الخميس، 9 يناير 2014

عن الفوضى الخلّاقة والحِراك الشعبي في منطقة الشرق الأوسط الكبير



قامت مجموعة كبيرة من الباحثين الغربيين في العقد الأخير من القرن الماضي بطرح نظرية الفوضى الخلّاقة كوسيلة للدول الغربية للتعامل مع مجموعة من الصيرورات الموضوعية التي دلّت دراساتهم المختلفة أنها ستطرأ خاصة فيما يعرف عندهم باسم منطقة الشرق الأوسط الكبير. ولم يدعوا الباحثون إلى تفعيل هذه الفوضى بالضرورة، كما يزعم البعض، لكنهم وضعوا مجموعة من التصوّرات والسيناريوهات المختلفة بهدف مساعدة حكوماتهم على التعامل معها بطريقة تسمح لهم بتحقيق مصالح شعوبهم. الموضوع إذاً موضوع تخطيط وليس تآمر، وشتّان ما بين المفهومين.

جاءت نبوءات أصحاب نظرية الفوضى الخلّاقة بناءاً على استقرائهم للظروف الموضوعية السائدة في المنطقة ولاستخدامهم لمقاربات مقارنة سمحت لهم بالتنبؤ وبدقة عالية بالمجريات المحتملة للأحداث بناءاً على تطورات مماثلة حدثت في مناطق أخرى من العالم في فترات سابقة. كما أنهم لجؤوا إلى استخدام نظريات رياضية مثل "نظرية اللعب"Game Theory والتي وجد لها علماء الاجتماع تطبيقات عملية هامة فيما يتعلّق باستقراء التطورات السياسية والمجتمعية في مختلف أنحاء العالم.

لكن هذه المقاربة العلمية للأمور لا تعني أن الخطط التي وضعت لا تعكس في بعض الأحيان تصورات ومفاهيم ثقافية خاطئة عن شعوب المنطقة موجودة في أذهان الخبراء والباحثين الذين شاركوا في وضعها، وأن العنصرية المتضمنة في نظرتهم ورغباتهم الشخصية المرتبطة بها لم تؤثّر على استنتاجاتهم. إن المقاربة العلمية شيء وصوابية القرارات والخطط المتخذة من منطلق علمي وأخلاقي وقانوني شيء آخر.

ومن الظروف الموضوعية العضوية التي بنى عليها أصحاب الفوضى الخلّاقة نظرياتهم ونبوءاتهم:  

  
* تكلّس النخب السياسية الحاكمة في المنطقة وعدم قدرتها على تطوير مجتمعاتها أو توفير قيادة فعّالة للتعامل مع التحديات التنموية التي تواجهها.

*الانفجار السكاني الهائل الذي شهدته وتشهده المنطقة والذي أنتج شريحة واسعة من الشباب لها تطلّعات واحتياجات معينة لا يمكن لأي من دول المنطقة أن تلبّيها دون القيام بعمليات إصلاحية شاملة للأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية السائدة، وهو الأمر الذي يتطلّب وجود قيادات سياسية مرنة في سدة الحكم، ممّا يعيدنا إلى النقطة السابقة.

* لجوء الأنظمة الحاكمة المستمر إلى منهجية فرّق تسد في الحكم ممّا كرّس الانتماءات الفئوية في المنطقة على حساب تنمية انتماء وطني جامع في معظم دولها.

* انهيار مؤسّسات المجتمع المدني تحت وطأة الاضطهاد السياسي من جهة والضغوط الاجتماعية المتزايدة من قبل التيارات الدينية المتشدّدة من جهة أخرى، وهي تيارات غالباً ما اختارت الأنظمة الحاكمة مهادنتها مجتمعياً مقابل تحييدها سياسياً.

* عدم قدرة الأنظمة الاقتصادية السائدة على التأقلم مع متطلّبات التنمية والتحديث وانعدام الرؤى الإصلاحية المناسبة عند الفئات الحاكمة.

* زيادة وعي الناس بالغبن الذي يعانون منهم في ظل الأنظمة الحاكمة وذلك نتيجة انتشار الفضائيات ودخول الإنترنيت إلى المجتمعات المحلية.

* انتشار التيارات المتطرّفة نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة.

* اشتداد حدّة التنافس الإقليمي ما بين مجموعة من دول المنطقة منها السعودية وإيران وتركيا ومصر في ظلّ غياب آليات ومؤسّسات إقليمية فاعلة للوساطة وفضّ النزاعات.

* تشير السوابق التاريخية في المنطقة، خاصّة في لبنان والسودان والصومال وسوريا في العقود الثلاث الأخيرة من القرن العشرين، أن قابلية الارتكاس إلى الانتماءات الطائفية والفئوية عند شعوب المنطقة، بما فيها نخبها الفكرية والسياسية، ما تزال كبيرة مما يدلّ على أنها ستلعب دوراً هاماً في تحديد طبيعة ومسارات العملية الانتقالية القادمة.


لم يكن من الصعب بالنظر إلى هذه الظروف التنبّؤ بأن المنطقة ستشهد مرحلة من الفوضى العارمة قد تستمر عقوداً من الزمن، وليس من المستغرب في هذه الحال أن تقوم دول الغرب بوضع مجموعة من السيناريوهات للتعامل مع هذه المرحلة. طبعاً، كانت خيارات الدول الغربية فيما يتعلّق بهذه السيناريوهات دائماً مرهونة بالظروف السياسية الاقتصادية التي ستكون سائدة عندما انطلاق شرارة التغيير في المنطقة، وهو الأمر الذي ما كان بوسع أحد التنبّؤ به بدقة.


المشكلة إذاً لا تكمن في تآمر الدول الغربية علينا، بل في إخفاقنا المستمر كشعوب ودول في مواجهة التحدّيات التنموية في مجتمعاتنا، وفي إخفاق نخبنا الفكرية والسياسية على إدارة عملية التحديث والعصرنة بشكل فعّال وناجع يسمح لشعوبنا أن تحقّق مصالحها وأن تتجاوب بشكل فعّال وخلاّق مع مصالح القوى الفاعلة على الساحة السياسية والاقتصادية العالمية. وفي الحقيقة من الصعب على نخب ماتزال غير قادرة على التمييز ما بين التخطيط والتآمر وما بين المصالح والإيديولوجيا أن تكون مهيّئة للضلوع بأيّ دور قيادي إيجابي في عملية التغيير الحاصلة، وستبقى سلوكياتها خاضعة لنبوءات أصحاب نظرية الفوضى الخلّاقة، أي أنها ستبقى، على المدى المنظور على الأقل، عاملاً مكرّساً للصراع بما فيه من تفتيت وعنف وضياع وفوضى ولن تكون جزءاً من الحلّ. وهذه مشكلة لا علاج لها إلّا السعي لتنشئة جيل جديد من المثقّفين الشباب من مختلف الأطياف قادرين على التفكير بحرية وخارج الأطر والأنماط التقليدية المتعارف عليها في مجتمعاتنا.

قصتنا طويلة إذاً ومعقّدة، ولا يشكّل الالتفاف وراء النخب والقيادات السياسية الموجودة حالياً، والتي مهّدت الطريق بجشعها وتعصّباتها وسوء إدارتها للكوارث والأزمات التي تشهدها منطقتنا اليوم، إلّا دلالة جديدة على قلّة الوعي والحيلة عند شعوبنا في هذه المرحلة. ومع ذلك، مع كل ذلك، يبقى الحِراك الشعبي الذي تشهده المنطقة حالياً، حتى في تجلّياته الأكثر المأساوية، وبكل ما فيه من أخطاء وآلام، وكلّ ما جرّه على الناس من ويلات، يبقى خطوة ضرورية على الطريق نحو بناء أطر سياسية واجتماعية واقتصادية أفضل لتمثيل شعوب المنطقة بآمالهم وتطلّعاتهم وطموحاتهم، هذا فيما لو تمّ التعامل معه بشكل إيجابي من قبل بعض الشرائح على الأقل. فلقد كسر هذا الحِراك أخيراً حالة الجمود المجتمعي التي سادت لعقود طويلة وكشف بذلك المستور فيها بحيث لم يعد بوسعنا إنكار أزمة الهوية التي نعاني منها اليوم. فنحن شعوب ما زالت تبحث عن هويتها الحضارية، شعوب ما زالت بحاجة لأن تتصالح في مرحلة ما مع فكرة كون البحث ذاته مصدراً مناسباً وكافٍ للهوية، وأن تعدّد الهويات الفردية والمجتمعية يمكنه، من خلال تبنّي هياكل سياسية مناسبة، أن يكون مصدر قوة وثروة، لا مصدر ضعف وشقاء كما هو اليوم.

لا يواسي هذا الكلام أحداً ولا يعزّيه في مصابه، لكنه يأتي بمثابة محاولة موضوعية لاستقراء الأحداث والصيرورات الحالية، وربّما كان يستحق أن نوليه قدراً من الاهتمام.