الاثنين، 2 أكتوبر 2017

عن الإمبريالية والديموقراطية (1)


الحرة / من زاوية أخرى -- على الرغم من أن مصطلح الإمبريالية غالباً ما يستخدم هذه الأيام عند الكلام عن الحروب التوسعية التي شنتها الأمم الغربية خصوصاً على حساب الدول والممالك الأخرى، فإن الظاهرة بحد ذاتها، أي ظاهرة الحروب التوسعية الرامية إلى احتلال أراضي الغير وضمها إلى دولة أو مملكة بعينها بصرف النظر عن رغبة سكانها الأصليين، ظاهرة قديمة قدم التاريخ وطالت كل المجتمعات والدول، وماتزال. إذ يبدو أن النزعة الإمبريالية/الاستيطانية توجد متجذرة في التركيب البنيوي أو الجيني ذاته للدول والجماعات. فإن كانت الشعوب قد أدركت ومنذ آلاف السنين أن احتلال أراضي الغير واستيطانها يعد عملاً مستنكراً وفعلاً شنيعاً، لم يكن من الممكن لهذا الإدراك بحد ذاته أن يلغي الدوافع والمصالح الكامنة وراء المطامح الإمبريالية، العقلاني منها، أي ذلك المرتبط بتحقيق مصالح مادية واقتصادية واستراتيجية معينة، والذاتي، أي ذلك المتعلق بشخصية الحاكم أو النخب الحاكمة، واقتصر دوره على "إجبار" القوى الإمبريالية على تبرير حملاتها الاستعمارية بوسائل مختلفة بما في ذلك: إنكار إنسانية الغير ككل، كما كان دأب قبائل ما قبل التاريخ بحسب بعض الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، أو اعتبارهم أدنى شأناً لاختلاف ما في الدين أو العرق أو اللغة أو الثقافة، أو إسباغ دوافع نبيلة على الحروب التوسعية مثل الادعاء أننا "جئنا لنخرج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام،" كما فعل المسلمون الأوائل، أو الاعتقاد بأن القدر ألقى على عاتقنا عبء القيام بـ "مهمة نشر الحضارة Mission Civilisatrice" أو "عبء الرجل الأبيض White Man’s Burden،" كما أدعى المستعمرون الأوروبيون في القرون السابقة.

وقد يسرع البعض هنا ليضيف المساعي الحينية (أي المتفرقة) للولايات المتحدة الأميركية لنشر الديموقراطية إلى اللائحة السابقة، لكن ينبغي توخي الحذر هنا، فهناك فرق كبير ما بين الترويج لفكر سياسي معين، وبين السعي لضم واحتلال أراضي الآخرين. فمن الواضح لمن يتابع التاريخ الأميركي المعاصر والمشهد السياسي الأميركي أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة، على الأقل بعد الحرب العالمية الثانية، لم تهدف أبداً إلى التوسع والاستيطان أو بناء المستعمرات بل إلى تحقيق مكاسب معينة مرتبطة بالمواجهة مع الاتحاد السوفييتي أبان الحرب الباردة وبالحرب على الإرهاب العالمي مؤخراً. ولا يشرعن تأكيدنا هذا التدخل الأميركي في أي من الدول، ولا يبرره، فليست هذه القضية المطروحة هنا، كما أنه لا ينفي وجود نزعة إمبريالية مستحدثة ومستبطنة مختلفة عما عهدناه سابقاً، نزعة نابعة من مطامح ومصالح وحسابات القوى المتدخِّلة والتي قد لا تنسجم بالضرورة مع مصالح شعوب الدول المستقبلة لهذا التدخل.

وهنا بيت القصيد.

لقد قامت الإمبرطوريات الغربية عبر العقود الماضية بتفكيك نفسها وبوضع قيود جديدة على تصرفاتها في مجال السياسة الخارجية جعلت من الارتكاس إلى النزعة الإمبريالية التقليدية أمراً في غاية الصعوبة، إذ لم يعد تقديم المسوغات والمبررات أمراً كافياً لتبرير التدخل في شؤون الدول الأخرى، بل أصبح من الضروري وضع ضوابط معينة له ولأدواته، بما في ذلك: بناء التحالفات الإقليمية والدولية لشرعنة التدخل، وتحديد الأهداف المزمع تحقيقها، ووضع جدول زمني ما لذلك، إلى آخر ما هنالك من قيود وشروط. وإن كانت هذه الخطوات تبقى قاصرة في ما يتعلق بمقاومة النزعات الإمبريالية عند الدول، لا ينفي هذا القصور أنها ساهمت، على عواهنها، في تغيير قواعد اللعبة على نحو جذري.

هناك ثلاثة أسباب أساسية وراء هذا القرار الغربي بالتخلي عن النزعة الإمبريالية: أولاً، رغبة القوى العظمى في تحقيق توازنات جديدة تجنبها مغبة الاقتتال البيني، ثانياً، رغبة الشعوب التي كانت خاضعة للاحتلال الغربي في تقرير مصيرها وسعيها لتحرير أنفسها، ثالثاً، الحوار الداخلي الطويل والصعب الذي شهدته المجتمعات الغربية حول حقوق الإنسان والشعوب، وبالتالي حول مدى شرعية النزعات الإمبريالية وجدواها الاقتصادية والسياسية.

لم تتبن كل الإمبراطوريات التقليدية هذه المقاربة الغربية، فالاتحاد الروسي مثلاً، وعلى الرغم من انهيار الاتحاد السوفييتي، ما يزال يشكل في بنيته وجوهره إمبراطورية إمبريالية تقليدية قائمة على احتلال أراضي الغير واستيطانها واستغلال ثرواتها الطبيعية لصالح سكان المركز، وعلى قمع حقوق السكان الأصليين بمختلف الوسائل، سواء في القفقاس أو الفولغا أو الأورال أو سيبيريا.

وتسري هذه الملاحظة أيضاً على جمهورية الصين المصرة بدورها ومن خلال تواجدها في شينشيانغ والتبت على تجاهل حقوق السكان الأصليين وإرادتهم، بل تسعى جاهدة إلى تحويلهم إلى أقلية مهمشة من خلال سياسات التهجير والتوطين.

والغريب هنا أننا نادراً ما نسمع أي انتقاد لهذا الوضع من قبل الدول والقوى التي تدعي أنها مناهضة للإمبريالية في العالم، في حين لا تتوقف وسائل إعلامها وتعليمها عن انتقاد التجربة الاستعمارية الغربية على الرغم من أنها انتهت منذ عقود.