الخميس، 10 مارس 2016

ملاحظات حول الشرق الأوسط والمستقبل (2)

الرئيس الأمريكي جورج بوش يخاطب المشاركين في افتتاح مؤتمر مدريد للسلام في 30 تشرين الأول، 1991
| الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث | الجزء الرابع | الجزء الخامس |

لم تعد الولايات المتحدة الجهة الوحيدة في هذا العالم المهيئة دائماً للتعامل الفعّال مع التطورات الواقعة على الساحة الدولية والإقليمية بناءاً على سيناريوهات وخطط جهزتها منذ سنين وعقود. فمنذ بدأت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بعد انتهاء الحرب الباردة بإطلاع الأطراف الدولية والإقليمية على السيناريوهات المستقبلية المختلفة التي سبق ووضعتها، وكثفت من اعتمادها على مشاركة خبراء ومسؤولين من كافة أنحاء العالم فيما يتعلق بتحديثها، إن عن طريق المؤتمرات وورشات العمل، السري منها والعلني، أو عن طريق المناورات المشتركة وتأسيس أقنية خاصة لتبادل المعلومات والبيانات الأمنية، بدأت قوى أخرى، مثل إيران وتركيا وروسيا والصين والهند وغيرها، بصياغة سياساتها واستراتيجياتها الخاصة للتعامل مع التطورات والاحتمالات المختلفة التي تتنبؤ بها هذه السيناريوهات، تماماً كما تفعل أمريكا، وإن اختلفت الأهداف والمصالح والرؤى الناظمة لهذه العمليات.

في البداية، نظرت الأطراف الأقليمية إلى هذه السيناريوهات على أنها مخططات تهدف إلى زعزعة الاستقرار فيها، فقامت بالتالي بوضع خطط للتعامل معها من منطلق أمني بحت. فعلى الرغم من تنبؤ هذه السيناريوهات بوقوع القلاقل في المنطقة نتيجة لحزمة من العوامل الموضوعية منها: الانفجار السكاني، وافتقار الأنظمة إلى خطط تنموية مناسبة، وضعف الأنظمة التعليمية، وندرة المراكز البحثية، وانتشار البطالة بين الشباب، وتحجر الأنظمة السياسية ومقاومتها للأفكار الإصلاحية، وتفشي الفساد، وانتشار النزعات الأصولية، إلى آخره من عوامل.


ولقد سعى البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة في مطلع هذا القرن إلى إصدار عدة تقارير من وضع باحثين عرب نوه فيها إلى هذا العوامل بالتفصيل وحث الحكومات العربية إلى تبني إصلاحات جذرية لمواجهة هذه التحديات قبل فوات الأوان، وتم تجاهل هذه التوصيات أيضاً من قبل معظم الأنظمة.

إذ تعاملت دول المنطقة مع السيناريوهات الأمريكية والأممية على أنها مخططات تآمرية تهدف إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة وقلب الأنظمة وإعادة رسم الحدود. مسلحة بهذه القناعة، قامت الأجهزة الاستخباراتية المختلفة، في أوقات مختلفة، بوضع عدد من المخططات الأمنية هدفها الأساسي قمع أي حراك شعبي، سلمي كان أم مسلح، يطالب بالإصلاح. وما يزال هذا المنطق يوجه سياسات معظم الأنظمة الإقليمية اليوم، خاصة الدول العربية.

ولقد شكل إطلاق ودعم عملية السلام العربي الإسرائيلي واتفاقية الشراكة الأوروبية المتوسطية من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بعد حرب الخليج الأول محاولة لتقديم مغريات وحوافز للأنظمة العربية لتقوم بالإصلاحات المناسبة التي يمكن أن تساعدها على تجنب الاضطرابات الداخلية المتوقعة، وتكسبها المزيد من الشرعية في العالم الغربي مما سيؤدي إلى المزيد من الانفتاح الاقتصادي عليها. من هذا المنطلق، جاء رفض وتعنت الأنظمة في هذا الصدد كمؤشر على حتمية وقوع الانفجارات وقرب موعدها.

ولقد وضع تمسك الأنظمة الحاكمة في المنطقة بأساليبها القديمة في الحكم الغرب، بقيادة أمريكا أمام خيارين: التدخل المباشر لفرض عملية التغيير، وهو الخيار الذي تبنته إدارة جورج و. بوش، أو التخلي عن أية محاولة للتدخل في المنطقة إلا في الحدود الدنيا مثل مكافحة الإرهاب والحفاظ على أمن السوق النفطي العالمي، وهو الخيار الذي انكفئت إليه إدارة أوباما بعد متابعتها لفشل التدخل الأمريكي في كل من أفغانستان والعراق.

إذاً، وكخلاصة أولى، لم تأت الانفجارات التي شهدتها المنطقة في السنين الخمس الأخيرة نتيجة افتعال طرف خارجي لها، بل كانت الدول الغربية، المتهمة دائماً عند وقوع هذه الحوادث، لأسباب أصبحت إيديولوجية في هذه المرحلة أكثر منها تاريخية وموضوعية،  تفضل تجنبها كلية واستبدالها بمجموعة من العمليات السياسية الداخلية والإقليمية المنظمة، ولقد فعلت ما بوسعها وعبر ما يقارب العقدين من الزمن لتحقيق هذا.

من ناحية أخرى، لم يشكل وقوع هذه الانفجارات مفاجأة تامة لأي طرف خارجي أو داخلي، بل تمثلت المفاجأة الفعلية الوحيدة هنا في مجيء الشرارة الأولى من تونس، ذلك البلد الصغير والآمن الذي لم تشر إليه معظم السيناريوهات بشكل مباشر، واكتفت بالتعامل معه كجزء صغير من معادلة التغيير في منطقة شمال إفريقيا. أما مسألة التوقيت، فكانت دائماً في علم الغيب، ولم يكن بوسع واضعي السيناريوهات التكهن بها بأكثر من تأكيدهم على أن البداية ستكون في السنين الأخيرة من القرن المنصرم أو الربع الأول من القرن الحالي. ولقد كان.

| الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث | الجزء الرابع | الجزء الخامس |