الأحد، 12 أبريل 2015

التباهي جهلاً


يتباهى معظم علماء المسلمين وزعماء الحركات الإسلامية على اختلاف مشاربها بواقع كون الإسلام الدين الأسرع انتشاراً في العالم في هذه المرحلة، وهو الأمر الذي سيجعل الإسلام، وفق أحدث الدراسات، مساوياً للمسيحية من حيث عدد معتنقيه وذلك في عام 2050.

لكن القراءة المتأنية لواقع الأمور تدل على غياب ما يدعو إلى التباهي والفخر والفرح في هذا الصدد، لأن انتشار الإسلام هنا لا يعتمد على الاعتناق، أي على الاختيار الطوعي له من قبل شرائح جديدة من الناس، مما قد يستخدم للتدليل على جودته أو تفوقه على غيره من الأديان. بل تعتمد ظاهرة انتشار الإسلام أساساً على معدل الإنجاب في الدول والمجتمعات المسلمة، وهي الأعلى في العالم، ولا فخر. إذ تعاني معظم هذه الدول والمجتمعات اليوم، كما هو معروف، من التخلف والجهل وقلة التنمية والاستبداد والفساد، بل وفي الكثير من الأحيان أيضاً من شحة بعض الموارد الطبيعية الأساسية كالماء، علاوة على مشاكل بيئية أخرى. لذا، من غير المنطقي أن يتم التعامل مع ظاهرة انتشار الإسلام عن طريق التزايد العددي على أنها مؤشر إيجابي بأي شكل، بل هي في الواقع معضلة إضافية لاشك أنها ستساهم مع الوقت في تفجير الأوضاع في الكثير من الدول.

ولعل تباهي المثقفين الإسلاميين بهذه الظاهرة عوضاً عن تخوفهم منها يأتي كمؤشر إضافي على كونهم جزء من المشاكل المتكاثرة التي تواجه مجتمعاتهم، وعلى عجزهم المستمر عن لعب دور إيجابي في قيادتها وتطويرها، إلا فيما ندر.

ولايختلف الإسلاميون في تفكيرهم وأساليبهم في الواقع عن الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي يسعون لاحتلال مواقعها من حيث استغلالهم لمشاعر وجهل الجماهير ومحاولتهم للاحتفاء بانجازات وهمية أو كاذبة لتبرير نهجهم. وكمثال على ذلك، فلنلحظ أن الموت ما جاء في سوريا إلا على أيد من تكلم باسم الله وباسم الأسد، أما من تكلم باسم الوطن والحرية والكرامة، فهمّش، أو قتل، أو سجن، أو شرد.

أما فيما يتعلق بظاهرة الانتشار عن طريق الاعتناق، فلقد أدى واقع كون المسؤولين عنها غالباً مموَّلين من قبل جهات خليجية أو إيرانية إلى زيادة نسبة التطرف في صفوف المعتنقين الجدد، فهي أكبر بعدة أضعاف عن تلك المعهودة في المجتمعات المسلمة. لكن، تتطلب هذه الظاهرة المزيد من الدراسة والتحليل بغية فهم أسبابها وتبعاتها المحتملة.

وفيما يتعلق بموضوع الاعتناق أيضاً، تدل الإحصاءات أن المسيحية هي أكثر استقطاباً من الإسلام (بل من جميع الأديان الأخرى) للمعتنقين، لكنها أيضاً تخسر عدداً أكبر من الأتباع لصالح الديانات الأخرى بما فيها خانة اللامتدينين، في حين يخسر الإسلام عدداً أقل مما يكسب. ويعود السبب في ذلك بلا شك إلى النشاطات التبشيرية المنهجية للكنائس المتنوعة. أي أن المسيحية تكسب في الشرق الجنوب بعضاً مما تخسره في الغرب والشمال.

لكن التبعات السلبية لهذه الظاهرة لا تقل سوءاً عن تلك المرتبطة بانتشار الإسلام، إنجاباً واعتناقاً، وذلك بسبب انتشار هذه الظاهرة بدورها في المجتمعات الأكثر فقراً وتخلفاً في إفريقيا وآسيا وأمريكا الوسطى والجنوبية، ولكون أكثر الجهات التبشيرية نشاطاً في هذا المجال تبدو مدفوعة برؤى ماضوية محافظة ومتطرفة. وعلى الرغم من الوجود الملحوظ والمؤثر لمؤسسات مسيحية إنسانية الطابع تسعى إلى تخفيف معاناة الناس أكثر من رغبتها في تغيير معتقداتهم الدينية، أدت ظاهرة التبشير المسيحي بشكل عام وعبر مئة عام الماضية إلى انتشار العقائد الأكثر رجعية ومحافظة والتي باتت تواجه بالمزيد من الرفض في المجتمعات المتحضرة. كما خلقت ظاهرة التبشير مشاكل جمة في المجتمعات النامية وأنشأت انقسامات واستقطابات جديدة ستبقى مسؤولة عن توليد الصراعات لعقود قادمة.

ويبدو واضحاً أن أن عمليات التحديث والمراجعة الفكرية العميقة التي تقوم بها بعض الشخصيات التنويرية المسيحية مثل البابا فرانسسيس ستواجه الكثير من العوائق جراء ازدياد أعداد المسيحيين في الدول النامية والتي تتميز رؤاهم، كما نوهنا، برفض شديد للكثير من الأفكار والقيم المعاصرة، خاصة تلك المتعلقة بحقوق المرأة والعلاقة مع أتباع الديانات الأخرى.

وهكذا، ونظراً لما سبق، يبدو أن القرن الحادي والعشرين سيشهد هو أيضاً الكثير من الأحداث والتطورات المؤسفة الناجمة بشكل أو آخر عن العقائد والرؤى الرجعية المبنية على أساس الانتمائين الدينيين الأكثر انتشاراً في العالم.

لكن، وفي وقت يشهد فيه الجانب المسيحي حراكاً نشيطاً وعلى مستويات مختلفة للتعامل مع هذا الأمر وتبعاته، ماتزال عمليات التنوير والتطوير في المجتمعات الإسلامية في طورها الجنيني، وقد لا تتمكن هذه العمليات من مأسسة نفسها والبدء بالتأثير على الصيرورات المختلفة قبل النصف الأخير من القرن الجاري. وفي هذه الأثناء ستشهد العقود القادمة ظهور الكثير من الحركات والتيارات الرجعية بل والغرائبية الطابع، لا تشكل القاعدة وداعش وبوكو حرام وغيرها إلا تجليات أولية لها.