الاثنين، 22 يوليو 2013

الصراع في سوريا: نظرة على الموالاة وما وراء المواقف المعلنة


يتكلّم الكثير من الموالين لنظام الأسد منذ انطلاقة الثورة السورية عن مؤامرة "الفوضى الخلاقة" التي يرون أنها المحرّك الأساسي لظاهرة الربيع العربي، الظاهرة التي تهدف، في رأيهم، إلى فرض تقسيمات جديدة على المنطقة كما حدث جراء معاهدة "سايكس-بيكو" في القرن الماضي. لكن، وبعد سنتين من القمع الممنهج وما نجم عنه من قتل وتدمير للبنى التحتية في البلاد وتهجير للسكان وتغيير للطابع الديمغرافي لنواحي ومدن بأسرها، بات واضحاً أن الأسد ومواليه يخدمون قضية الفوضى الخلاقة أكثر من أية قوة أخرى على الأرض، بما في ذلك القاعدة نفسها. إذ تساهم طريقة نظام الأسد وحلفائه بالتعامل مع المؤامرة المتوهمة في مساعدتها على تحقيق أهدافها المزعومة، فأي فوضى أكثر من تلك التي أفرزها قمعهم؟ ففي حال سلّمنا بوجود المؤامرة، من الواضح أن مهندسيها كانوا يتوقّعون تماماً، بل يعوّلون، على طريقة الأسد في التعامل مع الثورة والثوار، وعلى حالة المترسة الطائفية والإثنية التي نراها في البلاد اليوم، خاصة في صفوف الموالاة. تماماً كما كانوا يعوّلون على ضعف وتخبّط المعارضة.

لكن الحديث عن مؤامرات هنا إنما يشير إلى استمرار حالة انعدام الرؤية الموجود على الساحة السياسية والفكرية للمعارضة السورية، لأن ما يجري في سوريا والمنطقة اليوم جاء في الحقيقة نتيجة عوامل موضوعية داخلية واضحة، منها الانفجار السكاني، اللاعدالة في توزيع الموارد على المناطق والفئات المختلفة، البطالة، ضعف التنمية، عدم أهلية المؤسّسات الحاكمة على التعامل مع هذه التحديات بسبب اعتمادها سياسة الولاءات لا الكفاءات في التعيين، استخدام الأنظمة الحاكمة لسياسات تفتيتية لتكريس سيطرتها على شعوبها، تزايد حدة الصراع الإقليمي بين الدول الفاعلة في المنطقة، خاصة السعودية وإيران، إلى آخره من عوامل. لم يكن من الصعب على مجموعة من المحلّلين الموضوعيين أن يخلصوا بناءاً على ذلك كله إلى أن عصر الثورات والفوضى في المنطقة قادم لا محالة، وليس من المستغرب في هذه الحال أن يقوم المحلّلون الغربيون منهم على وجه التحديد بطرح فكرة "الفوضى الخلاقة" كوسيلة للتعامل مع هذه الثورات ومع الأزمات الناجمة عنها لتحقيق مصالح دولهم المعتادة والمتعلّقة بتأمين منابع الطاقة ومكافحة الإرهاب. لكن الدلائل المتراكمة على الأرض اليوم تشير إلى أن طريقة الحكومات الغربية الحالية في التعامل مع التطورات لا تنسجم، على المدى المتوسط والطويل على الأقل، مع تحقيق هذه المصالح، خاصة فيما يتعلّق بمكافحة الإرهاب، فوضع السيناريوهات شيء وتنفيذها شي آخر تماماً، خاصة في ظل التغير المستمر للقيادات السياسية وللظروف الاجتماعية والاقتصادية في الدول الغربية.

القصة ليست قصة مؤامرات إذاً. ففي الواقع، يدرك الكثير من مثقفي الموالاة تماماً حماقة الإدعاءات المتعلّقة بالمؤامرة الكونية التي ما انفكّت وسائل إعلام  النظام تتحدّث عنها، ومع ذلك لن يتوقف هؤلاء المثقفين عن ترديدها الببغائي لأن المشكلة معهم تتلخّص في أن رؤيتهم الإيديولوجية للأمور، هذه الرؤية التي كانت لخلفياتهم الطائفية والمناطقية والعشائرية والاجتماعية دور كبير إن لم نقل الدور الأكبر في صياغتها، علاوة على مصالح بعضهم المادية، جعلتهم غير مستعدين على الإطلاق لقبول فكرة التغيير السياسي في البلاد، إن في هذه المرحلة أو في المستقبل المنظور، لذا نراهم وقد اختاروا أن يكونوا مشاركين طوعيين في الترويج للنظام وأكاذيبه.

فبالنسبة لهؤلاء المثقفين المسألة مسألة وجود أولاً، وما يزال هذا الوجود في رأيهم مرتبط ببقاء نظام الأسد كما هو. وإذا كان لابد من التغيير، فهم يرون أن التغيير الممكن الوحيد الذي بوسعه ضمان سلامتهم ومصالحهم لايمكن أن يأتي إلا من القمة، وهم من خلال دفاعهم عن النظام ربما يأملون في المساهمة في إدارة هذا التغيير في المستقبل. لكن، وفي هذه المرحلة بالذات، لايهمهم على الإطلاق حجم الجرائم التي يرتكبها الأسد وزلمه، ولا فرق عندهم إذا ما كانوا يتلاعبون بهم أم لا، ولم تعد السيادة الوطنية بالضرورة تعنيهم، لأن أزمة الثقة التي تفصلهم عن الشرائح الشعبية الأوسع، بما فيها ممثلي هذه الشرائح في المعارضة، هي الأزمة الحقيقية بالنسبة لهم وهي لبّ المشكلة، وهي مشكلة طائفية في الصميم بالنسبة لأغلبيتهم. إن التغيير الديمقراطي المنشود لابد وأن يؤدي بسبب الطبيعة الديمغرافية للبلد إلى سيطرة سنية قوية على الساحة السياسية والاقتصادية وبالتالي إلى تهميش بل اضطهاد الأقليات. والسنيّ، من المنظور الطائفي لهؤلاء المثقفين، وبصرف النظر عن معتقداته السياسية، إن كان علمانياً أو إسلامياً، سيبقى محكوماً بانتمائه الطائفي وبالآراء والمفاهيم السائدة في محيطه الاجتماعي فيما يتعلّق بالأقليات، وبتاريخ الصراع ما بين المكونات السورية على الأقل منذ مجيء نظام البعث والأسد، إن لم نقل منذ الاستقلال أو منذ عصر الفتنة الكبرى وولادة النزعات الطائفية والمذهبية في الإسلام، وبالتالي لن يكون بوسع النخب السياسية السنية التي ستفرزها العملية الانتخابية الديمقراطية في سوريا في حال سقط النظام أن تصون حقوق المكونات الأخرى في الدولة والمجتمع، على الأقل في منظور مثقفي الموالاة هؤلاء.  

ولايغير وجود شرائح واسعة من السنّة في صفوف الموالاة في هذا التحليل من شيء، لأن علاقة هذه الشرائح مع أبناء طائفتهم كانت دائماً إشكالية، وهو الأمر الذي دفعهم إلى صفوف الموالاة أساساً، فهم إما من التجار الذين باتت تربطهم مع النظام مصالح اقتصادية قوية، وبالتالي لا مصلحة لهم في التغيير، أو من عشائر كانت مغمورة قبل مجيء نظام الأسد وما سطع نجمها إلا من خلال بيع ولائها له مقابل مكاسب مختلفة، أو من الطبقات الفقيرة التي ارتبطت مصالحها الحياتية بالعمل مع المؤسسات الأمنية أو العسكرية، أو من النخب الفكرية والتكنوقراطية التي تقف مع النظام مدفوعة بعقائدها الإيديولوجية الخاصة علاوة على مصالحها الشخصية.

وفي الحقيقة، يمثل بقاء النظام بأجهزته الأمنية وتغلغلها في مفاصل الدولة ومؤسّساتها المختلفة الضامن الحقيقي بالنسبة للموالاة بكل شرائحها. في حين يمثل فكّ ارتباط وتغلغل الأجهزة الأمنية والعسكرية في بنية الدولة مطلباً أساسياً للثوار. والمشكلة هنا أنه لا الثوار أو المعارضة بوسعهم تقديم أية ضمانات مقنعة للموالاة بأن عملية إسقاط النظام وفكّ إرتباط الأجهزة الأمنية بمؤسسات الدولة الأخرى لن تؤدي إلى تهميش واضطهاد الفئات الموالية، في وقت تنتشر فيه التيارات المتشددة في صفوفهم، ولا الموالاة بوسعها تقديم أية ضمانات بأن عملية الدمقرطة من القمة ممكنة وبأنهم على استعداد للتقيّد بها، في وقت نرى فيه أن صانعي القرار في النظام وجميع القوى المساندة لهم في الداخل والخارج ترفض التغيير أساساً.

ولا توجد في الواقع أرضية مشتركة لتحقيق ما يريده الطرفان، لذا، بات تفكيك وتقسيم الدولة هو الحل المنطقي الوحيد، وهذا بالفعل ما يحدث اليوم، في ظل تدخل لقوى إقليمية ودولية مختلفة باتت ترى احتمالات أكثر إيجابية في هذا السيناريو بالمقارنة مع السيناريوهات الأخرى التي يمكن أن تحرمها من الاحتفاظ بموطئ قدم هام لها في المنطقة من خلال سيطرة عناصر متطرّفة على الدولة أو انهيارها بشكل كارثي قد لاتتعافي بعده لعقود. إن بقاء مناطق في سوريا تحت سيطرة فئات مختلفة واضحة الولاءات وقادرة على تحقيق حد أدنى من الاستقرار والأمان ضمن حدودها يبقى أفضل في حسابات البعض من التغيير الشامل للنظام ومن انهيار الدولة.


كان يمكن من الناحية النظرية لطرح مبكر لفكرة الفدرالية من بين أفكار أخرى متعلّقة بحقوق الأقليات والمناطق، وإن كطرح انتقالي يسمح بإدارة حوار شعبي حول شكل الدولة ريثما يتم التوافق على صيغة مناسبة، كان يمكن لطرح مبكر من هذا النوع أن ينجح في منع حدوث حمام الدماء الذي نراه اليوم ووقوع كل هذا الدمار، لكن احتمالات نجاح هذا الطرح من الناحية العملية كانت دائماً ضئيلة، فعلاوة على أن المعارضة كانت أهزل وأقل وعياً من تبنّيه أساساً، كانت مخاوف الموالاة تجاه مسألة التغيير أعمق وأكبر من أن تسمح بأية محاكمة عقلية للأمور.

لقد أصبح واقع التقسيم وعقليته قائمين اليوم والحدود باتت ترسم بالدم وهذا لا يبشّر بالخير فيما يتعلّق بقدرة الكانتونات المختلفة على التعايش مع بعضها بسلام لفترة طويلة. لكن المشكلة الأكبر هنا والتي يبدو أن الكثير من المراقبين لعملية التقسيم والمشاركين بها لا يدركونها تماماً، هو أن عملية تفكيك الدولة قد لا تتوقف عند الحدود التي تريدها الموالاة، بل قد تطال دويلتهم المنشودة أيضاً، والتي ستكون مؤلّفة من ذات الخليط غير المتجانس إياه: سنة وشيعة وعلويين ومسيحيين وعرب وأكراد وتركمان وأرمن، أضف إليهم خليط جديد مؤلّف من اللبنانيين والعراقييين والإيرانيين، فئات لا يجمعها اليوم إلا عدائها للثورة والثوار، ومجموعة من المصالح الاقتصادية ستشهد تغييراً جذرياً في السنين القادمة. ماذا سيجمعهم غداً إذاً؟ هل سيقدر الأسد والقوى الداعمة له في الداخل والخارج على إفراز رؤية جامعة تضمن حقوق ومصالح الجميع وسلامتهم وتكفل عدم تسلّط فئة على أخرى، مع ظل انتعاش عقلية التشبيح والفساد إياها؟

في الواقع، وفي مرحلة ما، قد تسبق مرحلة التسوية السياسية مع المعارضة، سيطال الدمار دويلة الموالاة أيضاً، سواء نتيجة اقتتال مع "فلول" الثوار بأطيافهم المختلفة، أو ما بين الميليشيات الموالية المختلفة.

في هذه الأثناء، تبقى إدارة المناطق المحرّرة واستقرارها التحدي الحقيقي الذي يواجه الثوار ومؤيديهم. ويبقى من الأفضل إبقاء مساحة المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام في حدودها الدنيا، وذلك منعاً للمزيد من التهجير والعنف. إن مساعي الأسد ومؤيديه في الداخل والخارج الهادفة إلى توسيع رقعة الأراضي الواقعة تحت سيطرتهم ستنعكس سلباً مع الوقت على مخطّطاتهم التقسيمية ذاتها وعلى إمكانية إعادة الاستقرار إلى المنطقة، وستزيد في أمد الصراع وستسمح بانتشاره خارج بقعة الأراضي السورية. لكن توسّع رقعة الصراع واستمراريته ليس في مصلحة الموالاة، كما يخال لبعضهم، فهناك وقائع ديمغرافية في المنطقة لن يتمكّنوا من تغييرها مهما فعلوا، وكلّما توسّعت رقعة الصراع كلّما أصبحت الكلمة الفصل لهذه الوقائع.