الخميس، 28 يناير 2016

ملاحظات حول قرار المعارضة مقاطعة محادثات جنيف

رياض حجاب : لن نفاوض في جنيف
1.

مرة أخرى أبدأ بالإلحاح على ضرورة مشاركة الهيئة العليا للمفاوضات في محادثات جنيف، وإن من خلال وفد متابعة رمزي. فنظراً للطبيعة العلنية للضغوط الدولية الممارسة عليها في هذه المرحلة، يبدو من الواضح أن قرار المقاطعة سيضع الهيئة، لا النظام ولا روسيا ولا إيران، في موقع اللوم والاتهام بعرقلة التسوية في سوريا، وهو الأمر الذي سيتم استغلاله من قبل النظام في مسعاه لاستعادة شرعيته التي لم يفقدها تماماً بالأساس، مع الأسف.

هذا من ناحية.

من ناحية أخرى، فأن المباحثات تأتي بمثابة منبر إعلامي هام ينبغي علينا استغلاله لتسليط الأضواء على قضية المناطق المحاصرة، وسياسة التجويع، وملف اللاجئين والمهجّرين، علاوة على الانتهاكات المستمرة من قبل النظام وروسيا لقرارات مجلس الأمن، من حيث استهداف المدنيين والامتناع عن محاربة داعش، وهي الذريعة التي ما انفكا يستخدمونها لتبرير عنفهما. قد تكون كل هذه الأمور معروفة، لكن التذكير والتكرار والاصرار على طرحها في كل محفل بشكل واضح وصريح وفاضح حتى تتحول إلى هاجس عند الجميع أمر لا يمكن أن نغفل عنه لحظة.

طبعاً، هناك احتمال أن تقرر الهيئة المشاركة في المباحثات في آخر لحظة، بشكل أو آخر، وبالتالي يشكل امتناعها عن المشاركة حتى آخر لحظة تكتيكاً تفاوضياً، سواء كان هذا هو القصد والنية أم لا.

بالعودة إلى القرار ذاته، يبدو واضحاً هنا أن التحليل السابق مبني على افتراض أن الهيئة العليا هي سيدة قرارها، لكن معرفتنا بطبيعة المعارضة السورية بشكل عام، وظروف تشكيل الهيئة بشكل خاص، تثير مجموعة من علامات الاستفهام حول صحة هذا الافتراض. وربما كان من الأفضل هنا أن نذكر أنفسنا أن القرار في الهيئة هو قرار سعودي بالدرجة الأولى، وهذا أمر يفرض علينا تحليل طبيعة قرار المقاطعة من منطلق التوازنات الإقليمية وإشكالاتها، وليس من منطلق سوري بحت. أي أن القرار يعكس بطبيعته سخط سعودي حول التطورات في سوريا والمنطقة وقد لا يأخذ مصلحة الشعب السوري بمكوناته المختلفة بعين الاعتبار.

ولا يأتي التذكير بدور السعودية في الأمر من منطلق عدواني حيالها، لكن التنبه إلى طبيعة القرارات والمؤسسات والعمليات يبقى أمراً ضرورياً لكي لا نضيع البوصلة. فقرار المقاطعة لم يأت استجابة لمطالب الكثير من الناشطين بـ "حفظ كرامة الشعب السوري،" بل انعكاساً لرؤية قوة إقليمية بعينها لمصالحها. وقد لا يكون بوسع الهيئة أن تخالف الرغبات السعودية في هذه المرحلة، لكن علينا أن نتعلم كيف نفرق ما بين رغباتنا ومصالحنا ورغبات ومصالح القوى الداعمة لبعض مؤسساتنا المعارضة. لأنه يتوجب علينا في مرحلة ما أن نعرف كيف نقف مع مصالحنا نحن، حتى عندما لا تتوافق مع مصالح بعض "شركائنا" و"أصدقائنا."

2.

دمشق
دعونا لوهلة نفترض الأسوأ. نعم، دعونا نفترض أن المجتمع الدولي فرض علينا بشكل أو آخر قبول حله الحالي: حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات للأسد فيها حصة الأسد، مع بقائه كرئيس والسماح له بترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها بعد التوافق على دستور وقانون انتخابي جديدين، خلال مدة أقصاها سنة ونصف من تاريخ تشكيل الحكومة الانتقالية.

ماذا يعني التوصل إلى اتفاق من هذا النوع على أرض الواقع: ستبقى لداعش والنصرة وأحرار الشام وغيرها من الجماعات الإسلامية المسلحة مناطقها على الأرض، وستنضم إليهم جماعات أخرى من منطلق الاعتراض على الاتفاق، وسيبقى الأكراد مسيطرين على مناطقهم، مع حفاظ النظام على وجود رمزي له هناك، وسيستمر الوجود الأمريكي في الحسكة بل سيكبر، ويسري الأمر نفسه على الوجود الروسي والإيراني. أي أن المعارك والقصف سيستمران في أماكن كثيرة.

لكن، وهنا الفرق، سيؤدي الاتفاق إلى رفع الحصار عن الكثير من المناطق، ويمكن للكثير منها أن تدار محلياً من قبل شخصيات تابعة للمعارضة بعد ذلك. كما ستحظى أطياف المعارضة، ليس تلك المهادنة للنظام فقط، بل تلك المسؤولة عن تشكيل الائتلاف والهيئة العليا، بوجود في دمشق ذاتها وفي بعض المناطق الأخرى تحت حماية دولية (وهذا شرط لا يمكن للمعارضة التنازل عنه). وجود المعارضة سيؤدي إلى بروز إعلام سوري معارض ومنظمات مجتمع مدني حقيقية وليست خاضعة لسيطرة النظام، علاوة على الأحزاب السياسية المعارضة، وسيكون للتمويل الخليجي والدولي دوره هنا، وسيكون للمنظمات الدولية وجودها على الساحة أيضاً، مما سيسمح بوجود رقابة حيادية للتطورات الداخلية المختلفة. وستستمح كل هذه الأمور بعودة الكثير من الناشطين من الخارج للعمل مرة أخرى على أرض الوطن برعاية دولية. طبعاً، ومما لاشك فيه، أن مسرحية الاغتيالات والخطف لن تغيب عن الساحة طويلاً، بصرف النظر عن الحماية الدولية، لكنها من المخاطر التي لا يمكن تفاديها كلية.

إن هذه المكاسب ستكون جزءاً لا يتجزأ من أي اتفاق، وهي مكاسب هامة وستتيح لنا فرصة للتواصل مع المجتمعات المحلية خارج نطاق سيطرة النظام والحركات المتطرفة، وستسمح لنا بتطوير نضالنا من أجل مجتمع حر مدني وديموقراطي، وهو نضال لا يمكن له أن يدار من الخارج، أو يتحقق من خلال العمل العسكري وحده.

إذاً، حتى في حال تحققت هذه الفرضية الأسوأ من وجهة نظرنا كمعارضة وكناشطين في مجال الديموقراطية، سيبقى لها ما يكفي من تأثير إيجابي على الأوضاع الداخلية، بحيث يكون النظام هو الخاسر الأكبر. الأسد يخاف هذا السيناريو أكثر من خوفه لنا، لأن هذا السيناريو سيشرعن وجودنا في الداخل وسيتيح لنا مجالاً كبيراً للعمل، كما سيفرض ضوابط وقيود على حركة النظام حتى من قبل داعميه، أي إيران وروسيا.

لذا، فللأسد المصلحة الكبرى في عدم التوصل إلى أي اتفاق، ومن هذا المنطلق، قد يخدم "قرار المعارضة" مقاطعة محادثات جنيف رؤية سعودية ما، أو قد يأتي تعبيراً عن تخبط صناع القرار هناك، وهو الاحتمال الأكبر، لكنه وبالتأكيد، لا يخدم المعارضة السورية. إذ ليس من مصلحة المعارضة لا سياسياً ولا إعلامياً أن تظهر بمظهر المعرقل، في حين نعرف كلنا أن الأسد ورجالاته هم من يريد العرقلة ويسعون إليها.

إن أي حل سياسي يسمح بعودة العمل المعارض إلى الساحة السورية بموافقة وحماية دولية يشكل مغنماً ما بوسع معارضة تحترم كرامة شعبها، كما تدعي معارضتنا، التخلي عنه، رحل الأسد مباشرة أم بقي لفترة ما، لأن خطوة من هذا النوع تكاد تكون المسمار ما قبل الأخير في نعش حكم الأسد لسوريا. النظام يعرف هذا تماماً، ومن هذا المنطلق نراه دائماً يسعى إلى العرقلة، وآن الآوان لنا نحن أيضاً أن نعرف هذا الأمر، ونفهم مضامينه، ونتخذ قراراتنا على هذا الأساس. لذا علينا أن لا نعرقل الحل السياسي، والأهم من هذا، علينا أن لا نسمح لأي كان بأن يصورنا وكأنا نحن الجهة المعرقلة.

وإن لم يكن بوسع المتعاطفون مع قضيتنا في السعودية أن يفهموا هذا الأمر، فعلينا أن نشرحه لهم بالتفصيل، لأن فيه خدمة أكبر لمصالحهم أيضاً، في وقت بات الإعلام الغربي يصورهم على أنهم هم الجانب المسؤول عن ما يجري في منطقتنا من عنف وإرهاب، لا إيران أو روسيا، وهو في الواقع قلب للحقائق خاصة فيما يتعلق بما يجري في سوريا.