الثلاثاء، 19 يناير 2016

ملاحظات حول القهقرى السياسية الأمريكية

تشريح لمفهوم الواقعية السياسية الأمريكية من خلال تحليل موقف أتباعها حيال الصراع السعودي-الإيراني


يمثل النفاق المتجلي في الحملة الإعلامية المكثفة التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية في الأوساط الغربية هذه الأيام، وخاصة الأمريكية، والتي تتخذ من سياسات المملكة الداخلية والخارجية الإشكالية، كما يصفها أصحاب الحملة، ذريعة ومبرراً لها، مؤشراً على وجود أجندة ما لديهم لا علاقة لها بالمسوغات العلنية للحملة، وذلك نظراً لامتناعهم عن شن حملة مماثلة ضد إيران التي لا تقل سياساتها "إشكالية."

فكلا الطرفان، أي السعودية وإيران، متورط في بث وتشجيع النزعات الطائفية في المجتمعات الإسلامية حول العالم، وفي انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ليس فقط في أرض الوطن بل في دول الجوار أيضاً، وفي دعم الإرهاب العالمي، وفي الاستعانة بشركات علاقات عامة وجماعات ضغط لتمثيل مصالحهما في الغرب ولتحسين صورتهما فيه (وإن كانت إيران قد لاقت نجاحاً أكثر في هذا الصدد عبر العقدين الماضيين نظراً لنجاحها في تجنيد عملاء لها في صفوف المغتربين). علاوة على هذا يتميز كلا الطرفان بعقلية عنصرية صارخة فيما يتعلق بالآخرين (فوحدهم الأغبياء يخلطون هنا ما بين نزعة حسن الضيافة والتعامل اللبق مع الأجانب السائدة في هذين المجتمعين، وبين إيمان مزعوم حقيقي بالمساواة ما بين البشر، الأمر الذي لا ينسجم مع الممارسات الفعلية المنتشرة على الصعيدين النخبوي والشعبي لدى الطرفين).

من هذا المنطلق، كيف يمكن لأي عاقل أن يتوسم القدرة عند أي من هذين الطرفين وفي هذه المرحلة الحرجة بالذات على إعادة الاستقرار للمنطقة؟ فما لم يتبنى الطرفان إصلاحات حقيقية، سياسية واجتماعية، عميقة، لا يمكن لأيّ منهما أن يلعب دوراً جاداً في العمل على هذا المنحى. ولقد علمتنا التجربة التاريخية أن تغييراً من هذا النوع يتطلّب تلاقٍ وتكاملِ في الضغوط الداخلية الشعبية والخارجية الرسمية لينجح. فنظراً لتشنجها العقائدي، ولفسادها، لا يمكن للنخب الحاكمة في هاتين الدولتين أن تقوم بتبني الإصلاحات المناسبة من تلقاء نفسها وفي غياب الضغوط والمطالبات.

لكن، وحتى اللحظة، وعوضاً عن الضغط في هذا الاتجاه، يبدو واضحاً أن أتباع المنهج الواقعي في أمريكا (والغرب عموماً) يرون في الانحياز لطرف معين، وبالتحديد إيران، على حساب الآخر، الخيار الأنسب لبلدانهم، لأنه يشكل الخيار الأسهل من حيث قبوله بالأمر الواقع عوضاً عن محاولة تغييره. ويتجلى هذا الواقع في تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة على حساب انحسار نظيره السعودي، وذلك لأسباب موضوعية متعلقة بطبيعة التركيبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في كلتا الدولتين، وطبيعة التفاعلات الداخلية فيها، علاوة على طبيعة تفاعلاتها مع العالم من حولها وتطوره عبر العقود الماضية.

ولا يلقي الواقعيون هنا أي بال للثمن الذي تدفعه شعوب المنطقة، خاصة السوريون والعراقيون واللبنانيون واليمنيون، نتيجة هذا الانقلاب الإقليمي، وهذه السياسة الواقعية، "الحيادية" نظرياً، والمنحازة لإيران (وروسيا، وكل ذي سلطان) عملياً.

ويبدو أن الواقعيين، ومن خلال احتفائهم بطرف بعينه بذريعة أنه يمثل الخيار "الأفضل حضارياً،" كما يرون، وتشويه صورة الآخر، "المتخلّف حضارياً" في نظرهم، والذي يتوقعون سقوطه في أي يوم، يبدو أنهم مشغولون في تحضير أنفسهم للتعامل مع هذا السقوط بطريقة تسمح لهم بالتنصل تدريجياً من أية وعود سبقوا أن قدموها، أو أية عقود واتفاقيات سبق ووقعوها. ويتجاهل الواقعيون في مسعاهم هذا التداعيات الخطيرة لهذا الانقلاب في المنطقة، بل والعالم أجمع، ويتركون التعامل مع تبعات هذا الأمر للشعوب المعنية، دون أن يشرحوا لنا كيف يمكن للقوى الصاعدة والساعية لملئ الفراغ الذي يخلفه التراجع الأمريكي، قوى مثل إيران وروسيا والصين وغيرها، والتي تحتقر الديموقراطية في الصميم، ولا تتوانى عن ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أو عن دعم عمليات القتل الجماعي والإرهاب، أن تمهّد الطريق لعالم آمن؟ 

مشهد من مؤتمر فيينا (1814-15)
لكن الواقعيين لا يرون في بناء عالم آمن مهمة أساسية أو مناسبة للولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة القادمة، إذ يؤمن معظمهم بحتمية الطبيعة العنفية لهذه المرحلة ويفضلون أن ينأوا ببلادهم عنها، حاصرين مسؤولياتها السياسية المستقبلية في الدفاع عن أمن ومصالح أراضيها ومجتمعاتها، وذلك وفقاً للمنطق السياسي الذي حكم العلاقات الدولية منذ هزيمة نابليون في معركة "ووترلو" وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية. وبهذه الطريقة يفسح الواقعيون المجال لظهور لاعبين جدد على الساحة الدولية، ويعطونهم فرصة لتحديد مناطق نفوذهم الخاصة. إذ لا يرى الواقعيون في هذه الظاهرة تهديداً لأمريكا أو لمصالحها لاقتناعهم التام بأن تفوق أمريكا العسكري والاقتصادي كفيل بمساعدتها على التأقلم مع كل هذه المتغيرات، وعلى حماية مصالحها بل وتوسيع رقعة نفوذها في العالم من خلال الدبلوماسية الذكية وبناء تحالفات جديدة.

وهنا مربط الفرس، فالهدف الأكبر للواقعيين يكمن في إفساح المجال أمام أمريكا لإعادة النظر في كل علاقاتها وتحالفاتها الحالية، بما في ذلك علاقاتها مع الدول الغربية الأخرى، سعياً لبناء تحالفات جديدة أكثر جدوى وأقل عبئاً. إذ يؤمن الكثير من الواقعيين باحتمال انهيار الاتحاد الأوروبي وحلف ناتو ذاته، مما يفسح المجال أمام الولايات المتحدة لبناء تحالفات جديدة قد لا تشمل بعض حلفائها التقليديين لاعتبارات اقتصادية وسياسية وعسكرية متنوعة.

لكن المشكلة في مل هذه الحسابات، والتي لا تأخذ القضايا الإنسانية بعين الاعتبار، كما سبق ونوهنا، أنها تتجاهل طبيعة عالمنا المعاصر بترابطه الشديد والذي أصبح بوسعنا فيه أن نتكلم بجدية عن وجود "بيئة" أو "مناخ" بشري عالمي لا يختلف كثيراً عن البيئة الطبيعية، إذ يمكن لـ "تلوث" بقعة أو إقليم فيه، عن طريق اندلاع الصراعات أو وقوع الكوارث، أن يؤثر على باقي المناطق والأقاليم، تماماً كما يؤثر انتاج بعض الدول لغازات بعينها أن تفعل ظاهرة الاحتباس الحراري مؤثرة على حال الكرة الأرضية بأسرها.  

فالواقع أنه في عالمنا هذا، الذي تتزايد فيه الروابط ما بين الأنظمة الاستبدادية وبين الحركات الإرهابية ومؤسسات الجريمة المنظمة، بل وبعض الشركات والمؤسسات والمصارف العالمية، لا وجود لأزمات محلية بالمعنى التقليدي للمفهوم، إذ أصبح بوسع أية أزمة، مهما بدت صغيرة أو قابلة للاحتواء في بداياتها، أن تتطور بسرعة لتصبح أزمة ذات أبعاد دولية خطيرة، ما لم يتم التعامل معها في الوقت المناسب. ولنا في الأزمة السورية خير مثال على ذلك، فهي، ومن خلال إفرازها لأزمة اللاجئين، ساهمت في ضعضعة كيان الاتحاد الأوروبي، وفي توسيع شروخه، علاوة على تسهيلها لعودة التيارات اليمينية المتطرفة بقوة على الساحة السياسية، ليس في أوروبا وحدها وحسب بل في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول أيضاً.

إضافة إلى ذلك، وبخلاف ما يأمل ويدعي أصحاب الواقعية السياسية، فإن السياسات التي طرحوها وأملت عليهم تحركاتهم عبر السنين الماضية، والتي يمكن لها أن تستمر في التأثير على السياسات المستقبلية في أمريكا، فيما لو جرت الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة على النحو الذي يريدون، لم تعوض على الإطلاق عن الأخطاء التي اقترفها المحافظون الجدد في مطلع قرننا الحالي، بل، على العكس من ذلك، فقد قامت بتضخيم وقعها والزيادة عليها، وهو الأمر الذي تثبته حقيقة مواجهتنا اليوم للمزيد من العنف والفوضى في الشرق الأوسط وحول العالم بالمقارنة مع ما كانت عليه الأوضاع قبل ثمانية أعوام.

لكن الواقعيين يحجمون عن استخدام معيار موضوعي كهذا لقياس مدى التقدم المحرز، فهم يعتقدون أن المستقبل هو الذي سيثبت مدى صوابية سياساتهم وطروحاتهم، وما على ملايين السوريين والعراقيين واليمنيين وغيرهم في هذه الأثناء إلا الصبر والسلوان في وجه البؤس والمآسي الناجمة عن دبلوماسية الواقعيين المظفرة هذه. لكن المستقبل قد يجلب معه، وبأقرب مما نتصور، إثباتات وشواهد كثيرة تدل على أن ثمن التدخل المدروس في المناطق الساخنة، بالتعاون مع حلفاء أمريكا التقليديين في أوروبا، وشركاء محليين، أقل بكثير من كلفة الارتكاس إلى السياسات النفعية البحتة غيرالملائمة لعصرنا هذا. وقد لا يقتنع الواقعيون أنفسهم بهذه الشواهد، فالإيديولوجيا تعمي الأبصار، لكنهم في خاتم  المطاف لا يزيدون عن كونهم تيار سياسي صادف أن تناغمت رؤيته للأمور مع المزاج الشعبي في هذه المرحلة لأسباب عدة، ويمكن لهذا المزاج أن يتغير من خلال التطورات القادمة، ومن خلال طرح رؤى جديدة توضح للشرائح الأوسع من الناخبين أهمية التدخل الإنساني وارتباطه الوثيق في هذه المرحلة بالجهود الرامية لتعزيز الأمن العالمي من تداعيات العولمة الجارية للإستبداد والفساد والجريمة والإرهاب.  

ولأن الموضوع لا يتعلق بمستقبل الولايات المتحدة ومصالحها وحسب، فمن الضرورة بمكان أن تشارك الجماعات والمؤسسات الممثلة لدول مثل سوريا واليمن والعراق ومصر وغيرها في إعادة تشكيل الرأي العام في أمريكا عن طريق المساهمة في طرح رؤى بديلة عما يسمى بالمقاربة الواقعية.