الأربعاء، 25 يوليو 2012

المنشقون

مناف طلاس وبشار السد

من غير اللائق أو المعقول بعد كل هذه التضحيات والآلام أن يقود المرحلة الانتقالية الناجمة عن الثورة السورية أي شخص لاينتمي إلى الحِراك الثوري في الداخل. بل نحن بحاجة في الواقع إلى مجموعة من الأشخاص لأن هذا سيكون أقرب إلى روح العمل الثوري الحالي المتمحور حول الفكرة والمشروع وليس حول شخصيات بعينها. من ناحية أخرى، من البديهي، بل الضروري، لكي تستقيم الأمور وتستقر بأسرع وقت ممكن وبأقل خسائر ممكنة، وتتمكّن قيادات الثورة في الداخل من إدارة العملية الانتقالية بفعّالية، أن تقوم بالاستعانة بخبرات بعض المنشقّين النافذين وبعض الشخصيات القيادية من المعارضة التقليدية في الداخل والخارج، علاوة على الشخصيات التكنوقراطية التي ما تزال متواجدة في المؤسّسات الحكومية المختلفة.

من هذا المنظور، بوسعنا تخيّل دور ما لشخصية مثل مناف طلاس وغيره. أما أن يتوقّع منا البعض أن نسلّم زمام الأمور له أو غيره، وإن لمرحلة انتقالية ما، فهذا ليس من سابع المستحيلات وحسب، بل هو أول الترّهات وخُلاصتها. فإذا كان لمناف أو غيره من المنشقّين توقّعات وآمال من هذا القبيل فهذا أكبر دليل على عدم أهليتهم واستحقاقهم لإدارة المرحلة، وعلى أن انشقاقهم لم يأت بغية التعويض عن أخطاء الماضي وخياراته بل لتكريسها.

أما إذا كان مناف وغيره على استعداد للاكتفاء بدور الداعم والمستشار لقيادات الثورة خلال المرحلة الانتقالية، فأهلاً وسهلاً بهم في صفوف الثوار التي دعيناهم للانضمام إليها من اللحظة الأولى، وطال انتظارنا لهم. إن الشعب الذي كان على استعداد ليعطي بشار الأسد نفسه فرصة أخيرة للإصلاح في مطلع الثورة قادر على إعطاء مناف وزملائه ذات الفرصة في حال أثبتوا أحقيتهم بذلك ولم يحاولوا استحماره. وإذا كان لمناف وزملائه أية طموحات سياسية لاحقة، فطريقهم الوحيد إلى ذلك هو الانخراط في العملية الديموقراطية اللاحقة لا محاولة الالتفاف عليها.

ومهما قيل عن شرذمة القوى الثورية والمعارضة وتعاظم أخطار الحرب الأهلية، فهذا لايبرّر اللجوء إلى النظام ذاته بحثاً عن شخصيات قيادية، بل علينا أن نثق بقدرة الشعب والمجتمعات المحلية على فرز شخصيات أكثر ملائمة وشرعية لتولّي عملية القيادة. وبعد أكثر من سنة ونصف على بدء الثورة، بات من الواضح أن الشعب قد بدء بعملية الفرز هذه، وما علينا إلا نضع ثقة أكبر بقدرة الشخصيات الناجمة عن هذه العملية على الارتقاء لتحديات قيادة المرحلة الانتقالية ونقدم لها الدعم المناسب. هذا هو دور المعارضة التقليدية وهذا هو دور المنشقّين في هذه المرحلة الحرجة، فإن لم يقبلوه ويكتفوا به فلن يقبلهم الثوار، وسيستبدلونهم. نعم سيتطلّب هذا المزيد من الوقت والتضحيات، لكن تقديم المزيد من التضحيات خير من التضحية بما قُدم من التضحيات حتى اللحظة، وخير من خسران الحرب والمعركة، من خلال القبول بأنصاف حلول هي في الواقع تنازل عن أهداف الثورة.