السبت، 5 سبتمبر 2015

عن العصبوية والتعصب


 (1)

إن محاولة ربط ظواهر إيجابية أو سلبية بعينها حصرياً بمكوّن بعينه من خلال التعميم هو جوهر التعصّب، وتكريس لعقلية الكراهية والتكفير وإدانة الآخر.

(2)

قد يأخذ التشدّد والتطرّف عند بعض الجماعات مظهراً عصبوياً أكثر منه دينياً، جامعاً المتدينين منهم والأقل تديناً وصولاً إلى الملحدين، ومكرّساً عقلية التشكيك في الآخر ورفضه، إن لم يكن على المستوى الاجتماعي المباشر فعلى المستوى النفسي العميق. وسيجد المتدينون والملحدون طرقاً مختلفة بالطبع للتعبير عن مشاعرهم وآرائهم في هذا الصدد من بدءاً بالتكفير الصريح وانتهاءاَ بإدانة بعض الممارسات الاجتماعية والثقافية وربطها بمكوّن بعينه، أو مناطق بعينها مرتبطة اجتماعياً أو تاريخياً بهذا المكوّن، فيتم بذلك توظيف اللغة العقائدية وشيئاً من اللغة "الموضوعية" لتبرير التعصّب والرفض. ومن هذا المنطلق، لاتختلف العصبوية خطورة عن التشدّد الديني، فكلاهما قادر على تبرير الممارسات الإجرامية والإرهابية بحق الطرف الآخر عند الضرورة.

(3)

التكفير ليس اختراعاً سنياً أو وهّابياً بل كان ديدناً لكل الطوائف الإسلامية منذ زمن الفتنة وحتى اليوم، في محاولة كل فئة التأكيد على أنها الفئة الناجية ولتبرير خصومتها وقتالها للفئات الأخرى. ومما لاشك فيه أن ربط ظاهرة التكفير والتشدّد بالسنة حصراً، كما هو شائع في الأوساط الإكاديمية والإعلامية المحلية والعالمية، بات يغذّي المظلومية السنية ويفاقم ظاهرة التعصّب والتشدّد في صفوفهم، لأن انتشار هذه الظاهرة تحوّل إلى أداة فاعلة في أيدي شيوخ التطرّف وعلمائه يستخدموها للتدليل على وجود مؤامرة عالمية تستهدف الإسلام السني تحديداً. هذا في وقت لا يقل فيه موقف الطوائف والأديان الأخرى تطرّفاً إن من الناحية الدينية و/أو العصبوية.

ولا يكفي هنا أن يدين كل طرف من المعادلة المتشابكة والمعقدة التعصّب الموجّه ضده، فهذا سهل، لكن التحدّي الحقيقي، والذي يجب على الجميع مواجهته لنتحصّل على فرصة حقيقية لتحقيق السلام والحرية والعدالة، يكمن في إدانة كل طرف للتعصّب الممارس باسمه، وتحليل أسبابه، وفهم سياقه، لكي نتمكّن جميعاً من مقاومة هذه الظاهرة والتغلّب عليها من خلال تبنّينا لمناهج ومقاربات فكرية ونفسية واجتماعية وسياسية واضحة وفعّالة.

(4)

في هذه المرحلة من تاريخنا، ونظراً لما يجري على أرض الواقع في سوريا، لاشك في أننا أصبحنا كلنا ضحايا وكلنا آثمون في آن. ولا معنى للنسب والحصص هنا، لأن المشكلة مشكلة ذهنية ونفسية بعينها، وما لم نقم بالإنقلاب عليها وتغييرها، سنبقى غارقين في مستنقع الكراهية والإجرام إياه حتى تتساوى نسبنا منه.

(5)

لا يحقّ لأي فئة من الشعب، سواء كانت أغلبية أم أقلية، أن تختار شكلاً للدولة ومنطقاً لحكمها لا يتناسب إلا مع رؤيتها الخاصة للأمور، بصرف النظر عن رؤى الآخرين، ويقوم في جوهره على اضطهاد الفئات الأخرى المختلفة من خلال تحييد حقوقهم وآرائهم من خلال القمع المباشر أو الدعوة إلى استفتاء شعبي. فلا، الديموقراطية ليست مجرد انتخابات واستفتاءات شعبية، مهما كانت حرة. فقبل أن نستفتي وننتخب، علينا أولاً أن نتفق على طرق وآليات وترتيبات لحماية الحقوق الأساسية للأفراد والمكوّنات المختلفة في المجتمع، وبعد ذلك، وبناءاً على هذا الاتفاق، وضمن حدود الحقوق والترتيبات المنصوص عليها فيه، تبدأ العمليات الانتخابية والاستفتائية الحرة. هذا معنى أن تكون الدولة ديموقراطية ومدنية. علينا أن نتفق على قواعد اللعبة أولاً قبل الانتقال إلى مرحلة الانتخابات والاستفتاءات. أما من يروّج لفكرة إجراء استفتاءات شعبية قبل الاتفاق على أرضية جامعة، من منطلق أن الديموقراطية تعني حصراً رأي الأغلبية، وفي مجتمع يشهد انقسامات سياسية وطائفية وقومية ومناطقية واضحة، علاوة على حرب أهلية، ففي هذا تكريس للمواجهة القائمة، وتحضير للمواجهة القادمة التي يأمل البعض من خلالها أن ينجحوا في فرض نظام عقائدي استبدادي جديد.