الأحد، 20 مارس 2016

ملاحظات حول الشرق الأوسط والمستقبل (4)

لقاء ما بين وفدي الخارجية الأمريكية والخارجية الإيرانية في مدينة لوزان، سويسرا في 28 أذار/مارس 2015

| الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث | الجزء الرابع | الجزء الخامس |

يتبين لنا عند معاينتنا للسياسات الأمريكية عبر السنين الخمس عشر الماضية، حيال منطقة الشرق الأوسط خاصة، تعاقب تيارين فكريين في تشكيلها: تيار المحافظين الجدد، وحلفائهما من الليبراليين التدخليين، الذين أسسو لسياسات جورج و. بوش الخارجية في الفترة التالية لهجمات الحادي عشر من أيلول الإرهابية وحتى نهاية عام 2007، وتيار الواقعيين الليبراليين، وحلفائهم من المحافظين والليبرتاريين الانعزاليين،الذين ساهموا في توجيه سياسات الرئيس الحالي باراك أوباما منذ بداية عهده وحتى الحظة، وخاصة في الفترة التي أعقبت ظاهرة الربيع العربي.

لكن، وقبل أن نتكلم عن نقطة الخلاف الأساسية ما بين التيارين، ينبغي أن نشير إلى اتفاقهما أولاً فيما يتعلق في استقرائهما للموقف، فكلاهما مقتنع بحتمية التحول إلى عالم متعدد الأقطاب وحتمية انتشار الفوضى خلال المرحلة الانتقالية، وثانياً فيما يتعلق بالهدف الأساسي: أن تبقى الولايات المتحدة الدولة الأقوى عالمياً.

أما الفرق الأساسي بين التيارين فيتجلي في الرؤية وفي الأسلوب. فالمحافظون الجدد يرون أن للولايات المتحدة دور أساسي وضروري في قيادة عملية التحول وتوجيهها لضمان المصالح الأمريكية والتي، في رؤيتهم، تتطلب نشر الديموقراطية في معظم دول العالم بغية تحقيق سلام دائم، مع الاستمرار في عزل بعض الدول المشاغبة، أو القلقة والمقلقلة، مثل إيران وكوريا الشمالية والسودان وغيرها. ومن الطبيعي أن تتطلب هذه الرؤية الإقدام على التدخل العسكري في بعض المناطق والدول لتغيير بعض الأنظمة وللحد من نفوذ أخرى، ولنصرة قوى التغيير المنفتحة على التعاون مع أمريكا والغرب، والتي يتوقع لها المحافظون أن تكون ديموقراطية أو قابلة للدمقرطة.

وتختلف رؤية الواقعيين للأمور كلية، فالواقعيون يرون أنه، وبسبب حتمية الطبيعة العنفية للتغيير القادم، ينبغي على الولايات المتحدة أن تخفف من تواجدها المباشر في الأحداث العالمية في الفترة القادمة لتفادي الوقوع في أخطاء ومصائب، كما حدث في العراق، بل وأفغانستان، وتفادي دفع تكاليفها المادية والمعنوية الباهظة. أن الواقعيين يفضلون أن تكتفي الولايات المتحدة في المرحلة القادمة بالدفاع عن نفسها ومصالحها الضيقة وتترك باقي ما تبقى من دول في هذا العالم، بما في ذلك حلفاؤها، حتى الأوروربيين منهم بل والمشاركين في حلف الناتو، ليقوموا بفرز أنفسهم. وفي هذه الأثناء تقوم الحكومات الأمريكية بالتعامل مع القوى الجديدة والقديمة القادرة على فرض نفسها على الساحة بقوتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية لتتعاون معها في بناء نظام عالمي جديد وإعادة بعض الاستقرار العالم. ولا مانع عند الواقعيين حتى ذلك الحين من التلاعب بالقوى الإقليمية الصاعدة من بعيد لتحقيق بعض المصالح، فأمريكا تبقى قادرة على ذلك. أو على الأقل، هذا ما يحاول الواقعيون إقناع أنفسهم والآخرين به.

كولاج لمجموعة من اللقاءات التي عقدها أعضاء المجلس الوطني الإيراني-الأمريكي، وهو واحد من أهم مجموعات الضغط الإيرانية الناشطة في الولايات المتحدة، مع أعضاء في الكونجرس الأمريكي لدعم الاتفاق النووي مع إيران 

ومن الدول التي يبشر الواقعيون بضرورة التعامل معها في منطقتنا: إيران، التي سبق وكانت حليفة للولايات المتحدة، والتي نجحت القوى الأكاديمية اليسارية والتي تضم مجموعة كبيرة من المغتربين الإيرانيين ممن دفعهم مزيج فريد من الإيديولوجية والحنين والشعور القومي إلى الدفاع عن نظام لا يرضى معظمهم في العيش في ظلاله لكنهم يتأملون في إصلاحه، أو في قدرته على إصلاح نفسه. فمنذ تسعينات القرن العشرين وحتى اللحظة، نجحت هذه المجموعة من خلال نشاطها الأكاديمي والبحثي المكثف ولجوء بعض أعضائها إلى تشكيل جماعات ضغط والاستعانة بشركات العلاقات العامة، في إقناع عدد كبير من المنتمين إلى المعسكري الديموقراطي الليبرالي والإشتراكي بإمكانية وضرورة التوصل إلى سلسلة من الاتفاقات مع إيران تسمح لها بتبوء "مكانها الطبيعي" في المنطقة كقوة عقلانية براجماتية ومهنية قادرة على تحقيق الاستقرار.

وترافق هذا الانفتاح على إيران بعداء واضح حيال السعودية ودول الخليج الأخرى، وتركيا. ولا تكفي الإيديولوجية تفسيراً لهذه النزعة، لأن كل الاعتراضات التي يمكن سوقها ضد هذه الدول من الناحية الإيديولوجية يمكن أن تستخدم أيضاً فيما يتعلق بإيران. وفي الواقع، يبدو أن دور الأكاديميين الإيرانيي الأصل كان له أثره هنا، وكذلك، دور الأكاديميين العَلمانيين اليساريين المنحدرين من أصول إسلامية والذين يلومون السعودية ودول الخليج على كل المشاكل التي تواجهها بلادهم الأم، وربما يكون بعضهم قد تعرض لمعاملة الخليجيين العنصرية حيال سائر المسلمين والتي تتخذ من العروبة مبرراً لها. وفي الحقيقة، للعنصرية دورها هنا، فيما يتعلق بالشعور تجاه العرب، وفيما يتعلق بالإسلام السياسي بشقه السني الذي تجعله تعددية مراجعه أكثر خطورة من نظام الملالي في طهران في نظر الواقعيين. وبهذا، يكون الاستشراق قد عاد إلى الساحة عن طريق اليساريين أكبر منتقد للنزعة الاستشراقية التقليدية، متجلياً في نزعة عدوانية وعنصرية تجاه العرب خاصة، والمسلمين السنة عموماً، المتهمين بالتعصب دائماً، إلا من ثبت ولائه للتيار الواقعي.

وما إدارة أوباما وسياساتها الشرقأوسطية إلا تعبيراً عن هذا الواقع بما فيه من تناقضات.

| الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث | الجزء الرابع | الجزء الخامس |