الأربعاء، 29 أغسطس 2012

سنّة سوريا ومسألة الوحدة الوطنية


حالة الاحتقان والشحن الطائفي التي تمرّ بها البلاد في هذه المرحلة يجب أن لا تمنعنا عن تسمية الأشياء بمسمياتها المناسبة وتقديم تحليلات عقلانية للأوضاع ومقترحات عملية دون مداهنة أو مواربة أو تدليس، خشية أن نتهم بالطائفية. إذ ليس من الطائفية التنويه إلى أن غالبية الثوار، خاصة المنخرطين منهم في النشاط المسلح، هم من الطائفة السنية، وليس من الطائفية أن ننوّه إلى غياب التنسيق في الرؤى والجهود ما بين إسلاميي وعلمانيي هذه الطائفة المطالَبة دائماً بتقديم ضمانات للأقليات، ففي غياب الحوار الداخلي كيف يمكن للحوار البيني أن يكون مثمراً؟ وليس من الطائفية التنويه إلى ندرة الانشقاقات في صفوف الضباط العلويين وإلى غياب الشخصيات العلوية النافذة في صفوف المعارضة، وإلى انعكاسات هذا الأمر السلبية على مستقبل البلاد، ولا يقلّل هذا التنويه من شجاعة وتضحيات من انضم  إلى المعارضة والثورة من صفوف العلويين. وليس من الطائفية التنويه إلى غياب أي نقاش جدي حول موضوع الضمانات حتى هذه اللحظة. وليس من الطائفية التنويه إلى حال التفتّت والتداعي التي تمر بها البلاد أو إلى أن الوطن قد أصبح شُقفاً مشقّفة وكانتونات قائمة على أسس طائفية وقومية وعشائرية ومذهبية وكتائبية، في وقت ماتزال فيه معظم أحاديثنا تصرّ على تجاهل معالجة القضايا الأساسية بحجّة أنها خلافية. الوطن ينهار، وسوريا التي نعرف قد تختفي عن الخارطة تماماً في غضون الأشهر القادمة، ليس من الطائفية، على ما أعتقد، أن ننوّه إلى ذلك، وأن نحاول التحريض على التفكير وفقاً لمعطيات الواقع لا الأوهام والإيديولوجيات التي مازالت معشّشة في الرؤوس.

 مشكلة المرحلة لتي نمر بها ومشكلة الإحتقان الطائفي بحد ذاته هو أنه يعقّد موضوع الهوية إلى درجة كبيرة. فهوية المرء من الناحية العملية ليست ملكه وحده، فمَن حوله لهم دور كبير في تحديدها أيضاً. أنا علماني في نظري، لكن، وبالنسبة للمسيحي والعلوي والدرزي، بل حتى السني المتدين، سأبقى سنياً أولاً، وستبقى نظرتي إلى الأمور من وجهة نظرهم محكومة بخلفيتي السنية. وربما كانوا على حقّ إلى حد ما، فمهما غيّر المرء من آرائه يبقى للبيئة التي نشأ بها تأثيرها على نفسيته وفكره. من هذا المنطلق، وعلى رغم من التناقض الظاهر في تسمية "سني علماني" أو "شيوعي مسيحي،" إلا أن الواقع السياسي والاجتماعي السائد لا يرى تناقضاً على الإطلاق. هكذا كانت الأمور قبل الثورة أيضاً. فالزيجات المختلطة في صفوف الشيوعيين السوريين  مثلاً تبقى نادرة، والعوامل الطائفية والدينية والمناطقية بل والطبقية هي المسؤولة عن ذلك.

من هنا انبثقت دعوتي الأخيرة إلى قيام تفاهم بين علمانيي وإسلاميي الطائفة السنية، لكن  دعوني أوضح أن  الكلام هنا ليس عن العقيدة بالطبع، فلكل طرف موقفه الواضح في هذا الصدد، الكلام هنا هو عن طبيعة الدولة التي نريد تأسيسها وكيفية إدارتها والحقوق الأساسية فيها. وليس الهدف هنا هو استثناء المسيحيين والعلويين من هذا الحوار، لكني وبعد محاولات عدة لجمع شخصيات من مختلف الخلفيات للتحاور حول هذه الأمور، وجدت أنه في جو الاحتقان الطائفي السائد والذي يضع الطائفة السنية بالذات على محكّ تقديم الضمانات للأطراف الأخرى، ربما كان من الأسهل القيام بحوار داخلي على مستوى كل طائفة أولاً، فيضع كل طرف مقترحاته الخاصة فيما يتعلّق بطبيعة الدولة الجديدة ومسألة الضمانات. الأزمة القائمة في سوريا اليوم نتيجة القمع العنيف الذي تتعرّض له ثورتنا وما صاحبه من تجييش طائفي ليست أزمة يسار ويمين سياسي أو صراع شيوعيين وإسلاميين مع ليبراليين، البعد الطائفي للأزمة أصبح واضحاً للعيان اليوم، والحوار الذي يمكن له أن يخرجنا من هذه الأزمة ويضمن نجاح الثورة وإسقاط النظام لا يمكن له بأي حال أن يتجنّب المسألة الطائفية. ولأن المؤتمرات السابقة للمعارضة، والتي قامت على أساس الحوار ما بين أطياف سياسية مختلفة، تجنّبت الخوض  في هذه المسألة الأساسية، ربما كان الحوار على أساس الانتماءات الطائفية هو الطريقة الوحيدة لضمان عدم تجنّب المسألة. وليس من الضرورة أن  يؤدي الحوار بين الطوائف إلى تبنّي نظام سياسي مبني على المحاصصة الطائفية كما في لبنان، وهو الأمر الذي يخشاه الكثيرون، فهناك أكثر من نموذج يمكن دراسته أو تطويره لضمان  حقوق الجميع، وهذا ما علينا أن نتحدّث عنه.

ولقد سبق واقترحت على بعض الشخصيات المسيحية والعلوية المعروفة في سوريا صياغة بعض المقترحات المتعلّقة بالضمانات التي يرغبون في الحصول عليها، ومازالت أنتظر.

أما المطالبة بأن يكون الانتماء إلى سوريا فقط، فهذا ليس مطلباً منطقياً على الإطلاق، فالانتماءات الطائفية والقومية والفئوية ما تزال قوية حتى في أكثر الدول حرية وتحرّراً، وليس من المنطقي أن نطالب بزوالها ما لم تزل من تلقاء نفسها. أما أن نطالب بأن يكون الانتماء إلى سوريا أولاً فهذا ما نطمح إليه.