الجمعة، 14 أكتوبر 2011

اللاعنف


إن من يطرح موضوع اللاعنف من منطلق محض أخلاقي وليس من منطلق استراتيجي لا يترك مجال للطرف الآخر للرد، فهم مدانون أخلاقياً حُكماً لاختيارهم حمل السلاح، بغض النظر عن الأسباب التي دفعتهم إلى ذلك وعن استعدادهم للالتزام بالقوانين والأعراف الدولية في هذا المجال. إن الإصرار على التعامل مع الأمر من هذا المنطلق يحتّم على أصحابه أيضاً رفض أي تدخل خارجي ما خلا، ربما، الخيار الرمزي الممثّل في إرسال مراقبين دوليين، كما يؤدي إلى ترك الثوار في تلك المناطق من سوريا التي اختارت حمل السلاح لتواجه آلة الموت الأسدية بمفردها بلا أي دعم من الداخل أو الخارج. ربما يرى البعض أن هزيمة هذه الفئات والتجمّعات سيفسح المجال لعودة النضال السلمي. لكن الاحتمال الأكبر أن تفسح الهزيمة المجال لليأس والتخاذل فقط، لأن خيار التسلّح جاء بمثابة الخيار النهائي، فمن المرجح لذلك أن يكون الفشل فيه نهائياً بدوره.

ويزيد دخول أصحاب النزعات المعادية للغرب على الخط الأمر تعقيداً، فهم بتبنّيهم للمقاربة ذاتها ليسوا مدفوعين بإيمان حقيقي باللاعنف، كما يشهد على ذلك دفاعهم عن عنف حماس وحزب الله في الصراع مع إسرائيل وامتناعهم عن تفضيل المقاربة اللاعنفية في هذه الحال، بل بعقائدهم السياسية الخاصة والتي قد يختلف معهم فيها الكثير من السوريين.

الطرف الأول يتعامل مع المنشقّين ومؤيديهم كعدو داخلي، والطرف الثاني يتعامل مع المطالبين بتدخّل دولي، عسكري إن اضطر الأمر،  لحماية المتظاهرين، كعدو خارجي، وتأتي الإدانات من منطلق وطني وأخلاقي ولاتفسح أي مجال للحوار. وفي هذه الأثناء، يستمر الأسد في قمعه للمتظاهرين وفي بسط سيطرته من جديد على كل بلدة وقرية ومدينة متمرّدة، الواحدة تلو الأخرى، وما من أحد يقدم لأي تصور لحل، أو للكيفية التي يمكن فيها للاعنف أن ينجح، ناهيك عن القيام بدور القيادة ببعدها المعنوي، بما فيها من توجه للشعب وشرح أبعاد الخيارات الختلفة أمامه ومؤازته معنوياً.

ويكفينا في هذا الصدد أن نذكّر أن الرجل الذي أسرع وأعلن رئاسته للمجلس الوطني قبل إجراء أية انتخابات لم يقم بعد بالتوجه إلى الشعب السوري بأي نداء ليقدم نفسه كمرشح لهذا المنصب الهام، ويشرح وجهة نظره بشكل مباشر فيما يتعلّق بكل القضايا الخِلافية، طارحاً رؤية بديلة عن الحل العسكري الخارجي يمكن لها أن تلهم الناس وتعطيهم ثقة بأنفسهم وبقادتهم الجدد، ليستمروا في الصبر والمصابرة وتقديم التضحيات. الناس بحاجة إلى ذلك، بحاجة إلى قادة يرضون بأن يكونوا مسؤولين عن الناس ومُسائلين من قبلهم، لا مسؤولين عنهم وكأنهم قاصرين. وعلى أي شخص يسعى لتبوّأ منصب القيادة في هذه المرحلة أن يدرك أن مهمته في هذه المرحلة بالذات تفرض عليه أن يكون شخصاً جامعاً، وهذا أن يعني أن عليه أن يتعامل بتواضع وبانفتاح أكثر ورحابة صدر مع كل من اختلف معه وعنه، وأن لايسمح لنفسه بالتقوقع وراء جدران العقيدة السياسية الخاصة به ويحيط نفسه فقط بمن يتفق معه في الرؤية، إذ لايمكن التوصّل إلى إجماع من خلال الإقصاء، ولايمكننا أن نحرز أي تقدم حقيقي على طريق تكوين رؤية جامعة للمرحلة الانتقالية من دون التعامل المباشر مع القضايا الأكثر حساسية.