن نتعلم عادة العمل الجماعي المؤسساتي الممنهج والمنظم، والمتمحور حول برامج عملية وليس الشعارات أو الأشخاص. فما لم نجترح هذه المعجزة لن نحقق شيئاً.

| الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث | الجزء الرابع | الجزء الخامس |