الجمعة، 10 أغسطس 2012

الدين والحرية والعدل


1.
"لا للدولة الإسلامية في سوريا. لا للدولة الطائفية في سوريا. لا للدولة البعثية في سوريا. نعم للدولة المدنية، فدون ذلك الاستبداد والفساد والخراب."

أثارت المداخلة الفيسبوكية أعلاه ردوداً تطلّبت معالجة مطوّلة بعض الشيء، لذ ارتأيت نشر هذه المعالجة كمقالة أيضاً للفائدة.

بالنسبة لرأي أ. أ.ز. أولاً لاصوت للمجتمع إلا عبر الأفراد. لذا، عندما تقول أنه من "حقّ المجتمع أن يعلن رأيه تماماً كالفرد،" لايبدو الأمر دقيقاً. قلّما تكون الأمور مواجهة بين المجتمع ككل والفرد، ومحاولة إظهار الأمور على أنها مواجهة من هذا النوع هي محاولة للتقليل من أهمية أحد الأطراف، وحقّه. أعتقد أنه من الأنسب القول: من حق الأغلبية أن تعرب عن رأيها تماماً كالأقلية.

ثانياً، بالنسبة للقول "أنّ الفيسبوك أو الصحف أو التلفزيون هي حيّز مجتمعيّ عامّ و ليست حيّزاً خاصّاً بإمكان الإنسان أن يتعرّى فيه على الملأ، ثمّ يقول: لم تنظرون؟ ما علاقتكم !؟" هل يمكن للسيد أ.ز. أن يطبّق هذا المعيار على رجال الدين الإسلاميين الذين لايكفّون عن الإساءة بآرائهم لفئات اجتماعية واسعة: من أقليات دينية، وفنانين، وعلمانيين، وسافرات، و و و؟ الإسلاميون أكثرنا تعرياً في الفضاء العام. من حقّ الجميع أن يعبّروا عن آرائهم في الفضاء العام، مهما بدت آرائهم مستهجنة بالنسبة لبعض الفئات، بصرف النظر عن الحجم الديموغرافي: أكثرية أو أقلية،  وطالما خلت هذه الآراء من أي تحريض لفئة على أخرى.

2.
يقول م.ع. "الوعي المشوَّه لمفهوم الحريَّة: - أن تُعتبر الإساءة لمعتقدات الآخرين -التي يقدّسونها أكثر من ذواتهم- حقاً أصيلاً وحرية تعبير مشروعة .. وأن يعتبر رد الإساءة بمثلها .. جريمة تستحقّ الشجب والاستنكار .. وتعدياً على حقوق الآخرين وحرياتهم.. !!"
حسناً، دعونا نأخذ بعين الاعتبار هنا أن أحد الاعتراضات الرئيسة لقريش على ما جاء به محمد هو شتمه وتحقيره لآلهتهم: "سفَّه أحلامنا وسبّ آلهتنا وكفَّر آباءنا." وبالفعل، كان الانتقادات التي وجهها محمد والقرآن لآلهة ومعتقدات قريش لاذعة. هل كان على خطأ؟ هل كان يسوع على خطأ في انتقاداته اللاذعة لقومه؟ وموسى؟ ونوح؟ الإساءة إلى المقدسات والمعتقدات هي أحد أساليب الرفض، وقد لجأ إليه المفكّرون والأنبياء والفلاسفة، والعامة والخاصة، على مرّ العصور.

لاهيبة الدولة ولاهيبة الله تتأثران بالنقد. الشرائع الدولية تحمي الحقوق لا المشاعر. لاتفرضوا على الآخرين حدوداً لستم على الاستعداد للتقيد بها. مشاعر المرء مسؤوليته، حقوق المرء مسؤولية الجميع.

من ناحية الأخرى، وفي معظم الأحيان، هناك تهديدات مبطنّة أو صريحة، ليس فقط فيما يتعلّق بـ "رد الإساءة بمثلها،" بل بماهو أكثر: كالقتل أو القمع. وهاهو أبو سعد السوري يتسائل: "والله أعجب أشد العجب عندما تخرج عبارة (لا للدولة الإسلامية) من شخص اسمه عمار عبد الحميد !!أهي ردة أم ماذا؟" وكلنا نعرف ما حكم المرتد في الإسلام.

والواقع أن ما كل من يرفض الدولة الإسلامية يرفض الإسلام أيضاً، لكن في حالتي، وبما أني ليبرالي علماني، هي في الواقع "رِدة." اقتلوني حيث ثقفتموني إذاً. لكن، من ستقتلون معي و مِن بعدي؟ ومتي سيتوقف القتل؟ هل ستقتلون برهان غليون وصادق جلال العظم أيضاً؟

لاتقولوا أن هذا ليس وقت طرح الأمور كهذه، بل هي هذه الأمور التي ينبغي أن تطرح اليوم: لأننا مالم نتفق على كيفية التعامل معها اليوم، سنتناحر حولها غداً. ونحن إنما نسعى لغد أفضل للجميع.

وتذكّروا هنا، أني لاأدعو إلى قيام دولة علمانية، بل إلى دولة مدنية. لاأريد للدولة أن تتبنّى وجهة نظري أو نظر غيري فيما يتعلّق بغيببيات الأمور، فهي أمور لن نجتمع عليها ماحيينا، وهذا في الإسلام سنّة الله في خلقه. الدولة المدنية هي الدولة التي تأخذ موقف الحياد في هذه الأمور. فقضايا من هذا النوع هي قضايا حقوق أساسية لاعلاقة لها بالتغييرات السياسية في الدولة، وعقيدة التيار أو الحزب الحاكم، أو عقيدة الأغلبية أو الأقلية: هذه قضايا في صميم حرية الاعتقاد والتعبير، وهي ليست وليدة اليوم في مجتمعاتنا أو وليدة الاحتكاك مع الغرب وحسب، ولقد آن أوان أن نتفق على أساليب منطقية للتعايش معها، بعد مئات السنين من التناحر، غير مطالبة بعضنا البعض بالصمت أو بالتطنيش أو التأجيل أو التسويف.

أخيراً، دعوني أوضح أني أؤمن بالتعاون مع التيارات الإسلامية ليس في سوريا فقط، بل أينما وجدوا، والواقع أن الكثير من الائتلافات والمجالس المعارضة تحتوي على خليط ما من ممثلي التيارات الإسلامية والعلمانية، وهذا مشجّع. لكن، مازلنا بحاجة إلى تبنّي رؤى ووسائل واضحة للتعامل مع هذه القضايا ولانكتفي بالكلام في العموميات.

ولو صح ما قالت دانا المندسة: " احتفظ بهذه الكلمات في درجك .. الشعب السوري بلغ سن الرشد وهو يعرف من يختار،" لكان الأمر رائعاً، لكن من بلغ سن الرشد لا يخشى الكلمات، سواء نُشرت أو بقيت في الأدراج. والمشكلة قد لاتكون مع الشعب أكثر منها مع الناطقين باسمه. من ناحية أخرى علينا أن لاننسى أن جزءاً لاباس به من هذا الشعب مازال مع الأسد، وهذا قد يعني أنهم لم يبلغوا "سن الرشد" بعد.

3.

نعم أغلب الذين ضحّوا في الثورة هم من المسلمين السنة وربما كان أكثرهم متدينين أيضاً، لكنهم  ليسوا بالضرورة إسلاميين. فهناك مشاركة كبيرة من أصحاب التيارات المدنية والعلمانية ولقد كان لهم دور كبير في إشعال فتيلها (ياسين الحاج صالح، رزان زيتونة، سهير الأتاسي، منتهى الأطرش، فداء حوراني...). لكن، حتى لو كان معظم الثوار إسلاميين فهذا لا يعطيهم حقّ تقرير هوية الدولة. علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الحقوق الأساسية للآخرين. إذ لايحقّ للأغلبية أن تلغي أياً من الحقوق الأساسية للمواطنين.

إن رفض طرح الدولة الإسلامية ليس رفضاً لحقّ التيارات الإسلامية في الإنخراط في العمل السياسي، إذ ليس هذا من الديموقراطية، لكنه رفض على إصرار تيار سياسي بعينه على التفرّد بتحديد هوية الدولة. إذ لايمكن لهوية الدولة أن تُقرّر من قبل حزب أو تيار معين. والاحتكام إلى صندوق الإقتراع لايكفي هنا، فالموضوع مرتبط بالحقوق الأساسية للإنسان، وهذه الحقوق غير خاضعة للتصويت، أي: لا يحقّ للأغلبية السياسية أو الدينية أو القومية أن تلغي حقاً أساسياً من حقوق الإنسان. فللديموقراطية ركنان أساسيان: أولاً، للأغلبية السياسية الناتجة عن عملية انتخاب حرة الحقّ في إدارة شؤون البلاد للفترة المتفق عليها دستورياً، وثانياً، على هذه الأغلبية من خلال إشرافها على مؤسّسات الدولة أن تضلع بمسؤوليتها في الحفاظ على الحقوق الأساسية للمواطنين، أفراداً وجماعات، على اختلاف مشاربهم السياسية والدينية والقومية، وبصرف النظر عن الحجم الديموغرافي للمكوّنات: أغلبيات كانت أو أقليات. أي، ينبغي على التيار الفائز بالانتخابات الحرة في الدولة الديموقراطية أن يحترم ويدافع عن الحقوق الأساسية لكل المواطنين بمن فيهم ممثلي التيارات الخاسرة. أي على الإسلامي أن يدافع عن حق العلماني، والعلماني عن حق الإسلامي، بصرف النظر عن حجم الخلافات الفكرية التي تفصلهما.

4.
عندما يسعى كل مكوّن سياسي أو ديني أو عرقي إلى فرض هويته على الدولة ككل: فيسعى الإسلامي لجعلها إسلامية، والعربي عربية، والكوردي كوردية، والعلماني علمانية، هناك مشكلة: فكل طرف يحاول أن يجعل من الدولة حليفاً وحامياً له ضد الطرف اللآخر، وهذا دليل على انعدام الثقة بين المكوّنات المختلفة. هذه ليست ظروفاً استثنائية، لقد مرّت معظم دول العالم، المتقدّمة والنامية، بظروف شبيهة، وبوسعنا من خلال مراقبتنا لهذه التجارب المختلفة أن نتعلّم كيف نتجاوز خلافاتنا بدورنا لنبني أرضية مشتركة تجمعنا. هذا ما تسعى الدولة المدنية إلى تأمينه.

إذا أردنا أن نعيد تجميع الأحجية السورية ونعيد بناء الدولة من جديد، فعلينا أن نتخلّى أولاً عن العقلية التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من تشتّت وتفتيت: عقلية كل شيء أو لاشيء، أو التملّص من مواجهة الوقائع كما هي والإصرار على دفن رؤوسنا في التراب.
مابعثره الاستبداد لايجمّعه إلا العدل.

الدين يفرّق والعدل يجمع، واختلاف الأديان والطوائف وتكافرها وتناحرها عبر الأجيال خير دليل على ذلك. إذ لم ينجح الناس حتى اللحظة من الاتفاق على دين واحد، ولن ينجحوا، فاتفاق من هذا النوع يخالف الطبيعة البشرية. لكن البشرية نجحت في منتصف القرن العشرين في الاتفاق على ميثاق عالمي مشترك لحقوق الإنسان ليكون مرجعاً جامعاً للعدل. لذا، ومن منطلق الرغبة في الحفاظ على اللُحمة الوطنية، والانتصار لجميع مكونات وطننا، السياسية والدينية والقومية، تأتي المطالبة بأن تقوم الدولة السورية الجديدة على أساس العدل لا الدين. وإذا كان ابن تيمية محقاً في مقولته الشهيرة أن "الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة،" فلايوجد ما يمنع المسلم المؤمن من تأييد دولة قوامها العدل، دولة ترفض التمييز بين أبنائها على أساس انتماءاتهم الدينية والسياسية والقومية، فلاتحاسبهم على أفكارهم وأقوالهم، بل على نشاطاتهم وأعمالهم.

5.
التعاطف شيء والسياسات والدعم شيء آخر، معظم الحكومات الإسلامية، بمن فيهم الحكومة الأندونيسية، ضد التدخل الخارجي لدعم الثوار، ولايقومون بشي يذكر لدعم الثوار، باستثناء بعض الدعم الإنساني من المنظمات الخيرية. الدين الإسلامي لايوحّد مواقف المسلمين وآرائهم في الكثير من القضايا الحساسة: لذا، الإيرانيون والكثير من الشيعة يقفون مع الأسد ضد الثورة. وفي سوريا، يقف معظم العلويين مع النظام، ويكفّر معظم السنة العلويين (بل والدروز والإسماعليين والحعفريين أيضاً)، وهناك مسيحيون كما تعرف، ولادينيون، لذا، من الواضح أن الإسلام لايجمعنا ولن يجمعنا. ومن هنا التناقض العملي ما بين الدين والعدل. قد يكون مفهومك الخاص للدين والعدل قادر على الجمع بين الإثنين، وانا أعرف الكثير من الإسلاميين الذين يقولون أن الدولة المدنية العادلة بالنسبة لهم هي دولة إسلامية، ولكن، ما مدى رواج هذا المفهوم عند الإسلامين؟ كلما زادت نسبة قبول هذا المفهوم عند الإسلاميين كلما تضاءلت نسبة التناقض العملي ما بين الدين والعدل.