الجمعة، 4 سبتمبر 2015

العدل، والإسلام، والعلمانية، والتيارات اليسارية

(1)

قال (ابن تيمية) في الفتاوى 28/63: فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى: { الله يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً }.

وقال ابن تيمية أيضاً في "رسالة الحسبة" والمدرجة في مجموع الفتاوى (ج 28/146): وأمور الناس تستقيم فى الدنيا مع العدل الذى فيه الاشتراك فى أنواع الاثم أكثر مما تستقيم مع الظلم فى الحقوق؛ وإن لم تشترك فى إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والاسلام).

وفي القرآن: "إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا" (سورة الكهف: 30).

وفي الحديث: عن أَبُي عَبْدِ الله الْأَسَدِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ". [رواه أحمد (3 / 153) والضياء في "المختارة" (249 / 2)] ["السلسلة الصحيحة": 767].

وفي السيرة، قال النبي لمهاجرة الحبشة: "...فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد." ولم يكن الملك مسلماً.

الخلاصة:

1)   العدل عماد الدولة.
2)   الله مع العدل، وينصر الدولة العادلة بصرف النظر عن معتقداتها الدينية.
3)   لاعلاقة ما بين قدرة الإنسان على التصرف بعدل، أي على إعطاء كل ذي حقّ حقّه، ومعتقده الديني.

وتعني هذه النقاط الثلاث أنه وعلى المستوى الجمعي والمؤسّساتي (فما الدولة إلا مؤسّسة أو مجموعة مؤسّسات)، العدل هو الأساس وليس المعتقد. فالمعتقد يأطر للعلاقة ما بين الله والفرد. أما العلاقة ما بين الفرد والفرد، فينبغي أن تخضع لمبادئ تنبع من إنسانية الجميع ورغبتهم في العيش بحرية وأمان، ولهذا لايمكن لهذه العلاقة أن تُنظّم بناءاً على معتقد مجموعة معينة من الأفراد بصرف النظر عن معتقدات الآخرين، فليس هذا من العدل من شيء.

فالمعتقد بطبيعته يفرّق، ولايمكن به بالتالي أن يكون أساساً لقيام الدول، أما العدل فيجمع، والناس في التاريخ الإسلامي لم يأسفوا على رحيل حاكم إلا وكان عدله هو الصفة الأساسية التي دفعتهم إلى ذلك.

وفي هذا كله تبرير وشرعنة إسلامية لمفهوم العلمانية، بعيداً عن كل السفسطة المحيطة بهذا المفهوم.

وفي هذا أيضاً دليل على أهمية التراث وقدرته على المساهمة في مساعينا لإيجاد حلول عقلانية لمشاكلنا الحالية، وذلك إذا ما تعاملنا معه بشكل موضوعي ومنهجي ونقدي بناء. إن من نبش ألف وأربعمئة عام من الحضارة الإسلامية ولم يجد أمامه إلا الترّهات فلأنه مسكون بالترّهات أساساً. وهنا جوهر مشكلتنا مع الكثير من الإسلاميين اليوم، لأنا حتى لو خاطبناهم بلغة الإسلام ذاتها، بل بلغة أولئك العلماء مثل ابن تيمية الذين يلعب فكرهم دوراً كبيراً في تشكيل الوعي الإسلامي المعاصر، لن يفهموا ولن يفقهوا. ولنا في محاولات نصر حامد أبو زيد، وخليل عبد الكريم، وهادي العلوي وغيرهم خير دليل على ذلك.

(2)

المشكلة ليست في التراث الإسلامي بحد ذاته إذاً، والذي لا يختلف عن غيره من حيث احتوائه لما هو سلبي وإيجابي، ومن حيث ذخره بالكثير من الشخصيات التي لها سلبياتها وإيجابيتها مثل ابن تيمية ذاته والذي أدى إنعاش فتواه المنسية بحق "النصيرية" في سبعينات القرن الماضي إلى تعميق الهوة ما بين المكونين السني والعلوي في سوريا ولبنان، وبالتالي من حيث احتياجه المستمر للتحليل والتنقيح بحثاً عما هو مفيد لنا، بل وللبشرية جمعاء، في عصرنا هذا. بل تكمن المشكلة الحقيقة في حالة الذعر التي يغرق بها الإسلاميون، وغيرهم من المثقفين الإيديولوجيين الشرقيين، عند معاينتهم للواقع المحيط بهم، والذي ما بوسعهم الانتماء إليه لأنهم لم يساهموا في صنع أي شيء فيه، والذي لا يمتّ لما يؤمنون به بأية صلة، هذا الواقع الذي يشعرهم بالعجز والاغتراب واللاإنتماء. ويبدو أن الحل الأسهل بالنسبة لهم في مواجهته يتلخص بالإرتكاس، ليس فقط إلى ما هو قديم (الإسلام) وجاهز (فكر عدد محدد من العلماء)، بل إلى تبني العقائد والمظاهر والممارسات الأكثر اختلافاً عن القيم المعاصرة كنوع من المبالغة في الرفض والتحدي.

من آراء ابن تيمية الأخرى التي تستوجب التفنيد بدورها، بل الرفض التام، لما فيه من تقليص لدور العقل وحرية الفرد، لكنه للأسف ينمّ عن اعتقاد شائع بين الإسلاميين على اختلاف مشاربهم.

أما فيما يتعلق بالمعتدلين منهم، والذين قد يتبنى بعضهم، خاصة الذكور، بعض المظاهر العصرية فيما يتعلق بالملبس والمعشر (الاختلاط)، فإن اعتدال معظمهم يبقى في واقع الأمر سطحياً، وغالباً ما يتجلى في وثائق غرائبية وموجهة للرأي العام العالمي أكثر منها لشعوبهم، مثل إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام، والذي يربط كل مواده بالشريعة الإسلامية دون أية محاولة لرفض تلك الأحكام فيها التي تتعارض كلية مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مما يفقده قيمته جملة وتفصيلاً.
  
 إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام هو إعلان تم إجازته من قبل مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، القاهرة، 5 أغسطس 1990.

الديباجة: تأكيداً للدور الحضاري والتاريخي للأمة الإسلامية التي جعلها الله خير أمة أورثت البشرية حضارة عالمية متوازنة ربطت الدنيا بالآخرة وجمعت بين العلم والإيمان، وما يرجى أن تقوم به هذه الأمة اليوم لهداية البشرية الحائرة بين التيارات والمذاهب المتناقضة وتقديم الحلول لمشكلات الحضارة المادية المزمنة.

المادة 6: أ- المرأة مساوية للرجل في الكرامة الإنسانية، ولها من الحق مثل ما عليها من الواجبات ولها شخصيتها المدنية ذمتها المالية المستقلة وحق الاحتفاظ باسمها ونسبها. ب- على الرجل عبء الإنفاق على الأسرة ومسؤولية رعايتها.

المادة 10: الإسلام هو دين الفطرة، ولا يجوز ممارسة أي لون من الإكراه على الإنسان أو استغلال فقره أو جهله على تغيير دينه إلى دين آخر أو إلى الإلحاد.

المادة 16: لكل إنسان الحق في الانتفاع بثمرات إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني أو التقني. وله الحق في حماية مصالحه الأدبية والمالية العائدة له على أن يكون هذا الإنتاج غير مناف لأحكام الشريعة.

المادة 19: ... د- لا جريمة ولا عقوبة إلا بموجب أحكام الشريعة.

المادة 22: أ- لكل إنسان الحق في التعبير بحرية عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية. ب- لكل إنسان الحق في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقاً لضوابط الشريعة الإسلامية. ج- الإعلام ضرورة حيوية للمجتمع، ويحرم استغلاله وسوء استعماله والتعرض للمقدسات وكرامة الأنبياء فيه، وممارسة كل ما من شأنه الإخلال بالقيم أو إصابة مجتمع بالتفكك أو الانحلال أو الضرر أو زعزعة الاعتقاد.

المادة 24:كل الحقوق والحريات المقررة في هذا الإعلان مقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية.

المادة 25: الشريعة الإسلامية هي المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح أي مادة من مواد هذه الوثيقة.

يمكن الإطلاع على تحليل عبد القادر أنيس للإشكالات المختلفة الكامنة في الإعلان على موقع الحوار المتمدن. لكن ننوه هنا إلى النقاط التالية:

1.               التناقض الجلي في تفضيل الإعلان لأمة بعينها على حساب كل الأمم الأخرى (الديباجة والمادة 10).
2.               المادة 16، ومن خلال تقييدها للإنتاج الأدبي والفني بأحكام الشريعة، تمثل رفضاً لمعظم ما أنتجه الأدباء والفنانون العرب والمسلمون عبر القرن الماضي وهي بالتالي تتنافى مع حرية التعبير.
3.               قبول المادة 19 بأحكام الشريعة فما يتعلق بالجريمة على الرغم من احتوائها على عقوبات قروسطية مثل قطع اليد والصلب والرجم.
4.               تقييد حرية الرأي والأمر المعروف والمنكر بمبادئ وأحكام الشريعة، علاوة على تحريم "زعزعة الاعتقاد" يتنافي بدوره مع حرية التعبير.
5.               تشكل المادتان 24 و25 من الإعلان إلغاءاً عملياً لكل ما سبقه من مواد، وتكريساً لدور الشريعة، كما هي، كالمرجع الأول والأخير للمجتمعات الإسلامية.

 من ناحية أخرى، يشكّل إيمان هؤلاء المعتدلين بأمور مثل الإعجاز العلمي في القرآن والطب النبوي، علاوة على مبالغتهم في كتبهم "التنويرية" و"الإصلاحية" لمساهمة الحضارة الإسلامية في النهضة العلمية الأوروبية، محاولة رخيصة للاستحواذ على منجزات الحضارة الغربية المعاصرة.

(3)

لكن المشكلة هنا لا تتوقف على الإسلاميين، فتصرفات معظم المفكرين العلمانيين، اليساريين خاصة (إذ مايزال دور الليبراليين، بأنواعهم، في تشكيل الوعي العربي والإسلامي المعاصر محدوداً لأسباب كثيرة)، لا تقل تناقضاً.

فاليسار استورد عقائده جاهزة من الغرب (الشيوعية والاشتراكية والفوضوية) دون أن يقوم منظروه بأية مراجعة جدية لها، وحوّل مواقفه المناهضة للإمبريالية إلى عداء صريح للحضارة الغربية ككل. كما يدل استمرار النزعات العشائرية و"المحافظة" للكثير من أتباع التيارات اليسارية على الصعيد الاجتماعي على فشلهم في تقبل السلوكيات الناجمة بشكل طبيعي عن مبدأ الحريات الفردية، خاصة فيما يتعلق بحرية المرأة. ومع ذلك، هناك ما يكفي من الاختلاف في الأنماط السلوكية الاجتماعية ما بين أعضاء التيارات الإسلامية واليسارية (والليبرالية) لخلق أزمة كبيرة بينهم فيما يتعلق بطبيعة الدولة والأنظمة الحاكمة فيها، في حين تسمح لهم مواقفهم المناهضة للإمبريالية والرأسمالية والغرب بإيجاد أرضية سياسية مشتركة. ولقد لعب هذا الأمر دوراً كبيراَ في تشكيل الوعي العربي والإسلامي المعاصر، وبالتالي في الأزمة الراهنة التي تمر بها غالبية الشعوب التي تحمل إحدى أو كلا هاتين الهويتين.
  
الميثاق العربي لحقوق الإنسان: اعتمد من قبل القمة العربية السادسة عشرة التي استضافتها تونس في  23 أيار، 2004.

الديباجة: انطلاقاً من إيمان الأمة العربية بكرامة الإنسان الذي اعزه الله منذ بدء الخليقة وبأن الوطن العربي مهد الديانات وموطن الحضارات ذات القيم الإنسانية السامية التي أكدت حقه في حياة كريمة على أسس من الحرية والعدل والمساواة.

المادة 3: 3- الرجل والمرأة متساويان في الكرامة الإنسانية والحقوق والواجبات في ظل التمييز الايجابي الذي أقرته الشريعة الإسلامية والشرائع السماوية الأخرى والتشريعات والمواثيق النافذة لصالح المرأة.

مادة 33: 1- الأسرة هي الوحدة الطبيعية والأساسية للمجتمع.

مادة 43: لا يجوز تفسير هذا الميثاق أو تأويله على نحو ينتقص من الحقوق والحريات التي تحميها القوانين الداخلية للدول الأطراف أو القوانين المنصوص عليها في المواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها أو أقرتها بما فيها حقوق المرأة والطفل والأشخاص المنتمين إلى الأقليات.

تم وضع هذا الميثاق من قبل القوى القومية العربية العلمانية التي تسيطر عليها التيارات اليسارية بشكل كبير، وإن كان للشخصيات الليبرالية مساهمتها فيه أيضاً.

ومن منطلق حقوقي بحت يبدو من الواضح أن الميثاق أفضل بمراحل من نظيره الإسلامي وأقرب في مواده من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي شكّل مرجعية أساسية له، إضافة إلى المواثيق الدولية الأخرى المتعلقة بحقوق  الإنسان (المادة 43).

لكن، بوسعنا أن نرى فيه إيضاً ذات الغطرسة والغرور الفئوي ("الوطن العربي مهد الديانات وموطن الحضارات ذات القيم الإنسانية السامية...")، وإشكالية واضحة فيما يتعلق بدور المرأة ("في ظل التمييز الايجابي الذي أقرته الشريعة الإسلامية..." المادة 3)، ونزعة عشائرية محافظة من خلال اعتبار الأسرة، وليس الفرد، بمثابة "الوحدة الطبيعية والأساسية للمجتمع" (المادة 33).

 ولا يمكن لهذا الوضع أن يتحسّن حتى يتصالح أتباع هذه التيارات مع ضرورة الانخراط النقدي بالحضارة الغربية العالمية المعاصرة، بما فيها من قيم، الأمر الذي يتطلب القيام بمراجعة شاملة ونقدية للتراث، بما فيه من قيم. وبالتدريج، ومن خلال المساهمة في تطوير حضارتنا المعاصرة هذه، خاصة في المجالات العلمية والفنية والأدبية والفلسفية والقانونية، سيجد أتباع هذه التيارات أنفسهم قادرين على الانتماء لهذه الحضارة، بل وعلى نسبها لأنفسهم أيضاً، بفضل إثرائهم لها بإنجازات حقيقية.

لا يكمن الحل إذاً في المقاومة، بل في الإنخراط، الإنخراط النقدي الواعي. فلا الغرب ولا القوى الإقليمية الناشئة حول العالم اليوم، سيفتحوا لنا أبواب الإنخراط على مصاريعها، لإن الانخراط يهدد نفوذهم أكثر من تلك المقاومة العدمية التي تبنيناها عبر العقود الماضية والتي جاءت بمثابة الطبق الذهبي الذي قدمنا عليه أنفسنا وثرواتنا طعمة وهدية للأخرين. فالإنخراط يعني زيادة حصصنا وقدراتنا التنافسية على الساحة السياسية والإقتصادية، وهذا الأمر لن يتحقق من دون معركة. لكنها ستكون معركة من نوع آخر: تنموية وسياسية بالدرجة الأولى، وإن شابها العنف في بعض مراحلها، فلن يكون عبثي الطابع، أو بالأحرى، لا ينبغي له أن يكون وإلا عدنا إلى المربع الأول. لكن هذا الأمر يتطلب نقاشاً آخر.