الأربعاء، 10 سبتمبر 2014

المتشدّدون والمعتدلون

السؤال المطروح هنا هو: هل بوسع التيارات الإسلامية تقديم تفسير عملي وعادل وفعال لهذا الشعار؟ فالشعارات بحد ذاتها لا تكفي. أما التيارات العلمانية فلقد جائت بطرح الدولة المدنية، لكنا حتى اللحظة لم ندخل في التفاصيل العملية للأمر، خاصة فيما يتعلّق بالتواصل مع الشرائح الشعبية الأوسع.


في وقت يتكاثر فيه الكلام عن المتشدّدين والمعتدلين أرى أنه من الضروري أن نحاول الاتفاق على تعريف واضح للمصطلحين علّنا بذلك نتمكّن من تحديد بعض أوجه التحديات التي تواجنا في هذه المرحلة. وفيما يلي، مقاربة خاصة في هذا الصدد:

المتشدّدون: أولئك الذين يدّعون معرفة التفسير الوحيد الصحيح للمعتقد، ويعظون الناس باستمرار حول كل كبيرة وصغيرة في حياتهم، ويصرّون على احتكار الحقيقة، وإنهاء الحوار الدائر منذ الأزل حول طبيعة مصائرنا الفردية والجماعية، عوضاً عن أن يرضوا بدورهم كمجرّد مشاركين أو كمساهمين فاعلين فيه عن طريق تحفيزيهم للآخرين على أخذ بعض الأمور بالاعتبار. وغالباً ما ينتهي المطاف بالمتشدّدين إلى تبنّي أساليب النصّابين والمشعوذين، فيركبهم الخطأ من رؤوسهم إلى  خمص أقدامهم حتى في حال صحّت بعض توقعاتهم وتحليلاتهم، فالعبرة في الأسلوب والمنهج، فمن يرفض إخضاع أفكاره لنفس التدقيق الذي يعرّض أفكار اللآخرين له، يجرّد نفسه وأفكاره من أية شرعية يسبغها التواصل المفتوح مع الآخرين، من حيث رفضه لشرط الانفتاح. فالتشدّد في الجوهر نظام مغلق، والمتشدّد في عمق أعماقه لا يزيد عن كونه شحّاذ مشارط.

المعتدلون: أولئك الذين يعترفون بتنوّع التفسيرات الموجودة والممكنة للمعتقد، والذين هم على استعداد دائم لاستيعاب حتى الرفض الصريح له من دون قيد أو شرط. ولا يهتم المعتدلون بالاتفاق على تعريف واضح للإيمان والمعتقد بقدر اهتمامهم بالاتفاق على الطرق الأنسب لضمان حرية المعتقد والتعبير للجميع، كلّ، فرداً كان أو جماعة، وفق تفسيره ورؤيته الخاصة. فعملية النقاش والحوار التي تهمّ المعتدلين أكثر من غيرها تتناول على وجه الخصوص قضية الحدود العادلة التي ينبغي أن تقوم ما بين الأفراد والجماعات، وما بين الفضاء الخاص والعام. كما يسعى المعتدلون أيضاً إلى الاتفاق فيما بينهم على الكيفية الأنسب للتعامل مع المتشدّدين، أي أولئك الذين يصرّون على فرض آرائهم على الآخرين، بقوة السلاح، وبقوة مؤسسات الدولة والمجتمع، على حساب إبطال كل الحدود ما بين الأفراد والجماعات، وما بين الخاص والعام، إلا تلك التي يرونها هم وحدهم مناسبة.