الأربعاء، 27 يناير 2016

إلى المعارضة السورية: لا تقاطعوا محادثات جنيف، على علاتها

مشهد من مؤتمر جنيف 2


المفاوضات أو المحادثات المزمع عقدها في جنيف يوم الجمعة لن تجري، ولا ينبغي لها أن تجري، على أساس الجمع ما بين النظام والمعارضة، إذ فقد هذا المفهوم واقعيته نظراً لحالة التفكك التي تشهدها الدولة اليوم ولتدخل مجموعة من القوى الخارجية في الصراع. بل ينبغي العمل في هذه المرحلة على أساس الجمع ما بين مجموعة من الأطراف المتنازعة التي احتفرت لنفسها مناطق وقواعد على الأرض بشكل مباشر أو عن طريق المجموعات المسلحة والميليشيات المدعومة من قبلها.

من هذا المنطلق، فإن الإصرار على إقصاء ممثلي حزب الاتحاد الديمقراطي من المشاركة بحجة العمالة للنظام أو مهادنة النظام يشكل تجاهلاً لواقع سيطرة هذا الحزب، بصرف النظر عن الأساليب التي يستخدمها في فرض هذه السيطرة، على مناطق معينة في سوريا، ولقيامه بمواجهة داعش هناك بدعم أمريكي، كل هذه الاعتبارات، علاوة على علاقاته مع روسيا والنظام، تجعل من هذا الحزب طرفاً حقيقياً في الصراع الدائر في سوريا، مما يعني أن في محاولة تغييبه عن المفاوضات تغييب لأي حوار جدي حول مستقبل المناطق الخاضعة لسيطرته. نعم، للنظام تواجده في هذه المناطق، لكنه تواجد مشروط بحسابات الحزب السياسية، وهي حسابات معقدة لها علاقة بالتوازنات الإقليمية، بل والدولية المتعلقة بمستقبل المنطقة ككل.

وفي الواقع يعد حزب الاتحاد الديموقراطي، بصرف النظر عن أية اعتراضات تتعلق بعقيدته السياسية أو قادته أو أساليبه في الحكم، واحداً من أهم الأحزاب السورية في هذه المرحلة، بل وأكثرها خبرة وتمرساً في العمل السياسي. وكان من المفترض على الائتلاف ومن قبله المجلس الوطني أن يجريا محادثات جدية ومباشرة مع قادته بغية التوصل لمعادلة ما تسمح بالتعاون معه بدلاً من ترك المجال مفتوحاً أمام شخصيات أخرى غير مرتبطة بالائتلاف.   

إذ علينا أن لا نتجاهل هنا وجود طاقات أخرى في المعارضة غير الإئتلاف، طاقات تم إقصائها أو تهميشها أو تجاهل تطلعاتها وطموحاتها ومخاوفها، طاقات قد يكون بعضها إشكالياً لكنها تبقى حاضرة بنرجسياتها وهمومها وقدراتها وتطلعاتها، وهاهي قد نجحت الآن في تحقيق اختراق هام لها بالتعاون مع بعض الجهات الدولية أو الإقليمية لتعود فتفرض نفسها على الساحة، فهل يكون الجواب على وجودها اليوم أن يقوم الإئتلاف بإقصاء نفسه عن العملية السياسية الوحيدة على الساحة الدولية والتي سيتم من خلالها تحديد مستقبل البلد؟ هل يعتقد أحد أن هذه القوى الدولية والإقليمية ستجتمع كل يوم من أجل سوريا، وعلى هذا المستوى العالي من التمثيل؟ هل سنستمر في التسويف إلى يندلع صراع آخر في منطقة ما يشغل العالم عنا؟ قضيتنا تشغل العالم اليوم، لكنها لن تشغله كل يوم. وإن كان من المستحيل اليوم أن نحصل إلا على جزء بسيط مما نريد، فليكن، ثورتنا اليوم عرتنا لكنها لن تكسينا، وما تزال طريقنا إلى الحرية معبدة بثورات أخرى مختلفة.

وإن كان لابد من تسجيل اعتراض ما على العملية المزمعة في جنيف، والدوافع في هذا الصدد مفهومة تماماً بل ومشروعة، فليكن الأمر عن طريق تخفيض مستوى المشاركة لا عن طريق المقاطعة الكلية. فليرسل الإئتلاف مندوباً أو مندوبين له إلى جنيف للمشاركة بصفة مراقب، فبهذه العملية يمكن للإئتلاف المشاركة في المحادثات والتأثير فيها إلى حد ما دون أن يضطر إلى التصديق على أية من القرارات التي ستتخذ حتى تتم مراجعتها لاحقاً من قبل الهيئة.