الأحد، 14 أبريل 2013

غرباء أكثر منا شركاء


بعيداً عن المثاليات وعن موقفي الشخصي من الأمور، الحقائق التالية باتت بالنسبة لي واضحة:

أثبتت الأيام والشهور الماضيات أننا كسوريين معاصرين، بخلفياتنا المتنوّعة، غرباء أكثر منا شركاء في الوطن، وبالتالي لن تكون المحبة والألفة حلّاً لأزمتنا الراهنة. إذ لن ينسى أحدنا، أو يتناسى، ما حدث، ويحدث، والكثير منا لن يغفر، أو يُعلّم أولاده المغفرة. كما أنّا لن نتفق أبداً على تفسير مشترك لما جرى، ويجري. سيبقى الأسد بطلاً في نظر الكثيرين، وإن رحل، وستبقى الثورة في نظر الكثيرين حصّيلة لمؤامرة ما، وسيكون لهم في ظهور متطرّفين في صفوف الثوّار خير دليل على ذلك، بصرف النظر عن الحقائق التي مهّدت لذلك. أما بالنسبة للثوّار، فالشرذمة ستبقى هي الحال، حتى حين، وسيبقى الإسلامي إسلامياً والعلماني علمانياً واليساري يسارياً والريفي ريفياً والمديني مدينياً والوسطي وسطياً والحائر حائراً، ولن يتفقوا على أرضية مشتركة، حتى حين.

وسيبقى التمترس الطائفي والقومي والفئوي عنواناً للمرحلة القادمة عند كل الأطراف بغض النظر عن المضمون الشكلي لخطابي الثورة والمقاومة.

ومع ذلك، مع كل ذلك، سنبقى، كسوريين، وبحكم الجغرافيا والتاريخ، محكومين بالعيش المشترك، وما من مخرج أمامنا من أزمتنا الراهنة إلّا في إيجاد قواعد ناظمة جديدة لهذا العيش تسمح بتجميع الدولة من جديد، هذا إذا بقي الأمر في إطار الممكن. فالرغبات شيء والمُتاح شيء آخر، وعلى الكل أن يتعلّم فنّ التفاوض والمساومة، لأن السلاح لن يحلّ كل خلاف ولن يفيد إلا في إطالة أمد الصراع وتعقيده فقط.

ولن تُرضي القواعد الجديدة للتعايش أحداً بالمُطلق، ولن ترتقي مباشرة إلى كل أمل أو طموح معلّق عليها، وسيفلت معظم المجرمين من العقاب، ولن نتمكّن من وضع حدّ للفوضى وفرض الأمن والاستقرار بسهولة، وستتطلّب إعادة بناء ما تخرّب من بيوت ونفوس عقوداً عديدة من العمل. وفي الواقع، ماتزال طريقنا نحو مجتمع ديموقراطي عادل طويلة وشاقّة.


ومع ذلك، مع كل ذلك، أقول طوبى للثورة، إذ كنا أمواتاً قبلها فأحيتنا من جديد، وكنّا ضالّين عن أنفسنا فوجدناها من جديد، مهما تعدّدت طرقنا إليها، ومهما شاب هذه النفوس من نواقص وأدران بعد عقود من القمع والخذلان. طوبى للثورة لأنها التجربة التي كنا بأمسّ الحاجة إليها لنعود إلى التاريخ كوجود خلاّق ومشارك في صنع صيروراته وليس كوقود لها فقط.