الأحد، 7 أبريل 2013

"لا تشتم رباً لا تعبده!"


"لا تشتم رباً لا تعبده!" - بات الكثير يستشهد بهذه الموعظة السومرية القديمة وكأنها حكمة منزّلة، لكنّ الواقع أنها قيد ما مثله قيد على حرية التعبير والاعتقاد، ولو تسنّى للإنسانية النجاح في تطبيقها لَما ظهرت الكثير من الأديان والفلسفات إلى حيّز الوجود، ومنها الإسلام. إذ دعونا لا ننسى هنا أن نبي الإسلام نفسه شتم آلهة بات لا يعبدها، بل أنه حطمها بعد ذلك كما فعل الكثير من الأنبياء قبله، وبعده. وإن كان في التحطيم، بحسب السياق التاريخي، تجاوز لحرية التعبير (كما في تحطيم تماثيل البوذا في أفغانستان، وهو الحدث الذي يتّخذه الرهبان البوذيون المتطرّفون في بورما عُذراً اليوم لتطهير الدولة من المسلمين، لكن الأسباب الحقيقية للصراع هناك أعمق من هذا)، فالشتم والتسفيه والنقد يقعا ضمن حدودها التي رسمتها الشُرعة العالمية لحقوق الإنسان وباتت مقوننة في معظم بلدان العالم اليوم. فمن حقّ الإنسان أن ينتقد ما يراه باطلاً وبأقسى العبارات حتى وإن آذى ذلك مشاعر الآخرين، فالقانون يحمي الحقوق لا المشاعر، وآن الأوان للناس أن يبلغوا حداً من النضج يحسنون فيه التعامل مع ما يسيء إلى مشاعرهم بلا عنف أو قمع.

وقد يعترض البعض على موضوع الشتم ويقولون أن المطلوب هو النقد، وفي هذا وجهة نظر. لكن المشكلة أن حتى النقد الموجّه ضد ما يعتبره البعض مقدّسات يشكّل بالنسبة إليهم في معظم الأحيان شتماً. كما أن الشتم بحد ذاته تصرّف انفعالي، ألا يحقّ للمرء أن ينفعل طالما أن انفعاله لفظيّ بحت؟ من ناحية أخرى، يشكّل الشتم في الكثير من الأحيان نوعاً من أنواع الرفض والاعتراض القوي على أمور يرى فيها الشاتم إشكالاً أو مغالطة كبيرة لا يمكنه التعبير عن رفضه لها إلا بالشتم. لقد اعترض الكثير من الناس على استخدام الثوّار في سوريا لعبارة "يلعن روحك يا حافظ" لِما لحافظ من قداسة حقيقية عند بعض العلويين، خاصة الريفيين منهم والذين لجأ إليهم النظام بالذات لتشكيل فرق موته الأكثر ولاءاً، لكن، ولأن حافظاً أصبح رمزاً للنظام، وهو من سعى إلى ذلك عبر السنين مُستخدماً كل مافي الدولة من مؤسّسات رسمية وغير رسمية، كان من الطبيعي لِمَن خرج على نظامه أن يلجأ في مرحلة ما إلى استخدام عبارات من هذا النوع، بل حتى إلى تحطيم أصنامه. إن شتم المقدّسات حقّ، سواء كانت هذه المقدّسات سياسية أو دينية أو هجينة. فما كل مقدّس صائب لكل الناس أو لكل زمان ومكان. لقد ولّى عصر السومريين. لا أرباب بالمُطلق اليوم، والقداسة ستبقى في عين المعتنق فقط، ولايحقّ له فرضها على الآخرين إلا بالحوار، وعليه أن يعرف كيف يتعامل بالحسنى مع رفض الآخرين لها، مهما كان رفضهم مؤذياً لمشاعره. ومن يحاول فرض مقدّساته على الآخر بالقوة، يبرّر للآخر رفضها بالمّطلق.