السبت، 23 نوفمبر 2013

أين أنتم؟

يؤكد الإسلاميون أنهم سيحترمون حقوق الجميع، بمن فيهم الأقليات والتيارات العلمانية، في دولتهم المنشودة، لكن ممارساتهم على الأرض حتى اللحظة لا تبشّر بالخير. فداعش ليست وحدها المسؤولة عن ممارسات الهمجية في المناطق المحررة باسم تطبيق شرع الله. ولعل إقدام الجماعات الإسلامية على طرح برامج واضحة فيما يتعلّق بالطريقة التي ينوون من خلالها التعامل مع "الآخرين" يساهم في إطلاق حوار جدي ما حول طبيعة الترتيبات المستقبلية، الأمر الذي قد يساهم بدوره في التوصّل إلى توافقات أكثر براجماتية يمكن لها أن تلقى قبولاً أكبر من الشرائح الأوسع للناس.






  
رسالة من ناشط علماني إلى المجموعات الإسلامية 

عندما يدعو العلمانيون إلى فصل الدين عن الدولة ينبري الإسلاميون للإعتراض وبحدة على هذا الطرح مؤكّدين على أن الإسلام دين ودولة وعلى وجود دور كبير للإسلام في السياسة، فأين هم الإسلاميون من العمل السياسي اليوم؟ الكلام هنا بالتحديد عن التيارات الإسلامية في سوريا، فباستثناء نشاطات الإخوان المسلمين لا يوجد نشاط آخر يُذكر للإسلاميين على الساحة السياسية، إلا من خلال بعض الشخصيات المستقلّة، وهذا بالطبع لا يكفي للتعويض عن النقص في تمثيل التيارات الإسلامية الفاعلة على الأرض، عسكرياً على الأقل، وهي في معظمها سلفية الطابع ولبعضها خلافاتها العميقة مع حركة الإخوان، وقد لا يشكّل قبولها لدعم الإخوان المادي لها في هذه المرحلة أكثر من خيار تكتيكي عابر لا يبدو أن بوسعه أن يشكّل نواة لعلاقة تعاون وشراكة استراتيجية حقيقية في مستقبل الأيام.

ولا يكفي التذرّع هنا باستمرار العمليات العسكرية على الأرض لتبرير غياب هذه القوى عن الساحة السياسية، ولا يمثّل تشكيل هذه القوى لتحالفاتها الخاصة وتأكيدها على أنها تسعى إلى بناء دولة إسلامية تلتزم بتطبيق الشريعة برنامجاً سياسياً فعلياً، فمثل هذه التحرّكات لا تزيد عن كونها إعلاناً عابراً عن النوايا. أما العمل السياسي فيتطلّب وضع برامج تفصيلية وطرحها من خلال شخصيات سياسية تتناسب رؤيتها مع رؤية هذه القوى والمجموعات. 

ويشكّل إصرار هذه المجموعات على مقاطعة العملية السياسية بتفاصيلها أمراً إشكالياً خاصة مع رفضها الاعتراف بالإئتلاف كممثل شرعي لها ولبرامجها، علاوة على رفضها القاطع المشاركة في مؤتمر جنيف ٢، رابطين كل ما يجري على الساحة السياسية بموافقة وتأييد من هم على الأرض، لأنهم من منظور هذه المجموعات، الممثل الشرعي الوحيد الممكن والمقبول للثورة. لكنّ الشرعية هذه الأيام لا تكتسب فقط من خلال التحصّل على تأييد شرائح معينة في الداخل وفرض سلطة الأمر الواقع على شرائح أخرى فيه، بل تتطلّب أيضاً موافقة دولية تسمح بإقامة علاقات تعاون ما مع المجتمع الدولي قد يكون لها طابع إنساني وعسكري في هذه المرحلة، وطابع دبلوماسي وتجاري في مرحلة تالية. فهناك دائماً بعد خارجي لشرعية الدول والمجموعات لا يمكن التعامل معه واحتوائه إلا من خلال النشاط السياسي خارج أطر الهيئات والمحاكم الشرعية التي تمّ تشكيلها من قبل المجموعات المختلفة، وخارج نطاق تقديم الخدمات للمجتمعات المحلية. 

ولا يعني كون هذه المجموعات إسلامية التوجّه أن المجتمع الدولي سيرفضها بالضرورة، كما يظنّ أصحابها أو يدّعوا، فهذا المجتمع يقيم علاقات دبلوماسية وتجارية يمكن وصفها بالطبيعية في معظم الأحوال مع كل الدول التي تعرّف عن نفسها دستورياً بأنها دول إسلامية، ومنها إيران والسعودية والسودان وماليزيا، وغيرها. فلا تنحصر إذاً مشكلة المجتمع الدولي مع هذه القوى في إيديولوجياتها وعقائدها السياسية بقدر ما تنبع من نأيها المستمر عن العمل السياسي، بل واحتقاره أيضاً. لكنّ المجموعات المسلّحة التي تنأى بنفسها عن السياسة تبدو غالباً وكأنّها تعلن الحرب على المجتمع الدولي بأعرافه، وهو أمر قد يناسب مجموعات كتنظيم القاعدة مثلاً، لكن هل يناسب هذه التشكيلات الإسلامية أيضاً التي غالباً ما تدّعي أنها تعارض القاعدة؟ فإن كان الأمر كذلك، فلم تتوقّع هذه المجموعات أن يهتمّ المجتمع الدولي بمعاناتها ومطالبها؟ من ناحية أخرى، يخطئ كل من يعتقد أن بوسعه تحصيل كل ما يريد ووفقاً للجدول الزمني الذي يناسبه من خلال العمل السياسي وحده خاصّة في زمن الثورات والصراعات. لكن، حتى في حال حسمت الأمور عسكرياً ضد النظام تبقى السياسة بتنازلاتها ومساوماتها ضرورة في سوريا، نظراً للتنوّع الإثني والمناطقي فيها وتعدّد الجهات الإقليمية والدولية  المساهمة في تشكيل الأوضاع الراهنة. ولا تعني طبيعة العمل السياسي أن لا تضع الأطراف شروطاً وحدوداً وضوابط لمشاركتها، لكن عليها في خاتم المطاف أن تشارك، وأن تتنازل، وربما كان هذا الأمر الأخير هو الإشكال الحقيقي الذي يواجه الجماعات الإسلامية، لأن التنازلات عندها غالباً ما تأخذ بعداً عقائدياً ممّا يعقّد التداولات بشأنها ويصل حدّ التكافر، لكن الأطراف التي لا تعرف كيف ومتى تتنازل لا يمكنها أن تشارك في إدارة الدول، وبالتالي لا يمكن للمجتمع الدولي أن يراهن عليها ويعترف بها. 

لذا، وإذا كانت القوى الإسلامية الفاعلة على الساحة السورية الداخلية تسعى ليكون لها دور حقيقي في تشكيل مستقبل سوريا فهي بحاجة للانخراط في العملية السياسية وبشكل جدّي وفعّال، الآن وليس غداً. بل من الأفضل لها أن تطالب بإرسال ممثّلين لها إلى مؤتمرات مثل جنيف ٢ عوضاً عن مقاطعته، فأي طريقة أنجع لمحاربة المؤامرات المزعومة من المشاركة في تلك العمليات السياسية التي نتخوّف من استخدامها كمنصّة لتفعيل هذه المؤمرات؟ 


وفي الواقع، لقد بات من الضرورة بمكان للقوى الإسلامية الفاعلة في الداخل السوري، خاصة بعد تشكيلها لتحالفاتها العسكرية الخاصّة، أن تشكّل لها جسداً سياسياً أيضاً يمثلها على الساحة الداخلية والدولية، وسيتطلّب منها هذا الأمر إجراء بعض التقاربات والتسويات مع القوى الثورية الأخرى، إن عاجلاً أو آجلاً. فإن كان ابتعادها عن العمل السياسي في هذه المرحلة خيار مدروس تحاول من خلاله تجنّب التعامل مع القوى الأخرى على الساحة الداخلية رغبة في انهاكها والامتناع عن تقديم أية تنازلات لها في هذه المرحلة، فربما آن الأوان لمراجعة الحسابات هنا، لأن هذه القوى قد لا تكون غافلة عما يجري وقد يدفعها هذا التعنّت إلى الانخراط في عمليات سياسية تهدف إلى مقاومة وعزل هذه المجموعات الإسلامية، مهما بدا هذا الأمر صعب المنال في هذه المرحلة، وبالتالي ستتحوّل مخاوف هذ المجموعات من المؤامرات إلى نبوءة ذاتية التحقيق، فمن يخاف من الشيء غالباً ما يلقاه. 

والواقع أن مشاركة جميع التيارات والمجموعات الفاعلة على الساحة العسكرية والسياسية الثورية في مؤتمرات مثل جنيف ٢ سيقوّي موقف الثوار في العملية التفاوضية، إذ لن يكون بوسع ممثّلي النظام والجهات الإقليمية والدولية الداعمة له في هذه الحال أن يدّعوا أن الطرف الآخر غير قادر على الالتزام بتنفيذ الاتفاقيات على الأرض، وسيكون بوسع المعارضة في هذه الحالة أن تصرّ على تحقيق مطالبها بحدودها القصوى. 

وقد يتساؤل البعض هنا: لماذا تدعو شخصية علمانية لمشاركة التجمّعات الإسلامية الأكثر تشدّدا في العمل السياسي وتقدّم النصح لها؟ هناك سببان رئيسيان لذلك: 

أولاً، إن عودة الاستقرار إلى سوريا، وهو التحدّي الذي لابد له أن يكون من أولوياتنا في هذه المرحلة نظراً للظروف الإنسانية الصعبة التي تمرّ بها شرائح واسعة من شعبنا، تتطلّب قدراً هائلاً من التنظيم وتستلزم مشاركة معظم القوى الفاعلة على الساحة، بصرف النظر عن انتماءاتها الإيديولوجية، لكي لا نتورّط في صراعات داخلية جديدة علاوة على صراعنا الحالي مع النظام والقاعدة. 

ثانياً، قد تؤدّي المشاركة في العمل السياسي مع الزمن إلى التقليل من تشنّج وتشدّد هذه التيارات الإسلامية وتفتح مجالاً ما للمناورة يمكن من خلاله للقوى العلمانية، في حال نجحت في تنظيم صفوفها والاتفاق على بعض المبادئ والأولويات الأساسية لها، أن تتحصّل على بعض الضمانات الاجتماعية والسياسية للمرحلة القادمة تمكّنها من الحفاظ على وجودها وعلى الاستمرار في المشاركة في العمل الثوري والسياسي في الوقت الراهن، وعلى المشاركة مستقبلياً في عملية إعادة البناء في كل المناطق السورية. 


وفي الواقع لا يوجد الكثير من الخيارات أمام القوى العلمانية في هذه المرحلة، نظراً لتخاذل المجتمع الدولي في دعمها، وتنحصر خياراتها في هذه المرحلة في واحد من ثلاث:

١) التوصّل إلى صيغة مقبولة للتعامل والتعايش مع القوى الإسلامية، ٢) العودة إلى كنف النظام، أو ٣) الهجرة. 

ومن الواضح في هذه المرحلة أن التيارات العلمانية التي اختارت الانضمام إلى الإئتلاف أو التنسيق معه إنما تسعى إلى التوصّل إلى تسوية ما مع التيارات الإسلامية تسمح لها بالحفاظ على وجودها وبالاستمرار في العمل الثوري في آن، ويمكن تسميتها هنا بالقوى العلمانية الثورية. أما هيئة التنسيق، وغيرها من تجمّعات المعارضة العلمانية التقليدية، فمن الواضح منذ البداية أن أصحابها يفضّلون العمل في ظلّ النظام بصرف النظر عن جرائمه، قانعين بالفتات الذي بوسعهم التحصّل عليه بين الحين والآخر. وفي هذه الأثناء تستمرّ عملية الاستنزاف للقوى العلمانية من خلال الهجرة، وقد تكون الهجرة هي الحلّ الذي تريده معظم القوى الإسلامية والنظام ذاته للقوى العلمانية الثورية لإصرارها على المشاركة في صنع القرار وعدم اكتفائها بدور هامشي وتجميلي. لكن المشكلة في ترحيل هذه القوى عن الساحة أنها قد تأخذ معها إمكانية التحصّل على الشرعية الدولية أيضاً، على الأقل لسنين طويلة. ولقد لاحظنا كيف أثّر تغييب الشخصيات الليبرالية بالذات من العمل المعارض سلباً على قدرة المعارضة السورية في التواصل مع المجتمع الدولي وخصوصاً الدول الغربية منذ بداية الثورة وحتى اللحظة. 

إن التغييب والتسويف لا يخدم قوى المعارضة، لا الإسلامية منها ولا العلمانية، خاصّة في ظلّ ذبذبة المجتمع الدولي فيما يتعلّق بالرهان عليها. والأهمّ من ذلك أن الغرب بالذات كان يبحث ومنذ بداية الثورة عن شخصيات قيادية يمكنه التواصل معها بشكل مباشر ويمكن للمعارضة أن تتمحور حولها، لكنه لم يجد مبتغاه في أي من الشخصيات التي فرضت نفسها على الساحة. أين المشكلة هنا؟ هل هي في الأشخاص؟ في الثقافة العامة؟ في سياسة تفريغ المعارضة التي اتبعها النظام عبر العقود الماضية؟ أم هل يمكن إلقاء معظم اللوم على سياسات الشحن الطائفي الذي دأب النظام على الارتكاس إليها والتي ما زالت تجد لها أصدائها العميقة في صفوف الموالاة والمعارضة على حدّ سواء؟  الإجابات غير واضحة في هذه المرحلة. لكن مفتاح الحلّ في سوريا يكمن إلى حد بعيد في إيجاد هذه الإجابات، علاوة على تمكّن المعارضة من تنظيم صفوفها والعمل بالتوازي على جميع الأصعدة: العسكرية، السياسية، الإدارية والإعلامية، وهو ما يقوم به النظام منذ اللحظة الأولى، في حين تصرّ المعارضة بجميع تياراتها وقواها على التسويف. أما آن أوان انتهاء فترة المراهقة السياسية هذه؟ متى ستنضج المعارضة وتفرز قادة حقيقيين وفاعلين؟