الخميس، 5 يوليو 2012

التدخل الخارجي من جديد


رداً على طلب أحد الأصدقاء بأن أعطيه مثالاً ناجحاً عن التدخل الخارجي في المنطقة

أولاً، المشكلة أن التدخّل الخارجي في سوريا قائم، والمتدخّلون هم إيران وروسيا والقوى التابعة لهما مثل حزب الله وجيش المهدي، وربما "ينجح" هذا التدخّل ويحقّق "الاستقرار" ولكن على حساب "الثورة."  نحن نطالب بتدخّل موازي من قوى الغرب الديموقراطي، بناءاً على القوانين والشرائع الدولية، لموازنة الأمور بعض الشيء. لكن، طبعاً لايوجد ضمانات فيما يتعلّق بموضوع النجاح، لا فيما يتعلّق بالتدخّل الخارجي ولافيما يتعلّق بالثورة ذاتها. نحن ثرنا لأن الثورة أصبحت حاجة وضرورة، وليس لأن النجاح مضمون، ومن نفس المنطلق نحن اليوم نطالب بالتدخّل الخارجي إلى جانب الثوار، لأن تدخّل روسيا وإيران إلى جانب النظام جعل المعركة غير متكافئة، وأصبح اصطفاف بعض أعضاء المجتمع الدولي إلى جانبنا حاجة وضرورة، لكن لا يوجد ضمانات فيما يتعلّق بالنجاح.

 ثانياً، في حين لاتوجد ضمانات فيما يتعلّق بالنجاح، هناك ضمانات فيما يتعلّق بالفشل. فعندما لانستخدم الأدوات المناسبة للمواجهة القائمة الفشل مضمون. وعندما نختار أن نخوض معركة ما بمفردنا في حين يقوم الطرف الآخر بالاستعانة بحلفائه، الفشل مضمون، وعندما نخوض معركة بأجساد عارية في حين يختار الطرف الآخر كل أنواع الأسلحة المتاحة لديه دون أي تردّد الفشل مضمون. التسلّح والتدخل الخارجي إلى جانب الثوار يعطينا فرصة للنجاح لكنه لايضمن النجاح.

 ثالثاً، عندما نتحدّث عن التدخّل الخارجي في المنطقة، يذكّرنا الكثيرون بالتجربة العراقية، متناسين أن العراق شهد تدخلاّ من أكثر من طرف خارجي، علاوة على صراعات داخلية بين قوى مختلفة. لقد أصبح العراق أرض معركة لمجموعة كبيرة من القوى الداخلية والخارجية. في الداخل إثنيات وقوميات وطوائف وأحزاب وشخصيات مختلفة، عمل كل منها مع حلفاء له في الخارح من الولايات المتحدة إلى إيران إلى سوريا إلى السعودية إلى القاعدة وحزب الله إلخ. المشكلة نفسها تكرّر الآن في سوريا، ولايوجد عندنا وسائل لمنع هذا الأمر، لأننا لسنا الطرف الوحيد في المعادلة، هناك أطراف أخرى، في الداخل والخارج، كما هي الحال دائماً، بعضها مع الثورة وبعضها ضد الثورة، ولكل طرف أساليبه ومصالحه الخاصة.

 رابعاً، للتوضيح، الفشل في العراق لم يكن فشلاً للتدخّل الخارجي، بل فشل لمشروع تغييري كان له مؤيدوه في الداخل والخارج في مواجهة مشروع تغييري آخر له مؤيدوه في الداخل والخارج أيضاً، وبالتحديد: فشل المشروع الأمريكي في مواجهة المشروع الإيراني.
 خامساً، لاتوجد دولة في العالم تملك إمكانية منع التدخل الخارجي بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية. الخيار الحقيقي هو تأطير التدخل عن طريق الاتفاقيات والمعاهدات والقوانين الناظمة لعمل رعايا الدول الأجنبي والمنظمات الدولية، إلخ. نحن اليوم نناضل لنتوصّل إلى تلك المرحلة التي يمكن خلالها أن نسعى إلى تأطير عملية التدخل، أي إلى وضع شروط واضحة ومنطقية وعملية لعلاقة الداخل مع الخارج، بحيث لايتحوّل صراع المصالح بين القوى المختلفة في الداخل والخارج إلى صراع مسلّح، وتبقى هناك أقنية ووسائل سياسية وقانونية للتعامل معه.

سادساً، حتى التدخل الخارجي في هذه المرحلة قد لايمنع تقسيم البلاد ما لم تتمكّن القوى السياسية المختلفة الموجودة على الساحة من الاتفاق على رؤية جامعة لسوريا المستقبل. إن معاينة  التطورات الموجودة على الأرض اليوم تدل على أن الظروف القائمة تختلف اختلافاً جذرياً بين منطقة وأخرى: الظروف في الحسكة ليست كما هي في دير الزور، أو الساحل، أو حمص، أو حلب، أو إدلب، أو حماة، أو دمشق، أو درعا، أو السويداء. الشروط القمعية مختلفة، أدوات القمع مختلفة، أدوات النضال مختلفة، التجمعات والخصوصيات المحلية مختلفة. إن اختلاف هذه الظروف مع غياب الرؤية وتشتت قوى المعارضة لايبشّر بالخير. وفي الواقع، لايمكن العمل على موضوع التدخّل الخارجي بمعزل عن موضوع توحيد الرؤى فيما يتعلّق بمستقبل سوريا. إن غياب الرؤية المشتركة هو أحد العوامل الأساسية المعرقلة للتدخّل الخارجي الداعم للثوار.

الطلب جاء رداً على مداخلتي التالية:

فلنكن واضحين: إن المطالبة بالتدخل الدولي حق من حقوقنا الأساسية من الناحيتين الأخلاقية والقانونية، لأننا شعب ينتمي إلى بلد هو عضو مؤسّس في الأمم المتحدة. ونحن عندما ندعو إلى تدخل دولي لمساعدتنا في التخلّص من حكم الأسد الاستبدادي والفاسد لا نطالب بما هو خارج نطاق القانون الدولي والالتزامات القانونية الملزمة لكل الدول الموقّعة على ميثاق الأمم المتحدة. إن مطالبتنا المجتمع الدولي بأن يحترم التزاماته الأخلاقية والقانونية تجاهنا كشعب هي جزء لا يتجزأ من نضالنا من أجل تحرير أنفسنا من القمع. لقد ثرنا من أجل الحرية والكرامة والعدالة، وهذا يعني أننا لن نرضى بعد اليوم أن نحكم من قبل أنظمة قمعية أو أن نكون جزءاً من نظام دولي ظالم. نحن نريد من كل الساسة الذين يتخذون القرارات المؤثرة في حياتنا أن يكونوا مسؤولين أمامنا، أينما كانوا. نحن نريد لكل المؤسسات الوطنية والدولية التي تم تأسيسها باسمنا والتي يكون للقرارات التي تتخذها تأثير حقيقي على طريقتنا في العيش أن تكون شفافة وعادلة وقابلة للمساءلة من قبلنا. لهذا ثرنا، ولهذا ستستمر ثورتنا، حتى نضع حداً لطغيان الأسد، وحتى يقبل المجتمع الدولي أن يتحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاهنا.