الأحد، 11 سبتمبر 2011

رهان الثوار على أنفسهم


السيناريو الأول الذي وضع للثورة السورية كان مبنياً على الدفع باتجاه تطور داخلي على شاكلة الثورة التونسية والمصرية، أي أنه كان سيناريو وسطي ما بين الانقلاب والثورة الشاملة، وكان الدافع الأساسي هنا هو الرغبة في احتواء العنف من خلال عزل الأسد وعائلته وبعض زلمه ومن ثم التفاوض والتحاور مع من تبقى لتبنّي معادلة جديدة لتغيير النظام بشكل منتظم وسلس. وتأتي المبادرة العربية اليوم تأتي كمحاولة جديدة للعب على ذات الوتر. لكن المشكلة أننا بعد خمس أشهر ونيف من الثورة وما رأيناه من عنف وقتل وكذب وتكذيب وتحريض على الفتنة الطائفية، ومن ندرة الانشقاقات العالية المستوى في صفوف النظام العسكرية الأمنية والسياسية، لم يعد بوسعنا الرهان على هذا السيناريو الوسطي، وأصبح الخيار الوحيد أمامنا هو خيار الثورة الشاملة والمستدامة، مع ما لهذا الخيار من محاذير وصعاب ومعايير وشروط.

فهذا الخيار لا يراهن على الانشقاقات، بل على التفسّخ المستمر الذي يؤدي في خاتم المطاف إلى سقوط كارثي لمؤسسات النظام الرسمية والشعبية، ولايرتبط بإرادة المعارضة التقليدية وأفعالها وأقوالها وخياراتها، بل على تشكيل معارضة جديدة نابعة من صميم العمل الثوري تعبر عن الرؤية الثورية ذاتها بل تساهم في صياغتها من خلال العمل على تفعيل وتطوير آليات الثورة وفلسفتها وليس من خلال طرح نفسها كوسيط بين الثوار والنظام أو الثوار والمجتمع الدولي. ويخطأ من يعتقد أن هذه المعارضة الجديدة لن تنبع إلا من صفوف ثوار الداخل فقط، لأن لثورة التي لاتكوّن لنفسها امتدادات في الخارج لن تنجح، بل لن تبدأ أصلاً. فالواقع أن هذه الثورة نجمت من البداية عن تعاون وثيق بين قوى ناشطة في الداخل والخارج، قوى كانت دائماً خارج إطار المعارضة التقليدية.

من ناحية أخرى، الثورة الشاملة هي مشروع طويل الأمد، وعلينا أن ندرك ذلك ونعيه تماماً، مهما بلغ بنا التعب والإحباط. إن ربط الإرادة الثورية بجدول زمني معين خطئ فادح، وكذلك ربطها بنشاطات أفراد وأحزاب وتجمعات لم تساهم في صنع الثورة أو تدفع في هذا الاتجاه أساساً. الربط يكون مع إرادة الثوار وقدراتهم ومع هدفي الثورة الأساسيين: نهاية نظام البعث/الأسد بمؤسّساته الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية من جهة، وتكامل بناء قاعدة فاعلة لبنية سوريا الجديدة من جهة أخرى. الثورة ستستمر حتى يتحقق هذان الهدفان، بغض النظر عن المدة الزمنية والكلفة المادية بل والإنسانية (طالما أن وسائلنا المختارة وسائل إنسانية، بصرف النظر عن الخيارات اللاإنسانية للطرف الآخر). ولايجب لأمور مثل مجيء رمضان وانتهاء رمضان وافتتاح المدارس ومجيء العطل الرسمية وانتهاء الصيف وقدوم الشتاء أن تؤثر على الثورة إلا فيما يتعلّق باختيار أساليب المواجهة وتوقيت التظاهرات وغيرها من الأمور اللوجستية. من الآن وحتى النصر على حياتنا اليومية أن تتمحور حول العمل الثوري: نتعب، نمرض، نعتقل، نعيش، نموت، نهجّر، نحبط، كل هذه تطورات عادية في حياة الثوار اليومية، المهم أن يصبح الاستمرار جزءاً من هذه الصيرورات الموضوعية ويتوقف عن كونه خياراً. لايمكن لمن جائت ثورته فعلاً كتعبير صادق عن رغبته في التحرر وفي الحياة بكرامة أن يعطي لنفسه خيار الاستسلام. قد يبدو هذا الكلام نظرياً للوهلة الأولى، لكن الثورات الحقيقية لاتنجح إلا من خلال تبنّي هذه العقلية/النفسية، ولقد واجهت شعوب كثيرة في العالم قمعاً أكبر بكثير من ذلك الذي نواجهه اليوم، واستمرت في ثورتها مع ذلك حتى النصر.

وباختصار، أقول: يجب أن يكون رهان الثوار الأول على أنفسهم وعلى قدراتهم القائمة وتلك التي يمكن بنائها من خلال العمل الثوري أو بالتوازي معه، والثوار لايربطوا نجاح مشروعهم الثوري بإرادة الغير وقدرات الغير ومخططات الغير، سواء كانوا من أبناء جلدتهم أو من خارج الديار. نعم لايوجد ما يعيب في طلب المعونة من الغير وبناء تحالفات استراتيجية أو تكتيكية، قصيرة أو طويلة الأمد، معهم من أجل تحقيق أهدافنا، فهذه الأمور جزء لايتجزأ من العمل الثوري والسياسي، ولقد لجأت إليها كل الشعوب من قبل، ويكذب على نفسه وعلينا كل من يقول لنا بأن هذا الأمر خيانة. المهم أن ندرك أن مفتاح النجاح يبقى في أيدينا وأن الغير لن يساعدونا، بغض النظر عن الاعتبارات الإنسانية، إلا إذا أحسّوا أن الرهان علينا له مبرّراته العملية وفوائده المستقبلية. فلايجب أن نستجدي الحماية الدولية، بل ينبغي أن نطالب بها من منطلق تفاوضي: كونوا معنا اليوم لنقدّر ذلك لكم بعد النصر غداً، اكسبوا صداقتنا غداً من خلال وقوفكم معنا اليوم، خذوا مصالحنا كشعوب بعين الاعتبار اليوم، لنتعامل معكم بالمثل غداً. وبانتظار تجاوب العالم معنا، علينا أن نستمر في ثورتنا بالاعتماد على قدراتنا الذاتية، تماماً كما بدأنا.