الثلاثاء، 17 يونيو 2014

الطريق إلى الفوضى!

أوباما والمالكي

في وقت يقوم فيه البلهاء ذاتهم الذين نصحوا أوباما بـ "ضبط النفس" فيما يتعلق بالتدخل في سوريا بتحريضه على توجيه ضربات عسكرية في العراق للدفاع عن حكومة المالكي الطائفية بالتعاون مع إيران، والإنخراط في تحرك ضد قوات التمرد السني، التي لا تشكل فيه داعش إلا جزءاً من تحالف واسع، بخلاف ما يُشاع عبر وكالات الإعلام، من المهم في هذه المرحلة لبعض ما تبقى من أصوات عقلانية على الساحة أن تضغط من أجل صياغة سياسة واضحة الهدف فيما يتعلق بالتطورات الراهنة في المنطقة، بخاصة في سوريا والعراق.

ففي السابق، أدى التقاعس الناجم عن الخوف من العواقب المحتملة إلى تحويل هذه العواقب إلى  نبوءات ذاتية التحقيق (سوريا)، وأدت ردود الأفعال غير المدروسة والضربات التي وجهتها طائرات بدون طيار في غياب عملية سياسية للتعامل مع النتائج إلى تطورات كارثية على الأرض (اليمن، باكستان)، من حيث تعزيز التطرف وتسريع عمليات التفتيت المحلية. لم يعد من الحكمة بمكان للولايات المتحدة أن تثابر على هذا النمط الكارثي للتعامل مع المجريات، إذ لم يعد شعوب المنطقة تحمل المزيد من الآلام الناجمة عن ذلك.

إن تدخل الولايات المتحدة في العراق في هذه المرحلة، ما لم يترافق بإطلاق عملية سياسية إقليمية تهدف إلى معالجة الأوضاع في العراق وسوريا، سيضعها وبشكل مباشر في صف المعسكر الشيعي في المنطقة في معركته المستجدة ضد نظيره السني، وستكون الولايات المتحدة بذلك قد اختارت التدخل في صراع طائفي عنيف لم يبلغ ذروته بعد. ولا يهم في هذه المرحلة إذا كان الجانب المستهدف أولاً هو داعش أو غيرها من المجموعات التابعة لتنظيم القاعدة، فالتدخل العسكري ضد داعش في غياب عملية سياسية تهدف إلى التعامل بشكل فعال مع المظلومية السنية ومخاوفهم الوجودية الحقيقية والبينة أمر سيكون له انعكاسات سلبية كبيرة في المجتمعات السنية في المنطقة، بما فيها الأوساط العلمانية.

ودعونا لا ننسى هنا أن بروز داعش على الساحة ما كان ليحدث بهذه السرعة والقوة لولا دعم نظام الأسد وإيران. نعم، لقد نوهت في السابق أن داعش ليست عميلة للأنظمة الاستخباراتية السورية والإيرانية، كما يدعي البعض، وأنها منظمة مستقلة لها رؤيتها وأهدافها الخاصة، لكني نوهت أيضاً، أنه ومنطلق هذه الرؤية والمصالح، هناك عملية تنسيق واضحة بين داعش والنظامين في سوريا وإيران، وإن التركيز الإعلامي على داعش وتضخيم دورها على الساحة أمر يخدم مصلحة النظامين فيما يتعلق بالتحصل على تعاطف الغرب، ومصلحة داعش كذلك التي تريد أن تفرغ الساحة الثورية لها.

ولقد أكدت مؤخراً أيضاً أن الرئيس أوباما في رأيي على استعداد لرؤية المنطقة بأكملها تذهب إلى الجحيم، بدلاً من التدخل بأي شكل من الأشكال فيما يحدث فيها مرة أخرى، لكن، ونظراً لتزايد الضغوط عليه للتدخل في العراق، وفي مسعى محتمل لإقناع إيران بتقديم بعض التنازلات بخصوص برنامجها النووي، ربما يكون الرئيس أوباما على وشك القيام بتصرف غبي جديد. فتدخل أوباما في العراق بعد تقاعسه في سوريا سيخدم من جديد إيران وحلفائها، أي المعسكر الشيعي في المنطقة. وهكذا، سيكون أوباما، مستخدماً أقل ما يمكن من موارد مادية وبشرية، قد أقحم أمريكا في قلب الأحداث والتطورات المتسارعة في المنطقة، داعماً معسكراً بعينه ضد آخر، متخلياً عن حلفاء قدامى ومحتملين، ومتجاهلاً ما يجري من إبادة جماعية في سوريا، إن لم يكن مساهماً غير مباشر فيها، ومع كل ذلك، يُراد لنا الاعتقاد بأن هذا الموقف يعبر عن سياسات حكيمة ورشيدة.

هناك شيء ما أخرق في هذا كله، شيء يساهم في تمزيق نسيج المنطقة، وتحويلنا إلى وقود، ونحن، على ما يبدو، قد قبلنا هذا الدور.